عربي
Thursday 20th of January 2022
273
0
نفر 0

جبل عامل

جبل عامل ([544]) منطقة عريقة في التشيع والولاء لاهل البيت(عليهم السلام)، وتعود جذور التشيع في هذه المنطقة إلى أيام إبعاد الصحابي الجليل أبي ذر رحمه الله من المدينة إلى الشام بأمر من الخليفة عثمان بن عفان، وتوجد حتى هذا اليوم مساجد ينسبها الناس إلى هذا الصحابي الجليل . يقول القاضي نور الله التستري الشهيد الثالث رحمه الله : جبل عامل ولاية من أعمال الشام معمور مشهور مشتمل على قرى وبلاد، تنبوعن الحصر .

وبالجملة تجلي أنوار الرحمة الالهية شامل لاهل جبل عامل ونور المحبة من نواصي أعيانهم ظاهر، ولا يوجد قرية من قراه لم يخرج منها جماعة من الفقهاء والفضلاء الامامية، وجميع أهله من الخواص والعوام والرضيع والشريف يجدون في تعليم وتعلم المسائل الاعتقادية والاحكام الفرعية على طبق مذهب الامامية وفي التقوى والمروءة والقناعة يقتدون بطريقة مولاهم المرضية([545]).

ولجبل عامل علاقة ثقافية وفكرية قديمة وعريقة بالعراق، فقد كان الناس يوفدون أبناءهم لدراسة الفقه إلى بغداد على يد فقهاء العراق . ولما انتقل الفقه من بغداد إلى الحلة بعد سقوط الدولة العباسية اقبل طلبة جبل عامل إلى الحلة لتلقي العلم من فقهاء الحلة .

ومن هؤلاء الشيخ نجم الدين طمان بن أحمد العاملي، قرأ على السيد فخار الموسوي سنة 630 هـ  بالحلة، وروى عن الشيخ ابن إدريس وغيره من فقهاء الحلة([546]).

والشيخ صالح بن مشرف جد الشهيد الثاني، قرأ على العلامة الحلي . وجمال الدين يوسف بن حاتم العاملي، قرأ على المحقق جعفر بن سعيد . وابن الحسام العاملي، اجيز من قبل العلامة الحلي . والشيخ محمد بن جمال الدين مكي العاملي الشهيد الاول، قرأ على فخر المحققين ابن العلامة الحلي، وغيرهم من علماء جبل عامل وفقهائه .

وازدهرت مدرسة جبل عامل وحفلت بالعلماء والفقهاء والمعاهد العلمية، وإليها انتقل تراث مدرسة الحلة، واجتمع فيها جمع غفير من علماء الشيعة حتى أن الحر العاملي رحمه الله يقول :

إن علماء الشيعة في جبل عامل يبلغون نحو الخمس من علماء الشيعة في جميع الاقطار مع أن بلادهم أقل من عشر عشر بلاد الشيعة . وقد تأسست في هذه المنطقة مجموعة من المعاهد والمدارس العلمية، استقطبت طلبة العلم، وأخرجت جمعا كبيرا من الفقهاء والعلماء . ونحن نشير هنا إلى جملة من هذه المدارس التي اشتهرت في جبل عامل:

مدرسة جزين: من أبرز معاهد هذه المنطقة العامرة والحافلة بالفقهاء والعلماء . وقد تأسست وازدهرت هذه المدرسة على يد الشهيد الاول محمد بن جمال الدين مكي العاملي الجزيني(رحمه الله) ... إلا أن جزين كانت قبل الشهيد معروفة بمن فيها من العلماء، ومنهم والد الشهيد جمال الدين مكي .

ويسمى جبل عامل جبل الجليل، وجبل الخليل، وأهله أقدم الناس في التشيع لم يسبقهم إليه إلا بعض أهل المدينة . ومن نظر إلى هذا الجبل وتاريخه نظرة تأمل وإمعان أخذته الدهشة لنشاط أهله وجهادهم في سبيل العلم والدين والحياة منذ القديم، حتى اليوم على الرغم من فقرهم، وقلة عددهم، وما توالى عليهم من الظلم والاضطهاد .

رحلوا إلى إيران والعراق ومصر والشام لطلب العلم، وهاجروا إلى جميع القارات وأقصاها طلباً للعيش .

ويحمل الآن المئات من شبابهم الشهادات العالية، ويتولون أعلى المناصب في الدولة، مع العلم بأن بعضهم ابن حمال، وآخر ابن ماسح أحذية، أو ابن كناس ... إلخ. وليس لدي أي تعليل مقنع لذلك، وما زلت أتساءل : هل هي التربة، أو شملتهم دعوة صالحة، أو عناية من لدن حكيم خبير ؟ ومهما يكن، فإني أدع الحديث هنا للشيخ المظفر في تاريخ الشيعة، ولما نقله السيد الأمين عن مجالس المؤمنين .

وللدكتور فيليب حتى في كتابه (لبنان في التاريخ)، قال الأمين في الجزء الأول من الأعيان :

جاء في مجالس المؤمنين أن تجلي أنوار الرحمة الإلهية شامل لأهل جبل عامل، ونور المحبة من نواحي إيمانهم ظاهر، ولا توجد قرية من قراه لم يخرج منها جماعة من الفقهاء والفضلاء الإمامية، وجميع أهله من الخوص والعوام، والوضيع والرفيع يجدون في تعليم وتعلم المسائل الاعتقادية، والأحكام الفرعية على طبق مذهب الإمامية، وفي التقوى والمروءة والفقر والقناعة، ويقتدون بطريقة مولاهم المرضية، ومع تسلط الغير عليهم لهم همة في نشر مذهبهم .

أما الشيخ المظفر فقد خص العامليين بعديد من الصفحات نقتطف منها ما يلي : جد العامليون في تحصيل علم أهل البيت(عليهم السلام)، حتى بالهجرة إلى إيران والعراق، فتخرج منهم علماء استفاد الشيعة بمؤلفاتهم إلى اليوم، وطبقوا البلاد شهرة وصيتا .

وقال الشيخ الحر صاحب أمل الآمل : سمعت من بعض مشائخنا أنه اجتمع في جنازة في قرية من قرى جبل عامل سبعون مجتهدا في عصر الشهيد الثاني وما قاربه . وهذا في ذاك العصر، أما بعده، حتى اليوم فقد أنجبت جبل عامل أفاضل وعلماء يعسر استقصاؤهم، ويوجد فيهم اليوم مراجع للتقليد، وفيهم من له الميزة في الدفاع عن مذهب آل محمد(صلى الله عليه وآله) .

وقال الدكتور حتى في (لبنان في التاريخ) ص 498 طبعة 1959([547]) : إن حجبا كثيفة تحجب عنا حياة الشيعة في لبنان، ولكن من وراء هذه الحجب تبرز أمامنا ناحية مشرقة، لها مغزاها البعيد([548]) وتدل على أن هذه الجالية لم تقطع أسباب العلم، بل احتفظت به على صعيد عال عند منصرم القرن السادس عشر، عندما جعل الشاه إسماعيل مؤسس الدولة الصفوية في إيران دين الدولة الرسمي المذهب الشيعي، وجد أنه من العسير أن يوفر للناس أئمة يعلمونهم حقيقة المعتقد، ويرسخون مبادئه في نفوسهم .

ووجد أيضا أن الكتب غير متوافرة، فعمد إلى ملء الفراغ باستحضار علماء الشيعة من لبنان - أي من جبل عامل - وقد غادر لبنان جمهور من أولئك العلماء، وذهبوا إلى إيران بدعوة أو بغير دعوة، وقد كان من جملة من ذهب حسين العاملي الذي غادر جبل عامل عندما قتل الأتراك أستاذه زين الدين أصبح يعرف بين قومه بالشهيد الثاني .

وكان الشهيد الأول شمس الدين العاملي الذي قتل في دمشق سنة 1384 م بموجب فتويين أصدرهما القاضي المالكي، والقاضي الشافعي، وكان حسين قد أخذ معه ابنه الأصغر بهاء الدين العاملي - الشيخ البهائي - وقد فاق أباه علما وشهرة، فإنه كان فقيها وفيلسوفا وعالما في الرياضيات، وقد رفع إلى رتبة شيخ الإسلام حيث كان من ألمع الشخصيات في بلاط الشاه عباس .

بعلبك

لا يعلم مبدأ التشيع في بعلبك، وكان يغلب عليها التسنن، وفي أيام الحرافشة غلب التشيع على أهلها .

وقال الشيخ المظفر : هي اليوم مع سائر قراها وضواحيها تعد من بلاد الشيعة الشهيرة بالتشيع، وشيعتها تناهز الشيعة في جبل عامل كثرة([549]) غير أنها لا تضاهيها في المعارف الدينية، فإنه لا يزال في النجف الأشرف من العامليين المهاجرين لطلب العلم ما يناهز الثمانين طالبا . ولا يوجد من البلاد البعلبكية أكثر من اثنين أو ثلاثة .

جبل لبنان : ويحده شمالا طرابلس، وجنوبا جبل عامل، وغربا بيروت والبحر، وشرقا بعلبك والبقاع، ويدخل فيه كسروان وضواحي بيروت، وفي برج البراجنة، وبرج حمود، والغبيري، والشياح، ويربو عدد الشيعة في بيروت وضواحيها وكسروان على 150 ألفا، أما عددهم في مجموع لبنان فلا يقل عن نصف مليون، ولشيعة جبل لبنان نائبان في البرلمان ولشيعة بيروت نائب واحد .

التبت

قال السيد الأمين : فيها عدد كبير من الشيعة، وفيهم علماء يتعلمون العلوم الدينية في الهند وفي النجف الأشرف، ورأيت بعض حجاجهم بدمشق، فسألتهم عن حال الشيعة عندهم، فقالوا : إن عددهم يزيد آنا فآنا .

هذه تبت الهند أما تبت الصين فالمسلمون  فيهم قليلوا العدد .

حمص

ومنها الشاعر الشهير ديك الجن، وكان شيعيا، توفي سنة 235هـ ، ويدل هذا على أن التشيع دخلها منذ زمن وقال السيد الأمين : وفي عصرنا هذا تشيع جماعة كثيرون منهم لأنفسهم بأنفسهم، ويوجد حوالي حمص عدة قرى، أهلها شيعة إمامية، منها الغور، والدلبوز، وتل الاغر، وغيرها .

حلب : دخلها التشيع قبل عهد الحمدانيين، وانتشر وقوي على عهدهم، ثم توالي حكام الجور على حلب، واشتد ضغطهم وفتكهم بالشيعة، وأغروا بالشيعة السفلة من السنة، حتى فعلوا من المخازي والقبائح ما تسود له وجه الإنسانية، ويخجل القلم عن نقله . وكان ابتداء الضغط أوائل القرن السادس، واشتد في القرن السابع، وتناهى في القرن العاشر، حتى لم يعد أحد يجهر بالتشيع خوفا على دمه وعرضه، وماله، ولم يزل يوجد في حلب عدة بيوت معلومة يقذفهم بعض الناس بالرفض والتشيع، ويوجد في جهات حلب قرى، أهلها شيعة من قديم الزمان إلى اليوم، وهي الفوعة، ونبل، والنغاولة، وكفريا .

الكويت وعمان ومسقط

للشيعة بالكويت كلمة مسموعة، وتأثير بالغ، ولهم قاض شرعي خاص بهم يختاره المرجع في النجف الأشرف، وتعينه الحكومة بناء على اختياره، ولهم العديد من الحسينيات، ويقصدهم أهل العلم من العراق وجبل عامل وهم 40 % من مجموع السكان هناك . أما عمان ومسقط ودبي فقال الشيخ المظفر :

إن فيها الكثير من الشيعة، ولهم الحرية المذهبية الكاملة، ولا يزال بين ظهرانيهم أفراد من أبناء العلم للارشاد وتعليم الأحكام، ويفد عليهم كثير من رجال الدين، وأرباب المنابر الحسينية([550]).

الحجاز : يوجد شيعة في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، حتى الآن، ومن القبائل الشيعية في الحجاز بنو جهم، وبنو علي، وبعض بني عوف، كما يوجد في رساتيقها كالعوالي .

اليمن

أسلم أهل اليمن في أيام الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) وعلى يد علي أمير المؤمنين (عليه السلام)وبني أول مسجد في اليمن باسمه، وقال ابن عباس للحسين(عليه السلام) حين أراد الخروج إلى العراق : اذهب إلى اليمن، فإن لأبيك بها شيعة، وقال الإمام علي (عليه السلام)يمدح قبيلة همدان اليمنية :

ولو كنت بوابا على باب جنة *** لقلت لهمدان ادخلي بسلام

وخرج من العلويين أكثر من واحد في اليمن، وفيها كثير من الاثنى عشرية، وأكثر أهلها من الزيود .

روسيا والصين : قال الشيخ المظفر : يبلغ عدد الشيعة في الصين 11 مليونا، وفي روسيا 10 ملايين.

أقول وينتشر التشيع في محافظات الصين كافة كما رأيتهم من قرب .

الهند

يرجع الفضل في انتشار التشيع في بلاد الهند إلى الصفويين، وعن بعض المستشرقين أنه لولا الأقدار التي جنت على الصفويين لكانت السلطة في الهند اليوم بيد الشيعة . قال الشيخ المظفر : ليس في الهند بلد إلا وفيه ناس من الشيعة، وهناك بلاد تختص بهم، وأخرى هم الأكثرية فيها، وهذه أسماء بعض تلك البلاد : لكنهور، وهي المرجع الوحيد للاثنى عشرية، ولهم فيها مدارس وكليات وجامعات، وجانبور، وأمروها، وبنتا، وإله باد، ومظفر بور، ولاهور، وبنجاب، وبنارس، وفيض آباد، وسهارن بور، وغيرها كثير .

273
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

أي لو أخبر حذيفة بأسماء المنافقين الأحياء منهم ...
السيد صدر الدين الصدر
بيعة العقبة
مناظرة الشيخ المفيد مع بعضهم في علة استتار ...
حديث عيد الغدير في مصادر أهل السنة والشيعة
مقدمة في الوعي التاريخي وشروط قراءة التاريخ
مقارنة بين مقام نبينا صلى الله عليه وآله في مذهب ...
دور القبائل اليمانيّة في نُصرة أهل البيت عليهم ...
سلطة بني العباس الفاسدة و الإمام الرضا يتحدى ...
الفصل الثاني عشر : نوح السبايا والصحابة يوم ...

 
user comment