عربي
Wednesday 30th of September 2020
  625
  0
  0

ثقافة الرجعة

ثقافة الرجعة

لتوضیح واقع هذه السنة القرآنیة فی سنن التاریخ یتطلب منا ان نحلل عناصر المجتمع ، ما هی عناصر المجتمع من زاویة نظر القرآن الکریم ، ما هی مقومات المرکب الاجتماعی ، کیف یتم التنفیذ بین هذه العناصر والمقومات وضمن أی اطار وأی سنن ؟ هذه الاسئلة نحصل على جوابها فی النص القرآنی الشریف الذی تحدث عن خلق الانسان الاول « واذ قال ربک للملائکة انی جاعل فی الارض خلیفة قالوا اتجعل فیها من یفسد فیها ویسفک الدماء ونحن نسبح بحمدک ونقدس لک » (1) . حینما نستعرض هذه الآیة الکریمة نجد ان الله سبحانه وتعالى ینبأ الملائکة بأنه قرر انشاء مجتمع على الارض فما هی العناصر التی تتحدث عن هذه الحقیقة العظیمة ؟ هناک ثلاثة عناصر یمکن استخلاصها من العبارة القرآنیة :
1 ـ الانسان .
2 ـ الارض أو الطبیعة على وجه عام « انی جاعل فی الارض خلیفة » فهناک ارض او طبیعة على وجه عام وهناک الانسان الذی یجعله الله سبحانه وتعالى على الارض .
3 ـ العلاقة المعنویة التی تربط الانسان بارض وبالطبیعة وتربط من ناحیة اخرى الانسان بأخیه الانسان هذه العلاقة المعنویة التی سماها القرآن الکریم بالاستخلاف ، هذه هی عناصر المجتمع ، الانسان والطبیعة والعلاقة المعنویة التی تربط الانسان بالطبیعة من ناحیة وتربط الانسان باخیه الانسان من ناحیة اخرى وهی العلاقة التی سمیت قرآنیا بالاستخلاف . ونحن حینما نلاحظ المجتمعات البشریة نجد انها جمیعا تشترک بالعنصر الاول والعنصر الثانی ، فلا یوجد مجتمع بدون انسان یعیش مع أخیه الانسان ولا یوجد مجتمع بدون ارض او طبیعة یمارس الانسان علیها دوره الاجتماعی وفی هذین العنصرین تتفق المجتمعات التاریخیة والبشریة . واما العنصر الثالث : ففی کل مجتمع علاقة کما ذکرنا ولکن المجتمعات تختلف طبیعة هذه العلاقة وفی کیفیة صیاغتها .
فالعنصر الثالث هو العنصر المرن والمتحرک من عناصر المجتمع وکل مجتمع یبنی هذه العلاقة بشکل قد یتفق وقد یختلف مع طریقة بناء المجتمع الاخر لها . وهذه العلاقة لها صیغتان احدهما صیغة رباعیة وقد اطلق علیها اسم « الصیغة الرباعیة » والاخرى صیغة ثلاثیة .
الصیغة الرباعیة : هی الصیغة التی ترتبط بموجبها الطبیعة والانسان مع الانسان ، هذه اطراف ثلاثة فالعلاقة اذن اتخذت صیغة تربط بموجبها بین هذه الاطراف وهی الطبیعة والانسان مع اخیه الانسان ولکن مع افتراض طرف رابع ایضا ، الصیغة الرباعیة تربط بین هذه وهذا الطرف الرابع لیس داخلا فی اطار المجتمع وانما خارج عن اطاره . ولکن الصیغة الرباعیة للعلاقة الاجتماعیة تعتبر هذا الطرف الرابع مقوما من المقومات الاساسیة للعلاقة الاجتماعیة على رغم خروجه خارج اطار المجتمع ، وهذه الصیغة الرباعیة للعلاقة الاجتماعیة ذات الابعاد الاربعة هی التی طرحها القرآن الکریم تحت اسم الاستخلاف .
الاستخلاف اذن هو العلاقة الاجتماعیة من زاویة نظر القرآن الکریم وعند تحلیل الاستخلاف نجد انه ذو اربعة اطراف لانه یفترض مستخلفا ایضا . لا بد من مستخلف ومستخلف علیه ، ومستخلف . فهناک اضافة الى الانسان واخیه الانسان والطبیعة یوجد طرف رابع فی طبیعة وتکوین علاقة الاستخلاف وهو المستخلف اذ لا استخلاف بدون مستخلف ، فالمستخلف هو الله سبحانه وتعالى والمستخلف هو الانسان واخوه الانسان ، أی الانسانیة ککل الجماعة البشریة والمستخلف علیه هو الارض وما علیها ومن علیها فالعلاقة الاجتماعیة ضمن صیغة الاستخلاف تکون ذات اطراف اربعة وهذه الصیغة تنطبق بوجهة نظر معینة نحو الحیاة والکون بوجهة نظر قائلة بانه لا سید ولا اله للکون وللحیاة الا الله سبحانه وتعالى وان دور الانسان فی ممارسة حیاته انما هو دور الاستخلاف والاستئمام وأی علاقة تنشأ بین الانسان والطبیعة فهی فی جوهرها لیست علاقة مالک بمملوک وانما هی علاقة امین على امانة استؤمن علیها وأی علاقة تنشأ بین الانسان واخیه الانسان مهما کان المرکز الاجماعی لهذا او لذاک فهی علاقة استخلاف وتفاعل بقدر ما یکون هذا الانسان مؤدیا لواجبه بهذه الخلافة ولیس علاقة سیادة أو الوهیة او مالکیة ، هذه الصیغة الاجتماعیة الرباعیة الاطراف التی صاغها القرآن الکریم تحت اسم الاستخلاف ترتبط بوجهة النظر المعینة للحیاة والکون . فی مقابلها یوجد للعلاقة الاجتماعیة صیغة ثلاثیة الاطراف ، صیغة تربط بین الانسان والانسان والطبیعة ولکنها تقطع صلة هذه الاطراف مع الطرف الرابع ، تجرد ترکیب العلاقة الاجتماعیة عن البعد الرابع ، عن الله سبحانه وتعالى . وبهذا تتحول نظرة کل جزء الى الجزء الاخر داخل هذا الترکیب وداخل هذه الصیغة .
وجدت الالوان المختلفة للملکیة والسیادة ، سیادة الانسان على أخیه الانسان باشکالها المختلفة التی استعرضها التاریخ بعد ان عطل البعد الرابع وبعد ان افترض ان البدایة هی الانسان ، حینئذ تنوعت على مسرح الصیغة الثلاثیة اشکال الملکیة واشکال السیادة ، سیادة الانسان على اخیه الانسان .
وبالتدقیق فی المقارنة بین الصیغتین ، الصیغة الرباعیة والصیغة الثلاثیة یتضح ان اضافة الطرف الرابع للصیغة الرباعیة لیس مجرد اضافة عددیة ، لیس مجرد طرف جدید یضاف الى الاطراف الاخرى بل ان هذه الاضافة تحدث تغییرا نوعیا فی بنیة العلاقة الاجتماعیة وفی ترکیب الاطراف الثلاثة الاخرى نفسها ، لیس هذا مجرد عملیة جمع ثلاثة زائد واحد ، بل هذا الواحد الذی یضاف الى الثلاثة سوف یعطی للثلاثة روحا أخرى ومفهوما آخر ، سوف یحدث تغییرا اساسیا فی کنیة هذه العلاقة ذات الاطراف الاربعة کما رأینا ،اذ یعود الانسان مع اخیه الانسان مجرد شرکاء فی محل هذه الامانة والاستخلاف وتعود الطبیعة بکل ما فیها من ثروات وبکل ما علیها ومن علیها مجرد امانة لابدّ من رعایة واجبها واداء حقها . هذا الطرف الرابع هو فی الحقیقة مغیر نوعی لترکیب العلاقة اذن امامنا للعلاقة الاجتماعیة صیغتان صیغة رباعیة وصیغة ثلاثیة والقرآن الکریم آمن بالصیغة الرباعیة کما رأینا فی الآیة الکریمة ، الاستخلاف هو الصیغة الرباعیة للعلاقة الاجتماعیة لکن القرآن الکریم اکثر من أنه آمن بالصیغة الرباعیة فی المقام أعتبر الصیغة الرباعیة سنة من سنن التاریخ کما رأینا فی الآیة السابقة کیف اعتبر الدین سنة من سنن التاریخ کذلک اعتبر الصیغة الرباعیة للعلاقة الاجتماعیة التی هی صیغة الدین فی الحیاة . اعتبر هذه العلاقة بصیغتها الرباعیة سنة من سنن التاریخ . کیف ؟
هذه الصیغة الرباعیة عرضها القرآن الکریم على نحوین : عرضها تارة بوصفها فاعلیة ربانیة من زاویة دور الله سبحانه وتعالى فی العطاء . وهذا هو العرض الذی قرأناه « إنی جاعل فی الارض خلیفة » هذه العلاقة الرباعیة معروضة فی هذا النص الشریف باعتبارها عطاءا من الله ، جعلا من الله یمثل الدور الایجابی والتکریمی من رب العالمین للانسان وعرض الصیغة الرباعیة نفسها من زاویة اخرى . عرضها بوصفها وبنحو ارتباطها مع الانسان بما هی أمر یتقبله الانسان . عرضها من زاویة تقبل الانسان لهذه الخلافة وذلک فی قوله سبحانه وتعالى « انا عرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال فأبین ان یحملنها واشفقن منها وحملها الانسان انه کان ظلوما جهولا » (2) . الامانة هی الوجه التقبلی للخلافة ، الخلافة هی الوجه الفاعلی والعطائی للامانة ، الامانة والخلافة عبارة عن الاستخلاف والاستئمان وتحمل الاعباء . عبارة عن الصیغة الرباعیة وهذه تارة نلحظها من زاویة ربطها بالفاعل وهو الله سبحانه وتعالى بقوله « انی جاعل فی الارض خلیفة » واخرى نلحظها من زاویة القابل کما یقول الفلاسفة ، من ناحیة دور الانسان فی تقبل هذه الخلافة وتحمل هذه الامانة وذلک بقوله تعالى « وعرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال ... » وهذه الامانة التی تقبلها الانسان وتحملها حینما عرضت علیه بعض هذه الآیة الکریمة ، هذه الامانة او هذه الخلافة او بالتفسیر الذی قلناه هذه العلاقة الاجتماعیة بصیغتها الرباعیة . لم تعرض على الانسان بوصفها تکلیفا او طلبا لیس المقصود من عرضها على الانسان هو العرض على مستوى التکلیف والطلب ولیس المقصود من تقبل هذه الامانة هو تقبل هذه الخلافة على مستوى الامتثال والطاعة ، لیس المفروض ان یکون هکذا العرض وان یکون هکذا التقبل بقرینة ان هذا العرض کان معروضا على الجبال ایضا ، على السماوات والارض ایضا فمن الواضح انه لا معنى لتکلیف السماوات والجبال والارض . نعرف من ذلک ان هذا العرض لیس عرض تشریعی ، هذا العرض معناه ان هذه العطیة الربانیة کانت تفتش عن الموضع المنسجم معها بطبیعته ، بفطرته ، بترکیبه التاریخی والکونی ، الجبال لا تنسجم مع هذه الخلافة ، السماوات والارض لا تنسجم مع هذه العلاقة الاجتماعیة الرباعیة . الانسان هو الکائن الوحید الذی بحکم ترکیبه وبحکم بنیته وبحکم فطرة الله التی قرأناها فی الآیة السابقة کان منسجما مع هذه العلاقة الاجتماعیة ذات الاطراف الاربعة والتی تصبح أمانة وخلافة . اذن العرض هنا عرض تکوینی والقبول هنا قبول تکوینی وهو معنى سنة التاریخ یعنی ان هذه العلاقة الاجتماعیة ذات الاطراف الاربعة داخلة فی تکوینة الانسان وفی ترکیب مسار الانسان الطبیعی والتاریخی ، ونلاحظ انه فی هذه الآیة الکریمة ایضا جاءت الاشارة الى هذه السنة التاریخیة وانها سنة من الشکل الثالث . سنة تقبل التحدی وتقبل العصیان . لیست من تلک السنن التی لا تقبل التحدی ابدا ولو للحظة ، لا .. هی سنة فطرة ولکن هذه الفطرة تقبل التحدی . کیف اشار القرآن الکریم الى ذلک بعد ان اوضح انها سنة من سنن التاریخ ؟ قال : « وحملها الإنسان انه کان ظلوما جهولا » هذه العبارة الأخیرة « انه کان ظلوما جهولا » تأکید على طابع هذه السنة وان هذه السنة على الرغم من انها سنة من سنن التاریخ ولکنها سنة تقبل التحدی ، تقبل ان یقف الانسان منها موقفا سلبیا . هذا التعبیر یوازی تعبیر « ولکن اکثر الناس لا یعلمون » فی الآیة السابقة اذن الآیة السابقة استخلصنا منها ان الدین سنة من سنن الحیاة ومن سنن التاریخ ومن هذه الآیة نستخلص ان صیغة الدین للحیاة التی هی عبارة عن العلاقة الاجتماعیة الرباعیة ، العلاقة الاجتماعیة ذات الاطراف الاربعة التی یسمیها القرآن بالخلافة والامانة والاستخلاف ، هذه العلاقة الاجتماعیة هی ایضا بدورها سنة من سنن التاریخ بحسب مفهوم القرآن الکریم فالحقیقة ان الآیة الاولى والآیة الثانیة متطابقتان تماما فی مفادهما لانه فی الآیة الاولى قال « فأقم وجهک للدین حنیفا فطرة الله التی فطر الناس علیها لا تبدیل لخلق الله ذلک الدین القیم » (3) التعبیر بالدین القیم تأکید على أن ما هو الفطرة وما هو داخل فی تکوین الانسان وترکیبه وفی مسار تاریخه هو الدین القیم یعنی ان یکون هذا الدین قیما على الحیاة ان یکون مهیمنا على الحیاة ، هذه القیمومة فی الدین هی التعبیر المجمل فی تلک الآیة عن العلاقة الاجتماعیة الرباعیة التی طرحت فی الآیتین ، فی آیة « انی جاعل فی الارض خلیفة » وآیة « انا عرضنا الامانة على السماوات والارض » فالدین سنة الحیاة والتاریخ ، الدین یدخل فیها بعداً رابعا لکی یحدث تغییرا فی کنیة هذه العلاقة لا لکی تکون مجرد اضافة عددیة .
هذه مفاهیم القرآن الکریم مستخلصة من هذه الآیات عن هذه السنة ، اما کیف نرید ان نتعرف بصورة اوضح وأوسع عن هذه السنة ، عن دور التاریخ کسنة ، عن دور الدین القیم ودور الخلافة والامانة ، عن دور العلاقة الاجتماعیة ذات الاطراف الاربعة ، دور الطرف الرابع . ما هو دوره کسنة من سنن التاریخ ، وکیف کان سنة من سنن التاریخ ؟ ، وکیف کان مقوما اساسیا لمسار الانسان على الساحة التاریخیة ؟ لکی نتعرف على ذلک لا بد من ان نتعرف على الرکنین الثابتین فی العلاقة الاجتماعیة ، هناک رکنان ثابتان فی العلاقة الاجتماعیة احدهما الانسان واخوه الانسان والاخر الطبیعة ، الکون والارض . هذان الرکنان داخلان فی الصیغة الثلاثیة وداخلان فی الصیغة الرباعیة ، ومن هنا نسمیهما بالرکنین الثابتین فی العلاقة الاجتماعیة لکی نعرف دور الرکن الجدید ودور هذا الرکن الجدید ، دور هذا الطرف الرابع ، دور الله سبحانه وتعالى فی ترکیب العلاقة الاجتماعیة ، یجب ان نعرف مقدمة لذلک دور الرکنین الثابتین .
ما هو دور الانسان فی عملیة التاریخ من زاویة النظرة القرآنیة ، من زاویة النظرة للقرآن والفهم الربانی من القرآن للتاریخ وسنن الحیاة ؟ ما هو دور الانسان فی العلاقة الاجتماعیة ؟ وما هو دور الطبیعة فی العلاقة الاجتماعیة على ضوء تشخیص هذین الدورین وتحدید هذین الموقفین ، سوف یتضح حینئذ دور هذا الطرف الجدید ، دور الطرف الرابع الذی تتمیز به الصیغة الرباعیة عن الصیغة الثلاثیة . ویتضح ان هذا الطرف الرابع عنصر ضروری بحکم سنة التاریخ وترکیب خلقة الانسان ولابدّ وان یندمج مع الاطراف الاخرى لتکوین علاقة اجتماعیة رباعیة الاطراف . اذن ففهم هذه السنة التاریخیة یتطلب منا ان نتحدث عن دور الانسان والطبیعة فی عملیة التاریخ من زاویة نظر القرآن الکریم وهذا ما سیأتی انشاء الله .
قلنا فی ما سبق ان اکتشاف الابعاد الحقیقیة لدور الدین فی حرکة التاریخ والمسیرة الاجتماعیة للانسان تتوقف على تحقیق وتقییم دور العنصرین او الرکنین الثابتین فی الصیغة وهما الانسان والطبیعة .
الان نتحدث عن الانسان ودور الانسان فی الحرکة التاریخیة من زاویة مفهوم القرآن الکریم .
من الواضح على ضوء المفاهمی التی قرأناها سابقا ان الانسان أو المحتوى الداخلی للانسان هو الاساس لحرکة التاریخ واننا ذکرنا ان حرکة التاریخ تتمیز عن کل الحرکات الاخرى بانها حرکة غائیة لا سببیة فقط ، لیست مشدودة الى سببها ، الى ماضیها . بل هی مشدودة الى الغایة لانها حرکة هادفة لها علة غائیة متطلعة الى المستقبل . فالمستقبل هو المحرک لأی نشاط من النشاطات التاریخیة . والمستقبل معدوم فعلا وانما یحرک من خلال الوجود الذهنی الذی یتمثل فیه هذا المستقبل . اذن ، فالوجود الذهنی هو الحافز والمحرک والمدار لحرکة التاریخ وهذا الوجود الذهنی یجسد من ناحیة جانبا فکریا وهو الجانب الذی یضم تصورات الهدف ، وایضا یمثل من جانب آخر الطاقة والارادة التی تحفز الانسان نحو هذا الهدف . اذن هذا الوجود الذهنی الذی یجسد المستقبل المحرک یعبر بجانب منه عن الفکر وفی جانب آخر منه عن الارادة وبالأمتزاج بین الفکر والارادة تتحقق فاعلیة المستقبل ومحرکیته للنشاط التاریخی على الساحة الاجتماعیة . وهذان الامران الفکر والارادة هما فی الحقیقة المحتوى الداخلی الشعوری للانسان . انه یتمثل فی هذین الرکنین الاساسیین وهما الفکر والارادة . اذن المحتوى الداخلی للانسان هو الذی یصنع هذه الغایات ویجسد هذه الاهداف من خلال مزجه بین فکرة وارادة . وبهذا صح القول بأن المحتوى الداخلی للانسان هو الاساس لحرکة التاریخ . والبناء الاجتماعی العلوی بکل ما یضم من علاقات ومن انظمة ومن افکار وتفاصیل هذا البناء العلوی فی الحقیقة مرتبط بهذه القاعدة فی المحتوى الداخلی للانسان ویکون تغیره وتطوره تابعا لتغیر هذه القاعدة وتطورها فاذا تغیر الاساس تغیرالبناء العلوی ، واذا بقی الاساس ثابتا ، بقی البناء العلوی ثابتا .
فالعلاقة بین المحتوى الداخلی للانسان والبناء الفوقی والتاریخی للمجتمع ، هذه العلاقة علاقة تبعیة أی علاقة سبب بسبب . هذه العلاقة تمثل سنة تاریخیة تقدم الکلام عنها فی قوله سبحانه وتعالى « ان الله لا یغیر ما بقوم حتى یغیروا ما بأنفسهم » (4) . هذه الآیة واضحة جدا فی المفهوم الذی اعطیناه وهو ان المحتوى الداخلی للإنسان هو القاعدة والأساس لبناء العلوی ، للحرکة التاریخیة لان الایة الکریمة تتحدث عن تغییرین احدهما تغییر القول « ان الله لا یغیر ما بقوم » یعنی تغییر اوضاع القوم ، شؤون القوم ، الابنیة العلویة للقوم ، ظواهر القوم ، هذه لا تتغیر حتى یتغیر ما بأنفس القوم . اذن التغییر الاساس هو تغییر ما بنفس القوم والتغییر النابع المترتب على ذلک هو تغییر حالة القوم النوعیة والتاریخیة والاجتماعیة ومن الواضح ان المقصود من تغییر ما بالانفس . تغییر ما بأنفس القوم بحیث یکون المحتوى الداخلی للقوم کقوم وکأمة وکشجرة مبارکة تؤتی أکلها کل حین متغیرا . والا تغیر الفرد الواحد او الفردین او الافراد الثلاثة
لا یشکل الاساس لتغیر ما بالقوم ، وانما یکون تغیر ما بالقوم تابعا لتغیر ما بأنفسهم کقوم وکأمة وکشجرة مبارکة تؤتی اکلها کل حین . فالمحتوى النفسی والداخلی للامة کأمة لا لهذا الفرد او لذلک الفرد هو الذی یعتبر أساسا وقاعدة للتغییرات فی البناء العلوی للحرکة التاریخیة کلها .
والاسلام والقرآن الکریم یؤمن بأن العملیتین یجب ان تسیرا جنبا الى جنب فی عملیة صنع الانسان لمحتواه الداخلی وبناء الانسان لنفسه ولفکره ولارادته ولمطموحاته . هذا البناء الداخلی یجب ان یسیر جنبا الى جنب مع البناء الخارجی ، مع الابنیة العلویة ولا یمکن ان یفترض انفکاک البناء الداخلی عن البناء الخارجی الا اذا بقی البناء الخارجی بناءا مهزوزا متداعیا . ولهذا سمى الاسلام عملیة بناء المحتوى الداخلی اذا اتجهت اتجاها صالحا بـ « الجهاد الاکبر » . وسمى عملیة البناء الخارجی اذا اتجهت اتجاها صالحا بعملیة « الجهاد الاصغر » وربط الجهاد الاصغر بالجهاد الاکبر واعتبر ان الجهاد الاصغر اذا فصل عن الجهاد الاکبر فقد محتواه ومضمونه ، بل فقد قدرته على التغییر الحقیقی على الساحة التاریخیة والاجتماعیة . اذن هاتان العملیتان یجب ان تسیرا جنبا الى جنب . فاذا انفکت احداهما عن الاخرى فقدت حقیقتها ومحتواها وسمى الاسلام العملیة الاولى عملیة بناء المحتوى الداخلی بالجهاد الاکبر تأکید على الصفة الاساسیة للمحتوى الداخلی وتوضیحا لهذه الحقیقة ، حقیقة ان المحتوى الداخلی للانسان هو الاساس ولهذا سمی بالجهاد الاکبر . فاذا بقی الجهاد الاصغر منفصلا عن الجهاد الاکبر ، حینئذ لا یحقق ذلک فی الحقیقة أی مضمون تغییری صالح . القرآن الکریم یعرض لحالة من حالات انفصال عملیة البناء الخارجی عن عملیة البناء الداخلی قال سبحانه وتعالى « ومن الناس من یعجبه قوله فی الحیاة الدنیا ویشهد الله على ما فی قلبه وهو الدّ الخصام . واذا تولى سعى فی الارض لیفسد فیها ویهلک الحرث والنسل والله لا یحب الفساد » (5) یرید ان یقول بان الانسان اذا لم ینفذ بعملیة التغییر الى قلبه والى اعماق روحه ، اذا لم یبن نفسه بناءا صالحا لا یمکنه ابدا ان یطرح الکلمات الصالحة . التی یمکن ان تتحول الى بناء صالح فی المجتمع اذا نبعت عن قلب یعمر بالقیم التی تدل علیها تلک الکلمات والا فتبقى الکلمات مجرد الفاظ جوفاء دون ان یکون لها مضمون ومحتوى . فمسألة القلب هی التی تعطی للکلمات معناها وللشعارات ابعادها ولعملیة البناء الخارجی اهدافها ومسارها . الى هنا عرفنا ان الاساس فی حرکة التاریخ هو المحتوى الداخلی للانسان . وهذا المحتوى الداخلی للانسان یشکل القاعدة . الان نتساءل : ما هو الاساس فی هذا المحتوى الداخلی نفسه ، ما هی نقطة البدء فی بناء هذا المحتوى الداخلی للانسان ، وما هو المحور الذی یستقطب عملیة بناء المحتوى الداخلی للانسان ؟ هو المثل الاعلى ، عرفنا ان المحتوى الداخلی للانسان یجسد الغایات التی تحرک التاریخ ، یجسدها من خلال وجودات ذهنیة تمتزج فیها الارادة بالتفکیر . وهذه الغایات التی تحرک التاریخ یحددها المثل الاعلى . فانها جمیعا تنبثق عن وجهة نظر رئیسیة الى مثل اعلى للانسان فی حیاته ، للجماعة البشریة فی حیاتها . وهذا المثل الاعلى هو الذی یحدد الغایات التفصیلیة وینبثق عنه هذا الهدف الجزئی وذلک الهدف الجزئی فالغایات بنفسها محرکة للتاریخ وهی بدورها نتاج لقاعدة اعمق منها فی المحتوى الداخلی للانسان وهو المثل الاعلى الذی تتمحور فیه کل تلک الغایات وتعود الیه کل تلک الاهداف . فبقدر ما یکون المثل الاعلى للجماعة البشریة صالحا وعالیا وممتدا تکون الغایات صالحة وممتدة ،
وبقدر ما یکون هذا المثل الاعلى محدودا او منخفضا تکون الغایات المنبثقة عنه محدودة ومنخفضة ایضا . اذن المثل الاعلى هو نقطة البدء فی بناء المحتوى الداخلی للجماعة البشریة . وهذا المثل الاعلى یرتبط فی الحقیقة بوجهة نظر عامة الى الحیاة والکون ، یتحدد من قبل کل جماعة بشریة على اساس وجهة نظرها العامة نحو الحیاة والکون ، على ضوء ذلک تحدد مثلها الاعلى . ومن خلال الطاقة الروحیة التی تتناسب مع ذلک المثل الاعلى ومع وجهة نظرها الى الحیاة والکون تحقق ارادتها للسیر نحو هذا المثل وفی طریق هذا المثل . اذن هذا المثل الاعلى هو فی الحقیقة ایضا یتجسد من خلال رؤیة فکریة ومن خلال طاقة روحیة تزحف بالانسان فی طریقة ، وکل جماعة اختارت مثلها الاعلى ، فقد اختارت فی الحقیقة سبیلها وطریقها ومنعطفات هذا السبیل وهذا الطریق کما رأینا ان الحرکة التاریخیة تتمیز عن أی حرکة اخرى فی الکون بانها حرکة غائیة وهادفة وکذلک تتمیز وتتمایز الحرکات التاریخیة انفسها بعضها عن بعض بمثلها العلیا . فلکل حرکة تاریخیة مثلها الاعلى ، وهذا المثل الاعلى هو الذی یحدد الغایات والاهداف وهذه الاهداف والغایات هی التی تحدد النشاطات والتحرکات ضمن مسار ذلک المثل الاعلى . والقرآن الکریم والتعبیر الدینی یطلق على المثل الاعلى فی جملة من الحالات اسم الاله باعتبار ان المثل الاعلى هو القائد الآمر المطاع الموجه . هذه صفات یراها القرآن لاله ولهذا یعبر عن کل من یکون مثل اعلى ، کل ما یمثل مرکز المثل الاعلى یعبر عنه بالاله لانه هو الذی یصنع مسار التاریخ ، حتى ورد فی قوله سبحانه وتعالى ( أرأیت من اتخذ الهه هواه ) (6) عبر حتى عن الهوى حینما یتصاعد تصاعدا مصطنعا فیصبح هو المثل الاعلى وهو الغایة القصوى لهذا الفرد او لذاک ، عبر عنه بانه اله . فالمثل العلیا بحسب التعبیر القرآنی والدینی هی آلهة فی الحقیقة لانها هی المعبودة حقا وهی الآمرة والناهیة حقا وهی المحرکة حقا ، فهی آلهة فی المفهوم الدینی والاجتماعی . وهذه المثل العلیا التی تتبناها الجمعات البشریة على ثلاثة اقسام :
القسم الاول : المثل الاعلى الذی یستمد تصوره من الواقع نفسه ، ویکون منتزعا من واقع ما تعیشه الجماعة البشریة من ظروف وملابسات ، أی ان الوجود الذهنی الذی صاغ المستقبل هنا لم یستطع یرتفع على هذا الواقع بل انتزع مثله الاعلى من هذا الواقع بحدوده وبقیوده وبشؤونه . وحینما یکون المثل الاعلى منتزعا عن واقع الجماعة بحدودها وقیودها وشؤونها تصبح حالة تکراریة ، تصبح بتعبیر آخر محاولة لتجمید هذا الواقع وحمله الى المستقبل بدلا عن التطلع الیه فقط یکون فی الحقیقة تجمیدا لهذا الواقع وتحویله من حالة نسبیة ومن امر محدود الى امر مطلق لان الانسان یعترضه هدفا ومثلا اعلى وحینما یتحول هذا الواقع من امر محدود الى هدف مطلق ، الى حقیقة مطلقة لا یتصور الانسان شیئا وراءها . حینما یتحول الى ذلک . سوف تکون حرکة التاریخ حرکة تکراریة لحالة سابقة ولهذا سوف یکون المستقبل تکرارا للواقع وللماضی .
هذا النوع من الآلهة یعتمد على تجمید الواقع وتحویل ظروفه النسبیة الى ظروف مطلقة لکی لا تستطیع الجماعة البشریة ان تتجاوز الواقع وان ترتفع بطموحاتها عن هذا الواقع . تبنی هذا النوع من المثل العلیا له احد سببین : السبب الاول الالفة والعادة والخمول والضیاع ، وهذا سبب نفسی ، واذا انتشرت هذه الحالة فی مجتمع حینئذ یتجمد ذلک المجتمع لانه سوف یصنع الهة من واقعه ، سوف یحول هذا الواقع النسبی المحدود الذی یعیشه الى حقیقة مطلقة ، الى مثل اعلى الى هدف لا یرى وراءه شیئا ، وهذا فی الحقیقة هو ما عرضه القرآن الکریم فی کثیر من الآیات التی تحدثت عن المجتمعات التی واجهت الانبیاء حینما جاؤها بمثل علیا حقیقیة ترتفع عن الواقع وترید ان تحرک هذا الواقع وتنتزعه من حدوده النسبیة الى وضع آخر . واجه هؤلاء الانبیاء مجتمعات سادتها حالة الالفة والعادة والتمیع فکان هذا المجتمع یرد على دعوة الانبیاء ویقول باننا وجدنا اباءنا على هذه السنة ، وجدنا آباءنا على هذه الطریقة ونحن متمسکون بمثلهم الاعلى ، سیطرة الواقع على اذهانهم وتغلغل الحس فی طموحاتهم بلغ الى درجة تحول هذا من خلالها الى انسان حسی لا الى انسان مفکر ، الى الى انسان یکون ابن یومه دائما ، ابن واقعه دائما لا أبا یومه أبا واقعه . ولهذا لا یستطیع ان یرتفع على هذا الواقع .
لاحظوا القرآن الکریم وهو یقول » قالوا بل نتبع ما الفینا علیه آباءنا أولو کان آباؤهم لا یعقلون » (7)
» قالوا حسبنا ما وجدنا علیه آباءنا ، أولو کان آباؤهم لا یعلمون شیئا ولا یهتدون » (8) . « قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا علیه آباءنا وتکون لکما الکبریاء فی الارض وما نحن لکما بمؤمنین » (9)
« أتنهانا ان نعبد ما یعبد آباؤنا واننا لفی شک مما تدعونا الیه مریب » (10) ، « قالت رسلهم افی الله شک فاطر السموات والارض یدعوکم لیغفر لکم من ذنوبکم ویؤخرکم الى اجل مسمى ، قالوا ان انتم الا بشر مثلنا تریدون أن تصدونا عما کان یعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبین » (11) « بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون »(12) فی کل هذه الآیات یستعرض القرآن الکریم السبب الاول لتبنی المجتمع هذا المثل الاعلى المنخفض . هؤلاء بحکم الالفة والعادة وبحکم التمیع والفراغ وجدوا سنة قائمة . وجدوا وضعا قائما فلم یسمحوا لانفسهم بأن یتجاوزوه بل جسدوه کمثل اعلى وعارضوا به دعوات الانبیاء على مر التاریخ ، هذا هو السبب الاول لتبنی هذا المثل الاعلى المنخفض .
السبب الثانی لتبنی هذا المثل الاعلى المنخفض هو التسلط الفرعونی على مر التاریخ ، الفراعنة حینما یحتلون مراکزهم یجدون فی أی تطلع الى المستقبل وفی أی تجاوز للواقع الذی سیطروا علیه ، یجدون فی ذلک زعزعة لوجودهم وهزا لمراکزهم . من هنا کان من مصلحة فرعون على مر التاریخ ان یغمض عیون الناس على هذا الواقع ، ان یحول الواقع الذی یعیشه مع الناس الى مطلق ، الى اله ، الى مثل أعلى لا یمکن تجاوزه ، یحاول ان یحبس وان یضع کل الامة فی اطار نظرته هو ، فی اطار وجوده هو لکی لا یمکن لهذه الامة ان تفتش عن مثل اعلى ینقلها من الحاضر الى المستقبل من واقعه الى طموح آخر أو أکبر من هذا الواقع . هنا السبب اجتماعی لا نفسی ، السبب خارجی لا داخلی . وهذا ایضا ما عرضه القرآن الکریم « وقال فرعون یا أیها الملأ ما عرفت لکم من اله غیری » (13) « قال فرعون ما أریکم الا ما أرى وما أهدیکم الا سبیل الرشاد » (14) هنا فرعون یقول ما أریکم الا ما ارى یرید ان یضع الناس الذین یعبدونه کلهم فی اطار رؤیته فی اطار نظرته ، یحول هذه النظرة وهذا الواقع ، الى مطلق لا یمکن تجاوزه هنا الذی یجعل المجتمع یتبنى مثلا اعلى مستمد من الواقع هو التسلط الفرعونی الذی یرى فی تجاوز هذا المثل الاعلى خطرا علیه وعلى وجوده .
قال الله سبحانه وتعالى « ثم ارسلنا موسى واخاه هارون بآیاتنا وسلطان مبین . الى فرعون وملأه فاستکبروا وکانوا قوما عالین . فقالوا أنؤمن لبشرین مثلنا وقومهما لنا عابدون » (15) نحن غیر مستعدین ان نؤمن بهذا المثل الاعلى الذی جاء به موسى لانه سوف یزعزع عبادة قوم موسى وهارون لنا . اذن هذا التجمید ضمن اطار الواقع الذی تعیشه الجماعة أی جماعة بشریة ینشأ من حرص أولئک الذین تسلطوا على هذه الجماعة على ان یضمنوا وجودهم ویضمنوا الواقع الذی هم فیه وهم بناته . هذا هو السبب الثانی الذی عرضه القرآن الکریم . والقرآن الکریم یسمى هذا النوع من القوى التی تحاول ان تحول هذا الواقع المحدود الى مطلق وتحصر الجماعة البشریة فی اطار هذا المحدود ، یسمی هذا بالطاغوت . قال سبحانه وتعالى « والذین اجتنبوا الطاغوت أن یعبدوها وأنابوا الى الله لهم البشرى فبشر عباد . الذین یستمعون القول فیتبعون أحسنه أولئک هم الذین هداهم الله وأولئک هم أولی الألباب » (16) . لاحظوا ذکر صفة اساسیة ممیزة لمن اجتنب عبادة الطاغوت ما هی ؟
قال « فبشر عباد . الذین یستمعون القول فیتبعون أحسنه » (17)
یعنی لم یجعلوا هناک قیدا على ذهنهم ، لم یجعلوا أطارا محدودا لا یمکنهم ان یتجاوزوه ، جعلوا الحقیقة مدار همهم هدفهم ولهذا یستمعون القول فیتبعون أحسنه یعنی هم فی حالة تطلع وموضوعیة تسمح لهم بان یجدوا الحقیقة یتبعوها . بینما لو کانوا یعبدون الطاغوت ، حینئذ یکونون فی اطار هذا الواقع الذی یریده الطاغوت ، سوف لن یستطیعو أن یستمعوا الى القول فیتبعون احسنه وانما یتبعون فقط ما یراد لهم ان یتبعوه ، هذا هو السبب الثانی لاتباع وتبنی هذه المثل ، اذن خلاصة ما مر بنا حتى الان : أن التاریخ یتحرک من خلال البناء الداخلی للانسان الذی یصنع للانسان غایاته هذه الغایات تبنی على اساس المثل الاعلى الذی تنبثق عنه تلک الغایات لکل مجتمع مثل اعلى ولکن مثل اعلى مسار ومسیرة وهذا المثل الاعلى هو الذی یحدد فی تلک المسیرة معالم الطریق وهو على ثلاثة أقسام حتى الان استعرضنا القسم الاول من المثل العلیا وهو المثل الاعلى الذی ینبثق تصوره عن الواقع ویکون منتزعا عن الواقع الذی تعیشه الجماعة وهذا مثل أعلى تکراری . وتکون الحرکة التاریخیة فی ظل هذا المثل الاعلى حرکة تکراریة ، أخذ الحاضر لکی یکون هو المستقبل وقلنا بان تبنی هذا النوع من المثل الاعلى یقود الى احد سببین بحسب تصورات القرآن الکریم .
السبب الاول سبب نفسی وهو الالفة والعادة والضیاع والسبب الاخر سبب خارجی وهو تسلط الفراعنة والطواغیت على مر التاریخ .
هذه المثل العلیا المنخفضة المتنوعة عن الواقع والتی تحدثنا عنها فی الدرس السابق فی کثیر من الاحیان تتخذ طابع الدین ویسبغ علیها هذا الطابع من اجل اعطائها قدسیة تحافظ على بقائها واستمرارها على الساحة کما رأینا فی الایات الکریمة المتقدمة کیف ان المجتمعات التی رفضت دعوة الانبیاء کثیرا ما کانت تصر على التمسک بعبادة الاباء وبدین الاباء بالمثل الاعلى المعبود للاباء بل ان الحقیقة أن کل مثل اعلى من هذه المثل العلیا المنخفضة لا ینفک عن الثوب الدینی سواء ابرز بشکل صریح او لم یبرز لان المثل الاعلى دائما یحتل مرکز الاله بحسب التعبیر القرآنی والاسلامی ، ودائما تستبطن علاقة الامة بمثلها الاعلى نوعا من العبادة ، من العبادة لهذا المثل الاعلى ولیس الدین بشکلها العام الاعلاقة عابد بمعبود . اذا المثل الاعلى لا ینفک عن الثوب الدینی سواء کان ثوبا دینیا صریحا او ثوبا دینیا مستترا مبرقعا تحت شعارات اخرى فهو فی جوهره دین وفی جوهره عبادة وانسیاق . الا ان هذه الادیان التی تفرزها هذه المثل العلیا المنخفضة ادیان محدودة تبعا لمحدودیة نفس هذه المثل لما کانت هذه المثل مثلا منخفضة ومحدودة قد حولت بصورة مصطنعة الى مطلقات والا هی فی الحقیقة لیست الا تصورات جزئیة عبر الطریق الطویل الطویل للانسان ، الا أنها حولت الى مطلقات بصورة مصطنعة . اذن هذه المحدودیة فی المثل تعکس الادیان التی تفرزها فالادیان التی تفرزها هذه المثل او بالتعبیر الاخرى الادیان التی یفرزها الانسان من خلال صنع هذه المثل ، ومن خلال عملقة هذه المثل وتطویرها من تصورات الى مطلقات هذه الادیان تکون ادیانا محدودة وضئیلة ، وتجزئة وهذه التجزئة فی مقابل دین التوحید الذی سوف نتکلم عنه حینما نتحدث عن مثله الاعلى القادر على استیعاب البشریة بابعادها وادیان التجزئة هذه وهذه الالهة ، التی فرزها الانسان بین حین وحین هی التی یعبر عنها القرآن الکریم بقوله « آن هی الا اسماء سمیتموها انتم وآباؤکم » (18) فهذه الآلهة التی یفرزها الانسان ، هذا الدین الذی یصنعه الانسان ، وهذا المثل الاعلى الذی هو نتاج بشری ، هذا لا یمکن ان یکون هو الدین القیم ، لا یمکن ان یکون هو المصعد الحقیقی للمسیرة البشریة لان المسیرة البشریة لا یمکن ان تخلق الهها بیدها . المجتمعات والامم التی تعیش هذا المثل الاعلى المنخفض المستمد من واقع الحیاة ، قلنا بأنها تعیش حالة تکراریة یعنی ان حرکة التاریخ تصبح حرکة تماثلیة وتکراریة وهذه الامة تأخذ بیدها ماضیها الى الحاضر وحاضرها الى المستقبل لیس لها مستقبل فی الحقیقة وانما مستقبلها هو ماضیها ومن هنا اذا تقدمنا خطوة فی تحلیل ومراقبة ومشاهدة اوضاع هذه الامة التی تتمسک بمثل من هذا القبیل اذا تقدمنا خطوة الى الامام نجد ان هذه الامة بالتدریج سوف تفقد ولاءها لهذا المثل ایضا لن تظل متمسکة بهذا المثل لان هذا المثل بعد ان یفقد فاعلیته وقدرته على العطاء بعد ان یصبح نسخة من الواقع ویصبح اجرا مفروضا ومحسوسا وملموسا وغیر قادر على تطویر البشریة وتصعیدها فی مسارها الطویل ، تفقد هذه البشریة وهذه الجماعة بالتدریج ولاءها لهذا المثل ومعنى انها تفقد ولاءها لهذا المثل یعنی ان القاعدة الجماهیریة الواسعة فی هذه الامة سوف تتمزق وحدتها لان وحدة هذه القاعدة انما هی بالمثل الواحد فاذا ضاع المثل ضاعت هذه القاعدة .
هذه الامة بعد ان تفقد ولاءها لهذا المثل تصاب بالتشتت ، بالتمزق ، بالتبعثر ، تکون کما وصف القرآن الکریم « بأسهم بینهم شدید تحسبهم جمیعا وقلوبهم شتى ذلک بأنهم قوم لا یعقلون » (19) . بأسهم بینهم شدید باعتبار أن هذه الامة التی لا یجمعها شیء الا تماثل الوجوه وتقارب الوجوه لا یجمعها مثل اعلى لا تجمعها طریقة مثلى ، لا یجمعها سبیل واحد ، قلوب متفرقة اهواء متشتتة ارواح مبعثرة وعقول مجمدة فی حالة من هذا القبیل لا تبقى امة وانما یبقى شبح امة فقط ، وفی ظل هذا الشبح سوف ینصرف کل فرد فی هذه الامة ینصرف الى همومه الصغیرة ، الى قضایاه المحدودة لانه لا یوجد هناک مثل اعلى تلتف حوله الطاقات ، تلتف حوله القابلیات والامکانات تحشد من اجله التضحیات لا یوجد هذا المثل الاعلى حینما یسقط هذا المثل الاعلى تسقط الرایة التی توحد الامة ، یبقى کل انسان مشدود الى حاجاته المحدودة ، الى مصالحه الشخصیة الى تفکیره فی اموره الخاصة کیف یصبح وکیف یمسی وکیف یاکل وکیف یشرب وکیف یوفر الراحة والاستقرار له ولاولاده ولعائلته أی راحة وأی استقرار ، الراحة بالمعنى الرخیص ، بالمعنى القصیر من الاستقرار یبقى کل انسان سجین حاجاته الخاصة ، سجین رغباته الخاصة یبقى یدور ویلتف حول هذه الرغبات وحول هذه الحاجات لا یرى غیرها ان لا یوجد المثل ، اذ ضاع المثل وتفتت وسقط فی حالة من حالات هذه الامة ، قلنا بأن الامة تتحول الى شبح لا یبقى امة حقیقیة ، وانما هناک شبح امة وقد علمنا التاریخ انه فی حالة من هذا القبیل توجد ثلاث اجراءات ، ثلاث بدائل یمکن ان تنطبق على حالة هذه الامة الشبح .
الاجراء التاریخی الاول هو ان تتداعى هذه الامة امام غزو عسکری من الخارج لان هذه الامة التی افرغت من محتواها ، التی تخلت عن وجودها کأمة ، وبقیت کأفراد کل انسان یفکر فی طعامه ولباسه ودار سکناه ولا یفکر فی الامة من یفکر . اذا ففی وضع من هذا القبیل یمکن ان تتداعى هذه الامة امام غزو من الخارج ، وهذا ما وقع بالفعل بعد ان فقد المسلمون مثلهم الاعلى وفقدوا ولاءهم لهذا المثل الاعلى ووقعوا فریسة غزو التتار حینما سقطت حضارة المسلمین بایدی التتار هذا هو الاجراء التاریخی الاول .
والاجراء التاریخی الثانی : هو الذوبان والانصهار فی مثل اعلى اجنبی فی مثل مستورد من الخارج هذه الامة بعد ان فقدت مثلها العلیا النابعة منها فقدت فاعلیتها واصالتها حینئذ تفتش عن مثل اعلى من الخارج تعطیه ولاءها لکی تمنحه قیادتها . هذا هو الاجراء التاریخی الثانی والاجراء التاریخی الثالث ان ینشأ فی اعماق هذه الامة بذور اعادة المثل الاعلى من جدید بمستوى العصر الذی تعیشه الامة ، هذان الاجراءان ، الثانی والثالث وقفت الامة امامهما على مفترق طریقین حینما دخلت عصر الاستعمار ، کان هناک طریق یدعوها الى الانصهار فی مثل اعلى من الخارج هذا الطریق الذی طبقه جملة من حکام المسلمین فی بلاد المسلمین « رضاخان » فی ایران و « اتاتورک » فی ترکیا ، حاول هؤلاء ان یجسدوا المثل الاعلى للانسان الاوروبی المنتصر ویطبقوا هذا المثل الاعلى ویکسبوا ولاء المسلمین انفسهم لهذا المثل الاعلى بعد ان ضاع المثل الاعلى فی داخل المسلمین ، بینما رواد الفکر الاسلامی فی بدایات عصر الاستعمار وفی أواخر الفترة التی سبقت عصر الاستعمار ، رواد الفکر الاسلامی ورواد النهضة الاسلامیة اطلقوا جهودهم فی سبیل الاجراء الثالث فی سبیل اعادة الحیاة الى الاسلام من جدید فی سبیل انتشار هذا المثل الاعلى واعادة الحیاة الیه وتقدیمه بلغة العصر وبمستوى العصر وبمستوى حاجات المسلمین . الامة تتحول الى شبح فتواجه احد هذه الاجراءات الثلاثة .
الان تکلمنا عن امة هذه الالهة المنخفضة . اذا تقدمنا خطوة نجد المثل التکراری یتمزق ، ان الامة تفقد ولاءها ، ان الامة تتحول الى شبح احد هذه اجراءات الثلاثة ، الان نرجع الى الوراء خطوة . سوف نواجه النوع الثانی من الالهة من المثل العلیا الیس قلنا فی البدایة ان المثل العلیا عکس ثلاثة انواع . تکلمنا الان عن النوع الاول .
اذا رجعنا خطوة اخرى الى الوراء وهذا ما سوف اشرح معناه بعد لحظات . سوف نواجه النوع الثانی من الالهة من المثل العلیا . هذا النوع الثانی یعبر عن کل مثل أعلى للامة یکون مشتقا من طموح الامة ، من تطلعها نحو المستقبل ، لیس هذا المثل تعبیر تکراریا عن الواقع بل هو تطلع الى المستقبل وتحفز نحو الجدید والابداع ، والتطویر ولکن هذا المثل منتزع عن خطوة واحدة من المستقبل منتزع عن جزء من هذا الطریق الطویل المستقبلی أی ان هذا الطموح الذی منه انتزعت الامة مثلها کان طموحا محدودا کان طموحا مفیدا لم یستطع ان یتجاوز المسافات الطویلة ، وانما استطاع ان یکون رؤیة مستقبلیة محدودة ، وهذه الرؤیة المستقبلیة المحدودة انتزع منها مثلها الاعلى وفی هذا المثل الاعلى جانب موضوعی صحیح ولکنه یحتوی على امکانیات خطر کبیر اما الجانب الموضوعی الصحیح فهو ان الانسان عبر مسیرته الطویلة لا یمکنه ان یستوعب برؤیته الطریق الطویل الطویل کله ، لا یمکنه ان یستوعب المطلق لان الذهن البشری محدود والذهن البشری المحدود لا یمکن ان یستوعب المطلق وانما هو دائما یستوعب نفحة من المطلق ، شیئا من المطلق یأخذ بیده قبضة من المطلق تنیر له الطریق ، تنیر الدرب . فکون دائرة الاستیعاب البشری محدودة هذا أمر طبیعی أمر صحیح وموضوعی . ولکن الخطیر فی هذه المسألة ان هذه القبضة التی یقبضها الانسان من المطلق هذه القبضة هذه الکومة المحدودة ، هذه الومضة من النور التی یقبضها من هذا المطلق یحولها الى نور السماوات والارض ، یحولها الى مثل اعلى ، یحولها الى مطلق . هنا یکمن الخطر لانه حینما یصنع مثله الاعلى وینتزع هذا المثل من تصور ذهنی محدود للمستقبل ، لکن یحول هذا التصور الذهنی المحدود الى مطلق حینئذ هذا المثل الاعلى سوف یخدمه فی المرحلة الحاضرة سوف یهیء له امکانیة النمو بقدر طاقات هذا المثل ، بقدر ما یمثل للمستقبل ، بقدر امکاناته المستقبلیة سوف یحرک هذا الانسان وینشطه لکن سرعان ما یصل الى حدوده القصوى . وحینئذ سوف یتحول هذا المثل نفسه الى قید للمسیرة ، الى عائق عن التطور ، الى مجمد لحرکة الانسان لانه اصبح مثلا اصبح الها ، أصبح دینا ، أصبح واقعا قائما ، وحینئذ سوف یکون بنفسه عقبة أمام استمرار زحف الانسان نحو کماله الحقیقی ، وهذا المثل الذی یعمم خطأ یحول من محدود الى مطلق خطأ .
التعمیم فیه تارة یکون تعمیما افقیا خاطئا وأخرى تعمیما زمنیا خاطئا . هناک تعمیمان خاطئان لهذا المثل . هناک تعمیم افقی خاطئ وهناک تعمیم زمنی عمودی خاطئ .
التعمیم الأفقی الخاطئ : ان ینتزع الانسان من تصوره المستقبلی مثلا ویعتبر ان هذا المثل یضم کل قیم الانسان التی یجاهد من اجلها ویناضل فی سبیلها . بینما هذا المثل على الرغم من صحته الا انه لا یمثل الا جزءا من هذه القیم . فهذا التعمیم تعمیم افقی خاطئ هذا المثل یکون معبرا عن جزء من افق الحرکة بینما جرد منه ما یملأ کل افق الحرکة . الانسان الاوروبی الحدیث فی بدایات عصر النهضة وضع مثلا اعلى وهو الحریة جعل الحریة مثلا اعلى لانه راى ان الانسان الغربی کان محطما ومقیدا ، کانت على یدیه الاغلال فی کل ساحات الحیاة کان مقیدا فی عقائده العلمیة والدینیة بحکم الکنیسة وتعنتها کان مقیدا فی قوته ورزقه بأنظمة الاقطاع کان مقیدا اینما یسیر . اراد الانسان الاوروبی الرائد لعصر النهضة ان یحرر هذا الانسان من هذه القیود ، من قیود الکنیسة ، من قیود الاقطاع اراد ان یجعل من الانسان کائنا مختارا اذا اراد ان یفعل یفعل ، یفکر بعقله لا بعقل غیره ویتصور ویتأمل بذاته ولا یستمد هذا التصور کصیغ ناجزة من الاخرین ، وهذا شیء صحیح الا ان الشیء الخاطئ فی ذلک هو التعمیم الافقی فان هذه الحریة بمعنى کسر القیود عن هذا الانسان ، هذا قیمة من القیم هذا اطار للقیم ولکن هذا وحده لا یصنع الانسان ، انت لا تستطیع ان تصنع الانسان بان تکسر عنه القیود وتقول له افعل ما شئت ، لا یوجد انسان ولا کائن ، لا یوجد اقطاعی ولا قسیس ولا سلطان ولا طاغوت یضطرک الى موقف او یفرض علیک موقفا . هذا وحده لا یکفی فان کسر القیوم انما یشکل الاطار للتنمیة البشریة الصالحة ، یحتاج هذا الى مضمون الى محتوى مجرد انه یستطیع ان یتصرف ، یستطیع ان یمشی فی الاسواق هذا لا یکفی ، اما کیف ویمشی وما هو الهدف الذی من اجله یمشی فی الاسواق المحتوى والمضمون هو الذی فات الانسان الاوربی ، الانسان الاوربی جعل الحریة هدفا وهذا صحیح ولکنه صیر من هذا الهدف مثلا اعلى بینما هذا الهدف لیس الا اطار فی الحقیقة وهذا الاطار بحاجة الى محتوى والى مضمون واذا جرد هذا الاطار عن محتواه سوف یؤدی الى الویل والدمار ، الى الویل الذی تواجهه الحضارة الغربیة الیوم التی صنعت للبشریة کل وسائل الدمار لان الاطار بقی بلا محتوى بقی بلا مضمون حینئذ . هذا هو مثلا للتعمیم الافقی ، التعمیم الافقی للمثل الاعلى .
واما التعمیم الزمنی ایضا کذلک على مر التاریخ توجد خطوات ناجحة تاریخیا ولکنها لا یجوز ان تحول من حدودها کخطوة الى مطلق ، الى مثل اعلى یجب ان تکون ممارسة تلک الخطوة ضمن المثل الاعلى لا ان تحول هذه الخطوة الى مثل اعلى حینما اجتمع فی التاریخ مجموعة من الاسر فشکلوا القبیلة . ومجموعة من القبائل فشکلت عشیرة ، ومجموعة من العشائر فشکلت أمة هذه الخطوات صحیحة لتقدم البشریة وتوحید البشریة ولکن کل خطوة من هذه لا یجب ان تتحول الى مثل اعلى لا یجوز ان تتحول الى مطلق ، لا یجوز ان تکون العشیرة هی المطلق الذی یحارب من اجله هذا الانسان وانما المطلق الذی یحارب من اجله الانسان یبقى هو ذاک المطلق الحقیقی ، یبقى هو الله سبحانه وتعالى ، الخطوة تبقى کاسلوب ولکن المطلق یبقى هو الله سبحانه وتعالى هذا التعمیم الزمنی ایضا هو شکل من التعمیم الخاطئ حینما یحول هذا المثل المنتزع من خطوة محدودة عبر الزمن یحول الى مثل اعلى . وحال هذا الانسان الذی یحول هذه الرؤیة المحدودة عبر الزمن یحولها الى مطلق حاله حال الانسان الذی یتطلع الى الافق فلا تساعده عینه الا الى النظر على مسافة محدودة فیخیل له ان الدنیا تنتهی عند الافق الذی یراه ، ان السماء تنطبق على الارض على مسافة قریبة منه وقد یخیل له وجود الماء ، وجود السراب على مقربة منه . الا ان هذا فی الحقیقة ناشئ من عجز عینیه عن ان یتابع المسافة الارضیة الطویلة الامد .
کذلک هنا هذا الانسان الذی یقف على طریق التاریخ الطویل ، على طریق المسیرة البشریة له افق یحکم قصوره الذهنی وبحکم محدودیة الذهن البشری . له افق کذلک الافق الجغرافی ولکن هذا الافق یجب ان یتعامل معه کافق لا کمطلق کما اننا نحن على الصعید الجغرافی لا نتعامل مع هذا الافق الذی نراه على بعد عشرین مترا او مائتی متر انه نهایة الارض . وانما
نتعامل معه بأنه أفق . کذلک ایضا هنا یجب ان یتعامل هذا الانسان معه کافق لا یحول هذا الافق التاریخی الى مثل اعلى والا کان من قبیل من یسیر نحو سراب ، انظروا الى التمثیل الرائع فی قوله سبحانه وتعالى : « والذین کفروا اعمالهم کسراب بقیعة یحسبه الظمآن ماءا حتى اذا جاءه لم یجده شیئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سریع الحساب » (20)
یعبر القرآن عن کل هذه المثل المصطنعة من دون الله سبحانه وتعالى بانها کبیت العنکبوت حیث یقول : « مثل الذین اتخذوا من دون الله اولیاء کمثل العنکبوت اتخذت بیتا وان اوهن البیوت لبیت العنکبوت لو کانوا یعلمون » (21)
اذا قارنا بین هذین النوعین من المثل العلیا المشتقة من الواقع والمثل العلیا المشتقة من طموح محدود للاحظنا ان المثل العلیا المشتقة من الواقع کثیرا ما تکون قد مرت بمرحلة هذه المثل التی تعبر عن طموح محدود . یعنی کثیرا ما تکون تلک المثل من النوع الاول امتداداً للمثل من النوع الثانی ، بأن یبدأ هذا المثل الاعلى مشتقا من طموح لکن حینما یتحقق هذا الطموح المحدود ، حینما تصل البشریة الى النقطة التی أثارت هذه المثل . یتحول هذا المثل الى واقع محدود بحسب الخارج ، حینئذ یصبح مثلا تکراریا من هنا قلنا فی ما سبق أننا لو رجعنا خطوة الى الوراء بالنسبة الى الهة النوع الاول ، مثل النوع الاول . لو رجعنا الى الوراء لوجدنا آلهة النوع الثانی فالمسألة فی کثیر من الاحیان تبدأ هکذا ، تبدأ بمثل اعلى له طموح مشتق من طموح مستقبلی ثم یتحول هذا المثل الاعلى الى مثل تکراری ، ثم یتمزق هذا المثل التکراری کما قلنا وتتحول الامة الى شبح أمة . فی هذه الفترة الزمنیة تمر الامة بمراحل فی الحقیقة یمکننا تلخیصها فی أربعة مراحل . المرحلة الاولى هی مرحلة فاعلیة هذا المثل بحکم انه قد بدأ مشتقا من طموح مستقبلی ولکن طبعا هذه الفاعلیة وهذا العطاء هو عطاء یسمیه القرآن بالعاجل ، هذه المکاسب عاجلة ولیست مکاسب على الخط الطویل . عاجلة لان عمر هذا المثل قصیر ، وعطاءه محدود ، لان هذا المثل سوف یتحول فی لحظة من اللحظات الى قوة ابادة لکل ما أعطاه من مکاسب ولهذا یسمى بالعاجل . انظروا الى قوله تعالى « من کان یرید العاجلة عجلنا له فیها ما یشاء لمن نرید ثم جعلنا له جهنم یصلاها مذموما مدحورا . ومن اراد الاخرة وسعى لها سعیا وهو مؤمن فاولئک کان سعیهم مشکورا . کلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربک وما کان عطاء ربک محظورا» (22) الله سبحانه وتعالى خیر محض ، عطاء محض ، جود کله ، فبقدر ما تتبنى الامة مثلا قابلا للتحریک . الله سبحانه وتعالى ایضا یعطی لکنه یعطی بقدر قابلیة هذا المثل یعطی شیئا عاجلا لا اکثر . فی حالة من هذا القبیل تکون السلطة التی تمثل هذا المثل ذات مثل اعلى ، ذات مثل یعطی ویبدع وتکون قیادة موجهة للامة فی حدود هذا المثل وتکون للامة دور المشارکة فی صنع هذا المثل وفی تحقیق هذا المثل . هذه المرحلة سوف تؤدی الى مکاسب ولکنها فی النظر القرآنی العمیق الطویل الامد مکاسب عاجلة تعقبها جهنم ، جهنم فی الدنیا وجهنم فی الآخرة . هذه المرحلة الاولى مرحلة الابداع والتجدید .
المرحلة الثانیة حینما یتجمد هذا المثل الاعلى حینما یستنفذ طاقته وقدرته على العطاء حینئذ یتحول هذا المثل الى تمثال والقادة الذین کانوا یعطون ویوجهون على أساسه یتحولون الى سادة وکبراء لا الى قادة . وجمهور الامة یتحول الى مطیعین ومنقادین لا الى مشارکین فی الابداع والتطویر وهذه المرحلة هی المرحلة التی عبر عنها القرآن الکریم بقوله « وقالوا ربنا أطعنا سادتنا وکبراءنا فاضلونا السبیلا » (23) . ثم تأتی المرحلة الثالثة . مرحلة الامتداد التاریخی لهؤلاء . هذه السلطة تتحول الى طبقة بعد ذلک تتوارث مقاعدها عائلیا أو طبقیا وراثیا بشکل من اشکال الوراثة ، وحینئذ تصبح هذه الطبقة هی الطبقة المترفة المنعمة الخالیة من الاغراض الکبیرة ، المشغولة بهمومها الصغیرة وهذا ما عبر عنه القرآن الکریم بقوله « وکذلک ما ارسلنا من قبلک فی قریة من نذیر الا قال مترفوها انا وجدنا آباءنا على أمة وانا على آثارهم مقتدون » (24) هؤلاء امتداد تاریخی لآباء لهم تاریخ وهم امتداد تاریخی ، وهذا الامتداد التاریخی تحول من مستوى مثل وعطاء الى مستوى طبقة مترفة تتوارث هذا المقعد بشکل من اشکال التوارث . هذه هی المرحلة الثالثة ثم حینما تتفتت الامة ، حینما تتمزق الامة ، حینما تفقد ولاءها لذلک المثل التکراری على ضوء ما قلناه تدخل فی مرحلة رابعة وهی اخطر المراحل ففی هذه المرحلة یسیطر علیها مجرموها ، یسیطر علیها اناس لا یرعون الا ولاذمة وهذا ما عبر عنه القرآن الکریم فی قوله سبحانه وتعالى « وکذلک جعلنا فی کل قریة اکابر مجرمیها لیمکروا فیها وما یمکرون الا بأنفسهم » (25) . حینئذ یسیطر مجموعة من هؤلاء المجرمین ، یسیطر هتلر والنازیة مثلا فی جزء من أوروبا لکی یحطم کل ما فی أوروبا من خیر وکل ما فیها اوروبا من ابداع ، لکی یقضی على کل تبعات ذلک المثل الاعلى الذی رفعه الانسان الاوروبی الحدیث والذی تحول بالتدریج الى مثل تکراری ثم تفسخ هذا المثل لکن بقیت مکاسبه فی المجتمع الاوروبی . یأتی شخص کهتلر لکی یمزق کل تلک المکاسب ویقضی علیها . الان نصل الى النوع الثالث من المثل العلیا وهو الله سبحانه وتعالى . فی هذا المثل التناقض الذی واجهناه سوف یحل باروع صورة کنا نجد تناقضا وحاصل هذا التناقض هو ان الوجود الذهنی للانسان محدود ، والمثل یجب ان یکون غیر محدود فکیف یمکن توفیر المحدود وغیر المحدود وکیف یمکن التنسیق بین المحدود وغیر المحدود . هذا التنسیق سوف نجده فی المثل الاعلى الذی هو الله سبحانه وتعالى .. لماذا ؟ لان هذا المثل الاعلى لیس من نتاج الانسان ، لیس افرازا ذهنیا للانسان ، بل هو مثل أعلى عینی له واقع عینی . هو موجود مطلق فی الخارج ، له قدرته المطلقة وله علمه المطلق وله عدله المطلق . هذا الوجود العینی بواقعه العینی یکون مثلا اعلى لانه مطلق لکن الانسان حینما یرید ان یستلهم من هذا النور ، حینما یرید ان یمسک بحزمة من هذا النور ، طبعا هو لا یمسک الا بالمقید ، الا بقدر محدود من هذا النور الا انه یمیز بین ما یمسک به وبین مثله الاعلى ، المثل الاعلى خارج حدود ذهنه ، لکنه یمسک بحزمة من النور . هذه الحزمة مقیدة لکن المثل الاعلى مطلق ، ومن هنا حرص الاسلام على التمییز دائما بین الوجود الذهنی وما بین الله سبحانه وتعالى الذی هو المثل الاعلى . فرق حتى بین الاسم والمسمى وأکد على انه لا یجوز عبادة الاسم . وانما تکون العبادة للمسمى لان الاسم لیس الا وجودا ذهنیا ، الا واجهة ذهنیة لله سبحانه وتعالى . بینما الواجهات الذهنیة دائما محدودة العبادة یجب ان تکون للمسمى لا للاسم لان المسمى هو المطلق اما الاسم فهو مقید ومحدود . الواجهات الذهنیة تبقى کواجهات ذهنیة محدودة مرحلیة واما صفة المثل الاعلى فتبقى قائمة بالله سبحانه وتعالى .
المصادر :
1- سورة البقرة : الآیة /30
2- سورة الاحزاب : الآیة /72
3- سورة الروم : الآیة /30
4- سورة الرعد : الآیة /11
5- سورة البقرة : الآیة /204 -205
6- سورة الفرقان : الآیة /43
7- سورة البقرة : الآیة /170
8- سورة المائدة : الآیة /104
9- سورة یونس : الآیة /78
10- سورة نوح : الآیة /62
11- سورة إبراهیم : الآیة /10
12- سورة الزخرف : الآیة /22
13- سورة القصص : الآیة /38
14- سورة غافر : الآیة /29
15- سورة المؤمنون : الآیة /45-47
16- سورة الزمر : الآیة 17-18
17- سورة الزمر : الآیة /17-18
18- سورة النجم : الآیة /23
19- سورة الحشر : الآیة 14
20- سورة النور : الآیة /39
21- سورة العنکبوت : الآیة /41
22- سورة الاسراء : الآیة /18-20
23- سورة الاحزاب : الآیة /67
24- سورة الزخرف : الآیة /23
25- سورة الانعام : الآیة/123


source : .www.rasekhoon.net
  625
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

مصير الحب
مقام السيدة زينب الكبرى في كتب المؤلفين
المنهج البياني
ولادة الإمام موسى الكاظم عليه السلام
المنهج الصوفي أو الباطني للتفسير
كيف تتحقق الوحدة بين المسلمين؟
أبو جميزة: هل هو مسيلمة المهدي؟
الخصائص الحسنيّة (3)
شهداء الأعمال في الأخرة (3)
فوائد الصلاة الطبیة

 
user comment