عربي
Thursday 1st of October 2020
  509
  0
  0

تجهیز البنت

تجهیز البنت

إن من ضمن الخرافات التی شاعت فی زماننا هذا، هی خرافة تجهیز البنت بالوسائل المنزلیة، وهو خلاف ما جاء فی الشرع المقدّس، کونها من المسائل الکمالیة والخرافیة، وکونها تکون فی أغلب الأحیان أحد موانع الزواج.
فالبنت التی بلغت سنّ الثلاثین، ولا تستطیع قبول من تقدم إلیها، تمتنع عن الزواج بسبب عدم إمکانیة ولیّ أمرها من تجهیزها بالوسائل المنزلیة وترفض الخُطّاب الواحد تلو الآخر، کونها لا تستطیع الذهاب إلى بیت الزوجیة من دون أن تأخذ معها ما یجود به علیها والداها من وسائل ولوازم منزلیة قد تکون فی بعض أحیانها قاصمةً للظهر.
أجل، لا بأس بأخذ البنت لبعض الحاجیات من منزل أبیها إلى منزل زوجها، ولکن لا بالشکل الذی نراه هذه الأیام، هذا إذا استطاعت ذلک، وإن لم تستطع وجب على الدولة الإسلامیة أن تلتزم بتهیئة تلک الحاجیات، وإن امتنعت الدولة الإسلامیة لسبب من الأسباب عن تهیئة هذه الوسائل، وجب على جمیع أفراد الشعب القیام بتوفیر تلک المستلزمات، لأنها من ضروریات الحیاة.
بعد أن تم الاتفاق على تزویج الزهراء البتول فاطمة بنت محمّد(صلی الله علیه وآله وسلم)، بعث الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) برجلین وامرأة لشراء بعض اللوازم للزهراء"ع" من السوق، ولقد اشتملت تلک اللوازم على "17" شیئاً کان ثمنها "63" درهماً.وکانت هذه الأشیاء تشتمل على عباءة، ولا أعنی تلک العباءات التی نراها الیوم وکأنها لباس الشهرة، ولا تلک التی هی من الحریر الناعم، کلا إنها کانت عباءة سوداء تعلوها مقنعة.
هذا بالإضافة إلى قمیصٍ، أعطته الزهراء(علیها السلام) قبل ارتدائه إلى إحدى المستضعفات لتبقى هی بقمیصها القدیم وتذهب به إلى دار زوجها، وعندما سألها الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) فی الیوم التالی عما فعلت بذلک القمیص؟ أجابت بأنها أعطته فی سبیل الله تبارکت أسماؤه، فقال: ولم أعطیت الجدید ولم تعط القدیم؟ قالت: ألم یقل الله تعالى فی محکم کتابه:
(لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا ممَّا تحبّون) (1).
وکان بساطها الذی تجلس علیه جلد خروف واحد، وفراشها الذی تنام علیه بدل القطن لیف من عراجین النخل، أما لوازم طعامها وشرابها فلا تعدو أن تکون بضعة أوانی صینیة، وقلّة خزفّیة واحدة، وقدحاً من طین، وإجمالاً کانت تلک الحاجیات تُبکی الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) شوقاً حینما ینظر إلیها.
لذا أطلب راجیاً من الجمیع، وبالخصوص السیدات أن یطلّوا بنظراتهم على هکذا حاجیات.
وبعد ذلک قال صوات الله وسلامه علیه: اللهم بارک بهذه الحاجات التی یغلب علیها الطین.
لقد کانت تلک اللوازم على قدر ضرورة حاجة الزهراء(علیها السلام) ، وهکذا ینبغی أن تکون لوازمکم على قدر ما تحتاجون، لا على قدر ما تظهرون للآخرین، فالتباهی والتفاخر باللوازم والحاجیات غیر الضروریة لیس فی مصلحتکم، ولا بأس علیکم لو تنتهون من تلک الخرافات التی لا فائدة منها ولا نفع.إن بعض الأمهات تشعر وکأنها تُساق إلى قبرها حینما تجد صندوق جواهر ابنتها غیر ممتلئ لیلة الزفاف، وکذا الأمر بالنسبة لأم العریس حینما ترى عدم إتیان العروس بلوازم کثیرة من دار أبیها، بل وقد یعلو صوتها إلى عنان السماء إذا لم تکن تلک اللوازم من الطراز الأول، وقد یصل الأمر ببعضهن وبلا حیاء إلى إرجاع الوسائل والحاجیات التی جاءت بها البنت من دار أبیها ثانیةً، التزاماً بالخرافات التی ما أنزل الله بها من سلطان کی تبقی البنت أسیرة منزل أبیها بعدما کانت تلک الحاجیات سبباً فی منعها من الزواج.
على أیّة حال إن لی طلباً وهو، أیها السید المتمدن! وأنت أیها المتمکن! إذا أردت أن تعطی لابنتک وسائل ترفیهیة، ولوازم منزلیة لن یمنعک أحد من ذلک، ولکن بعیداً عن هذه الخرافات التی تحتم وتوجب على الأب تزوید ابنته بهکذا لوازم ثمینة.
إن ما نراه الیوم من إعطاء الأب لابنته العروس "المجمّدة" الفلانیة أو الأثاث الإیطالی کونه ثریًّا لم یکن حینما شُرّع الزواج والنکاح، ولکن الأمر لا یعدو قیام أحد الحمقى الأثریاء بإهداء سجادات ثمینة أو حاجیات منزلیة متطورة إلى ابنته العروس مما حدا بالآخرین إلى التشبّه به جهلاً، والقیام بمثل ما قام ظنًّا منهم بأن ما فعله صاحبنا هو الصحیح؛ لذا یتوجب علیهم أن یفعلوا مثل فعله.
أیها الثری! إذا أردت أن تعطی شیئاً لابنتک، لا تحاول أن تفهم الناس من خلاله بأنها عادة جاریة، أو ضرورة یجب الالتزام بها.
لن یقول لک أحدٌ شیئاً حینما تسجّل منزلک باسم ابنتک العروس، ولکن لا ینبغی لک التشهیر بذلک على أن المسألة ترتبط بشرعٍ أو عرف یجب أن یلتزم به، ولا تفعل ما یسهم فی إحراج الفقیر حینما یرید تزویج ابنته، لأن هکذا أموراً تعتبر مخالفة للشرع، وأنها غیر مبارکة بالمرة.إن هذه الوسائل والحاجات التی تهدیها لابنتک، والتی تسبب الإحراج والضرر للآخرین لا خیر فیها ولا برکة، وخاصة إذا کانت العروس بخیلةً وتحرّم على زوجها أن یمدّ یده على إحداها، ولو اتفق أن استعمل العریس الثلاجة التی أهداها والدها لها أو استعمل أی شیء آخر جاءت به من دار أبیها تراها تصرخ وتضجّ وتقیم الدنیا وتقعدها ظنًّا منها أن ما جاء به والدها آثار تاریخیة مهمة لا ینبغی مسّها خوفاً من أن تتلف، وأنها یجب أن تبقى مائة عام أو مائتین.

المسکن
إن إحدى الخرافات المعمول بها فی مجتمعاتنا هذا الیوم، والتی شملت حتى القرویین هی مسألة عدم قبول البعض للسکن المشترک، أی أن أم الزوج غیر مستعدة للسکن مع عروس ابنها، وأن العروس ترفض السکن مع أم زوجها، وتفضّل استئجار منزل لوحدها على السکن مع أهل زوجها، وأن الزوج یشکو من معاشه الذی لا یتحمل استئجار دار، وعندها یشعر الزوج بضائقة مالیة قد تقضی على استمرارحیاته الزوجیة.
وبناء على ذلک تکون مشکلة السکن من المشاکل الکبیرة التی تحول دون زواج الکثیر من الشباب، لأن أغلب الفتیات یشترطن أول الأمر وجود سکن منعزل، وحینما یعلمن بأن الشاب لا یتأتى له ذلک یرفضن قبول الزواج!.
إن أول سؤال یمکن أن یسأله أهل البنت للشاب الذی یتقدم لخطبة ابنتهم هو: هل لدیک سکن؟.
بالرغم من أن السؤال الأول ینبغی أن یکون: هل لهذا الشاب دین أم لا؟ هل هو إنسان یتحلّى بالأخلاق الفاضلة؟ لأنه إذا لم یکن من ذوی الأخلاق الفاضلة، فسیکون ذلک المنزل کالزنزانة بالنسبة للفتاة.
إن قضیة السکن أضحت الیوم من المشاکل المهمة التی یجب الالتفات إلیها، والسعی لحلّها بالطرق السلیمة، وعلى ما أذکر لم یکن الناس فی ما مضى على هذه الشاکلة، بل کان الرجل وزوجته یبنی فی داره أربعة أو خمسة حجرات لیسکن معهما أبناؤهما المتزوجین بشکل هادئ وطبیعی.أما الیوم وبعد أن أضحى الناس یطلبون الراحة والدعة برزت مشکلة السکن بشکلها الذی نراه الیوم والتی تعدّ إحدى المشاکل الکبرى فی إیران.
کان أحد علماء أصفهان الکبار یقول: جاءنی أحد الشباب لیقول لی إن أمه لا ترضى بتزویجه وکذلک أبوه، وأنهما یعتبران أنفسهما من المریدین لی، وبعد ذلک طلب إلی أن أتحدث إلیهما علّهما یعدلان عن عدم رضایتهما!.
یضیف هذا العالم فیقول: ذهبت إلى منزل ذلک الفتى الذی یسکن مع والدیه فی صباح الیوم التالی، وبعد أن استقبلانی بحفاوةٍ وبان علیهما التعجب والحیرة لزیارتی المفاجأة تلک لهما، قدّما لی إفطاراً شارکانی فیه بوجوهٍ سمحاء.
وبعد الإفطار شرعت بالتحدث إلیهما بتلطف وتودد ـ وعلى حد قوله ـ قرأت لهما مجلساً کاملاً کالذی یُقرأ فی المجالس الحسینیة، فقلت، وقلت حتى مضت ساعة بالتمام والکمال، وما إن أتممت حدیثی حتى قالت المرأة ـ والدة الفتى ـ أیها السید! ما دمت على قید الحیاة لن أسمح لعروس أبنی دخول منزلی هذا، عندها التفت إلى الشاب وقلت له: إذن ادع الله أن یمیت أمک.
إلى هنا وصلت أوضاعنا، فوالدة الشاب لن ترضى دخول عروس ابنها إلى دارها، مثلما لن ترضى العروس بدخول منزل فیه أم زوجها!.
أما المشکلة االاخری فهی مسألة تعلّم الفتیات والفتیان، وخصوصاً تعلّم الفتیان لأن التعلّم مسألة أساسیة ومهمة فی الحیاة الزوجیة.
یقول فردوسی
فی إحدى حکایاته الأسطوریة: "عبر رستم الأقالیم السبعة بعد أن قتل العملاق الأول، ثم قتل الثانی والثالث حتى وصل فی نهایة المطاف إلى ما یصبو إلیه".
وهکذا الأمر مع ذلک الشاب، فلو استطاع عبور تلک الأقالیم السبعة، أو المعضلات السبعة الواحدة بعد الأخرى لتمکن من الارتیاد بالبنت أو الزوجة التی یروم أن یحیا معها.
وهنا ینبغی لنا أن نسأل: هل ستنتهی جمیع المشاکل إذا تمکن من عبور تلک الموانع، أم هناک مشاکل أخرى ستبدأ بانتهاء هذه الموانع؟.
النزاع والخلافإن أول ما یمکن أن یبدأ بین الزوج والزوجة هو النزاع الذی تأتی به الحیاة المترفة، أو بعبارة أخرى حیاة الصرف والبذل بدون مبرر، وأن أغلب النزاعات التی نسمع بها الیوم یکون 80% منها من أجل المسائل الکمالیة، أو المسائل الترفیّة.
فمنذ الأیام الأولى نرى العرائس یشرعن بارتداء البدلة الفلانیة لمرة واحدة، والفستان الفلانی لمرة واحدة أیضاً، والحذاء الفلانی مرتین أو ثلاثة، وهکذا تحاول أن تفهم زوجها بأنها لا تستطیع لبس الفستان أو البدلة أکثر من مرة واحدة، ولکون الزوج لا یتمکن من تأمین کل هذه الفساتین تبدأ النزاعات والخلافات، عندها تقول الزوجة له: قل لأبیک أن یساعدک مادیًّا، فیرد الزوج علیها: إن أبی ساعدنی ما فیه الکفایة فاذهبی أنت واخبری أباک بانه یجب علیه مساعدتک.
وهکذا ففی الشهر الأول تطالب الزوجة بالملابس الکثیرة، وفی العام الاول بالذهب والمجوهرات حتى یصل الأمر بها لأن تقول: أعطنی مهری لکی اشتری القلادة الفلانیة، واعطنی مهری لاشتری الحاجة الفلانیة وهکذا یتفاقم النزاع رویداً رویداً لیصل إلى قمته من جرّاء التجملات، والکمالیات والشراء الترفی.
لذا لا تظنوا بأن من عبر الأقالیم السبعة وصل إلى مراده، وإذا ما وصل رستم إلى ما یرید، فنحن والحمد لله وصلنا إلى بدایة الخلافات التی ستزداد عاجلاً أو آجلاً.
وعلى حد قول أحدهم: إن الشاب الذی لم یتزوج بعد، مثله کمثل الرجل الذی لا یلبس قبّعة على رأسه، وعندما یتزوج تکون تلک القبعة قد غطّت رأسه وأذنیه وعینیه وحجبت عقله عن التفکر فعُدّ من المخدوعین، وعندما یرى ما یمکن أن یصیبه من بلاء یقول: یا لیتنی لم أتخذ لنفسی شریکاً، وقد تقول الزوجة: یا لیتنی لم اتخذ لنفسی فلاناً زوجاً؟.
إن هذه المقالات والتقولات هی فی واقع الأمر معضلات اجتماعیة وقراحات تفیض قیحاً، بل وسرطاناً یتفاقم فی مجتمعاتنا المعاشة.أما بالنسبة لعلاج تلک المعضلات فالأمر سهل، وسهلٌ جداً، ولا یتعدى أن یکون إحدى آیات القرآن المجید التی ما إن یعمل بها حتى یرى الإنسان نفسه معافى من کل تلک الأمراض الاجتماعیة المتردیّة المشتملة على کل تلک المعضلات والموانع الخرافیة، بالإضافة إلى مشکلة التعلم التی تعتبر بمثابة مسألة أصولیة، ناهیک عن حلّها لکل الخلافات والنزاعات التی یمکن أن تبرز فی البین العائلی.
وهذه الآیة المبارکة هی:
(وعباد الرحمن الذی یمشون على الأرض هوناً، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً.. والذین إذا أنفقوا لم یسرفوا، ولم یقتروا، وکان بین ذلک قواماً) (2).
فالمؤمن عندما یرید شراء شیءٍ لا یسرف فی شرائه ولا فی بذله، إنه لا یؤمن بالصرف الترفی غیر اللازم، ولا یرغب بالحیاة التی تستند إلى التجملات والکمالیات والحاجات غیر الضروریة، إنه لیس بخیلاً ولا مسرفاً، بل معتدلاً "وکان بین ذلک قواماً".
فالإنسان الذی یرید العیش ببساطة ترتفع عنه جمیع الخرافات حتى یصل الأمر به إلى دخول الجامعة وهو متزوج، أما الشاب الذی نراه یرید ذلک ولا یستطیع یمکن أن نقول بأن الخرافات التی شاعت فی المجتمع قد استولت علیه.

البخل فی المعیشة
قال العزیز فی محکم کتابه المجید:
(ولا یحسبن الذی یبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خیراً لهم بل هو شر لهم سیطوقون ما بخلوا به یوم القیامة، ولله میراث السموات والأرض، والله بما تعملون خبیر) (3).
إن الذی لا یسخّر ماله فی خدمة أسرته، لا یظنّ أنه یعمل حسناً، إنه یعمل سوءاً، وأن ماله ذاک سیطوّق به یوم القیامة بطوقٍ من نارٍ.
فالذی یتمکن من أن یرفّه أسرته ولا یفعل ذلک مثله کذاک الذی ما إن یسألونه عن شیء حتى یجیب بعبارة: لا یوجد عندی، وبعد فترة أضحت تلک العبارة ملکة فسأله أحدهم عن إیمانه فردّ بسرعة لا یوجد عندی!:
"إیاکم والبخل، فإنّها عاهة لا تکون فی حُرٍّ ولا مؤمن، إنّها خلاف الإیمان"(4).ولو لم یکن لدینا حدیث أو روایة أو آیة قرآنیة فی البخل غیر هذه التی ذکرنا آنفاً، لکفتنا أن نبتعد عن البخل فی البیت، وفی المجتمع، لأنه من العار والصعوبة أن یطوّق الإنسان یوم القیامة بما لدیه من بیوت ومحلات وأملاک وأموال وهی تشتعل وتلتهب، لیأتی به على تلک الحال إلى صفوف الحشر الرهیبة.
فالبخل خطأ فاحش، والإسراف من أسباب فساد المجتمع وجرّه إلى ما لا تحمد عقباه:
(وإذا أردنا أن نهلک قریةّ أمرنا متُرفیها ففسقوا فیها فحقَّ علیها القول فدمّرناها تدمیراً) (5).
إن السیول والزلازل، وانقلاب الأرض بأهلها لا یمکن أن یقاس بالنکبات التی یجرها البخل والإسراف والحیاة المترفة، لأن المصائب والبلایا التی تحدثها هذه القضایا أنکى من کل المصاعب التی نسمع بها کل یوم تحدث هنا وهناک.
لذا أقول أی من هذه لا تعدّ أکثر بلاءً من الزلازل والسیول والمصائب؟ إنها تحدث فی الغالب جرّاء اعتقادنا بالخرافات والتوافه من القول، وهذا ما یحدو بنا إلى ارتکاب الکبائر من المعاصی التی تعرضنا لها سباقاً من مثل البخل والإسراف والترف الزائد عن الحاجة والخصومات التی تجعل من الحیاة الاجتماعیة جهنم على الأرض:
(وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال، فی سمومٍ وحمیم، وظل من یحموم، لا باردٍ ولا کریم، إنهم کانوا قبل ذلک مترفین، وکانوا یصرّون على الحنث العظیم) (6).
إن القرآن الکریم تعرّض کثیراً للترف والمترفین، وحذّر فی عدّة مناسبات من التوغل فی أعمال الترف الذی یوصل الإنسان إلى حالة الکفر بما أُرسل به المرسلون:
(وما أرسلنا فی قریةٍ من نذیرٍ إلاَّ قال مترفوها، إنا بما أرسلتم به کافرون) (7).
لقد کان المترفون على مرّ الدهور مانعاً أساسیاً لشیوع رسالات الأنبیاء المرسلین، وما کان فعلهم إلا خوفاً من انطمار مصالحهم ومنافعهم الشخصیة، کون المرسلین یتنکرون للإسراف والبذخ والترف المؤدی بالمجتمعات إلى الفساد.جاء فی کتاب "معراج السعادة" أن بخیلاً وصل فی بخله إلى حالةٍ کان فیها یضع اللبن فی إناء زجاجی، ویضع الإناء وسط مائدة الطعام ثم یقول لأبنائه: امسحوا بأرغفتکم على جدار ذلک الإناء الزجاجی کی تشعروا بأنکم طعمتم خبزاً ولبناً.
وفی أحد الأیام سافر الأب، بعد أن وضع الإناء الزجاجی فی صندوقٍ وقفل علیه، وحینما أحسّ الأبناء ا، أباهم لم یأت إلیهم، کانوا یمسحون بأرغفتهم على قفل ذلک الصندوق، وحینما جاءهم الأب، وعرف منهم ما فعلوا، أمسک بعصا له وبدأ بضربهم على رؤوسهم وهو یقول: ألم تصبروا یوماً واحداً تأکلون فیه خبزاً بدون لبن؟.
إن الحیاة إذا علتها مسائل البخل فاقرأ علیها وعلى صاحبها السلام، ولا نعتقد أن أحداً منکم یرضى بفعل ذلک البخیل الوضیع الذی نجد من مثله فی دنیانا هذه الکثیر، إنه مسلوب الراحة، مسلوب النوم، وقد یسأل أحدکم وکیف تکون الحیاة مقرونة بالراحة؟ فتقول له: إذا تمکن الإنسان من الطعام الاعتیادی، وکان له مسکن، ولباس کافٍ عدَّ ذلک الإنسان ممن یعیش حیاةً لا تخلو من الراحة، شریطة أن یکون قانعاً غیر مقتراً ولا مسرفاً.
قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم):
"أقل الناس راحة البخیل"(8).
ذکرت إحدى الروایات أن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) سار مع أصحابه قاصداً مکاناً معیّناً، وفی أثناء سیره صادفه راعٍ لغنم، فسأله الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) لبناً من إحدى شیاهه فرفض أن یعطی شیئاً، عندها قال الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم): رزقک الله خرافاً بغیر حساب، بعد ذلک وصلوا إلى راعٍ آخر لیسألوه هو الآخر أن یعطیهم لبناً، فما کان منه إلاَّ أن سقى الجمیع حتى رووا، فقال الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم): رزقک الله حد الکفاف.
فقال أحد الأصحاب: یا رسول الله! إن دعاءک للأول کان أفضل بکثیر منه للثانی.
فأجاب: إنّ دعائی للأول لن یحصل منه إلا على البلاء.إذا أراد الإنسان أن یحی حیاة هانئة رغیدة، علیه أن یجرّب البساطة فی معیشته بدون تکلُّفٍ ولا غشٍ ولا عبودیة، فالبساطة یمکن أن تجعل جمیع أوقات الرجل والمرأة سعیدة ومفیدة، وعلى حد قول أمیر المؤمنین علیّ(علیه السلام) معیشة بعیدة عن البرج، ولو کانت الحیاة ملیئة بالبرج لکسرت أعناق الرجال وجرّتهم إلى حیث العبودیة.
خلاصة بحثنا هذا هی: ینبغی لنا أن نغیّر من أنفسنا بشکل جدیّ، وأن نسعى لأن تکون أخلاقنا مثل أخلاق الأئمة والصالحین، وأن القدم الأولى تبدأ من مسألة الزواج، إذ علینا أن نتنکر للخرافات والبدع، ونسحقها تحت أرجلنا کی نفوز بحیاةٍ مرفهة لا حیاة مترفة.
أیها السید أیتها السیدة مثلما نحن بحاجة إلى المسائل المادیة، فنحن بحاجة أیضاً إلى المسائل الروحیة، فمثلما نحاول دائماً تأمین حاجاتنا الجسدیة ونسعى لتأمین حیاة مرفهة، علینا أن نهتم بالأمر الذی هو أسمى من هذه المعانی ألا وهو المسائل الروحیة.
وحاجاتنا الروحیة لا یمکن تأمینها من خلال الأکل والشرب، وامتلاک الدار الوسیعة، أو الزوجیة الجیدة، کلا بل یمکن أن تؤمّن حینما نردّ الظلم عن أحد المظلومین، أو نفرّج کربةً عن أحد المساکین، أو نحاول المشارکة فی تزویج شاب محتاج مادیاً، حین ذاک یمکن أن نعتبر متأسین بأمیر المؤمنین علیّ(علیه السلام)، أو مقتدین بالزهراء البتول(علیها السلام) التی قدّمت قمیصها الجدید لإحدى المستضعفات لتبقى هی مرتدیة قمیصاً له رقعة، بالرغم من أنها کانت تمتلک أرض فدک.
ذهب أحد التجار إلى السید المرحوم آیة الله محمد باقر الصدر، وکانت امرأته ترافقه، فدخل التاجر إلى حجرة السید الصدر، بینما ذهبت امرأته إلى داخل الدار لتلتقی زوجة السید الصدر.طرقت زوجة التاجر باب حجرة النساء لتخرج إلیها زوجة السید، وما إن رأت زوجة التاجر قدم ملابس زوجة الشهید الصدر وبساطتها حتى ظنّت أنها الخادمة، عندها قالت: هل السیدة موجودة؟ إن لی معها عملاً مهماً، حینها بان الخجل والحیاء على محیّا زوجة السید الصدر وفهمت الموضوع فأجابت بالنفی، لذا رجعت زوجة التاجر أدراجها من حیث أتت.
وبعد أن ذهب التاجر وامرأته، دخل السید الصدر إلى حجرة النساء لیرى أمرأته وقد بان علیها عدم الارتیاح فسألها عن السبب؟ فقالت: إن زوجة التاجر ظنّت بأننی الخادمة، لذا نفیت أن تکون السیدة التی تعنیها موجودةً خجلاً وحیاءً.
حینئذ قال السید الصدر عبارة جمیلة وهی عبارة تدلل على أن المراجع والعظام یدرکون هذه الأمور جیداً، لقد قال: أجل، إنک لست بسیدة، فالسیدة هی التی کانت عباءتها ذات رقعات کثیرة، بالرغم من أن أرضها المسماة فدک ینعم فیها الفقراء والمساکین.
کم هی جمیلة عبارته تلک، إن کان رجلاً بمعنى الکلمة، والرجل هو من یتأتى له رفع الحیف والظلم عن المظلومین، أو هو الذی یستطیع تأدیة دین مستضعفٍ مسکین.
أما بالنسبة للسیدات فنقول: إن السیدة، لیست تلک التی تخلع فستاناً لترتدی آخر کل یوم، وإنها لیست تلک التی تطلب الحریر الذی لا یزید فی شخصیتها شیئاً، وإن التی تکون عباءتها من حریر غیر تلک السیدة المبتعدة عن زخارف الدنیا وزینتها.
المصادر :
1- آل عمران/92
2- الفرقان/65 ـ 67
3- آل عمران/180
4- بحار الأنوار/ ج78، ص346.
5- الإسراء/16
6- الواقعة/41 ـ 45
7- سبأ/ 34
8- بحار الأنوار/ ج73، ص300.

 


source : .www.rasekhoon.net
  509
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

العلاقات الزوجیة
إزاحة الستار عن الكتاب الجديد لمؤسس أبنا الرسول (ص) حول ...
سنّة التزاوج في النظام الكوني
الحب.. أصل رئيسي في الزواج أم لا؟
العراق يستقبل اعداد كبيرة من زوار الأربعين للامام ...
التوسّل بالصالحين ومنزلتهم
كيف تبقينه اطول فترة معك قبل وبعد الزواج ؟
السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي العاملي
هذا ما كشفته "إدارة الحرمين" عن الطلاسم السحرية ...
آداب المجلس

 
user comment