عربي
Wednesday 26th of January 2022
900
0
نفر 0

اعجاز القرآن

 اعجاز القرآن

 

هل مضى زمن المعاجز؟ ألن نشاهد وقوعها مجدداً؟ و بما أن معاجز الأنبياء السلف ترتبط بزمان و مكان معيّن، هل علينا الاستفادة من الوثائق التاريخية للإيمان بنبوتهم؟

للرد على هذه الأسئلة يجب التوجه للكتاب السماوي لدين الإسلام. القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي يؤكد بصراحة تامة بأنه معجزة أبدية لكل الناس في كل زمان ٍ ومكان ٍ و لكافة القوميات.

 

القرآن و ادعاء الإعجاز

 

كما نعلم أن المعجزة هي أمر خارق للعادة و لايستطيع أي فرد أن يأتي بشيءٍ من مثله. ان من يدّعي النبوة يأتي بمعجزة فوق قدرة أي بشر، وهذه المعجزة تكون سبباً لارتباطه بقدرة خارقة فوق قدرات البشر و هي قدرة خالق هذا العالم. و في واقع الأمر أراد الله أن ينعم هذه القدرة على نبيّه لتأييد الرابطة بينه و بين رسوله.

 و لكي يثبت القرآن الكريم مدّعاه في اعجازه ، يقول بأن من يشك في نزول القرآن من عند الله و بأنه من صنع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أنه كتابٌ غير سماوي، إذاً فليأتي بمثله، و من ثم يقول لو اجتمع كافة الناس و توحدوا ليأتوا بمثل القرآن فلن يقدروا. و في المرحلة التالية  ولإثبات عجز البشر في إيتاء بمثل القرآن، يفسح المجال للمخالفين و المعارضين و يقول إن لم تقدروا فأتوا بعشر سورٍ من مثله، و إن لم تقدروا فاعلموا بأن هذا الكتاب من عند الله. و في المرحلة الأخيرة، لكي يأكد غایة عجز البشر أمامه يقول فأتوا بسورة واحدة وقد تكون هذه السورة سطراً واحداً فقط ، ومع ذلك يدّعي بأنه لن تقدروا بإتیان حتى بسورةٍ واحدة من القرآن الكريم.

 

والآن يجب أن نعلم أن القرآن في أي أمرٍ من الأمور يتحدى البشر. و يعتقد المفكرون الإسلاميون بأن کل القرآن يحمل في المجموع وجوه مختلفة من المعاجز، و أما تحدي القرآن في إثبات إعجازه يأتي في جهة الفصاحة و البلاغة في سوره.

 

إعجاز القرآن من جهة الفصاحة و البلاغة

 

الفصاحة و البلاغة هي تبيين المقصود بألفاظٍ بليغة و جميلة و تركيب مدروس و بلحن ٍ جميل. ويعتقد مفكرو الأدب العربي أن هذا الوجه من الفصاحة والبلاغة مشهود في کل سورة من سور القرآن.

 

في بداية الأمر يجب علينا أن نرى في الألف والأربعمائة سنة الذي قد مضى من نزول القرآن، في الحقيقة لم يستطع أي فرد بالإتيان ولو بسورة واحدة في سطرٍ واحد مثل القرآن، وأيضاً في عصرنا الحاضر، هل يستطيع أي أحد  أن يرد على هذا التحدي الصريح؟ للرد على هذا الأمر يجب الرجوع الى التاريخ، و بما ان التاريخ سجّل كل الجزئيات لأعمال معارضي نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) و ملّته ، فإنه لا يوجد من بين المورخين الإسلاميين وغير الإسلاميين والمستشرقين ومؤرخي الأديان الأخرى أي نموذج يُذكر في رد المنكرين والمخالفين لدين الإسلام على هذا التحدي، وبذلك نستيقن أنه لا يوجد أي رد يُذكر في التاريخ ولا أيضاً في زماننا على هذا التحدي الصريح للقرآن.

 

لماذا سكت المعارضون أمام تحدي القرآن؟

والآن سنطرح هذا السؤال وهو لماذا سكت المعارضون أمام تحدي القرآن في مر التاريخ و في زماننا الحاضر؟ أهو بسبب عجزهم في إيتاء بمثل القرآن؟ أو يوجد هناك أدلة أخرى؟ للرد على هذا السؤال يُفرض ثلاث حالات لسكوت هؤلاء المعارضين:

 

1-     يمكن أنه لايوجد أي حافز للرد على تحدي القرآن في الماضي و العصر الحاضر.

2-     كان يوجد هناك حافز للرد على تحدي القرآن ولكنه قد ضَعُف فن الأدب العربي بعد عصر نزول القرآن شيئا فشيئا، ولايوجد في عصرنا الحاضر أديب عربي عند غير المسلمين لكي يرد على تحدي القرآن.

3-     لم تقع اي حالة من الحالتين المذكورتين، بل أن في الواقع عجزوا عن الايتاء بمثل القرآن و انصرفوا.

 

 

في دراسة الحالة الأولى یتّضح أنه في زمن ظهور نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت هناك أمم مختلفة بعقائد شتى منها الماديين المنكرين لوجود أي اله و عباد الأصنام و المجوس و النصارى و اليهود، إضافة الیهم سلاطين الفرس و الروم الذين كان لهم يد التسلّط في استعباد الأمم الضعيفة و استثمارهم. في مثل هذه الظروف بُعث نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) مدّعياً بحمل رسالات الله و هو رافعاً راية التوحيد ليُدعي العالم لاعتناق الإسلام و التسليم لله الواحد. هذه الدعوة الى التوحيد نفت بصورة كاملة و بكل جد ثنوية المجوس و تثليث النصاری  و الأباطیل الذی کان الیهود ینسبونها الی الله و الأنبیاء، و العادات الجاهلية و العقائد الباطلة الأخری لذلك الزمان. كما إن دعوته للطاعة الکاملة لله تعالی و التسلیم إلیه كانت تعارض الطريقة المتفرعنه و جبروت سلاطين ذاك الزمان قولا ً و فعلاَ ً. فإذاً، واجه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تلك الأمم بمفرده رافعاً القرآن برهاناً لنبوته ، و باستخدام سلاح العقل و الثقافة مستنداً بكتابٍ واحدٍ بارز قدرات الملوك والسلاطين وعلماء اليهود والنصارى والزردشتية والصابئين وتمام عبدة الأوثان .

و طبعاً واصل الإسلام هذا الحرب الفكري و العقائدي الى يومنا هذا، واليوم يوجد هناك أعداء يخططون لمحو الإسلام أكثر من أي وقتٍ سابق. وهو أمرٌ واضح انهم مع تلك الشرائط يسعون لاستخدام كل قواهم ليقابلوا هذا الدين الذي يهدد مطامعهم الدنيوية و المذهبية. ان هؤلاء لا يستحون و لم یستحوا و لا يترددون و لم  یترددوا  في استفادة أية وسيلة ممكنة ليصلوا الى مآربهم و مطامعهم في محو الإسلام. فقد حاصروا النبي ثلاث سنوات في شُعبة أبي طالب في أصعب الظروف حصراً اقتصادیاً و كانوا يمنعونه و أصحابه من أقل ضروريات الحياة، وقد خططوا حروباً کبیراً کالبدر و الأُحد ليمحو الإسلام، ولكن بائت خِططِهم بالفشل و لذلک بدؤوا يتوحدون مع بقية أعداء الإسلام من المشركين و اليهود وغيرهم لكي يقطعوا شجرة الإسلام من جذورها في غزوة الأحزاب وغيرها من الغزوات والمعارك، و آخر أعمالهم التبليغي ضد الاسلام ما يزال يدوم الى يومنا هذا و لم یفرّطوا من أي عمل لمحو الإسلام .  أما كان من الأفضل أن يأتوا بسورةٍ واحدة في سطرٍ واحد مشابهة لآيات القرآن ليعرضوها على العالم بدلاً من صرف كل هذه البذل لإثبات بطلان الإسلام؟ بلاشك ان أسهل طريقة لإبطال دين رسول الإسلام كان بابطال معجزته و الإجابة على تحديه الذي عرضه منذ فجر الإسلام. و بناءاً علی هذا ، فيقيناً لابد أنه كانت هناك رغبة عظيمة للإجابة على هذا التحدي لدى الأحزاب العظيمة من مخالفي الإسلام الذین بذلوا جهودهم الجبارة في تحضير عدّتهم واستمرارهم في التبليغ ضد الإسلام وإثارة شائعات شتّی أمام دعوة الإسلام و النبی الأکرم و المسلمین.

في تحقق الحالة الثانية يجب التوجه الى طريق تكامل علم الأدب العربي. مع ان الفصاحة و البلاغة كانتا العلمین المرسومتین بين الأعراب في ذلك الزمان، و لکنهما قد استمرا أيضاً بعد ذلك و استکملتا يوماً بعد يوم و وسعت وتقدّمت ، و أیضا فی یومنا الحاضر فإن اللغة العربية أصبحت أثمن من قبل وقد توسعت في آفاقٍ جدیدة و كثر أدباء العرب من غير المسلمين في العالم. فلذا، من فجر الإسلام الى يومنا هذا، کان من بین غیر المسلمین آحاد کثیرة من أصحاب الفصاحة و البلاغة و أیضا نشهدهم فی یومنا هذا ، وإن تسلط هؤلاء في اللغة العربية كان الى حدِ ان کثیر من أصحاب كتب اللغة والتاريخ وحتى الصرف والنحو العربي كانوا من بين هؤلاء الأشخاص. و إن نفرض ان هؤلاء الأدباء لم يكونوا راغبين في الإجابة على تحدي القرآن، ولكن هل إن أعداء الاسلام لم يستطیعوا أن یستفیدوا من هؤلاء الأدباء لكي يصلوا الى مقاصدهم ومآربهم؟ فإذاً، بعد أن يتضح لنا انه لا يمكن قبول الحالة الأولى أو الثانية، فلا بد لنا ان نقبل الحالة الثالثة بأنه اذا لم يتمكّنوا الجواب على تحدي القرآن الكريم الى يومنا هذا، فإن الدليل الوحيد هو بسبب عجز المخالفين فقط. وبذلك يُثبت صحة ادعاء القرآن على الجميع.

 

كيفية فهم اعجاز القرآن الكريم من وجهة الفصاحة و البلاغة :

 

هناك نقطة مهمة ألا وهي أن فهم هذا النوع من اعجاز القرآن من وجهة الفصاحة و البلاغة يكون بواسطة المتخصصين  في هذا الفن. ويجب التوجه الى المتخصصين في كل الفنون لمقايسة المراتب المختلفة في ذلك الفن الخاص. لتوضيح ٍ أدق سنستفيد من المثال الآتي:

 

نفرض بأن طبيب "ألف" يدّعي اليوم للعالم بأنه لا يوجد هناك طبيب في العالم من ناحية المهارة في فن الطب ليساوي معه.

 

وكذلك نفرض أن ادعاء هذا الطبيب قد انتهى بثمن ٍ غال على الآخرين  و ينوون إبطال إدعائه بکل جديّة:

 

1)     إذا لم يوجد أي طبيب آخر يدّعي بتفوّق نظريته على نظرية طبيب "ألف" ، فيُثبت للآخرين بأن ادعاء طبيب "ألف" صحيح و ثابت.

2)     اذا جاء طبيب "ب" و ادّعى بتفوقه في مجال الطب من الطبيب "ألف"، فإن الناس الذين ليست الطبابة من تخصصهم لن يستطيعوا تشخيص كِلا النظريتين عن أفضلیتهما ، فلذا يجب على طبيب "ب" أن يستعين بتأيید عدد من المتخصصين في فن الطبابة ، إضافة الى مدّعاه لإثباته .

 

فإذاً في مفهوم إعجاز القرآن من وجهة الفصاحة و البلاغة ، بما أنه لم یوجد أحد لیأتي ولو بنظریة واحدة مع تأيید عددٍ من أدباء العرب ، فیُثبت للناس الذین لیست لهم التخصص فی اللغة العربیة أن القرآن الکریم هو المعجزة الخالدة من قِبَل الله تعالی . و کذلك اذا ادّعی أحد باستطاعته الرد علی هذا التحدي لإثبات هذا المدّعى فیجب علیه أن یؤتي بمدّعاه بتأيید عدد من أدباء العرب. 

900
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

شر الجبابرة والطغاة
الدعاء للفالج و الخدر
التباكي على سيِّد الشهداء (عليه السلام)
الأسس النظرية للتعليم والتربية في الاسلام
مجلس خبراء القيادة: الامام الخميني (رض) رفع لواء ...
الروح و العلم
أعمال ليلة القدر
الخصوصية الصوفية للنظرية المهدوية
مظاهر من شخصيّة الإمام الرضا (علیه السلام)
معرفة الله تعالى أساس إنساني

 
user comment