عربي
Friday 27th of November 2020
  754
  0
  0

الحجّ في نهج البلاغة -4

ذلك في ولده إلى يوم القيامةآ»(1).

وروي أيضاً عن الإمام الصادق (عليه السلام): آ«لمّا أفاض آدم من منى تلقّته الملائكة، فقالت: يا آدم برّ حجّك، أما إنّاقد حججنا هذا البيت قبل أن تحجّه بألفي عامآ»(2).

*      قوله (عليه السلام): يُحْرِزُونَ الاَْرْبَاحَ فِي مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ.

الحرز: المكان الذي يحفظ فيه، واحرزت المتاع: جعلته في الحرز، واحرزت الشيء إحرازاً، ضممته، أحرز قصب السبق: إذا سبق إليها فضمّها دون غيره.

والأرباح: جمع ربح، والمراد به هاهنا: الثواب.

والمتجر: محلّ التجارة، ومواقف الحج في مكة وحواليها متجر يحصل الإنسان فيها على الثواب; لأنها متجر العبادة والطاعة، لا المال والمادة.

فقد استعار (عليه السلام) لفظ المتجر للحركات في العبادة، ولفظ الأرباح لثمرتها في الآخرة من كرامة الله.

وقد ذكر (عليه السلام) هاهنا الربح استدراجاً لطباع الخلق بما يفهمونه ويميلون إليه من حبّ الأرباح في الحركات، ليشتاقوا فيعبدوا، وإلاّ فهو (عليه السلام) قسّم العبادة إلى ثلاثة أقسام، وعدّ هذه العبادة عبادة التجّار، وأحسن للعبد إذا نظر في عبادته إلى أنّ الله هو أهل للعبادة، فيحذف جميع الأغراض والخواطر عن درجة الاعتبار، ويجعلها خالصة لوجهه تعالى; لأنّه هو.

*      قوله (عليه السلام): وَيَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ.

المبادرة: المسارعة والمسابقة، أي: يسابق بعض الحجاج بعضاً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 13 : 296 ح17788.

(2) الوسائل 11 : 9 ح14112.

وقوله (عليه السلام): آ«عند موعد مغفرتهآ»، أي: عند المحلّ الذي وعد الله الغفران فيه

والتبادر إنّما هو بالأعمال الصالحة، كما قال الله سبحانه: (وسارعوا إلى مغفرة من ربّكم)(1)، كأنّ مَن يعمل أكثر يكون أكثر مسارعةً لتحصيل المغفرة والمثوبة.

وروي عن الإمام الرضا (عليه السلام): آ«إنّما أُمروا بالحجّ لعلّة الوفادة إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ ، وطلب الزيادة، والخروج من كلّ ما اقترف العبد تائباً ممّا مضى، مستأنفاً لما يستقبل، مع ما فيه من إخراج الأموال، وتعب الأبدان، والاشتغال عن الأهل والولد، وحظر النفس عن اللذات، شاخصاً في الحرّ والبرد، ثابتاً على ذلك دائماً، مع الخضوع والاستكانة والتذلّل ...آ»(2).

*      قوله (عليه السلام): جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ لِلاِْسْلاَمِ عَلَماً.

ولمّا كان الإسلام وأحكامه هو الطريق إلى الله سبحانه، استعار لفظ العلم للحج بالنسبة إليه; لأنّ به يكون سلوك طريق الله والصراط المستقيم، كالأعلام التي تخفق للعسكر فيأوي إليها الجيش والمارة على مقاصدهم.

ويحتمل أن يكون المراد بالعلم: الجبل، فهو كالجبل الأشم الذي يلوذ بكنفه الناس من الحرّ والبرد وسائر المخاوف.

وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام): آ«لا يزال الدين قائماً ما قامت الكعبةآ»(3).

*      قوله (عليه السلام): وَلِلْعَائِذِينَ حَرَماً.

آ«العائذينآ» جمع عائذ: وهو المستجير.

وقوله (عليه السلام): حرماً أي محلّ أمن وسلامة، حتى إنّ الولي للدم لا يتمكن من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) آل عمران : 133.

(2) الوسائل 11 : 13 ح14121.

(3) الوسائل 11 : 21 ح14142.

أن ينال المجرم بسوء وهو عائذ بالحرم، فمن دخل من الناس الحرم مستجيراً به فهو آمن، ومَن دخله من الوحش والطير كان آمناً من أن يهاج أو يؤذى حتّى يخرج من الحرم.

*      قوله (عليه السلام): فَرَضَ حَجَّهُ.

فرض: أي أوجب.

والحج مستجمع لعبادة النفس، وعبادة المال، وعبادة البدن، وهو الطهور الأكبر، والنسك الأعظم، وبه يفارق المسلم أهل الملل، ولذلك قال (عليه السلام): آ«مَن مات ولم يحجّ حجّة الإسلام فليمت على أيّ حال: إن شاء يهودياً، أو نصرانياًآ».

وروي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: آ«بني الإسلام على خمس: على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولايةآ» الحديث(1).

*      قوله (عليه السلام): وَأَوْجَبَ حَقَّهُ.

أي: حق البيت بالحجّ والاحترام.

روي عن الإمام السجاد (عليه السلام): آ«وحقّ الحجّ: أن تعلم أنّه وفادة إلى ربّك، وفرار إليه من ذنوبك، وفيه قبول توبتك، وقضاء الفرض الذي أوجبه الله تعالى عليكآ».

*      قوله (عليه السلام): وَكَتَبَ عَلَيْكُمْ وِفَادَتَهُ.

كتب: فرض وألزم.

والوفادة: الزيادة، والقدوم للاسترفاد والانتفاف ولفظه مستعار للحج; لأنّه قدوم إلى بيت الله طلباً لفضله وثوابه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 13 ح1.

*      قوله (عليه السلام): فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (... وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا * وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)(1).

استدلّ (عليه السلام) بهذه الآية على وجوب الحج، حيث قال (عليه السلام): آ«فرض حجّه وأوجب حقّه وكتب عليكم وفادتهآ».

وقوله تعالى: (ولله على الناس حجّ البيت)، أي: حقّ لله على الناس أن يحجّوا بيته.

وقوله تعالى: (من استطاع إليه سبيلا)، أي: تمكّن من المسير إليه بالزاد والراحلة والنفقة وما أشبه ذلك.

وقوله تعالى: (ومن كفر فإنّ الله غنيٌّ عن العالمين)، فجعل من لم يحجّ وهو مستطيع كافراً، وأنه لا يضرّ الله، وإنّما يضرّ نفسه، لأنّ الله ـ سبحانه ـ غنيٌّ عن العالمين، والمراد بالكفر هنا إمّا مطلق الكفر، فتجري على مَن عرف وجوب الحجّ وهو مستطيع ولم يحجّ طغياناً أحكام الكفار; أو الكفر العملي لا مطلق الكفر.

فروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: آ«من مات ولم يحج حجة الإسلام، لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحج، أو سلطان يمنعه، فليمت يهودياً أو نصرانياًآ»(2).

وروي عن الإمام الكاظم (عليه السلام) حين سئل عن هذه الآية، وأن من لم يحجّ فقد كفر، فقال (عليه السلام): آ«لا، ولكن مَن قال: ليس هذا هكذا فقد كفرآ»(3).

وقبل هذه الآية: (إنّ أول بيت وضع للناس للّذي ببكّة مباركاً وهدًى للعالمين فيه آيات بيّنات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً).

* * *

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) آل عمران : 97.

(2) الوسائل 11 : 29 ح14162.

(3) الوسائل 11 : 16 ح4128.

مصادر البحث:

1 ـ القرآن الكريم.

2 ـ نهج البلاغة، الشريف الرضي، شرح الدكتور صبحي الصالح، دار الأسوة، قم، 1415 هـ .

3 ـ نهج البلاغة، الشريف الرضي، نسخة مخطوطة، رقم 3827، في المكتبة العامة لآية الله المرعشي، قم.

4 ـ نهج البلاغة، الشريف الرضي، شرح الأستاذ محمد عبده، مؤسسة الأعلمي، بيروت.

5 ـ نهج البلاغة، الشريف الرضي، نسخة مخطوطة، في مكتبة فخر الدين النصيري، طهران.

6 ـ نهج البلاغة، الشريف الرضي، تحقيق الشيخ عزيز الله العطاردي، مؤسسة نهج البلاغة، طهران، 1413 هـ .

7 ـ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي، دار إحياء الكتب العربية، 1378 هـ .

8 ـ منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، قطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي، المكتبة العامة لآية الله المرعشي، قم، 1406 هـ .

9 ـ مصادر نهج البلاغة وأسانيده، السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب، مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1395 هـ .

10 ـ معارج نهج البلاغة، ظهير الدين علي بن زيد البيهقي فريد خراسان، المكتبة العامة لآية الله المرعشي، قم، 1409 هـ .

11 ـ المصباح المنير، أحمد بن محمد الفيّومي، دار الهجرة، قم، 1414 هـ .

12 ـ شرح نهج البلاغة، كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني، مطبعة خدمات چاپى، 1404 هـ .

13 ـ بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة، محمد تقي التستري، مكتبة الصدر، طهران، 1390 هـ .

14 ـ نهج البلاغة (نسخة المعجم المفهرس)، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين، قم، 1408 هـ .

15 ـ المعجم الموضوعي لنهج البلاغة، إدريس كريم محمد، مجمع البحوث الإسلامية، مشهد، 1408 هـ .

16 ـ المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة، كاظم محمدي ومحمد دشتي، دار الأضواء، بيروت.

17 ـ اختيار مصباح السالكين (شرح نهج البلاغة الوسيط)، كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني، مجمع البحوث الإسلامية، مشهد، 1408 هـ .

18 ـ توضيح نهج البلاغة، السيد محمد الحسيني، دار تراث الشيعة، طهران.

19 ـ تفصيل وسائل الشيعة، الشيخ محمد بن الحسن الحرّ العاملي، مؤسسة آل البيت : لإحياء التراث، قم، 1411 هـ .

20 ـ مستدرك الوسائل، الحاج ميرزا حسين النوري، مؤسسة آل البيت : لإحياء التراث، قم، 1407 هـ .

  754
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

غفران فی شهر رمضان
أخلاقيات الحرب عند الإمام علي (عليه السلام)
تاريخ ظهور النفاق في الإسلام
الثورات السياسيّة في عصر الإمام الرضا عليه السّلام
ذکری استشهاد الشهيد المطهري
بعض وصايا لقمان التربوية لابنه في المجالات الأخلاقية ...
السيدة خديجة الكبرى سلام الله عليها ينبوع الكوثر
الأسرة
غيبة الإمام المهدي في فكر الإمام الصادق (عليه السلام)
التقشف في ایطاليا

 
user comment