عربي
Tuesday 11th of May 2021
2044
0
نفر 0
0% این مطلب را پسندیده اند

مـــــع الأحـــــــداث

مـــــع الأحـــــــداث ورافق أبو الفضل العباس (عليه السلام) منذ نعومة أظفاره كثيراً من الأحداث الجسام التي لم تكن ساذجة، ولا سطحية، وإنّما كانت عميقة كأشدّ ما يكون العمق، فقد أحدثت اضطراباً شاملاً في الحياة الفكرية والعقائدية بين المسلمين، كما استهدفت بصورة دقيقة إبعاد أهل البيت(عليهم السلام) عن المراكز السياسية في البلاد، وإخضاعهم لرغبات السلطة، و
مـــــع الأحـــــــداث

مـــــع الأحـــــــداث

ورافق أبو الفضل العباس (عليه السلام) منذ نعومة أظفاره كثيراً من الأحداث الجسام التي لم تكن ساذجة، ولا سطحية، وإنّما كانت عميقة كأشدّ ما يكون العمق، فقد أحدثت اضطراباً شاملاً في الحياة الفكرية والعقائدية بين المسلمين، كما استهدفت بصورة دقيقة إبعاد أهل البيت(عليهم السلام) عن المراكز السياسية في البلاد، وإخضاعهم لرغبات السلطة، وما تعمله على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، من أعمال لا تتفق في كثير من بنودها مع التشريع الإسلامي، وقد تجلّى ذلك بوضوح أيّام حكومة عثمان وما سلكته من التصرفات في المجالات الإدارية، فقد عمدت إلى منح مناصب الدولة، وسائر الوظائف العامة إلى بني أميّة وآل معيط، وحرمان بني هاشم، ومن يتّصل بهم من أبناء الصحابة من أي منصب من المناصب العامة، وقد استولى الأمويون على جميع أجهزة الدولة، وراحوا يعملون عامدين أو غير عامدين إلى خلق الأزمات الحادّة بين المسلمين، ومن المقطوع به أنّه لم تكن لأكثرهم أيّة نزعة إسلامية، كما لم تكن لهم أيّة دراية بأحكام القانون الإسلامي، وما تتطلّب إليه الشريعة الإسلامية من إيجاد مجتمع إسلامي متطوّر قائم على المودّة والتعاون وبعيد كلّ البعد عن التأخّر.

لقد أشاعت حكومة عثمان الرأسمالية في البلاد، فقد منحت الأمويين وبعض أبناء القرشيين الامتيازات الخاصة، وفتحت لهم الطريق لكسب الأموال، وتكديسها بغير وجه مشروع، وقد أدّت هذه السياسة الملتوية إلى خلق اضطراب شامل لا في الحياة الاقتصادية فحسب، وإنّما في جميع مناحي الحياة، وأشاعت القلق والتذمّر في جميع الأوساط الإسلامية، فاتجهت قطعات من الجيوش المرابطة في العراق ومصر إلى يثرب، وطالبت عثمان بالاستقامة في سياسته، وإبعاد الأمويين عن جهاز الدولة، كما طالبوه بصورة خاصة بإبعاد مستشاره ووزيره مروان بن الحكم الذي كان يعمل بصورة مكشوفة لتأجيج نار الفتنة في البلاد.

ولم يستجب عثمان لمطالب الثوّار، ولم يخضع لرأي الناصحين له، والمشفقين عليه، وظلّ متمسّكاً بأسرته، ومحتضناً لبطانته، تتوافد عليه الأخبار بانحرافهم عن الطريق القويم، واقترافهم لما حرّمه الله، فلم يعن بذلك، وراح يسدّدهم ويلتمس لهم المعاذير، ويتّهم الناصحين بالعداء لأسرته.

وبعد ما اختفت جميع الوسائل الهادفة لاستقامة عثمان لم يجد الثوار بدّاً من قتله، فقتل شرّ قتلة، ويقول المؤرّخون أنّه تولّى قتله خيار أبناء الصحابة كمحمد بن أبي بكر، كما أقرّ قتله كبار الصحابة وعظماؤهم، وفي طليعتهم الصحابي الجليل صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخليله عمّار بن ياسر.

وانتهت بذلك حكومة عثمان وهي من أهمّ الأحداث الجسام التي جرت في عصر أبي الفضل (عليه السلام) وبمرأى ومسمع منه، فقد كان في شرخ الشباب وعنفوانه وقد رأى كيف تذرع الانتهازيون من الأمويين بمقتل عثمان فطبّلوا له، ورفعوا قميصه الملطّخ بدمائه فجعلوه شعاراً لتمرّدهم على حكم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ذلك الحكم القائم على الحق والعدل.

إنّ أسوأ ما تركت حكومة عثمان أنّها ألقت الفتنة بين المسلمين، وحصرت الثروة عند الأمويين وآل أبي معيط، وعملائهم من القرشيين الحاقدين على العدل الاجتماعي، وبذلك استطاعوا القيام بعصيان مسلّح ضدّ حكومة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) التي كانت امتداداً ذاتياً لحكومة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).

وعلى أيّ حال فلنترك حديث عثمان، ونتوجّه إلى ذكر بقيّة الأحداث التي جرت في عصر أبي الفضل (عليه السلام).

*****


حكومة الإمام
والشيء المؤكّد الذي لا خلاف فيه أنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قد انتخب انتخاباً شاملاً من جميع قطعات الشعب، فقد سارعت القوات المسلحة التي أطاحت بحكومته إلى مبايعته كما بايعته الجماهير العامة في مختلف الأقاليم الإسلامية سوى الشام، ونفر قليل في يثرب كان من بينهم سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وبعض الأمويين الذين أيقنوا أن الإمام (عليه السلام) يبسط العدالة الاجتماعية في الأرض، ويحقق المساواة الكاملة بين المسلمين فلا امتياز لأحد على أحد، وبذلك تفوت مصالحهم، فلم يبايعوه، ولم يقف الإمام معهم موقفاً معادياً فلم يوعز إلى السلطات القضائية والتنفيذية باتخاذ الإجراءات الحاسمة ضدّهم، وذلك عملاً بما منحه الإسلام من الحريّات العامة لجميع الناس، سواء كانوا من المؤيّدين للدولة أو من المعارضين لها بشرط أن لا يحدثوا فساداً في الأرض، أو يقوموا بعصيان مسلّح ضدّ الدولة فإنّها تكون مضطرّة إلى اتخاذ الإجراءات القانونية ضدّهم.

وعلى أيّ حال فقد بويع الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بيعة عامة عن رضا واختيار من جميع أبناء الشعوب الإسلامية، وأظهروا في بيعته جميع مباهج الفرح والسرور، ولم يظفر بمثل هذه البيعة أحد من الخلفاء الذين سبقوه أو تأخّروا عنه.

وفور تقلّد الإمام (عليه السلام) للخلافة تبنى بصورة إيجابية وشاملة العدل الخالص، والحق المحض، وتنكّر لكل مصلحة شخصية تعود بالنفع عليه أو على ذويه، وقدم مصالح الفقراء والمحرومين على جميع المصالح الأخرى... كانت سعادته أن يرى الأوساط الشعبية تنعم بالخير والسعادة، ولا مكان للحاجة والاعواز عندها، ولم يعرف في تاريخ هذا الشرق حاكم مثله في عطفه وحنانه على البؤساء والمحرومين.

ولابدّ لنا من وقفة قصيرة للحديث عن بعض شؤون الحكم عند الإمام (عليه السلام) فإن ذلك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسيرة ولده أبي الفضل (عليه السلام) فإنّه يكشف عن روعة التربية الكريمة التي تربّى عليها في عهد أبيه رائد العدالة الاجتماعية في الأرض، والتي تركت في نفسه حبّ التضحية والفداء في سبيل الله، كما يكشف عن الأسباب الوثيقة التي دعت القوى الطامعة، والمنحرفة إلى الوقوف في وجه حكومة الإمام (عليه السلام)، ومناهضتهم لأبنائه من بعده، وفيما يلي ذلك:


منهج حكم الإمام
أمّا منهج الحكم وفلسفته عند الإمام (عليه السلام) فقد كان مشرقاً وحافلاً بمقومات الارتقاء، والنهوض للشعوب الإسلامية، وفيما أعتقد أنّه لم تعرف الإنسانية في جميع أدوارها نظاماً سياسياً تبنّى العدل الاجتماعي، والعدل الاقتصادي والسياسي مثل ما تبنّاه الإمام، وسنّه من المناهج الرائعة في هذه الحقول ونشير إلى بعضها:


1- بسط الحريّات:
وآمن الإمام (عليه السلام) بضرورة منح الحريّات العامة لجميع أبناء الأمّة، وأن ذلك من أولويّات حقوقها، والدولة مسؤولة عن توفيرها لكل فرد من أبناء الشعب، وأن حرمانهم منها يخلق في نفوسهم العقد النفسية، ويمنع من التقدّم الفكري، والتطوّر الاجتماعي في أبنائها، ويخلد لهم الخنوع والخمول، ويعود عليهم بالأضرار البالغة، أمّا مدى هذه الحرية وسعتها فهي:

أ - الحريّة الدينية:
يرى الإمام (عليه السلام) أن الناس أحرار فيما يعتقدون ويذهبون من أفكار دينية، وليس للدولة أن تحول بينهم وبين عقائدهم كما أنّه ليس لها أن تحول بينهم وبين طقوسهم الدينية، وأنهم غير ملزمين بمسايرة المسلمين في الأحوال الشخصية، وإنّما يتّبعون ما قنن من تشريع عند فقهائهم.

ب - الحريّة السياسية:
ونعني بها منح الناس الحرية التامة في اعتناق المذاهب السياسية التي تتفق مع رغباتهم وميولهم، وليس للدولة أن تفرض عليهم رأياً سياسياً مخالفاً لما يذهبون إليه، كما أنّه ليس لها أن تفرض عليهم الإقلاع عن آرائهم السياسية الخاصة، وإنّما عليها أن تقيم لهم الأدلة والحجج الحاسمة على فساد ذلك المذهب، وعدم صحّته، فإن رجعوا إلى الرشاد فذاك، وإلاّ فتتركهم وشأنهم ما لم يحدثوا فساداً في الأرض، أو يخلّوا بالأمن العام، كما اتفق ذلك من الخوارج الذين فقدوا جميع المقوّمات الفكرية، والركائز العلمية، وراحوا يتمادون في جهلهم وغيّهم ويعرضون الناس للقتل والإرهاب، فاضطرّ الإمام (عليه السلام) إلى مقاومتهم بعد أن أعذر فيهم.

ومن الجدير بالذكر أن مما يتفرّع على الحرية السياسية حريّة النقد لرئيس الدولة وجميع أعضائها، فالناس أحرار فيما يتولّون، وينقدون، وقد كان الخوارج يقطعون على الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) خطابه، ويخدشون عواطفه بنقدهم الذي لم يكن واقعياً، وإنّما كان مبنيّاً على الجهل والمغالطة، فلم يتّخذ الإمام أي إجراء ضدّهم، ولم يسقهم إلى المحاكم والقضاء لينالوا جزاءهم، وبذلك فقد عهد الإمام إلى نشر الوعي العام، وبناء الشخصية المزدهرة للإنسان المسلم.

هذه بعض صور الحرية التي طبّقت أيام حكم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وهي تمثّل مدى أصالة منهجه السياسي الذي يساير التطور والإبداع.


2- نشر الوعي الديني:
واهتم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بصورة إيجابية بنشر الوعي الديني، وإشاعة المثل الإسلامية بين المسلمين، باعتبارها الركيزة الأولى لإصلاح المجتمع وتهذيبه.

إنّ من أولى معطيات الوعي الديني إقصاء الجريمة، ونفي الشذوذ والانحراف عن المجتمع، وإذا لم يتلوّث بذلك، فقد بلغ غاية الازدهار والتقدّم.

ومن المقطوع به انّا لم نجد أحداً من خلفاء المسلمين وملوكهم قد عني بالتربية الدينية كما عني الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقد حفل نهج البلاغة بالكثير من خطبه التي تهزّ أعماق النفوس، وتدفعها إلى سلوك المناهج الخيّرة، واعتناق الفضائل، وإبعادها عن اقتراف الجرائم، وقد أثمرت خطبه في إيجاد طبقة من خيار المسلمين وصلحائهم، قاوموا الانهيار الأخلاقي، وناهضوا التفسخ والتحلل الذي شاع أيام حكم الأمويين، وكان من بين هؤلاء رشيد الهجري وميثم التمّار وعمرو بن الحمق الخزاعي، وغيرهم من بناة الفكر الإسلامي.


3- نشر الوعي السياسي:
أمّا نشر الوعي السياسي في أوساط المجتمع الإسلامي فهو من أهمّ الأهداف السياسية التي تبنّاها الإمام (عليه السلام) في أيّام حكومته.

ونعني بالوعي السياسي هو تغذية المجتمع وإفهامه بجميع الطرق والوسائل بالمسؤولية أمام الله تعالى، على مراقبة الأوضاع العامة في الدولة وغيرها من سائر الشؤون الاجتماعية للمسلمين حتى لا يقع أيّ تمزّق في صفوفهم، أو أيّ تأخّر أو ضعف في حياتهم الفردية والاجتماعية، وقد ألزم الإسلام بذلك، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (كلّكم راع، وكلّكم مسؤول عن رعيّته..) ألقى النبيّ (صلى الله عليه وآله) المسؤولية على جميع المسلمين في رعاية شؤونهم، والعمل على حفظ مصالحهم، ودرء الفساد عنهم.

ومن بين الأحاديث المهمّة الداعية إلى مقاومة أئمّة الظلم والجور هذا الحديث النبوي الذي ألقاه أبو الأحرار على جلاوزة ابن مرجانة وعبيده قال: (أيّها الناس: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر ما عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله..)(1).

وكان هذا الحديث الشريف من المحفّزات لسيّد الشهداء (عليه السلام) على إعلان الجهاد المقدّس ضدّ الحكم الأموي الجائر الذي استحلّ ما حرّم الله، ونكث عهده، وخالف سنّة رسوله، وعمل في عباد الله بالإثم والعدوان.

إنّ الوعي السياسي الذي أشاعه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بين المسلمين أيّام حكمه قد خلق شعوراً ثورياً ضد الظالمين والمستبدّين، فقد انبرى المجاهدون الأبطال ممن غذّاهم الإمام بهذه الروح إلى مقارعة الطغاة، وكان على رأسهم أبو الأحرار سيّد الشهداء وأخوه البطل الفذّ أبو الفضل العباس (عليه السلام)، والكوكبة المشرقة من شباب أهل البيت(عليهم السلام) وأصحابهم المجاهدين، فقد هبّوا جميعاً في وجه الطاغية يزيد لتحرير المسلمين من الذلّ والعبوديّة وإعادة الحياة الحرّة الكريمة بين المسلمين.. وقد سبق هؤلاء العظماء المصلح الكبير حجر بن عديّ الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي ورشيد الهجري، وميثم التمّار وغيرهم من أعلام الحرية ودعاة الإصلاح الاجتماعي، فقد ثاروا بوجه الطاغية معاوية بن أبي سفيان ممثّل القوى الجاهلية، ورأس العناصر المعادية للإسلام، وعلى أي حال فقد غرس الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) روح الثورة على الظلم والطغيان في نفوس المسلمين، وأهاب بهم أن لا يقارّوا على كظّة ظالم أو سغب مظلوم.


4- إلغاء المحسوبيات:
وكان مما عني به الإمام (عليه السلام) في أيّام حكومته إلغاء المحسوبيات إلغاءً مطلقاً، فالقريب والبعيد عنده سواء، فليس للقريب امتياز خاص، وإنّما شأنه شأن غيره في جميع الحقوق والواجبات كما ساوى بصورة موضوعية بين العرب والموالي مما جعل الموالي يدينون له بالولاء، ويؤمنون بإمامته.

لقد ألغى الإمام جميع صنوف المحسوبيات، وصور العنصريات، وساوى بين المسلمين على اختلاف قومياتهم مساواة عادلة لم يعهد لها نظير في تاريخ الأمم والشعوب، فقد حملت مساواته روح الإسلام وجوهره وحقيقته النازلة من ربّ العالمين، فهي التي تجمع ولا تفرّق ولا تجعل في صفوف المسلمين أي ثغرة يسلك فيها أعداء الإسلام لتشتيت شملهم، وتصديع وحدتهم.


5- القضاء على الفقر:
أمّا فلسفة الإمام (عليه السلام) في الحكم فتبتني على محاربة الفقر ولزوم إقصاء شبحه البغيض عن الناس لأنّه كارثة مدمّرة للمواهب والأخلاق، ولا يمكّن للأمّة أن تحقّق أي هدف من أهدافها الثقافية والصحيّة وهي فقيرة بائسة، إن الفقر يقف سدّاً حائلا بين الأمّة وبين ما تصبو إليه من التطوّر والتقدّم والرخاء بين أبنائها.. ومن الجدير بالذكر أن من بين المخططات التي تزيل شبح الفقر وتوجب نشر الرخاء بين الناس، والتي عني بها الإسلام بصورة موضوعية وهي:

أ - توفير المسكن.

ب - إقامة الضمان الاجتماعي.

ج - توفير العمل.

د - القضاء على الاستغلال.

هـ - سدّ أبواب المرابين.

و - القضاء على الاحتكار.

هذه بعض الوسائل التي عني بها الإسلام في اقتصاده، وقد تبنّاها الإمام في أيّام حكومته، وقد ناهضتها القوى الرأسمالية القرشية ودفعت بجميع إمكانياتها للإجهاز على حكم الإمام، الذي قضى على مصالحهم الضيّقة، وبهذا نطوي الحديث عن منهج الإمام وفلسفته في الحكم.


القوى المعارضة للإمام:
ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة للتعرّف على القوى المعارضة لحكومة الإمام، التي لم تكن لها أيّة أهداف نبيلة، وإنّما كانت تبغي الاستيلاء على الحكم للظفر بخيرات البلاد، والتحكّم في رقاب المسلمين بغير حقّ، وفيما يلي ذلك.

- السيّدة عائشة:
وانطوت نفس السيّدة عائشة - مع الأسف - على بغض عارم وكراهية شديدة للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولعلّ السبب في ذلك - فيما نحسب - يعود إلى ميل زوجها النبيّ (صلى الله عليه وآله) إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وإلى بضعته وحبيبته سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(عليهما السلام)، وإلى سبطيه وريحانتيه سيّدي شباب أهل الجنّة الحسن والحسين (عليهما السلام) وإشادته دوماً بفضلهم، وسموّ منزلتهم عند الله، وفرض مودّتهم على عموم المسلمين، كما أعلن الذكر الحكيم ذلك، قال تعالى (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودّة في القربى) وفي نفس الوقت كانت عائشة تعامل معاملة عادية، وفي كثير من الأحيان كان النبيّ (صلى الله عليه وآله) يشير إلى أفعالها، فقد قال (صلى الله عليه وآله) لنسائه: أيّتكنّ تنبحها كلاب الحوأب فتكون ناكبة عن الصراط، وقال (صلى الله عليه وآله): من هاهنا يتولّد الشرّ، وأشار إلى بيتها، وغير ذلك مما أثار عواطفها.

وثمّة سبب في كراهية عائشة للإمام وهو موقفه الصارم الذي وقفه تجاه بيعة أبيها أبي بكر، ومقاطعته لانتخابه، وشجبه لبيعته، وبعد سقوط حكومة عثمان كانت تروم إرجاع الخلافة إلى قبيلتها تيم لتكون سياسة الدولة بجميع أجهزتها خاضعة لرغباتها وميولها، وهي على يقين أن الخلافة إذا رجعت للإمام (عليه السلام) فإنّها سوف تعامل كغيرها من أبناء الشعوب الإسلامية، ولا تحظى بأيّة ميّزة، فإن جميع الشؤون السياسية والاقتصادية عند الإمام (عليه السلام) لابدّ أن تسير على وفق الكتاب والسنّة، ولا مجال عنده للأهواء والعواطف، وكانت عائشة تعرف ذلك جيّداً، ولذا أعلنت العصيان والتمرّد على حكومته، وقد انضمّ إليها كل من الزبير وطلحة والأمويين وذوي الأطماع والمنحرفين عن الحق من القبائل القرشية الذين ناهضوا الدعوة الإسلامية من حين بزوغ نورها.

وعلى أيّ حال فقد كانت عائشة من أوثق الأسباب في الإطاحة بحكومة عثمان، وقد أفتت بوجوب قتله، ولما أيقنت بهلاكه خرجت إلى مكّة، وهي تتطلع إلى الأخبار، فلما وافاها النبأ بقتله أعلنت فرحتها الكبرى، ولكنها لمّا فوجئت بالبيعة للإمام (عليه السلام) انقلب وضعها رأساً على عقب، وراحت تقول بحرارة:

(قتل عثمان مظلوماً والله لأطلبنّ بدمه..).

وأخذت تندب عثمان رياءً لا حقيقة، وقد رفعت قميصه الملطّخ بدمه، وجعلته شعاراً لتمرّدها على السلطة الشرعية التي أعلنت حقوق الإنسان، وتبنّت مصالح المحرومين والمضطهدين والتي كانت امتداداً لحكومة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).

وعقدت عائشة في مكّة الندوات مع أعضاء حزبها البارزين كطلحة والزبير، وسائر الأمويين، وأخذت تتداول معهم الآراء أي بلد يغزونه ليشكّلوا فيه حكومة لهم، ويتّخذوا منه قاعدة لانطلاقهم في محاربة الإمام، والإجهاز على حكومته، وبعد التأمّل والنظر الدقيق في أحوال المناطق الإسلامية أجمع رأيهم على احتلال البصرة لأنّ لهم بها شيعة وأنصاراً، وأعلنوا بعد ذلك العصيان المسلّح، وزحفوا نحو البصرة، وقد التحق بهم بهائم البشر، وحثالات الشعوب من الذين ليس لهم فكر ولا وعي، وساروا لا يلوون على شيء حتى انتهوا إلى البصرة، وبعد مقاومة عنيفة بينهم وبين الحكومة المركزية فيها استطاعوا احتلالها، وألقوا القبض على حاكمها سهل بن حنيف وجيء به مخفوراً إلى عائشة فأمرت بنتف لحيته، فنتفها جلاوزتها وعاد ابن حنيف بعد لحيته العريضة شاباً أمرد.

ولما وافت الأنباء الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بتمرّد عائشة، واحتلالها لمدينة البصرة، سارع بجيوشه للقضاء على هذا الجيش المتمرّد، خوفاً من أن تسري نار الفتنة إلى بقيّة الأمصار الإسلامية، وقد ضمّ جيشه القوى الواعية في الإسلام أمثال الصحابي العظيم عمّار بن ياسر، ومالك الأشتر، وحجر بن عدي، وابن التيهان وغيرهم ممن ساهموا في بناء الإسلام، وإقامة ركائزه في الأرض.

وسرت جيوش الإمام حتى انتهت إلى البصرة فوجدوها محتلّة بجنود مكثفة، وهم يعلنون الطاعة والولاء لأمّهم عائشة، فأرسل الإمام رسله إلى أعضاء القيادة العسكرية في جيش عائشة كطلحة والزبير، فعرضوا عليهم السلم والدخول في مفاوضات بينهم وبين الإمام حقناً لدماء المسلمين، فأبوا، وأصرّوا على التمرّد والعصيان مطالبين - بوقاحة - بدم عثمان، وهم الذين أطاحوا بحكومته، وأجهزوا عليه.

ولما نفدت جميع الوسائل التي اتخذها الإمام (عليه السلام) للسلم اضطرّ إلى إعلان الحرب عليهم، وجرت بين الفريقين معركة رهيبة سقط فيها أكثر من عشرة آلاف مقاتل، وأخيراً نصر الله الإمام على أعدائه، فقد قتل طلحة والزبير، وملئت ساحة المعركة بجثث قتلاهم، وقذف الله الرعب في قلوب الأحياء منهم فولّوا منهزمين قابعين بالذلّ والعار.

واستولى جيش الإمام على عائشة القائدة العامة للمتمرّدين، وحملت بحفاوة إلى بعض بيوت البصرة، ولم يتّخذ الإمام معها الإجراءات الصارمة، وعاملها معاملة المحسن الكريم، وسارع الإمام فسرّحها تسريحاً جميلاً إلى يثرب، لتقرّ في بيتها الذي أمرها الله ورسوله أن تسكن فيه، ولا تتدخّل بمثل هذه الأمورالتي ليست مسؤولة عنها.

وانتهت هذه الفتنة التي أسماها المؤرّخون (بحرب الجمل) وقد أشاعت في ربوع المسلمين الثكل والحزن والحداد، ومزّقت صفوفهم، وألقتهم في شرّ عظيم.. ومن المؤكّد أن دوافع هذه الحرب لم تكن سليمة، ولم تكن حجّة عائشة وحزبها منطقية، وإنّما كانت من أجل المطامع، والكراهية الشديدة لحكم الإمام الذي فقدوا في ظلاله جميع الامتيازات الخاصة، وعاملهم الإمام كما يعامل سائر المسلمين.

لقد شاهد أبو الفضل العبّاس (عليه السلام) هذه الحرب الدامية، ووقف على أهدافها الرامية للقضاء على حكم أبيه رائد العدالة الاجتماعية في الأرض، وقد استبان له أحقاد القبائل القرشية له واستبان له أن الدين لم ينفذ إلى أعماق قلوبهم، وإنّما كانوا يلوكونه بألسنتهم حفظاً لدمائهم ومصالحهم.

- معاوية وبنو أميّة:
وفي طليعة القوى المعارضة لحكومة الإمام والمعادية له، معاوية بن أبي سفيان، وبنو أميّة فقد نزع الله الإيمان من قلوبهم، وأركسهم في الفتنة ركساً، فكانوا من ألدّ أعداء الإمام، كما كانوا من قبل أعداءً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فهم الذين ناهضوا دعوته، وكفروا برسالته، وكادوا له في غلس الليل، وفي وضح النهار، حتى أعزّه الله وأذلّهم، ونصره وقهرهم، وقد دخلوا في الإسلام مكرهين لا مؤمنين به، ولولا سماحة خلق النبيّ (صلى الله عليه وآله) وعظيم رأفته ورحمته لما أبقى لهم ظلاً على الأرض، إلا أنّه (صلى الله عليه وآله) منحهم العفو كما منح غيرهم من أعدائه.

ولم يكن للأمويين أي شأن يذكر أيام النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقد قبعوا بالذل والهوان ينظر إليهم المسلمون بنظرة العداء والخصوم، ويذكرون ما قاموا به في محاربة دينهم، والتنكيل بنبيّهم، ومن المؤسف أنّه لما فجع المسلمون بفقد نبيّهم (صلى الله عليه وآله) وآل الأمر إلى الخلفاء علا نجم الأمويين، وذلك لأسباب سياسية خاصة، فقد عيّن أبو بكر يزيد بن أبي سفيان والياً على دمشق، وخرج بنفسه لتوديعه إلى خارج يثرب تعظيماً له، وإشادة بمكانة أسرته، ولم يفعل مثل ذلك مع بقية عمّاله وولاته كما يقول المؤرّخون، ولما هلك يزيد أسندت ولاية دمشق إلى أخيه معاوية، وكان أثيراً عند عمر تتوافد عليه الأخبار بأنّه يشذّ في سلوكه، وينحرف في تصرّفاته عن سنن الشرع وأحكام الإسلام، فقد أخبروه بأنّه يلبس الحرير والديباج، ويأكل في أواني الذهب والفضّة، وكل ذلك محرّم في الإسلام، فيقول معتذراً عنه، ومسدداً له: ذاك كسرى العرب، ومتى كان ابن هند الصعلوك النذل كسرى العرب،!! ولو فرضنا أنّه كان كذلك فهل يباح له في شريعة الله أن يقترف الحرام، ولا يحاسب عليه، إن الله تعالى ليست بينه وبين أحد نسب ولا قرابة، فكل من شذّ عن سنّته، وخالف أحكامه فإنّه يعاقبه على ذلك، يقول الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله): لو عصيت لهويت، ويقول الإمام زين العابدين (عليه السلام): إن الله تعالى خلق الجنة لمن أطاعه ولو كان عبداً حبشياً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان سيّداً قرشياً.

وعلى أيّ حال فإن عمر قد أغدق بألطافه ونعمه على معاوية وزاد في رقعة سلطانه، ونفخ فيه روح الطموح، وقد ظلّ يعمل في ولايته على الشام عمل من يريد الملك والسلطان، فكان يقرّب الوجوه والزعماء، ويغدق عليهم بالهبات والأموال، ويشتري الذمم والعواطف، ويركّز ولاءه في قلوب الغوغاء.

ومهّدت عائشة في ثورتها على حكم الإمام الطريق لمعاوية لإعلانه العصيان المسلّح على حكومة الإمام التي هي أشرف حكومة ظهرت في الشرق العربي على امتداد التأريخ، وقد تذرّع بها معاوية الذئب الجاهلي لحرب الإمام، واتخذ من دم عثمان وسيلة لإغراء الغوغاء واتّهم الإمام بأنّه المسؤول عن المطالبة بدمه، وفي نفس الوقت أوعز إلى أجهزة الإعلام أن تندب عثمان، وتظهر براءته مما اقترفه في تصرّفاته الاقتصادية والسياسية التي تتجافى مع أحكام الإسلام.

وتسلّح معاوية بكبار الدبلوماسيين، ومهرة السياسة في العالم العربي أمثال المغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص، وأمثالهما ممن كانت لهم الدراية الوثيقة في أحوال المجتمع، فكانوا يضعون له المخططات الرهيبة للتغلّب على الأحداث.


إعلان الحرب:
ورفض معاوية رسمياً بيعة الإمام، وأعلن عليه الحرب، وهو يعلم أنّه إنّما يحارب أخا رسول الله)صلى الله عليه وآله) ووصيّه وباب مدينة علمه، ومن كان منه بمنزلة هارون من موسى، لقد أعلن عليه الحرب كما أعلن أبوه أبو سفيان الحرب على رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وتشكّل الجيش الذي زحف به معاوية لمحاربة الإمام (عليه السلام) من العناصر التالية:

أ - الغوغاء:
أمّا الغوغاء فهم جهلة الشعوب، وهم كالأنعام بل هم أضلّ سبيلاً وتستخدمهم السلطة في كل زمان لنيل أهدافها، ولتبني عروشها على جماجمهم، وكانت الأكثرية الساحقة من جيش معاوية من هؤلاء الغوغاء المغرر بهم الذين لا يميّزون بين الحق والباطل، والذين تلوّنهم الدعاية كيفما شاءت، وقد جعلهم معاوية جسراً فعبر عليهم لنيل مقاصده الشريرة.

ب - المنافقون:
أمّا المنافقون فهم الذين أظهروا الإسلام في ألسنتهم، وأضمروا الكفر والعداء له في ضمائرهم وقلوبهم، وكانوا يبغون له الغوائل، ويكيدون له في وضح النهار، وفي غلس الليل، وقد ابتلي بهم الإسلام كأشدّ ما يكون البلاء، وامتحن بهم المسلمون كأشدّ ما يكون الامتحان لأنّهم مصدر الخطر عليهم وقد ضمّ جيش معاوية رؤوس المنافقين وضروسهم أمثال المغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص، ومروان بن الحكم، وأمثالهم من الزمرة الباغية الذين وجدوا الفرصة لهم مواتية لضرب الإسلام وقلع جذوره، وقد تسلّحوا بمعاوية ابن أبي سفيان العدو الأوّل للإسلام فناصروه، وساروا في جيشه لمحاربة أخي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووصيه، والمنافح الأوّل عن الإسلام.

إنّ جميع من حارب رسول الله (صلى الله عليه وآله) من المنافقين قد انضمّوا إلى معاوية وصاروا من حزبه وأعوانه في محاربة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

ج - النفعيون:
ونعني بهم الجماعة التي فقدت امتيازاتها ومنافعها اللامشروعة في ظلّ حكم الإمام رائد العدالة الاجتماعية في الأرض، وفي طليعة هؤلاء، العمّال والولاة، وسائر الموظّفين في حكومة عثمان، فقد فقدوا منافعهم وخافوا على مصادرة ما عندهم من الأموال التي اختلسوها من الشعب أيام عثمان، كما تمّ عزلهم عن مناصبهم فور تقلّد الإمام للحكم.

هذه بعض العناصر التي تشكّل منها جيش معاوية، وقد زحف بهم إلى محاربة قائد الإسلام، ورائد العدالة الإنسانية.

احتلال الفرات:
واتّجهت جيوش معاوية صوب العراق، فعسكرت في منطقة صفين واختارتها مركزاً للحرب، وأوعزت القيادة العامة إلى قطعات الجيش باحتلال الفرات، ووضع المغارز على حوض الفرات لمنع جيش الإمام من الشرب ليموتوا عطشاً، وقد اعتبر معاوية ذلك أوّل النصر والفتح، ونمّ ذلك عن خبث طبيعته ولؤم عنصره، فإن لكل إنسان بل ولكل حيوان حقاً طبيعياً في الماء عند كافة الأمم والشعوب، ولكن معاوية وبني أميّة قد تخلّوا عن جميع الأعراف، فاستعملوا منع الماء كسلاح في معاركهم، فقد منعوا الماء يوم الطفّ عن ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته حتى أشرفوا على الموت من شدّة الظمأ.

ولمّا علم الإمام (عليه السلام) بزحف معاوية لحربه اتّجه بجيوشه نحو صفّين فلمّا انتهوا إليها وجدوا حوض الفرات قد احتلّ من قبل معسكر معاوية، ومنعوهم من تناول قطرة من الماء، وألحّ العطش بجيش الإمام فانبرت إليه قادة جيشه، وطلبوا منه الإذن في مقارعة القوم، فرغب الإمام قبل أن يبدأهم بالحرب أن يطلبوا منهم السماح في تناول الماء، إذ ليس لهم من سبيل أن يتخذوه وسيلة لكسب المعركة لأن الماء مباح لكل إنسان وحيوان عند جميع الشرائع والأديان، وعرض عليهم أصحاب الإمام ذلك إلا أنّهم أبوا وأصرّوا على غيّهم وعدوانهم، فاضطرّ الإمام بعد ذلك إلى أن يسمح لقوّاته المسلّحة بفتح نار الحرب عليهم، فحملوا عليهم حملة واحدة، ففرّوا منهزمين شرّ هزيمة، وتركوا مواقعهم فاحتلتها جيوش الإمام، وأصبح نهر الفرات بأيديهم، انطلق فريق من قادة الجيش نحو الإمام فطلبوا منه أن يسمح لهم في منع الماء عن أصحاب معاوية كما منعوهم عنه، فأبى الإمام أن يقابلهم بالمثل، فأباح لهم الماء كما هو مباح للجميع في شريعة الله، ولم يشكر الأمويون الأوغاد هذه اليد البيضاء التي أسداها عليهم الإمام، فقد قابلوه بالعكس، فمنعوا الماء عن أبنائه في كربلاء حتى صرعهم الظمأ، وأذاب العطش قلوبهم.


دعوة الإمام إلى السلم:
وكره الإمام أشدّ الكره الحرب وإراقة الدماء، فدعا إلى السلم والوئام، فقد أرسل عدّة وفود إلى ابن هند يدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المسلمون وأن يجنّبهم من الحرب فأبى ولم يستجب لهذه الدعوة الكريمة، وأصرّ على الغيّ والعدوان، وتذرّع كذباً بالمطالبة بدم عثمان الذي ما أراق دمه إلا سوء تصرّفاته السياسية والإدارية.

- الحرب:
ولمّا فنشلت جميع الجهود التي بذلها الإمام من أجل السلم وحقن الدماء اضطرّ إلى أن يفتح مع عدوّه باب الحرب، وقد خاض معه حرباً مدمّرة سقط فيها عشرات الآلاف من القتلى فضلاً عن المعوقين من كلا الجانبين واستمرّت الحرب أكثر من سنتين كانت تشتدّ حيناً، وتفتر حيناً آخر، وفي المرحلة الأخيرة من الحرب كاد الإمام أن يكسب المعركة، وتحسم من صالحه، فقد بان الانكسار في جيش معاوية، وتفللت جميع قواعد عسكره، وعزم معاوية على الهزيمة لولا أن تذكّر قول ابن الأطنابة:

أبت لي عفتي وحياء نفسي***وإقدامي على البطل المشيح

وإعطائي على المكروه مالي***وأخذي الحمد بالثمن الربيح

وقولي كلما جشأت وجاشت***مكانك تحمدي أو تسريحي

فردّه هذا الشعر إلى الصبر والثبات كما كان يتحدّث بذلك أيّام العافية، وفيما أحسب أن هذا الشعر ليس هو الذي ردّه إلى الثبات وعدم الهزيمة إذ ليست لابن هند أيّة عفّة أو حياء نفس، ولا غير ذلك مما حوته هذه الأبيات وإنما ردّه إلى الصبر هو ما دبّره من المكيدة والخديعة التي مزّقت الجيش العراقي، وهو ما سنتحدّث عنه.

- الخديعة الكبرى:
وآن النصر المحتم لجيش الإمام، فقد أشرف على الفتح، ولم يبق إلا مقدار حلبة شاة من الوقت حتى يؤسر معاوية أو يقتل كما أعلن ذلك قائد القوّات المسلحة في جيش الإمام الزعيم مالك الأشتر، ومن المؤسف جدّاً أنّه في تلك اللحظات الحاسمة مني الإمام بانقلاب عسكري في جيشه، فقد رفع عسكر معاوية المصاحف على أطراف الرماح، وهم ينادون بالدعوة إلى تحكيم القرآن، وإنهاء الحرب حقناً لدماء المسلمين، واستجابت قطعات من جيش الإمام لهذا النداء الذي يحمل التدمير الشامل لحكومة الإمام وأفول دولة القرآن.

يا للعجب لقد نادى جيش معاوية بالرجوع إلى تحكيم القرآن، ومعاوية وأبوه هما في طليعة من حارب القرآن.

أصحيح أنّ ابن هند يؤمن بالقرآن، ويحرص على دماء المسلمين وهوالذي أراق أنهاراً من دمائهم إرضاءً لجاهليته، وانتقاماً من الإسلام؟

وكان أول من استجاب لهذا النداء المزيّف العميل الأموي الأشعث ابن قيس، فقد جاء يشتدّ كالكلب نحو الإمام، وقد رفع صوته ليسمعه الجيش قائلاً:

(ما أرى الناس إلا قد رضوا، وسرّهم أن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم القرآن، فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد..).

وامتنع الإمام من إجابة هذا العميل المنافق الذي طعن الإسلام في صميمه، والتفّ حول الأشعث جماعة من الخونة فأحاطوا بالإمام، وهم ينادون: أجب الأشعث، ولم يجد الإمام بدّاً من إجابته، فانطلق الخائن صوب معاوية، فقال له:

(لأيّ شيء رفعتم هذه المصاحف؟..)

فأجابه معاوية مخادعاً:

ولنرجع نحن وأنتم إلى أمر الله عزّ وجلّ في كتابه تبعثون منكم رجلاً ترضون به، ونبعث منّا رجلاً، ثمّ نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه ثم نتّبع ما اتفقا عليه..).

ورفع الأشعث عقيرته قائلاً:

(هذا هو الحقّ..).

وخرج الأشعث من معاوية، وهو ينادي بضرورة إيقاف الحرب، والرجوع إلى كتاب الله العظيم، ومن المؤكّد أنّ هذه الحركة الانقلابية التي تزعّمها هذا المنافق العميل لم تكن وليدة رفع المصاحف، وإنّما كانت قبل زمن ليس بالقليل، فقد كانت هناك اتّصالات سريّة بين الأشعث وبين معاوية ووزيره والفكر المدبّر لخدعه وأباطيله عمرو بن العاص، ومما يدل على ذلك أنّه لم تكن هناك رقابة ولا مباحث في جيش الإمام على من يتّصل بمعسكر معاوية فقد كان الطريق مفتوحاً، وجرت اتصالات مكثّفة بين معاوية والأشعث وغيره من قادة الجيش العراقي، وقدم لهم معاوية الرشوات، ومنّاهم بالمراتب العالية، وبالمزيد من الأموال إن استجابوا لدعوته.

وعلى أيّ حال فقد أرغم الإمام على قبول التحكيم، فقد أحاطت به قطعات من جيشه وقد شهرت عليه السيوف والرماح وهي تنادي: (لاحكم إلا لله) واتّخذوا هذا النداء شعاراً لتمرّدهم، ووقوفهم ضدّ الامام، وسرعان ما أصبحوا حركة ثورية، ومصدر قلق مثير للفتن والاضطراب.

وعلى أيّ حال فقد جهد الإمام بنفسه ورسله على إقناعهم، وإرجاعهم إلى طريق الحقّ والصواب، فلم يتمكّن، ورأى أنّهم جادّون على مناجزته والإطاحة بحكومته، فاستجاب لهم، وأوعز إلى قائد قوّاته العسكرية الزعيم مالك الأشتر بالانسحاب عن ساحة الحرب، وإيقاف العمليات العسكرية، وكان قد أشرف على الفتح فلم يبق بينه وبين الاستيلاء على معاوية سوى مقدار حلبة شاة، ورفض مالك الاستجابة وأصرّ على مزاولة الحرب إلا أنّه أخبر بأنّ الإمام في خطر، وان المتمرّدين قد أحاطوا به، فاضطرّ إلى إيقاف الحرب، وبذلك فقد تمّ ما أراده معاوية من الإطاحة بحكومة الإمام، وكتب له في تلك اللحظات النصر على الإمام، وقد انتصرت معه الوثنية القرشية كما يقول بعض الكتّاب والمحدثين.


التحكيم:
وتوالت المحن والأزمات على الإمام يتبع بعضها بعضاً، وانكشفت خفايا هؤلاء العملاء المتمرّدين، فقد أصرّوا على انتخاب أبي موسى الأشعري ليكون ممثلاً عن العراق، والأشعري خبيث دنس كان حقوداً على الإمام، ومن ألدّ أعدائه وخصومه، وفي نفس الوقت لم يملك وعياً ولا فهماً للأحداث، وكان بليداً ومنافقاً واتّخذه المنافقون والمتمردون في جيش الإمام جسراً فعبروا عليه لنيل مقاصدهم الخبيثة لعزل الإمام عن الحكم، وتثبيت معاوية في مركزه.

ولم يستطع الإمام إيقاف هذا المدّ التآمري في جيشه، فقد أصبح قادة جيشه يتلقّون الأوامر والتوجيهات من قبل معاوية ووزيره ابن العاص، وصار الإمام بمعزل تام عن الحياة السياسية، فقد أصبح يأمر جيشه فلا يطيع، ويدعوه فلا يستجيب له، وصارت دفّة الحكم كلّها بيد معاوية.

لقد حكم الأشعري بعزل الإمام، وحكم ابن العاص بإبقاء معاوية، وبذلك فقد انتهت مهزلة التحكيم إلى عزل الإمام عن منصب الحكم، وتقليده لمعاوية وانطوت بذلك أقدس حكومة إسلامية ظهرت في الشرق كان يرجى منها أن تقوم ببسط العدل السياسي والعدل الاجتماعي بين الناس، فلم تدعها هذه الوحوش الكاسرة من ذئاب الأمويين، وسائر القبائل القرشية من تحقيق أهدافها ومثلها العليا.

لقد شاهد أبو الفضل العبّاس (عليه السلام) وهو في دور الشباب فصول هذه المأساة الكبرى فكوت قلبه، وهزّت عواطفه، فقد جرت لأهل بيته المصائب، وأخلدت لهم المحن والخطوب.


ثورة الخوارج:
ومن بين المحن الشاقة التي امتحن بها الإمام امتحاناً عسيراً هي ثورة الخوارج فقد كان معظمهم من بهائم البشر، فقد امتطاهم معاوية، وجعلهم جسراً لنيل أطماعه وأهدافه من حيث لا يشعرون، فهم الذين أرغموا الإمام على قبول التحكيم، وإيقاف عمليات الحرب، وهم الذين أصرّوا على انتخاب المنافق أبي موسى الأشعري، ولما عقد التحكيم، وأعلن أبو موسى عزل الإمام عن منصبه، وأعلن ابن العاص إقامة سيّده معاوية في مركزه أسفوا على ما فرّطوا في أمر المجتمع الإسلامي واستبانت لهم المكيدة التي دبّرها ابن العاص في رفع المصاحف وعابوا على الإمام وكفّروه لاستجابته لهم، وفي الحقيقة هم الذين يتحمّلون جميع المسؤوليات الناجمة عن ذلك.

ولمّا نزح جيش الإمام من صفّين إلى الكوفة لم يدخلوا معه إليها وإنما انحازوا إلى حروراء فنسبوا إليها، وكان عددهم فيما يقول المؤرّخون اثني عشر ألفاً، وأذن مؤذّنهم أن أمير القتال المنافق شبث بن ربعي الذي كان من قادة الجيش الذي حارب ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الإمام الحسين (عليه السلام)، كما نصبوا إماماً للصلاة عبدالله بن الكواء العسكري، وجعلوا الأمر شورى بعد الفتح، والبيعة لله عزّ وجلّ، وجعلوا من أهمّ الأحكام التي يقاتلون من أجلها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوا شعارهم (لا حكم إلا لله) ولكنّهم سرعان ما تنكّروا لهذا الشعار فجعلوا الحكم للسيف وذلك بما أراقوه من دماء الأبرياء، وما نشروه من الذعر والخوف بين المسلمين.

وبعث الإمام إليهم بعض رسله يعدلهم عن فكرتهم، ويرشدهم إلى طريق الحقّ والصواب، فلم يجد ذلك معهم شيئاً، فانطلق (عليه السلام) بنفسه إليهم، ومعه أعلام أصحابه، فجعل يناظرهم، ويقيم الأدلّة الوثيقة على فساد رأيهم، وضلالة قصدهم، فاستجاب له قوم، وأبى قوم آخرون، وجعل الأمر يمعن في الفساد بين الإمام وبينهم، وأخذوا ينشرون الإرهاب، وأعمال التخريب، ويعيثون في الأرض فساداً، وقد رحلوا عن الكوفة، وعسكروا في النهروان، واجتاز عليهم الصحابي الجليل عبد الله بن خباب ابن الأرت، وهو من أعلام أصحاب الإمام فدارت بينه وبينهم أحاديث، فعمدوا إليه فقتلوه، وقتلوا معه السيّدة زوجته، ولم يقف شرّهم عند هذا الحدّ، وإنّما أخذوا يذيعون الذعر والخوف بين المسلمين.

وبعث الإمام إليهم الحارث بن مرة العبدي ليسألهم عما أحدثوه من الفساد، فلما انتهى إليهم أجهزوا عليه وقتلوه، ورأى الإمام بعد هذا أنّهم يشكّلون خطراً كبيراً على دولته، وأنّهم مصدر فتنة وتخريب بين المسلمين، وأن الواجب يقضي بحربهم فزحف إليهم بجيشه، ودارت بينه وبينهم معركة رهيبة، فقتلوا عن أخرهم ولم يفلت منهم إلا تسعة(2) وانتهت بذلك حرب النهروان وقد شاهد أبو الفضل العبّاس (عليه السلام) هذه الحرب ووقف على دوافعها التي كان منها كراهة هؤلاء القوم لعدل الإمام، وتفانيه في إقامة الحقّ بين الناس.

ومن الجدير بالذكر أن أبا الفضل العباس (عليه السلام) لم يشترك في حرب النهروان ولا في حرب صفين، فقد منعه الإمام كما منع بعض أبنائه، وأعلام أصحابه من الدخول في الحرب ضنّاً بهم على الموت، ومما يدل على ذلك أن الذين كتبوا عن واقعة صفين والنهروان لم يذكروا أيّ دور لسيّدنا العباس فيهما.


النتائج الفظيعة:
وأعقبت حرب الجمل، وحرب صفّين أسوأ الأحداث وأقساها وأشقّها محنة على الإمام (عليه السلام) ومن بينها:

1- التمرّد الكامل في جيش الإمام فقد أصبحت جميع قطعاته غير مطيعة لأوامر الإمام.

لقد شاعت الهزيمة النفسية في جيش الإمام، وفقدت قطعاته الروح المعنوية، وتخاذلت تخاذلاً مطلقاً أمام الأحداث التي مني بها.

2- وعمد معاوية بعد معركة صفين إلى تعزيز جيشه وتماسكه، وقد بثّ فيه روح العزم والإخلاص، وقد وثق بالنصر والفتح والتغلّب على جيش الإمام.

3- وتعرّضت البلاد الإسلامية الخاضعة لحكم الإمام لحملات إرهابية عنيفة كانت تشنّها العصابات المجرمة التي يبعثها معاوية لإشاعة الخوف والذعر فيها، وقد تعرّضت المناطق القريبة من عاصمة الإمام لهجمات الإرهابيين من كلاب معاوية، والإمام لم يتمكّن من حمايتها وحفظ الأمن والاستقرار فيها فكان يدعو بحرارة جأشه للذبّ عن حياض الوطن، وحمايته من الاعتداء فلم يستجب له أحد منهم.

4- واحتلّت جيوش معاوية مصر احتلالاً عسكرياً، وبذلك خرجت عن حكم الإمام، وقد أصيبت حكومة الإمام بنكسة كبيرة، ولم تعد بعد هذه الأحداث إلا شكلاً خاوياً في ميدان الحكم.


مصرع الإمام:
وبقي الإمام الممتحن في أرباض الكوفة قد أحاطت به المحن والأزمات يتبع بعضها بعضاً، يرى باطل معاوية قد استحكم، وشرّه قد استفحل وهو لا يتمكّن أن يقوم بأي عمل لتغيير الأوضاع الاجتماعية المتدهورة المنذرة بأفول دولة الحق، وإقامة حكومة الظلم والجور.

لقد استوعبت المحن الشاقة التي أحاطت بالإمام نفسه الشريفة فراح يدعو الله، ويتوسّل إليه بحرارة أن ينقله إلى جواره، ويريحه من هذا العالم المليء بالفتن والأباطيل، واستجاب الله دعاء الإمام فقد عقدت عصابة مجرمة من الخوارج مؤتمراً في مكّة، وأخذوا يذكرون بمزيد من الأسى والحزن قتلاهم الذين حصدت رؤوسهم سيوف الحق في النهروان، وعرضوا ما مني به العالم الإسلامي من الفتن والانشقاق وألقوا تبعة ذلك حسب زعمهم على الإمام أمير المؤمنين، ومعاوية وعمرو بن العاص، فقرّروا القيام باغتيالهم، وعيّنوا لذلك وقتاً خاصاً، وضمن لهم ابن اليهودية عبد الرحمن بن ملجم اغتيال الإمام أمير المؤمنين، ومن الجدير بالذكر أن مؤتمرهم كان بمرأى ومسمع من السلطة المحلّية بمكّة، وأكبر الظنّ أنّها كانت على اتصال معهم وأن القوى المنحرفة عن الإمام قد أمدّت ابن ملجم بالمال ليقوم باغتيال الإمام.

وعلى أيّ حال فقد قفل ابن ملجم راجعاً إلى الكوفة وهو يحمل شرّ أهل الأرض، ويحمل الكوارث المدمّرة للمسلمين، وفور وصوله إلى الكوفة اتصل بعميل الأمويين المنافق الأشعث بن قيس، وأخبره بمهمته، فشجّعه على اقتراف الجريمة، وأبدى له تقديم جميع ألوان المساعدات لتنفيذها.

وفي ليلة التاسع عشر من رمضان شهر الله المبارك اتّجه زعيم الموحّدين وسيّد المتقين نحو مسجد الكوفة ليؤدّي صلاة الصبح، فأقبل نحو الله، فشرع في صلاته، ولما رفع رأسه من السجود علاه ابن اليهودية بالسيف فشقّ رأسه الشريف الذي كان كنزاً من كنوز العلم والحكمة والإيمان، والذي ما فكّر إلا بتوزيع خيرات الله على البؤساء والمحرومين، وإشاعة الحقّ والعدل بين الناس.

ولمّا أحسّ الإمام بلذع السيف علت على شفتيه ابتسامة الرضا والظفر، وراح يقول:

(فزت وربّ الكعبة..).

لقد فزت يا إمام المتّقين لأنك في طيلة حياتك لم توارب ولم تخادع ولم تداهن، ومضيت على بصيرة من أمرك مقتدياً بسّد المرسلين ابن عمك صلى الله عليه وعليك، فكان ذلك حقاً هو الفوز العظيم.

لقد فزت يا إمام المصلحين، فقد وهبت حياتك لله وجاهدت في سبيله جهاد المنيبين والمخلصين.

لقد فزت أيّها الإمام الحكيم لأنّك خبرت الدنيا، وعرفتها دار فناء وزوال فطلّقتها ثلاثاً، وأعرضت عن زينتها ومباهجها واتجهت صوب الله فعملت كل ما يرضيه، وما يقربك إليه زلفى.

وحمل الإمام إلى منزله، وقد فاضت عيون الناس بالدموع وتقطّعت النفوس ألماً وحزناً، وكان الإمام هادئ النفس قرير العين، قد تعلّق قلبه بالله، وهام في مناجاته، وقد سأله مرافقة الأنبياء والأوصياء، وأخذ يلقي نظراته على أولاده، وخصّ ولده أبا الفضل بالعطف والحنان، واستشفّ من وراء الغيب أنّه ممن يرفع راية القرآن، ويقوم بنصرة أخيه ريحانة رسول الله المنافح الأول عن رسالة الإسلام.


وصايا خالدة:

ولما شعر الإمام العظيم بدنوّ أجله المحتوم أخذ يوصي أولاده بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وأمرهم أن يجسّدوا الإسلام في سلوكهم واتجاهاتهم، وفيما يلي بعض بنود وصيّته.

أ- التحلّي بتقوى الله التي هي الأساس في بناء الشخصية الإسلامية على أساس متكامل من الوعي والازدهار.

ب - الالتزام بالحق قولاً وعملاً وبه تصان الحقوق وتسود العدالة الاجتماعية بين الناس.

ج - مناجزة الظالم والوقوف في وجهه، ومناصرة المظلوم ومساعدته، وفي ذلك إقامة للعدل الذي هو من أهمّ الأهداف الأصيلة التي ينشدها الإسلام.

د - السعي في إصلاح ذات البين، وإزالة البغضاء والكراهيّة بين المتخاصمين وهو من أفضل الأعمال وأهمّها في الإسلام لأن فيه إقامة لمجتمع متطوّر قائم على المحبّة والمودّة.

هـ - مراعاة الأيتام، والقيام بصلتهم، ورفع الحاجة عنهم، وهذا من جملة بنود التكافل الإسلامي الذي هو من أبدع ما شرّعه الإسلام في نظامه الاقتصادي.

و - الإحسان إلى الجيران، والإغداق عليهم بالبرّ والمعروف لأنّ فيه إشاعة للمحبّة بين المسلمين، كما أنّه في نفس الوقت من أهمّ الوسائل في تماسك المجتمع الإسلامي ووحدته.

ز - العمل بما في القرآن الكريم من أحكام وسنن وآداب فإنّه خير ضمان لصيانة سلوك الإنسان المسلم، وتهذيبه، ورفع مستواه.

ح - إقامة الصلاة في أوقاتها وأدائها على أحسن وجه فإنّها عمود الدين ومعراج المؤمن، وهي ترفع الإنسان إلى مستوى عظيم إذ تشرفه بالاتصال بخالق الكون وواهب الحياة.

ط - إحياء المساجد بذكر الله من العبادة والعلم، وتعتبر المساجد من أهمّ المراكز في إشاعة الآداب والفضائل بين المسلمين.

ي - الجهاد في سبيل الله بالأنفس والأموال لإقامة معالم الدين وإحياء السنّة، وإماتة البدعة.

ك - إشاعة المحبّة والمودّة بين المسلمين، وذلك بالتواصل والتوادد وترك التدابر والتقاطع، وغير ذلك مما يؤدّي إلى فصم عرى الوحدة بينهم.

ل - إقامة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لأنّه مما يؤدّي إلى إقامة مجتمع سليم تسوده العدالة، أما ترك ذلك فإن له من المضاعفات السيّئة التي توجب ارتطام المجتمع بالفتن والبلاء كتولية الفساق والأشرار لشؤونه، وعدم استجابة الدعاء من أفراده.

هذه بعض الوصايا الخالدة التي أدلى بها الإمام العظيم، وهو على فراش الموت(3).


إلى جنّة المأوى:
وسرى السمّ في جميع أجزاء بدن الإمام (عليه السلام) من جرّاء الضربة الغادرة التي عمّمه فيها ابن اليهودية عبد الرحمن بن ملجم، وأخذ الموت يدنو إليه سريعاً سريعاً، وقد استقبل إمام المتّقين الموت بثغر باسم، ونفس آمنة مطمئنة متعطشة إلى لقاء الله راضية بقضائه وقدره، وكان لا يفترّ لحظة واحدة عن ذكر الله، وقرائة كتابه، وقد حفّ به أبناؤه وهم يذرفون أحرّ الدموع قد مزّق المصاب قلوبهم، وقد استقبل القبلة حامداً لله حتى ارتفعت روحه العظيمة إلى بارئها تحفّها ملائكة الرحمن، وأرواح الأنبياء والأوصياء وقد ازدهرت به جنان الخلد.

لقد توفّي عملاق الفكر الإنساني، ورائد العدالة الاجتماعية في الأرض، لقد عاش هذا الإمام العظيم غريباً في مجتمع لم يعرف مكانته، ولم يع قيمه وأهدافه التي كان منها أن ينفي البؤس والشقاء من الأرض، وينفي الحاجة والحرمان عن بني الإنسان، فيوزع عليهم خيرات الله، فثارت في وجهه العصابة المجرمة من الرأسمالية القرشية، وأوغاد الأمويين الذين اتخذوا مال الله دولاً، وعباد الله خولاً، وقد صمد الإمام في وجوههم، ولم ينثن عن عزمه الجبّار حتى استشهد مناضلاً عن قيمه وأهدافه.


تجهيزه:
وانبرى الإمام الحسن (عليه السلام)، ومعه السادة الكرام من إخوانه ومن بينهم أبوالفضل العبّاس (عليه السلام) إلى تجهيز الجثمان العظيم، فغسّلوا الجسد الطاهر، ثم أدرجوه في أكفانه، وهم يذرفون أحرّ الدموع وبعد ذلك حملوه إلى مقرّه الأخير، فدفنوه في مرقده المطهّر في النجف الأشرف، وقد أعزّه الله، ورفع من شأنه فجعله كعبةً للوافدين، ولم يحظ مرقد من مراقد أولياء الله كما حظي مرقده الشريف فقد أحيط بهالة من التعظيم والتقديس عند كافة المسلمين.

لقد شاهد سيّدنا أبو الفضل العباس (عليه السلام) خلافة أبيه، وما رافقها من الأحداث الجسام، وما قاساه أبوه من المصاعب والمشاكل في سبيل تطبيق العدالة الاجتماعية على واقع الحياة العامة بين المسلمين وقد تنكّرت له وحاربته القوى الباغية على الإسلام، والحاقدة على الإصلاح الاجتماعي.

لقد وعى العبّاس الأهداف المشرقة التي كان ينشدها أبوه فآمن بها، وجاهد في سبيلها، وقد انطلق مع أخيه سيّد الشهداء إلى ساحات الشرف والجهاد من أجل أن يعيدا للمسلمين سيرة أبيهما الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ومنهجه المشرق في عالم السياسة والحكم.


خلافة الإمام الحسن:
وتسلّم الإمام الحسن (عليه السلام) قيادة الدولة الاسلامية بعد وفاة أبيه، وكانت الأوضاع الاجتماعية والسياسية، كلها في غير صالحه، فالأكثرية الساحقة من الرؤساء والقادة العسكريين كانت اتجاهاتهم وميولهم سرّاً وعلانية مع معاوية، فقد غزاهم بذهبه، واسترقهم بأمواله، كما انتشرت بين كتائب جيشه فكرة الخوارج التي كانت سوسة تنخر في معسكره، وتعلن عدم شرعية خلافته، وخلافة أبيه من قبل، ومن ثمّ كان إقبال الجماهير على مبايعته فاتراً جدّاً، وكذلك لم تندفع القوات المسلّحة بحماس إلى بيعته، وإنّما كانت مرغمة على ذلك، الأمر الذي أوجب تريّب الإمام الحسن منهم، ويرى المراقبون للأوضاع السياسية في جيش الإمام أنّه قد ماج في الفتنة وارتطم في الشقاء، وأن خطره على الإمام كان أعظم من خطر معاوية وأنّه لا يصلح بأي حال من الأحوال لأن يخوض الإمام به أي ميدان من ميادين الحرب.

وعلى أي حال فان الإمام قد تسلّم قيادة الدولة، وقد منيت بالانحلال والضعف، وشيوع الفتن والاضطراب فيها، وان من العسير جدّاً السيطرة على الأوضاع الاجتماعية، وإخضاع البلاد إلى عسكره. اللهم إلا بسلوك أمرين:

- الأوّل:- إشاعة الأحكام العرفيّة في البلاد، ومصادرة الحريات العامة، ونشر الخوف والإرهاب، وأخذ الناس بالظنّة والتهمة، وهذا ما يسلكه عشّاق الملك والسلطان حينما يمنون بمثل هذه الأزمات في شعوبهم.

أمّا أئمّه أهل البيت: فإنهم لا يرون مشروعية هذه السياسة، وإن أدّت إلى الانتصار، ويرون ضرورة توفير الحياة الحرّة الكريمة للشعب، وإقصاء الوسائل الملتوية عنه.

- الثاني:- تقديم الطبقة الرأسمالية وذوي النفوذ على فئات الشعب، ومنحهم الأموال والامتيازات الخاصة، والوظائف المهمة ولو فعل ذلك الإمام الحسن لاستقرّت له الأمور، وما مني جيشه بالتمرّد والانحلال، إلا أنّه ابتعد عن ذلك ابتعاداً مطلقاً لأنّه لا تبيحه شريعة الله.

لقد كان منهج الإمام الحسن في سياسته واضحاً لا لبس فيه ولا غموض وهو التمسّك بالحقّ، وعدم السلوك في المنعطفات، واجتناب الطرق الملتوية، وإن أدّت إلى الظفر والنصر.


إعلان معاوية للحرب:
وبادر معاوية إلى إعلان الحرب على سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأنّه على علم بما مني به جيش الإمام من الانحلال والخيانة فأغلب قادة الفرق، وضبّاط الجيش، وسائر المراتب قد رشاهم معاوية بذهبه وأمواله، ومنّاهم بالوظائف العالية، كما كاتب بعضهم بأن يزوجه بإحدى بناته، فقد استعمل الرشوة معهم على نطاق واسع، وقد استجابوا له، وضمنوا له تسليم الإمام أسيراً متى شاء وأراد، أو اغتياله، وقد حفزته هذه العوامل لاستعجال الحرب وحسم الموقف من صالحه.

وزحف معاوية بجيوشه المتماسكة والمطيعة صوب العراق، ولما علم الإمام الحسن بذلك جمع قوّاته المسلّحة، وأعلمهم بالأمر ودعاهم إلى الجهاد وردّ العدوان فوجموا وساد عليهم الذعر والخوف فلم يجبه أحد منهم فقد آثروا العافية، وسئموا من الحرب، ولما رأى تخاذلهم الزعيم الكبير عديّ بن حاتم تميّز غيظاً وغضباً، واندفع بحماس بالغ نحوهم فجعل يؤنّبهم على هذا التخاذل، وأعلن استجابته المطلقة لدعوة الإمام، ودعم موقفه كلّ من الزعيم الشريف قيس بن سعد بن عبادة، ومعقل بن قيس الرياحي، وزياد بن صعصعة التميمي فأخذوا يلومونهم على هذا الموقف الذي ليس فيه شرف ولا إنصاف، ويبعثونهم إلى ساحات الجهاد.

وخرج الإمام الحسن (عليه السلام) من فوره لمقابلة معاوية، وسار معه أخلاط من الناس حتى انتهى إلى النخيلة فاستقام فيها حتى التحمت به فصائل من جيشه المتخاذل، ثم ارتحل حتى انتهى إلى دير عبد الرحمن فأقام به ثلاثة أيام، ثم واصل سيره لا يلوي على شيء.


في المدائن:
وانتهى الإمام، ومعه بعض الفرق من جيشه إلى المدائن، فأقام بها، وقد أحاطت به المصاعب والأزمات فقد عانى من جيشه الممزّق والخائن ألواناً شاقّة وعسيرة من المحن والمشاكل، وابتلي بما لم يبتل به أحد من قادة المسلمين وخلفائهم، وكان من بين ما امتحن به:

1- خيانة القائد العام:
وكان من أقسى ما ابتلي به الإمام في تلك المرحلة الحسّاسه خيانة ابن عمّه عبيد الله بن العبّاس القائد العام لقوّاته المسلّحة، فقد أرشاه معاوية بما يقارب المليون درهم، فولّى الخائن الجبان منهزماً تحت جنح الليل البهيم يصحب معه العار والخزي، فالتحق بمعسكر معاوية، ولما علم الجيش بذلك اضطرب اضطراباً هائلاً، وماج في الفتنة والشقاء، ودبّت روح الخيانة في جميع قطعات الجيش كما خان جماعة من ذوي الرتب العليا في الجيش فالتحقوا بمعسكر معاوية بعد أن أرشاهم بأمواله.

إن خيانة عبيد الله من أقسى الضربات التي حلّت بجيش الإمام، فقد فتحت أبواب الخيانة على مصراعيها لذوي الضمائر القلقة لبيع ضمائرهم على معاوية، كما أدّت إلى انهيار معنويات جيش الإمام، وفي نفس الوقت كانت من أقسى الصدمات التي واجهها الإمام في تلك الفترة العصيبة فقد ألقت له الأضواء على نفوس أغلب قادة جيشه، وأنّهم مجموعة من الخونة الذين لا يملكون أي رصيد ديني أو وطني.

2- محاولات لاغتيال الإمام:
ولم تقتصر محنة الإمام وبلواه من جيشه إلى هذا الحدّ، وإنّما امتدّت إلى ما هو أعظم من ذلك، فقد قام عملاء الأمويين وبهائم الخوارج بعدة عمليات لاغتيال الإمام، وقد فشلت جميعها وهي:

أ- رمي الإمام بسهم وهو في أثناء الصلاة، ولم يؤثّر فيه شيئاً.

ب - طعنه بخنجر في أثناء الصلاة.

ج - طعنه في فخذه.

وضاقت الدنيا على ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وطافت به المحن والأزمات وأيقن أنّه لا محالة إمّا أن يغتال، ويضاع دمه هدراً أو يلقى عليه القبض ويبعث أسيراً إلى معاوية، وأجال النظر في هذه الأمور فأفزعته إلى حدّ بعيد.

3- الحكم عليه بالكفر:
وتمادى الخونة والعملاء في جيش الإمام في الجريمة والشرّ، فقد قابلوا الإمام بكلمات كانت أشدّ عليه من ضرب السيوف وطعن الرماح، فقد أقبل عليه الجرّاح بن سنان يشتدّ كأنّه الكلب وهو رافع عقيرته قائلاً:

(لقد أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل..).

ولم ينبر أحد من جيش الإمام إلى معاقبة هذا الأثيم، لقد انحرف هؤلاء الخونة عن الحق، ومالوا عن الطريق القويم، فقد حكموا على ابن بنت نبيّهم وابن وصيّه بالكفر والمروق من الدين، فأي ضلال مثل هذا الضلال؟.

4- نهب أمتعة الإمام:
وعمد أولئك الأجلاف إلى نهب أمتعة الإمام فنزعوا منه بساطاً كان جالساً عليه، وسلبوا منه رداءه، ولم تكن هناك أيّة حماية للإمام من جيشه، فقد جرت هذه العملية بمرأى ومسمع منهم.

هذه بعض الأحداث المروعة التي عاناها الإمام (عليه السلام) في المدائن وهي تلزمه بالصلح والتخلّي عن ذلك المجتمع المصاب بأخلاقه، وعقيدته.


ضرورة الصلح:
أمّا صلح الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية فقد كان ضرورياً حسب الأعراف السياسية، كما كان واجباً شرعياً مسؤول عن تنفيذه أمام الله والأمة، فإنه لو فتح باب الحرب بجيشه المنهزم نفسياً لتغلب عليه معاوية بأول حملة، ولما أمكنه أن يحقق أي نصر، وفي تلك الحالة لا يخلو أمره من إحدى حالتين: إمّا القتل أو الأسر، فإن قتل فلا تستفيد منه القضية الإسلامية لأنّ معاوية بما يملك من دبلوماسية مبطّنة بالخداع والمكر والنفاق، سوف يلقي التبعة على الإمام في قتله، ويبرّئ نفسه من أيّة مسؤولية، وأما إذا لم يقتل الإمام، وحمل إلى معاوية أسيراً، فإنه من دون شكّ سوف يعفو عنه، وبذلك يسجّل له يداً بيضاء على الأسرة النبوية، ويمحو عنه وعن أسرته وصمة الطليق التي وصمهم بها النبي (صلى الله عليه وآله).

وعلي أيّ حال فإن الإمام الحسن (عليه السلام) قد اضطرّ إلى الصلح وأرغم عليه، ولم تكن هناك أيّة مندوحة للعدول عنه، وقد جرى الصلح حسب شروط ذكرناها بالتفصيل مع تحليلها في كتابنا (حياة الإمام الحسن (عليه السلام) ) وممّا لا شكّ فيه حسب المقاييس العلمية والسياسية أن الإمام أبا محمد قد انتصر في هذا الصلح، فقد أبرز حقيقة معاوية الجاهلية، وقد ظهرت خفايا نفسه، وما يكنّه من حقد وعداء للإسلام وللمسلمين، فإنه حينما استتبّ له الأمر عمد بشكل سافر إلى محاربة الإسلام والانتقام من أعلامه أمثال الصحابي العظيم حجر بن عدي، وأخلد بجرائمه للمسلمين المصاعب والكوارث، وألقاهم في شرّ عظيم، وسوف نتحدّث عن ذلك في البحوث الآتية.

وبعد ما انتهى الإمام أبو محمد من الصلح غادر الكوفة التي غدرت به وبأبيه لتستقبل جور معاوية وظلمه، وكان معه أهل بيته واخوته، ومن بينهم أخوه وعضده أبو الفضل العبّاس، وأخذوا يجدون السير لا يلوون على شيء حتى انتهوا إلى يثرب، وقد استقبلتهم بحفاوة بالغة البقيّة الباقية من الصحابة وأبنائهم، واستقرّ الإمام في يثرب، وقد التف حوله الفقهاء والعلماء فأخذ يغذّيهم بعلومه ومعارفه، ويغدق على البؤساء والمحرومين من فيض جوده وكرمه، وقد استعادت يثرب بوجوده ما فقدته من القيادة الروحية للمسلمين حينما غادرها وصيّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

وعلى أيّ حال فقد شاهد أبو الفضل العبّاس (عليه السلام) ما جرى على أخيه الزكيّ أبي محمد (عليه السلام) من المحن الشاقة والعسيرة، ورأى غدر أهل الكوفة، وخيانتهم له، ونكثهم لبيعتهم له، وقد عرفته هذه الأوضاع السياسية والاجتماعية حقيقة المجتمع، وأن الغالبية الساحقة منه ينسابون وراء مصالحهم وليس للقيم الدينية أي أثر في نفوسهم، وبهذا نطوي الحديث عن بعض الأحداث المروعة التي شاهدها أبو الفضل العبّاس (عليه السلام).

____________________
1 - حياة الإمام الحسين 3: 80.
2 - حياة الإمام الحسن 1: 358 الطبعة الثالثة.
3 - يلاحظ نهج البلاغة فقد حفل بهذه الوصايا القيّمة


source : sibtayn
2044
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

وقفات مع دولة الامام المهدى عليه السلام
مصادر علم الائمة من اهل البيت عليهم السلام
في زياراتِ الحُسين (عليه السلام) المخصُوصة
مناجاة الامام الصادق عليه السلام
تسبيح الزهراء
الشيخ محمد صنقور: يبين حكم ذبائح الجن
أصل يوم العذاب في ظلامات فاطمة عليها السلام
السیده رقیه بنت الحسین علیها السلام
كنى الإمام الحسين (عليه السّلام)
قاعدة : الضرورات تقدّر بقدرها

 
user comment