عربي
Thursday 2nd of July 2020
  757
  0
  0

الشيعة وإحياؤهم ليوم عاشوراء

لو آمن الناس بقول قائل : ( إنَّ الحَقَّ للقُوَّةِ ) ، لكان عليهم أن يرموا بكل كتاب مقدس ، وبكل تشريع ودستور في عرض البحر ، حيث لا عدل ، ولا فضيلة ، ولا إيمان إلا بالمادة ، والنتيجة الحتمية لهذا المنطق إن الإنسانية والجماد في الميزان سَيَّان . ولو كان الحق للقوة ما كان لشهداء الفضيلة ذكر ، ولا لأبطال التحرير فضل ، وكان السفاكون الهادمون في كل عصر ومصر كـ ( يزيد ) هم الكون بكامله ، إن يوم عاشوراء هو أحد الشواهد الصادقة على أن من تسلح بالمادة وحدها فهو أعزل . وليس يوم عاشوراء احتجاجاً على يزيد وج
الشيعة وإحياؤهم ليوم عاشوراء

لو آمن الناس بقول قائل : ( إنَّ الحَقَّ للقُوَّةِ ) ، لكان عليهم أن يرموا بكل كتاب مقدس ، وبكل تشريع ودستور في عرض البحر ، حيث لا عدل ، ولا فضيلة ، ولا إيمان إلا بالمادة ، والنتيجة الحتمية لهذا المنطق إن الإنسانية والجماد في الميزان سَيَّان .

ولو كان الحق للقوة ما كان لشهداء الفضيلة ذكر ، ولا لأبطال التحرير فضل ، وكان السفاكون الهادمون في كل عصر ومصر كـ ( يزيد ) هم الكون بكامله ، إن يوم عاشوراء هو أحد الشواهد الصادقة على أن من تسلح بالمادة وحدها فهو أعزل .

وليس يوم عاشوراء احتجاجاً على يزيد وجيش يزيد فحسب ، وإنما هو دليل قاطع على أن كُلَّ من يقف أمام الغاصب الطاغي ساجد الرِّكَاب ، مُنحَنِي الرأس ، مُعفَّر الجَبين ، يمد إليه يد الذُّل والاستجداء ، دليل على أنه ليس له من الحق شيء ، ألا ترى إذا رآه الرائي قال : شَقِيٌّ بَائِس ، ولم يَقُل : صَاحِبُ حَقٍّ مُهتَضَم .

إن صاحب الحق يمد إلى حقه يد القوة والعزة ، فيمدها وهو عالي الرأس ، ثابت الجنان ، ولا يردها إلا قابضة على حقه ، أو تقطع مجاهدة في سبيل الحق والعدالة ، فإن قطعها في هذا السبيل إنما هو ( حَيَاةٌ ) ، وبقاءها إنما هو ( مَمَاتٌ ) ، فالسلام على الحسين المظلوم القائل : ( إِنِّي لا أَرَى المَوتَ إِلاَّ سَعَادَةً ، وَالحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلاَّ بَرَماً ) .

يوم الجهاد المقدس :

ليس يوم عاشوراء عاطفة مذهبية شيعية نحو الرسول وأهل بيته ( عليهم السلام ) وَلَّدَها الضغط على الشيعة كما زعم الزاعمون ، ولكنه تكريم للبطولة والتضحية ، وإحياء للجهاد المقدس ، واعتزاز بالإباء والكرامة في كل زمان ومكان .

ليس يوم عاشوراء يومٌ للشيعة فحسب ، وإنما هو للناس أجمعين ، لأنه جهاد وتضحية ، وحق وصراحة ، ونور وحكمة ، وليس لهذه الفضائل دين خاص ، ولا مذهب خاص ، ولا وطن خاص ، ولا لغة خاصة ، هذا هو يوم عاشوراء في حقيقته ومغزاه .
زيارة قبر الحسين ( عليه السلام ) :

إن زيارة كربلاء وشَدِّ الرِّحال إليها من بلاد نائية هو تكرار وتأكيد لما يهدف إليه يوم عاشوراء ، ونجد تفسير ذلك مكتوباً في القطع المعلقة على قبر الحسين يتلوها الزائر ساعة دخوله الحضرة المقدسة ، وخروجه منها ، وقد جاء فيها :

( إِنِّي سِلمٌ لِمَن سَالَمَكُم ، وَحَربٌ لِمَن حَارَبَكُم ، مُحَقِّقٌ لِمَا حَقَّقْتُم ، مُبطِلٌ لِمَا أَبْطَلتُم ، فَأَسأَلُ اللهَ أَن يَجعَلَنِي مِن خِيَار مُوَالِيكُم ، العامِلِينَ بِمَا دَعَوتُم إِليهِ ، أَهتَدِي بِهَدْيِكُم ، وَأَن يَجعَلَ مَحْيَايَ مَحْيَا مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَمَمَاتِي مَمَاتَ مُحَمِّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ( صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ )) .

فيتلو الزائر هذه الكلمات وأمثالها بقلب خاشع ونفس مطمئنة في بقعة ارتفع فيها صوت الحق ضد الباطل ، وخفقت رايات الهدى ضد الضلال ، وشَعَّ فيها نور العدالة ليمحو ظلام الجور ، وأُرِيقت دماء زكية لتطهر الأرض من رجس الاستعباد .

لم تعرف الكرة الأرضية مناصراً للحقِّ في عهد يزيد غير هذه البقعة الصغيرة المُسَمَّاة بـ ( أرض كربلاء ) ، فيقصدها الزائر لِيُشهِدَ الله والناس على نفسه أنه لا يتبع إلا الحق ، ولا يناصر إلا أهله ، وأنه عليه يحيا ويموت ، يحيا حياة محمد وآل محمد ، ويموت ممات محمد وآل محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فليس معنى زيارة كربلاء تأليه الأحجار والأخشاب ، وعبادة الأرض والتراب .

زارَ أحد شعراء الشيعة قبر الحسين ( عليه السلام ) وبيَّن الغاية من زيارته ، والهدف من رحلته ، فقال : إني زرتُ قبرَ الحسين ( عليه السلام ) وشَمَمْتُ ثراه ، كي يَتَسَرَّب إلى نفسي نسيم الإباء والكرامة ، ويهب على قلبي ريح الحق والعدالة ، وعفرت خدي بالتراب حيث يضع ، وقطع خد الحسين ( عليه السلام ) ، ولم يخضع لظالم ، ولثمت أرضاً وطأها الحسين ( عليه السلام ) ، لأن خيل الطغاة جالت على صدره وقلبه وظهره وصلبه ( عليه السلام ) ، ولم يُهَادِن ولم يمالئ من سلب الشعب حريته ، والأمة حقوقها .

شَمَمتُ ثَرَاكَ فَهَبَّ النَّسـيمُ ** نَسِيم الكَرامَةِ مِن بَلقَعِ

وَعَفَّرتُ خَدِّي بِحَيثُ استَرَاحَ ** خَدٌّ تَفَرَّى وَلَم يَخضَعِ

ولا يبتغي الزائر الشاعر بعد هذا الدليل دليلاً على قداسة غايته ونبل مقصده ، وأي دليل أصدق وأبلغ وأوضح على عظمة بقعة دفن فيها من نثرت السيوف لحمه دون رأيه وضميره ، ورفع رأسه على الرمح دون إيمانه وعقيدته ، وأطعم الموت خير البنين والأصحاب من الكهول إلى الشباب إلى الرضع دون مبدئه ودعوته .

وَمَاذا أَأَروَعُ مِن أَن يَكُـونَ ** لَحمُكَ وَقفاً عَلَى المَبضَعِ

وأن تَتَّقِـي دُون مَا تَرتَـأِي ** ضَمِيرُكَ بالأَسَلِ الشُّرَّعِ

وَأنْ تُطعِمَ المَوتَ خَيرَ البَنِينَ ** مِنَ الأَكهَلِينَ إِلَى الرُّضَّعِ

إن يوم عاشوراء ، وزيارة كربلاء ، هما رمز الحرية والمساواة بين الأسود والأبيض ، والعربي والأعجمي ، والملك وشعبه ، وأنه لا فضل إِلا لمن جاهد وكابد في سبيل هذه المساواة ، فلا ظالم ومظلوم ، ولا جائع ومتخوم .


source : tebyan
  757
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

    غزوة بدر الكبرى نموذج للإمدادات الإلهية
    المجاهدون
    ماهی الحضارة
    الإمام السجاد (عليه السلام) سيرة فواحة وتاريخ مشرق
    الزهراء سلام الله عليها والتاريخ
    التبليغ بين صلاح المجتمع وفساده
    ظهور الشیعة وانتشارهم
    خطبة الإمام الحسين ( عليه السلام ) الأولى يوم عاشوراء
    أي لو أخبر حذيفة بأسماء المنافقين الأحياء منهم ...
    الشيعة وإحياؤهم ليوم عاشوراء

 
user comment