عربي
Wednesday 30th of September 2020
  342
  0
  0

الرجعة فی الاُمم السابقة

الرجعة فی الاُمم السابقة

إحیاء قوم من بنی إسرائیل :
قال تعالى : ( ألم تَرَ إلى الَّذِینَ خَرَجُوا مِن دِیارِهِم وَهُم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوتِ فَقَالَ لَهُم اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أحیَاهُم إنَّ اللهَ لذُو فَضلٍ على النَّاسِ وَلَکِنَّ أکثَرَ النَّاسِ لایَشکُرُونَ ) (1).
فجمیع الروایات الواردة فی تفسیر هذه الآیة المبارکة تدل على أنَّ هؤلاء ماتوا مدة طویلة ، ثم أحیاهم الله تعالى ، فرجعوا إلى الدنیا ، وعاشوا مدة طویلة .
قال الشیخ الصدوق : کان هؤلاء سبعین ألف بیت ، وکان یقع فیهم الطاعون کلّ سنة ، فیخرج الاَغنیاء لقُوّتهم ، ویبقى الفقراء لضعفهم ، فیقلّ الطاعون فی الذین یخرجون ، ویکثر فی الذین یقیمون ، فیقول الذین یقیمون : لو خرجنا لما أصابنا الطاعون ، ویقول الذین خرجوا ، لو أقمنا لاَصابنا کما أصابهم .
فأجمعوا على أن یخرجوا جمیعاً من دیارهم إذا کان وقت الطاعون ، فخرجوا بأجمعهم ، فنزلوا على شط البحر ، فلمّا وضعوا رحالهم ناداهم الله : موتوا ، فماتوا جمیعاً ، فکنستهم المارّة عن الطریق ، فبقوا بذلک ماشاء الله .
ثم مرّ بهم نبیّ من أنبیاء بنی إسرائیل یقال له أرمیا (2)، فقال : لو شئت یا ربِّ لاَحییتهم ، فیعمروا بلادک ، ویلدوا عبادک ، ویعبدوک مع من یعبدک ، فأوحى الله تعالى إلیه : أفتحبَّ أن أحییهم لک ؟ قال : نعم . فأحیاهم الله تعالى وبعثهم معه ، فهؤلاء ماتوا ، ورجعوا إلى الدنیا ، ثم ماتوا بآجالهم (3).
فهذه رجعة إلى الحیاة الدنیا بعد الموت ، وقد سأل حمران بن أعین الاِمام أبا جعفر الباقر علیه السلام عن هؤلاء ، قائلاً : أحیاهم حتى نظر الناس إلیهم ، ثم أماتهم من یومهم ، أو ردّهم إلى الدنیا حتى سکنوا الدور ، وأکلوا الطعام، ونکحوا النساء ؟
قال علیه السلام : « بل ردّهم الله حتى سکنوا الدور ، وأکلوا الطعام ، ونکحوا النساء ، ولبثوا بذلک ما شاء الله ، ثم ماتوا بآجالهم » (4).

إحیاء عزیر أو أرمیا :
قال تعالى : ( أو کالَّذی مرَّ على قریةٍ وهی خاویةٌ على عُرُوشِهَا قال أنَّى یُحیی هذهِ اللهُ بعدَ موتِها فأماتَهُ اللهُ مائةَ عامٍ ثُمَّ بعثهُ قال کم لَبِثتَ قال لَبِثتُ یوماً أو بعضَ یومٍ قال بل لَبِثتَ مائةَ عامٍ فانظُر إلى طعامِکَ وشرابِکَ لم یتسنَّه وانظُر إلى حمارِکَ ولنجعَلَکَ آیةً للنَّاسِ وانظُر إلى العِظَام کیفَ نُنشِزُها ثُمَّ نکسُوها لَحمَاً فلمّا تَبینَ لهُ قال أعلمُ أنَّ اللهَ على کُلِّ شیءٍ قدیرٌ ) (5).
لقد اختلفت الروایات والتفاسیر فی تحدید هذا الذی مرَّ على قریة ، لکنها متّفقة على أنّه مات مائة سنة ورجع إلى الدنیا وبقی فیها ، ثم مات بأجله ، فهذه رجعة إلى الحیاة الدنیا .
قال الطبرسی : الذی مرَّ على قریة هو عزیر ، وهو المروی عن أبی عبدالله علیه السلام وقیل : هو أرمیا ، وهو المروی عن أبی جعفر علیه السلام (6).
وروى العیاشی بالاِسناد عن إبراهیم بن محمد ، قال : ذکر جماعة من أهل العلم أنَّ ابن الکواء الخارجی قال لاَمیر المؤمنین علی علیه السلام : یا أمیر المؤمنین ، ما ولد أکبر من أبیه من أهل الدنیا ؟
قال علیه السلام : « نعم ، أُولئک ولد عزیر ، حیث مرَّ على قریة خربة ، وقد جاء من ضیعة له ، تحته حمار ، ومعه شنّة فیها تین ، وکوز فیه عصیر ، فمرَّ على قریةٍ خربةٍ ، فقال : ( أنَّى یُحیی هذهِ اللهُ بعدَ موتِها فأماتَهُ اللهُ مائةَ عامٍ ) فتوالد ولده وتناسلوا ، ثمَّ بعث الله إلیه فأحیاه فی المولد الذی أماته فیه ، فأُولئک وُلده أکبر من أبیهم » (7).

إحیاء سبعین رجلاً من قوم موسى علیه السلام:
قال تعالى : ( وإذ قُلتُم یا مُوسى لَنْ نُؤمنَ لکَ حتى نرى اللهَ جَهرَةً فأخَذَتکُم الصَّاعِقَةَ وأنتُم تنظُرُونَ * ثُمَّ بعثناکُم مِنْ بَعدِ موتِکُم لَعَلَکُم تَشکُرُونَ ) (8).
هاتان الآیتان تتحدثان عن قصة المختارین من قوم موسى علیه السلام لمیقات ربه ، وذلک أنّهم لمّا سمعوا کلام الله تعالى قالوا : لا نصدّق به حتى نرى الله جهرة ، فأخذتهم الصاعقة بظلمهم فماتوا ، فقال موسى علیه السلام : « یا ربِّ ، ماأقول لبنی إسرائیل إذا رجعت إلیهم » فأحیاهم الله له ، فرجعوا إلى الدنیا ، فأکلوا وشربوا ، ونکحوا النساء ، وولد لهم الاَولاد ، ثم ماتوا بآجالهم (9).
فهذه رجعة أُخرى إلى الحیاة الدنیا بعد الموت لسبعین رجلاً من بنی إسرائیل ، قال تعالى : ( واختارَ موسى قَومَهُ سَبعِینَ رَجُلاً لِمیقاتِنَا فَلَمَّا أخَذَتهُم الرَجفةُ قالَ ربِّ لو شِئتَ أهلَکتَهُم مِنْ قَبلُ وإیَّای أتُهلِکُنا بِما فَعلَ السُّفَهآءُ مِنَّا) (10) .

المسیح علیه السلام یحیی الموتى :
ذکر فی القرآن الکریم فی غیر مورد إحیاء المسیح للموتى ، قال تعالى لعیسى علیه السلام : ( وإذ تُخرِجُ الموتى بإذنی ) (11)، وقال تعالى حاکیاً عنه : (وأُحیی الموتى بإذنِ اللهِ ) (12).
فکان بعض الموتى الذین أحیاهم عیسى علیه السلام بإذن الله تعالى قد رجعوا إلى الدنیا وبقوا فیها ثم ماتوا بآجالهم (13).

إحیاء أصحاب الکهف :
هؤلاء کانوا فتیة آمنوا بالله تعالى ، وکانوا یکتمون إیمانهم خوفاً من ملکهم الذی کان یعبد الاَصنام ویدعو إلیها ویقتل من یخالفه ، ثم اتّفق أنّهم اجتمعوا وأظهروا أمرهم لبعضهم ، ولجأوا إلى الکهف ( وَلَبِثُوا فی کَهفِهِم ثَلاثَ مائةٍ سِنینَ وازدادُوا تِسعاً ) (14) ثم بعثهم الله فرجعوا إلى الدنیا لیتساءلوا بینهم وقصتهم معروفة .
فإن قال قائل : إنَّ الله عزَّ وجلَّ قال : ( وتَحسَبُهُم أیقاظاً وهُم رُقُودٌ ) (15) ولیسوا موتى . قیل له : رقود یعنی موتى ، قال تعالى : ( ونُفِخَ فی الصُّورِ فإذا هُم مِّنَ الاَجداثِ إلى رَبِّهم یَنسِلُونَ * قالُوا یا وَیلنا من بَعَثَنا مِن مَّرقَدِنا هَذا ماوَعدَ الرَّحمنُ وصَدَقَ المرسَلونَ ) (16)، ومثل هذا کثیر (17).
وروى یوسف بن یحیى المقدسی الشافعی فی (عقد الدرر) عن الثعلبی فی تفسیره فی قصة أصحاب الکهف ، قال : (وأخذوا مضاجعهم ، فصاروا إلى رقدتهم إلى آخر الزمان عند خروج المهدی علیه السلام ، یقال : إنَّ المهدی یسلّم علیهم فیحییهم الله عزَّ وجلَّ) (18)، وهو یدلُّ على رجعتهم فی آخر الزمان .

إحیاء قتیل بنی إسرائیل :
روى المفسرون أنَّ رجلاً من بنی إسرائیل قتل قریباً له غنیاً لیرثه وأخفى قتله له ، فرغب الیهود فی معرفة قاتله ، فأمرهم الله تعالى أن یذبحوا بقرة ویضربوا بعض القتیل ببعض البقرة ، لیحیا ویخبر عن قاتله ، وبعد جدال ونزاع قاموا بذبح البقرة ، ثم ضربوا بعض القتیل بها ، فقام حیاً وأوداجه تشخب دماً وأخبر عن قاتله ، قال تعالى ( فَقُلنا اضرِبُوهُ بِبَعضِهَا کَذلِکَ یُحیی اللهُ الموتى ویُریکُم آیاتِهِ لَعَلَّکُم تَعقِلُونَ ) (19).
إحیاء الطیور لاِبراهیم علیه السلام بإذن الله :
ذکر المفسرون أنّ إبراهیم علیه السلام رأى جیفة تمزّقها السباع ، فیأکل منها سباع البرّ وسباع البحر ، فسأل الله سبحانه قائلاً « یا ربِّ ، قد علمت أنّک تجمعها فی بطون السباع والطیر ودواب البحر ، فأرنی کیف تحییها لاُعاین ذلک » ؟ قال سبحانه : ( وإذ قالَ إبراهیمُ ربِّ أرِنی کیفَ تُحیی المَوتى قالَ أوَلَمْ تُؤمِنْ قالَ بلى ولکِن لِیطمئنَ قَلبی قَالَ فَخُذ أربعةً مِنَ الطیرِ فَصُرهُنَّ إلیکَ ثُمَّ اجعل على کُلِّ جَبلٍ مِنهُنَّ جُزءاً ثُمَّ ادعهُنَّ یأتِینَکَ سعیاً واعلم أنَّ اللهَ عزیزٌ حَکیمٌ) (20) .
فأخذ طیوراً مختلفة الاَجناس ، قیل : إنّها الطاووس والدیک والحمام والغراب ، فقطعها وخلط ریشها بدمها ، ثم فرقها على عشرة جبال ، ثم أخذ بمناقیرها ودعاها باسمه سبحانه فأتته سعیاً ، فکانت تجتمع ویأتلف لحم کل واحدٍ وعظمه إلى رأسه ، حتى قامت أحیاء بین یدیه (21).

إحیاء ذی القرنین :
اختلف فی ذی القرنین فقیل : إنّه نبی مبعوث فتح الله على یدیه الاَرض ، عن مجاهد وعبدالله بن عمر . وقیل : إنّه کان ملکاً عادلاً .
وروی بالاِسناد عن أبی الطفیل عن أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب علیه السلام : « إنّه کان عبداً صالحاً أحبَّ الله فأحبّه وناصح الله فناصحه ، قد أمر قومه بتقوى الله ، فضربوه على قرنه فمات ، فأحیاه الله ، فدعا قومه إلى الله، فضربوه على قرنه الآخر فمات ، فسمیَّ ذا القرنین » . قال علیه السلام : «وفیکم مثله» (22) یعنی نفسه علیه السلام (23).
وفی روایة علی بن إبراهیم عن الاِمام الصادق علیه السلام : « إنَّ ذا القرنین بعثه الله إلى قومه ، فضربوه على قرنه الاَیمن ، فأماته الله خمسمائة عام ثم بعثه إلیهم بعد ذلک ، فضربوه على قرنه الاَیسر ، فأماته الله خمسمائة عام ثم بعثه إلیهم بعد ذلک ، فملّکه مشارق الاَرض ومغاربها من حیث تطلع الشمس إلى حیثُ تغرب » (24) .

إحیاء أهل أیوب علیه السلام :
قال تعالى : ( وآتیناهُ أهلَهُ وَمِثلَهُم مَعَهُم ) قال ابن عباس وابن مسعود : ردَّ الله سبحانه علیه أهله ومواشیه وأعطاه مثلها معها . وبه قال الحسن وقتادة وکعب ، وهو المروی عن أبی عبدالله علیه السلام (25).
هذه الحالات جمیعاً تشیر إلى الرجوع للحیاة بعد الموت فی الاُمم السابقة ، وقد وقعت فی أدوار وأمکنة مختلفة ، ولاَغراض مختلفة ، ولاَشخاص تجد فیهم الاَنبیاء والاَوصیاء والرعیة ، وهی دلیل لا یُنازع فیه على نفی استحالة عودة الاَموات إلى الحیاة الدنیا بعد الموت .
وهنا من حقنا أن نتساءل : ما المانع من حدوث ذلک فی المستقبل لغرض لعلّه أسمى من جمیع الاَغراض التی حدثت لاَجلها الرجعات السابقة ؟ ألا وهو تحقیق مواعید النبوات وأهداف الرسالات فی نشر مبادىء العدالة وتطبیق موازین الحق على أرض دنّستها ید الجناة والظلمة، وأشبعتها ظلماً وجوراً حتى عادت لا تطاق ( وَلَقَد کَتَبنا فی الزَّبُورِ مِنْ بَعدِ الذِکرِ أنَّ الاَرضَ یَرِثُها عِبادیَ الصالِحُونَ ) (26) وقال تعالى : (فتَربَّصُوا حتى یَأتیَ اللهُ بأمرِهِ ) .
ویعزّز الدلیل على حدوث الرجعة فی المستقبل کما حدثت فی الاُمم الغابرة ما روی عن الرسول صلى الله علیه وآله وسلم أنه قال : « لتتبعنَّ سنن الذین من قبلکم شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراع حتى لو سلکوا جُحر ضبّ لسلکتموه » قالوا : الیهود والنصارى ؟ قال صلى الله علیه وآله وسلم : « فمن » (27).
المصادر :
1- سورة البقرة 2 : 243
2- فی روایة الشیخ الکلینی فی الکافی 8 : 170 /237 عن الاِمام الباقر علیه السلام وروایة السیوطی عن السدّی عن أبی مالک وغیره : یقال له حزقیل .
3- الاعتقادات ، للصدوق : 60 نشر مؤتمر الذکرى الاَلفیة للشیخ المفید . والدر المنثور ، للسیوطی 1 : 741 ـ 743 دار الفکر ـ بیروت .
4- تفسیر العیاشی 1 : 130 / 433 المکتبة العلمیة ـ طهران .
5- سورة البقرة 2 : 259 .
6- مجمع البیان ، للطبرسی 2 : 639 دار المعرفة ـ بیروت .
7- تفسیر العیاشی 1 : 141 / 468 المکتبة العلمیة ـ طهران .
8- سورة البقرة 2 : 55 ـ 56 .
9- الاعتقادات ، للصدوق : 61 .
10- سورة الاعراف 7 : 155 .
11- سورة المائدة 5 : 110 .
12- سورة آل عمران 3 : 49 .
13- الکافی 8 : 337 / 532 . وتفسیر العیاشی 1 : 174 / 51 .
14- سورة الکهف 18 : 25 .
15- سورة الکهف 18 : 18 .
16- سورة یس 36 : 51 ـ 52 .
17- راجع الاعتقادات ، للصدوق : 62 .
18- عقد الدرر : 192 نشر دار النصایح ـ قم .
19- سورة البقرة 2 : 73 . وراجع قصص الاَنبیاء، للثعلبی : 204 ـ 207 المکتبة الثقافیة ـ بیروت.
20- سورة البقرة 2 : 260 .
21- راجع تفسیر القمی 1 : 91 . وتفسیر العیاشی 1 : 142 /469 .
22- تفسیر الطبری 16 : 8 دار المعرفة ـ بیروت .
23- تفسیر الطبرسی 6 : 756 دار المعرفة ـ بیروت .
24- تفسیر القمی 2 : 40 .
25- تفسیر الطبرسی 7 : 94 . وتفسیر الطبری 17 : 58 . وقصص الاَنبیاء ، للثعلبی : 144 . والآیة من سورة الاَنبیاء 21 : 84
26- سورة الاَنبیاء 21 : 105 .
27- کنز العمال ، للمتقی الهندی 11 : 133 / 30923 . وروى نحوه الشیخ الصدوق فی کمال الدین: 576 جماعة المدرسین ـ قم

 


source : .www.rasekhoon.net
  342
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

مصير الحب
مقام السيدة زينب الكبرى في كتب المؤلفين
المنهج البياني
ولادة الإمام موسى الكاظم عليه السلام
المنهج الصوفي أو الباطني للتفسير
كيف تتحقق الوحدة بين المسلمين؟
أبو جميزة: هل هو مسيلمة المهدي؟
الخصائص الحسنيّة (3)
شهداء الأعمال في الأخرة (3)
فوائد الصلاة الطبیة

 
user comment