عربي
Tuesday 21st of September 2021
594
0
نفر 0
0% این مطلب را پسندیده اند

دفن الشهداء وأين دفنوا؟

دفن الشهداء وأين دفنوا؟

فإن أبا الفضل بدون أرتياب ولا تشكيك دفن على مسناة العلقمي وهذا متواتر في النقل وعليه عمل الشيعة من حين دفنهم إلى يومنا هذا.
قال فخر الدين الطريحي (رحمه الله) في المنتخب(1): كلهم دفنوا مما يلي رجل الحسين (ع) في مشهده فإنهم حفروا لهم حفيرة عميقة وألقوا فيها جميعاً وسوي عليهم التراب رحمة الله عليهم، وأما العباس (ع) فإنه دفن ناحية منهم في موضع المعركة عند المسناة وقبره ظاهر على ما هو الآن وليس لقبور إخوته وبني عمه الذين سميناهم أثر ظاهر إنما الزائر يزورهم عند رجلي الحسين (ع) ويومي إلى الأرض ويشير إليهم بالسلام وعلي بن الحسين (ع) من جملتهم. وقيل: إنه أقرب منهم إلى قبر أبيه (ع). وأما أصحاب الحسين (ع) الذين قتلوا معه فإنهم دفنوا حوله وليس لهم أجداث على الحقيقة ولا شكل أنهم في الحائر المقدس على ما تقل عن الثقاة والحائظ محيط بهم رضوان الله عليهم أجمعين.
وقال السيد الداودي في العمدة(2): وقبره ـ يعني العباس (ع) ـ قريب من الشريعة حيث أستشهد وكان صاحب راية أخيه الحسين (ع) ذلك اليوم، إنتهى.
وقال الشيخ المفيد (رحمه الله) في الإرشاد(3): ولما رحل عمر بن سعد لعنه الله خرج قوم من بني أسد كانوا نزولاً بالغاضرية إلى الحسين (ع) واصحابه فصلوا عليهم ودفنوا الحسين (ع) حيث قبره الأن ودفنوا أبنه علي بن الحسين الأصغر عند رجلي الحسين (ع) وحفروا للشهداء من أهل بيته وأصحابه الذين صرعوا العباس بن علي (ع) في موضعه الذي قتل فيه على طريق الغاضرية حيث قبره الآن.
وقال ملا محمد حسن القزويني في رياض الأحزان(4): أتفق أهل السير وأرباب الخبر على أن قوماً من بني أسد جاؤوا إلى مصرع الحسين (ع) بعد أن خلت ساحة ذلك البر من سواد العسكر لدفن تلك الجثث الشريفة والأجساد المطهرة والأبدان المنورة ولم يتعرض أحد ممن يعتمد عليه لبيان موجب أنبعاثهم لذلك، نعم حكى السيد الجزائري أن ما رآه زراع العلقمي وسمعه دعاه إلى ذلك من غير ذكر منه وبيان أنه أخبر بني أسد بما ظهر له فوافقه منهم جماعة على عزيمة الدفن أم لا؟ وإن كان شراء الحسين (ع) ما شراء من أرض كربلاء من أهل الغاضرية مع أخباره إياهم بشهادته وشهادة أصحابه وكانت تلك الأرض مدفناً لهم وحفرة وتربة وشرط عليهم ما شرط بعد حبس الأرض أنهم جاؤوا لدفنه وفاء ببعض ما شرطوا له (ع).
وفي بعض ما ألف في المقتل أن نساء الغاضرية بعد ما مضى الموعد وشاع ذكر قتله (ع) أجتمعت وقالت للرجال: ألا تذهبون إلى مصارع آل الرسول توارونهم وتحرسونهم من السباع وعسلان القاع؟ أما تخافون الله؟ أما تؤمنون برسول الله (ص)؟ فقالوا لهن: نعم لكن نخاف من العتل الزنيم عبيد الله بن زياد أوما علمتن ما صنع بآل الرسول وأولاد فاطمة البتول؟ فقلن لهم: إن كنتم تخافون على أنفسكم وعلينا منه فإنا لا نخاف على أنفسنا وعليكم ونذهب الآن إلى دفن أجساد الشهداء وأنفسنا لهم الفداء والله يعطي الجزاء. فلما قلن ذلك صحن وضججن وتيئن للخروج بآلات الحفر للقبور فحين ما رأى الرجال والفتيان هذا من النسوان أخذتهم الغيرة والحمية وأقبلوا لمصارع الشهداء لدفنهم ومواراتهم.
وفي المنتخب: فلما أرتحلوا إلى الكوفة وتركوهم على تلك الحال ـ يعني الحسين (ع) وأصحابه ـ عمد أهل الغاضرية من بني أسد فكفنوا أصحاب الحسين (ع) وصلوا عليهم ودفنوهم.
قلت: فيه دلالة على اُمور ثلاثة:
الأول: إنه لم يتعرض فيه لكفنهم ودفنهم الحسين (ع) وإنما بين كفن أصحابه فلعلة منه بل هو إخفاء للأمر وإشارة إلى أن الإمام لا يلي أمره إلا الإمام.
الثاني: تصريحه بكفنهم إياهم هو غير موجود في الأنصار وكلام الأخيار لكنه موافق للأعتبار فإن الشهيد المجرد عن ثيابه يكفن ويصلى عليه ويدفن، وغير المجرد يدفن بثيابه والظاهر بل المقطوع به أنهم جردوا جميع الشهداء معه (ع).
ومما يدل على أن المجرد يكفن ما ثبت ان رسول الله (ص) كفن حمزة وحنطه لأنه كان قد جرد؛ رواه أبان بن تغلب، وفي روضة الشهداء: إن أهل الغاضرية جهزوهم فصلوا عليهم ودفنوهم.
الثالث: إن المتولي لدفنهم هم أهل الغاضرية كما صرح به غير واحد من الكتب فقال الطبري في التاريخ: إن جسد الحسين (ع) مع من كان معه من الشهداء كان ملقى ثلاثة أيام في عرصة كربلاء فجائهم أهل الغاضرية، والغاضرية قرية على شاطئ الفرات وكانوا من بني أسد فأقبلوا إليهم وقالوا: ياللمسلمين! تلك الجثث والأجساد تأكلها الأسود والذئاب كلا والله فأتقو الله وأحذروا من غضبه فأجتمع عند ذلك كلهم وجاؤوا إليهم فأخبروهم ودفنوا جثة الحسين (ع) هناك بلا رأس ودفنوا علي بن الحسين عند رجليه وسائر الشهداء في الموضع المعروف إلا العباس بن علي (ع) فإنهم دفنوه في مصرعه على طريق الغاضرية، إنتهى.
وليس هذا من كلام الطبري كله وإنما نص لفظ الطبري(5): ودفن الحسين (ع) واصحابه أهل الغاضرية من بني أسد بعد ما قتلوا بيوم ولنا نظرة في مقالة هذا في الأمر الثاني في تقوية قول المنتخب في تكفين الأسديين لشهداء كربلاء بزعم سلبهم ثيابهم دون الحسين (ع) هذه الدعوى البادرة التي لا يدعمها برهان ولا تقيمها حجة بل حجة بل هي مصادرة غريبة ولا غرابة في الفهم الضعيف والسليقة المعوجة أن الذي تشهد له التواريخ المعتمدة وتصرح له الأحاديث الصحيحة ويتناقله أهل المقاتل الموثوق بهم سلب الحسين (ع) خاصة وتجرده من ثيابه، وما أتفق عليه الناقلون أنه (ع) أخذ برنسه مالك بن النسر البدي من كندة، وقطيفته قيس بن الأشعث، وأخذ سراويله أبحر بن كعب إلى آخر ما ذكر الطبري وغيره من المؤرخين وحتى صار الأمر ميداناً فسيحاً تجول فيه سبق جياد الشعر وحلبة تعقدها المجليات من أفكار مؤبنيه فيقول بعضهم:

عار تجول عليه الخيل عادية

حاكت له الريح ضافي مئزر وردا

وقال آخر:

أحسين هل وافاك جدك زائراً

فيراك مسلوب الثياب مجدلا

وقال دعبل:

عار بلا ثوب صريع في الثرى

بين الحوافر والسنابك يقصد

ولا يسعنا أستيعاب ما ذكره الشعراء وأرباب التاريخ ولا أستيفاء نصوص الزيارات والأحاديث ونعود إلى كلام صاحب رياض الأحزان، قال(6): وفي كامل الزيارة: إنه لما أرتحل عمر بن سعد لعنه الله مر بالشهداء قوم من بني أسد مرتحلين من الغاضرية فلما وصلوا كربلاء رأوا حالة الشهداء أقاموا ودفنوا الحسين (ع) وحده وعلي بن الحسين (ع) عند رجليه والعباس بن علي (ع) في شاطئ العلقمي والباقين من الشهداء في حفرة عظيمة دفنوهم بأسرهم في موضع واحد، وأشخص أقرباء الحر بن يزيد جثته إلى قبيلتهم فدفنوه هناك، وأطال في نقل الأقوال ولا حاجة بنا إلى الأطالة في النقل بعد العلم بأن المباشر لدفن الشهداء هم بنو غاضرة من بني أسد ويهمنا بيان اُمور : أحدها: أين قبور العلويين وقبور أنصار؟ ثانيها: كم مكثوا بلا دفن؟ ثالثها: هل أستقل الأسديون بدفنهم أم أعانهم غيرهم؟
الجهة الاُولى:
تصرح الأحاديث أن الشهداء حفرت لهم حفيرتان: واحدة للعلويين مما يلي رجلي الحسين (ع)، والثانية لأنصارهم خلف حفرته كما صرحت أخبار اُخر أن الحائط او الحائر على الأصح محيط بهم ولأجل أن نفقه رمز مجموعة الأخبار لتستنتج فهيا صورة واضحة نفهم منها أمتداد هذه الحفرة غلى أين ينتهي يجب علينا أن نفهم عدد هؤلاء الشهداء بالضبط وكيفية الدفن.
لا ريب أن أقل ما روي في شهداء بني هاشم ثمانية عشر إنسان، وفي الأنصار سبعين، هذا هو المتيقن لأنه أقل الأقوال ويتفسح في جانب الكثرة، فإذا قلنا أن الدفن هو الشرعي لا أنهم جمعوهم جمع الحاجيات في المستودعات فلا بد أن يشق لكل واحد في الحفيرة ضريح لا يقل عرضه عن متر واحد فإذا قست ثمانية عشر متراً من رجلي الحسين (ع) إلى الرواق الشرقي أستوعبت قبور الهاشميين الرواق الشرقي كله وربما أخذت من الصحن شيئاً إ ذ مسافة الساحة من رجلي الحسين (ع) إلى الرواق الشرقي لا يزيد عن هذا المقدار إن لم تنقص عنه.
وإذا أنتقلنا إلى حفرة الشهداء كذلك بجعل الواحد إلى جنب الآخر نحتاج إلى سبعين متراً مبدئين بضريح حبيب بن مظاهر إلى سور الصحن الشرقي إن لم ينقص عن هذا المقدار فلا يزيد عليه فعندي من هذا الأستنتاج أن مساحة مراقد الشهداء أوسع من هذه الدائرة الضيقة المحصورة في الرواق الحسيني ولا يعقل أن يجزم بها إلا على إلغاء الدفن الشرعي وجعلها مستودعات للجثث الواحدة فوق الأخرى كمستودعات أكياس الحبوب وهذا ما لا يجوز التفوه به ومحال أن يفعله الإمام زين العابدين بل حتى لو اقتصرنا على الأسديين محال أن يفعلوا ذلك وهم عقلاء مسلمون أنهضتهم حمية الدين واقامتهم غيرة الإسلام على موارات خير رجاله ونخبة أبنائه أن يستهينوا بهم يقذفوا بهم في الحفر كما تقذف السلع في المستودعات، وفيهم من رهط النبي (ص) ومن عباد الله الصالحين أهل النسك والزهد والعبادة، هذا علمي ومنتهى دقة فكري، ولكل ما أرشده إليه عقله وتفكيره فليعمل من شاء فكره الدقيق ليظهر له ما ظهر لي وأرجو من الله التسديد.
الجهة الثانية:
فقد شاع على ألسنة المؤرخين واقتبسه مهم الشعراء أن الحسين (ع) بقي ثلاثة ايام بلا دفن وقد يتوهم المتوهم من قول الطبري وابن الأثير وأبن كثير من مؤرخي السنة وهما ناقلان عن الطبري، ومن كلام الشيخ المفيد وأبن شهر آشوب وأبن طاوس من مؤرخي الشيعة أن بني أسد دفنوا الشهداء بعد قتلهم بيوم كما سمعت نص الطبري فيرى أن دفن الشهداء يوم الحادي عشر وهذا خطأ محض قد نص أهل هذا القول على أرتحال عمر بن سعد لعنه الله بعد إكمال اليوم الحادي عشر، أنظر قول الطبري في التاريخ بعد أن ذكر أنه أرسل رأس الحسين (ع) يوم مقتله إلى أبن زياد قال(7) وأقام عمر بن سعد يومه ذلك والغد ثم أمر حميد بن بكير الأحمري فإذن في الناس بالرحيل إلى الكوفة، ألخ، ومثله قال أبن الأثير وأبن كثير.
وأنظر قول الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى(8): وأقام هو ـ يعني أبن سعد ـ بقية يومه واليوم الثاني إلى الزوال ثم نادى في الناس بالرحيل وتوجه نحو الكوفة ألخ.
وهنا نفهم أنه لا يتم لهم رحيل إلا ليلة الثانية عشر ولا تبلغ الأخبار برحيلهم إلى بني أسد إلا يوم الثاني عشر لأنقطاع المارة هيبة ورهبة للجيش فإن كانوا في حيهم نزولاً فقد يجوز أنهم دفنوهم في اليوم الثاني عشر وهو ثالث يوم قتلهم فيكون بقاؤهم بلا دفن يومان ونصف، وإن كانوا في البادية قد فروا من وجه جيش عمر أبن سعد لعنه الله على ما هو لمروي والعمل عليه اليوم فيكون رجوعهم إلى حيهم يوم الثاني عشر بعد التيقن لأرتحال الجيش فيعودون مساءاً يعني ليلة الثالث عشر ويغدون صباحاً على دفن الشهداء لا يكون ذلك الوقت إلا وقت فراغهم من إصلاح منازلهم فتكمل ثلاثة أيام ملفقة وهذا هو الموافق لما نص عليه أبو حنيفة احمد بن دواد الدينوري. قال في الأخبار الطول(9): واقام عمر بن سعد لعنه الله بعد مقتل الحسين (ع) يومين ثم أذن في الناس بالرحيل، ألخ.
وقد أكثر الشعراء من ذكر هذا، قال الشاعر كل في رياض الأحزان:

يا عين جودي بالدموع فإنما

يبكى الحزين بحرقة وتفجع

يا عين ألهاك الرقاد بطيبة

عن ذكر آل محمد بتوجع

باتت ثلاثاً بالصعيد جسومهم

بين الوحوش وكلهم في مصرع

وقال الشريف الرضي رحمه الله تعالى من قصيدة في رثاء جده الحسين (ع):

لله ملقاً على الرمضاء غص به

فم الردي بعد أقدام وتشمير

تحنو عليه الربى طوراً وتستره

عن النواظر أذيال الأعاصير

تهابه الوحش أن تدنوا لمصرعه

وقد أقام ثلاثاً غير مقبور

وللمؤلف يخاطب سيد الشهداء الحسين بن علي (ع):

يا شارع النهضة اللاتي تقدسها

أحرار كل زمان في نواديها

يا رائد الناس للعليا وقائدها

إلى النجاح وقد خابت مساعيها

يا منقذاً أنفس الأحرار مفتدياً

شريعة العدل من جور غدا فيها

وقيت بالنفس دين الله من فئة

قد كان يزخر بالعدوان واديها

قرأنها الزير حيث العود كعبتها

والنقر بالدف آذان بناديها

حيث البغايا وحيث الخمر طافحة

دنانها خاب مسقيها وساقيها

يستهترون وأهل الدين بينهموا

لا يسمعون نداء من مناديها

وقادة العرب والإسلام عندهم

مثل الأرقاء ذل الأسر عاليها

نهضت والسيف سيف الجور منصلت

بالسفك في حاضر الدنيا وباديها

وكم دماء براء فيه قد سفكت

لم تجن ذنباً سوى أرضاء باريها

للعدل تدعو وتنهى عن مناكرهم

كانت جريمتها فيهم نواهيها

شمرت عن ساعد بيضاء لامعة

تدعو إلى العدل قاصيها ودانيها

ولم تخف سطوة الباغي وحدته

تستعذب الموت في إرغام باغيها

تدعو إلى الله اهل الله منتهجاً

طرق النبوة تباعاً لداعيها

وقمت تأمر بالمعروف مبتغياً

أسعادها ما أقتفت آثار هاديها

فقد أجابك داعي الله طائفة

قد سدد الله في الدنيا مراميها

وقد رضت اُمة الأطماع أجمعها

رعاية الذئب عدواً دون راعيها

فما أستجابوا إلى رشد دعوت له

إن الغوات لتقفو أثر مغريها

مالعدل كلا ولا الإصلاح يرغبهم

إن كنت بالعدل والإصلاح غازيها

إن يقتلوك فإن المصلحين قضوا

بين الشعوب وذا تاريخ ما ضيها

لكن قتلك فرد في عجائبه

يحوي فضائع عدى ليس حاصيها

إبانة الرأس أم قطع البنان وفي

سلب الملابس تبدو لي مساويها

فإن بقيت ثلاث في العراء لقاً

من غير دفن فذي إحدى مخازيها

الجهة الثالثة:
وهي أهمها وذلك في حضور الإمام زين العابدين (ع) بكربلاء وقت دفن الشهداء لأجل موارات تلك الأجساد الطيبة والأبدان الزاكية وإنزال كل جثمان في حفرته وإلحاد كل جسم مطهر في قبره، فالناس في هذا صنفان وفي إثباته ونفيه فريقان: صنف يقول: دفنهم أهل الغاضرية وسكت ولم يصرح بأنفرادهم وإنهم أستقلوا بدفنهم ولم يصرح بالنفي لأشتراك أحد معهم، الصنف الثاني: يثبت حضور الإمام زين العابدين (ع) في ذلك الوقت وهو الذي تولى موارات الشهداء ودفنهم وبيده أنزل أباه الحسين (ع) إلى ضريحه المقدس وهذا هو الأوفق بمنهج مذهب الجعفرية واُصول قواعد الإمامية بل هذه العقيدة أصل من اُصول مذهب الإثنى عشرية من أن المعصوم لا يتولى أمره إلا المعصوم، وقد دلت عليه الأحاديث الصحيحة عن أئمة أهل البيت (ع) وأحتجوا به على مخالفيهم، وأصل ذلك توصيه النبي (ص) أن لا يغسله غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وأمر أمير المؤمنين علي (ع) للفضل بن العباس بن عبد المطلب لما دعاه لمعاونته على تجهيز النبي (ص) أن يعصب عينيه معللاً ذلك بأنه لا يرى أحد جسد النبي (ص) إلا طمست عيناه وقد رويته أهل السنة في كتبها ولذكره محل آخر ومعناه أن النبي (ص) معصوم لا يطلع عليه إلا معصوم، وأمير المؤمنين معصوم دون الفضل فأحتاج الفضل إلى شد عينيه دون علي المعصوم وقصدنا هاهنا إيراد ما روته الشيعة فإنه معتقدها وافقها الخصم أم لا.
روى ابو عمرو الكشيّ (رحمه الله) في كتابه(10) عن إسماعيل بن سهل قال: حدثني بعض أصحابنا وسألني أن أكتم أسمه قال: كنت عند الرضا (ع) فدخل عليه علي أبن أبي حمزة وأبن السراج وأبن المكاري (هؤلاء من الواقفة) فقال له أبن أبي حمزة (هذا هو البطائني): ما فعل أبوك؟ قال: مضى. قال: مضى موتاً؟ قال: نعم. قال: على من عهد؟ قال: إلي. قال: فأنت إمام مفترض الطاعة من الله؟ قال: نعم. قال أبن السراج وأبن المكاري: قد والله أمكنك من نفسه، قال: ويلكما وبما أمكنت؟ أتريدان أن آتي بغداد وأقول لهارون أنا إمام مفترض الطاعة والله ما ذاك علي وإنما قلت ذلكم عندما بلغني أختلاف كلمتكم وتشتت أمركم لئلا بصير سركم في يد عدوكم.
قال له أبن أبي حمزة: لقد أظهرت شيئاً ما كان يظهره أحد من آبائك ولا يتكلم به، قال: بلى لقد تكلم خير آبائي رسول الله (ص) لما آمره الله أن ينذر عشيرته الأقربين جمع أهل بيته أربعين رجلاً وقال لهم: أنا رسول الله إليكم، فكان أشدهم تكذيباً له وتأليباً عليه عمه أبو لهب، فقال لهم النبي (ص): إن خدشني خدش فلست بنبي، هذا اول ما أبدع لكم آية النبوة وأنا أقول: إن خدشني هارون خدشاً فلست بإمام هذا أول ما أبدع لكم من آية الإمامة.
فقال له لعي (يعني أبن أبي حمزة): إنا روينا عن آبائك أن الإمام لا يلي أمره إلا إمام مثله، فقال أبو الحسن (الرضا (ع)) أخبرني عن الحسين بن علي (ع) كان غير إماماً أو ان إمام؟ قال: كان إماماً، قال: فمن ولي أمره؟ قال: علي بن الحسين (ع).
قال: وأين كان علي بن الحسين (ع)؟ قال: كان محبوساً في دي عبيد الله بن زياد في الكوفة، قال: خرج وهم كانوا لا يعلمون حتى ولي من أمر أبيه ثم أنصرف. فقال أبو الحسن (ع): إن هذا الذي أمكن علي بن الحسن (ع) أن يأتي كربلاء فيلي أمر أبيه فهو أمكن صاحب هذا الأمر (يعني نفسه) أن يأتي بغداد فيلي أمر أبيه ثم ينصرف وليس لي حبس ولا في إسائة، إلى آخر الحديث، ورواه الصدوق في عيون أخبار الرضا (ع) وغيره من كتبه.
وروى ثقة الإسلام الكليني (رحمه الله) في اُصول الكافي(11) باب أن الإمام لا يغسله إلا إمام من الأئمة ثم بعد الإسناد أبو معمر: سألت الرضا (ع) عن الإمام يغلسه الإمام؟ قال: سنة موسى بن عمران وذكر أحاديثاً غيره.
قال صاحب رياض الأحزان(12): قد قال أبو إبراهيم (يعني الكاظم (ع)) لمسيب أبن زهير في حديث طويل: إن الملعون سندي بن شاهك يزعم أنه يرتكب تغسيلي وتكفيني، هيهات هيهات لا يكون هذا أبداً فإن الأنبياء العظام وأوصيائهم لا يغسلهم ولا يكفنهم إلا نبي أو وصي نبي، إلى آخر ما ذكر فإنه عقد فصلاً لإثبات هذا أطال فيه ولا معنى للتطويل في إثبات أمر هو ثابت عند الإمامية ومن أساسيات عقائدهم.
قال الفاضل الدربندي في أسراره: روى السيد نعمة الله الجزائري في كتاب مدينة العلم عن رجاله عن عبد الله الأسدي أنه قال: كان إلى جنب العلقمي حي من بني أسد فتمشت نساء ذلك الحي إلى المعركة فرأين جثث أولاد الرسول وأفلاذ حشاشة الزهراء البتول وأولاد علي أمير المؤمنين فحل الفحول وأولادهم في هاتيك الصحاري وتلك القفار تشخب الدماء من جراحاتهم وقلن لأزواجهن ما شاهدنه ثم قلن لهم: بم تعتذرون من رسول الله (ص) وأمير المؤمنين وفاطمة الزهراء إذا وردتم إليهم أنكم لم تنصروا أولادهم ولا دافعتهم عنهم بضربة سيف ولا بطعنة رمح ولا بحذفة سهم؟ فقالوا لهن: أنا نخاف من بني اُمية، وقد لحقتهم الذلة وشملتهم الندامة من حيث لا تنفعهم وبقين النسوة يجلن حولهم ويقلن لهم فأتتكم نصرة تلك العصابة النبوية والذب عن هاتيك الشنشنة العلية العلوية فقوموا الآن إلى أجسادهم الزكية فواروها فإن اللعين أبن سعد قد وارى أجساد من أراد مواراته من قومه فبادوا إلى موارات أجساد آل رسول الله وارفعوا عنكم العار فماذا تقولون إن قالت العرب لكم إنكم لن تنصروا أبن بنت نبيكم مع قربه وحلوله بناديكم فقوموا وأغسلوا بعض الدرن منكم. فقالوا: نفعل ذلك.
فأتوا المعركة وصارت همتهم أولاً موارات لاحسين (ع) ثم الباقين، فجعلوا ينظرون الجثث في المعركة فلم يعرفوا جثة الحسين (ع) من بين تلك الجثث لأنها بلا رؤوس قد غيرتها الشموس، فبينما هم كذلك إذا بفارس مقبل إليهم حتى إذا قاربهم قال: ما بالكم؟ قالوا: إنا أتينا لنواري جثة الحسين (ع). فلما سمع ذلك حن وأن وجعل يناديك وا أبتاه! يا أبا عبد الله! ليتك حاضراً وتراني أسيراً ذليلاً. ثم قال لهم: أنا أرشدكم إليه فنزل عن جواده وجعل يتخطى القتلى فوقع نظره على جسد الحسين روحي له الفداء فأحتضنه وهو يبكي ويقول: يا أبتاه! بقتلك قرت عيون الشامتين، يا أبتاه بقتلك فرحت بنو اُمية، يا أبتاه بعدك طال حزننا، يا أبتاه بعدك طال كربنا.
قال: ثم مشى قريباً من جسده فأهال يسيراً من التراب فإذا قبر محفور ولحد مشقوق فأنزل الجثة الشريفة وواراها في ذلك المرقد الشريف ما هو الآن، قال: ثم إنه جعل يقول: هذا فلان وهذا فلان والأسديون يوارونه.
فلما فرغ منهم مشى إلى جثة العباس بن أمير المؤمنين (ع) فأنحنى عليه وجعل ينتحب ويقول: ياعماه! ليتك تنظر حال الحرم والبنات وهن ينادين: واغربتاه! ثم أمر بحفر لحده وواره هناك.
ثم عطف على جثث الأنصار وحفر حفيرة واحدة واراهم فيها إلا حبيب بن مظاهر حيث أبى بعض بني عمه ذلك فدفنه ناحية عن الشهداء.
قال: فلما فرغ الاسديون من مواراتهم قال لهم: هلموا لنواري جثة الحر الرياحي. قال: فمشى وهم خلفه حتى وقف عليه وقال: أما أنت فقد قبل الله توبتك وزاد في سعادتك ببذلك نفسك امام أبن رسول الله (ص). قال: فأراد الأسديون حمله إلى محل الشهداء قال: لا بل في مكانه واروه.
فلما فرغو من مواراته ركب ذلك الفارس جواده فتعلق به الأسديون وقالوا: بحق من واريته بيدك من انت؟ فقال: أنا حجة الله عليكم أنا علي بن الحسين جئت لأواري جثة أبي ومن معه من إخواتي وأعمامي وأولاد عمومتي وأنصاره الذين بذلوا مهجهم دونه وأنا راجع إلى سجن أبن زياد، وأما أنتم فهنيئاُ لكم لا يتجزعوا أن تضاموا فينا، فودعهم وأنصرف عنهم. وأما الأسديون فإنهم رجعوا إلى حيهم، إنتهى.
ربما ينتقد الناقد هذه الرواية أو الحكاية بنقدين:

أحدهما: لم يسأل الأسديون من الفارس قائلين له من أنت وقد عرفوه بقوله: يا أبتاه ويا عماه؟ والجواب عن هذا سهل فإن تلك المعرفة إجمالية فأرادوا منه المعرفة التفصيلية المشخصة لأنه يجوز ان يخاطب الرجل الرجل العظيم ذا الشأنية والعظمة بلفظ الأدب والعم على جهة التبجيل والأحترام وإن لم يكن أبناً أو أبن أخ نسبي كما قال رسول الله (ص): أنا وعلي أبوا هذه الأمة فاُبوتهما للأمة على جهة التعظيم، وكما قال رسول الله (ص): الخالة والدة، والعم والد، وقال الله تعالى في نساء النبي (ص) : (وأزواجه أمهاتهم)(13)كل ذلك على جهة الأحترام والتجلة فسؤالهم عنه ليعرفوه أنه الحقيقي النسبي أم المعظمين المحترمين له من المسلمين الذين يرون عظمة منزلته وأن أحترامه فوق أحترام الأبوين الحقيقيين.
ثانيهما: كيف يتوقف الأسديون عن معرفة جسد الحسين (ع) ولا شك أن جسده معلوم لأمرين لا يستريب فيهما إلا جاهل:

أحدهما: أستعلاء نوره على أنوارهم وإشراق أشعته وقد أجاد الكعبي بقوله في مرثية له:

ومجرح ما غيرت منه القنا

حسناً ولا أخلقن منه جديدا

قد كان بدراً فإغتدى شمس الضحى

مذ ألبسته يد الدماء لبودا

ثانيهما: الهيبة الإلهية التي جللت جسده الشريف فإنها ليست لباقي الشهداء معه وبها حرست تلك الاجساد الطاهرة المنبوذة في بطاح الفلاة من هوام الأرض ووحوش الفلا حتى هابت الدنو منهم وحتى أصبحت السباع الضارية والوحوش الساغبة تلك الهيبة حرساً للأجساد الطاهرة وقد قال الشريف الرضي:

تهابه الوحش أن تدنو لمصرعه

وقد أقام ثلاثاً غير مقبور

ثم أن هناك قرائن وأمارات وعلائم تعين للأسديين جسد الحسين (ع) وتفرده عن أجساد باقي الشهداء:

علمت بنو أسد أن الخيل قد وطئت صدر الحسين (ع) وظهره دون بقية الشهداء.
طارت الأنباء إليهم على ألسنة الركبان والمارة من عابري الطريق أن الأعداء لما قطعوا رأس الحسين (ع) تركوه مكبوباً على وجهه.
قد علم الأسديون أن الحسين قد جمع أصحابه الشهداء في محل واحد وبقي هو في محل مصرعه لم يحمله أحد، والأعداء لا حاجة لهم في وضعه مع أصحابه وقد عرف الاسديون ذلك.
ما نبأهم به الزراع على نهر العلقمي ـ كما سيأتي الحديث ـ أنه شاهد أسداً رابضاً عند جسد الحسين (ع) يحرسه فهو يشاهده كل ليلة قبل دفنه يأتي حتى يربض عند الجسد المنفرد عن الأجساد فيلثمه ويشمه ويتمسك به ثم يبعد عنه قليلاً فيربض إلى الصباح.

فهذه القرائن لا يحتاج معها الأسديون إلى سؤال عن معرفة الجسد الشريف.
والجواب عن هذا أنهم قد عرفوا جسد الحسين (ع) بالأعتبارات السالفة لكن ترددهم كان لأمرين:

أحدهما: لزيادة العلم فإن هذا أمر من الاُمور الكبرى التي لها أهمتيها العظمى في الأجيال المتعاقبة على زيارة هذه المراقد المسئول عن تعيينها من باشر الدفن وقام بمهمة الموارات فكلما أزداد علماً ويقيناً كان أبلغ في العذر ولا ريب أن بالدلالة الصريحة مع تلك الأمارات تكون الحادثة حادثة علم يقيني لا يتطرقه ريب ولا يتخلله تشكيك.
ثانيها: إن ترددهم حول الأجساد وإكثارهم من الذهاب والأ ياب لم يكن منبعثاً
عن شك في تعيين جثمان الحسين الأقدس فإنه معلوم لديهم بأنواره وهيبته ولكن تردد حيرة وذهول واصابتهم الدهشة والأنفعال الحاد والتألم الحار اللاذع من فعل أعدائهم أجلاف العرب فيما جنوه عليهم من التمثيل المشوه فقد أحل بهم أرذال البشر ما لا تجنبه الكفرة فضلاً عن المسلمين من الجنايات مستفظة في أموات زهقت نفوسهم وفارقت أرواحهم أجسادهم من قطع الرؤوس والأيدي وسلب الأبدان، هذا أمر عظيم يوجب التفكر فيه والحيرة ويبعث التردد.

وشيء آخر يلزم الأسديين التفكر فيه فيطول لذلك ترددهم ليصيبوا جهة الرأي هو كيفية دفن هذه الأجساد الملقاة بقرب الحسين (ع) ويبحثون عن معرفة الأعيان منهم لأجل أن يجيبو عن السؤال المتوجه إليهم فيما بعد عن مراقدهم فهذا موجب تفكيرهم والموحي إليهم التردد عن سرعة الإقدام لا لأن الحسين (ع) لم يعرف عنهم.
من هم الأسديون؟
الذين حصلوا هذه المأثرة الخالدة والمكرمة الباقية التي تمثل على مسرح الأجيال وتشاد بذكرها القرون، ولها صدى نغمة في آذان المحافل ودوي هائل في أسماع المنتديات والمحاشد والتي تملي لهم الفخر ما دام التذكار الحسيني على صحائف الأعوام وإن طوت الأيام تلك الأمم، ويتلى في كل دور من أدوار الحياة وإن سكنت نبرات أولئك وخفت جرسهم بخفاء الأجسام ففي كل عام من أعوام الشيعة الثالث عشرة من المحرم تشاهد موكب التمثيل الفخم يضم اُلوف الممثلين من الرجال والنساء يحملون القرب والمساحي والمعاول يهرعون إسراعاً بالعويل والصراخ إلى الحائر الحسيني فترى نفسك والحال هذه كأنك بين الأسديين القدامى الذين أنهضتهم الحفاظ وقادهم الحماس الديني لموارات آل الرسول.
هؤلاء بطن من بني أسد يقال لهم بنو غاضرة وأنتظر التعريف بهم في الغاضرية وقد كانوا عند قدوم جيش أبن سعد نزولاً في قريتهم الغاضرية وبهم سميت الغاضرية، نص عليه الحموي وغيره، فمضى إليهم حبيب بن مظاهر الفقعسي الأسدي رضون الله عليه وهذا نص المجلسي في البحار وملا عبد الله في مقتل العوالم ولفظه فيه(14):
وأقبل حبيب بن مظاهر إلى الحسين (ع) فقال: يابن رسول الله ! هاهنا حي من أسد بالقرب منا أفتأذن لي فأصير إليهم فأدعوهم إلى نصرتك فعسى الله أن يدفع بهم عنك؟ قال: قد أذنت لك، فخرج حبيب في جوف الليل متنكراً حتى أتى إليهم فعرفوه أنه من بني أسد فقالوا: ما حاجتك؟ قال: إني أتيتكم بخير ما أتى به وافد إلى قومه، أتيتكم أدعوكم إلى نصرة أبن بنت نبيكم فغنه في عصاية بن المؤمنين الرجل منهم خير من ألف رجل لن يخذلوه ولن يسلموه أبداً، وهذا عمر أبن سعد قد أحاط به وأنتم قومي وعشيرتي وقد أتيتكم بهذه النصيحة فأطيعوني اليوم في نصرته تنالوا بها شرف الدنيا والآخرة فإني اقسم بالله لا يقتل أحد منكم في سبيل لاله مع أبن بنت رسول الله (ص) صابراً محتسباً إلا كان رفيقاً لمحمد في عليين.
قال: فوثب رجل من بني أسد يقال له عبد الله بن بشر فقال: أنا أول من يجيب إلى هذه الدعوى، ثم جعل يرتجز ويقول:

قد علم الأقوام إذ تواكلوا

وأحجم الفرسان إذ تناضلوا

أني شجاع بطل مقاتل

كأنني ليث عرين باسل

ثم تبادر رجال الحي حتى التأم منهم تسعون رجلاً فأقبلوا يريدون الحسين (ع) فخرج رجل في ذلك الوقت من الحي حتى صار إلى عمر بن سعد فأخبره بالحال، فدعا عمر بن سعد برجل يقال له الأزرق فضم إليه أربعمائة فارس ووجهه نحو حي بني أسد فبينما أولئك القوم قد أقبلوا يريدون عسكر الحسين (ع) في جوف الليل إذ أستقبلتهم خيل أبن سعد على شاطئ الفرات وبينهم وبين عسكر الحسين (ع) اليسير، فتناوش القوم بعضهم بعضاً واقتتلوا قتالاً شديداً، وصاح حبيب بن مظاهر بالأزرق: ويلك مالك ولنا، إنصرف عنا ودعنا يشقى بنا غيرك، فأبى الأزرق أن يرجع وعلمت بنو أسد أنهم لا طاقة لهم بالقوم فانهزموا راجعين إلى حيهم فأرتحلوا في جوف الليل خوفاً من أبن سعد أن يبيتهم ورجع حبيب بن مظاهر إلى الحسين (ع) فأخبره بذلك، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنتهى.
فمنذ حل جيش اللعين عمر بن سعد وتكاثف وتكانف وتواصلت إمداداته وجعلت القوة تتلوا القوة، والعصابة تقفوا العصابة، والحامية تلحق الحامية وقد غصت البيداء بالمقانب وضاقت الرحاب بالكتائب وأنتشر فساد الجيش وكثر أذاه لسكان تلك الأصقاع وقطان تلك القرى، فغادرها أهلها من قرويين وأعراب فارين طلباً للنجاة ورجاء للسلامة من معرة الجيش الظالم وتعديات الجنود الفاجرة وما تراجعوا إلا غب أرتحاله عن تلك المناطق عقيب مقتل الحسين (ع).
قال هبة الدين الشهرستاني في كتاب نهضة الحسين (ع)(15): هذا وما عتمت عشية الثاني عشر من المحرم إلا وعادت إلى ارياف كربلاء عشائرها الضاعنة عنها بمناسبةالقتال وقطان نينوى والغاضرية من بني أسد وفيهم كثير من أولياء الحسين (ع) وقليل ممن أختلطوا برجالة جيش الكوفة فتأملوا في أجساد زكية تركها أبن سعد في السفوح وعلى البطاح تسفي عليها الرياح وتساؤلوا عن أخبارها العرفاء، فما مرت الأيام والأعوام إلا والمزارات قائمة وعليها الخيرات جارية والمدائح تملى والحفلات تتوالى، ووجوه العظماء على أبوابها، وتيجان الملوك على أعتابها، وأمتدت جاذبية الحسين (ع) وصحبه من حضيرة الحائر إلى تخوم الهند والصين وأعماق العجم وما وراء الترك والديلم يرددون ذكرى فاجعته بممر الساعات والأيام، ويقيمون مأتمه في رثائه ومواكب عزائه، ويجدون في إحياء قضيته في عامة الأيام ويمثلون واقعته في ممر الأعوام، إنتهى.
قد شهد التاريخ لهبة الدين من تعفير جباه الملوك في مرقده الشريف كملوك آل بويه والسلاجقة والتتر والمغول والإيلخانيين والعباسيين والصفويين والقاجاريين وملوك الهند وغيرهم، فمن أعيان ملوك آل بويه بهاء الدولة وعز الدول وعضد الدولة وغيرهم، ومن آل سلجوق مسعود وغيره، ومن المغول تيمور، ومن الإيلخانيين أويس وأبنه حسن وغيرهما، ومن العثمانيين سليمان القانوني ومراد الرابع وغيرهما، ومن الصفوية الشاه إسماعيل والشاه عباس الكبير. ومن القاجار فتح علي شاه وناصر الدين شاه وغيرهما، ومن التتر محمد خدابنده ونظراؤه.
ومن الافشاريين نادر شاه، ومن التركمان الشاه أحمد. ومن العباسيين الناصر وغيره. ومن الهنود آصف الدولة وغيره، وهم كثير لا يتسع كتابنا لذكرهم.
للمؤلف في خطاب ضريح سيد الشهداء (ع) في بعض زيارته له في صفر:

يا قبر زرتك والدموع ذوارف

مني ونيران الأسى نتوقد

يا قبر هل تدري بأنك روضة

من جنة المأوى وريك أبرد

ياقبر هل تدري بأنك كعبة

لحجيج زوار الأنام ومقصد

يا قبر انت مطاف أملاك السما

منهم ركوع في ثراك وسجد

حسد الضراح ضريح من ورايته

طاب الضريح وطاب فيه المشهد

ياقبر فيك إمامة مهدية

تهدى بها جل الأنام وترشد

يا قبر فيك وديعة لمحمد

بل فيك ريحان جناه أحمد

يا قبر قد أصبحت مرقد سبطه

تالله ما يحكي جلالك مرقد

ياقبر غابت فيك شمس هداية

للعالمين وحل فيك الفرقد

ياقبر فيك إمام عدك حقه

فرض به صح الحديث المسند

ياقبر قد واريت جثة سيد

ما مثله وعلا أبيه سيد

ما للحسين مماثل في سؤدد

كلا وما مثل أبن فاطم يوجد

أبواه حيدر والبتول وجده

خير الورى وهو النبي محمد

يا قبر هذا الروح بنزل زائراً

سبط النبي من السماء ويصعد

ووراه أفواج الملائك أهبطوا

لصلاة بارئهم عليه رددوا

فمسبح ومهلل ومكبر

منهم ومنهم حامد وممجد

أنا مؤمن يا قبر في أهل الكسا

والحق حقهموا بذلك أشهد

يا قبر عندي نية لو أنني

أدركته أستشهدت حيث أستشهدوا

لكنني أخرت فاشهد أنني

في نصره بشبا يراعي أجهد

لا زلت يا قبر أبن فاطمة عامراً

تؤتي من الفج العميق وتقصد

يا قبر حدثني فلست بحاضر

يوماً به قتل الحسين السيد

هل شك بالسهم المحدد قلبه

واُبين رأس أبن النبوة واليد

قل لي وهل داست عوادي خيلهم

صدراً على علم النبوة يوصد

قل لي وهل سلبت عقائل أحمد

حتى البراقع سائني ما أوردوا

هل أحرقوا فسطاطه وتناهبوا

أثقاله والنار فيه أوقدوا

هل رُكّبوا فوق الجمال عياله

حسرى وسائقها عنيف ملحد

هل ربقوها بالحبال وكهفها

زين العباد مغلل ومصفد

إني سمعت بأنه في شدة

من سقمه إذ سار وهو مقيد

قل لي فما قالت سكينة إذ رأت

جسم الحسين حواه قاع أجرد

قل لي وما قالت رباب في ابنها

مذ كان ملقى والحصى يتوقد

قل لي وزينب كيف كانت حالها

وشقيقها لثرى الربى متوسد

والشمس تصهره بلفح هجيرها

والجسم من كل اللباس مجرد

هل أنها همت لترمي نفسها

يا قبر تقتلني الهموم فأنشد

إني وقفت عليك أذري دمعتي

حزناً كغادية الحيا لا تجمد

وقصدت قبراً بالشريعة حله

بدر العشيرة والهمام الأمجد

شبل الإمام اخو الإمام ومن له

مجد العشيرة حبوة والسؤدد

بطل العروبة في السوابق فخرها

وزكى نجار أرومة والمحتد

فوقفت أسفح عبرتي ومناشداً

وكذاك من طلب الحقيقة ينشد

يا قبر عباس بن حيدر ذي العلا

وأفاك عبد الواحد المسترشد

هل أنت يا قبر الشهيد مجيبه

عما يسائل وهو باك مكمد

هل عينه سهم الأعادي شكها

وتعمد اليافوخ منه الأعمد

أم هل بروا بري القداح أكفه

ما يصنع الضرغام أن تبري اليد

ل لي فهل ردت يداه لجسمه

والرأس حتى ضمهن المرقد

يا مشهد العباس تِه فخراً به

واسموا بعلياه فنعم المشهد

مقتبس من كتاب (بطل العلقمي) للعلامة الشيخ عبدالواحد المظفر


1ـ منتخب الطريحي 1/18.
2ـ العمدة: ص323.
3ـ الإرشاد: ص258.
4ـ رياض الأحزان: ص38.
5ـ تاريخ الطبري 6/261.
6ـ رياض الأحزان: ص39.
7ـ تاريخ الطبري 6/262.
8ـ إعلام الورى: ص148.
9ـ الأخبار الطوال: ص256.
10ـ رجال الكشي: ص289.
11ـ اُصول الكافي: ص151.
12ـ رياض الأحزان: ص41 وما بعدها.
13ـ الأحزاب: 6.
14ـ مقتل العوالم: ص75.
15- نهضة الحسين (ع): ص114.

 


source : arabic.irib.ir
594
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

مكانة المرأة في فكر الإمام الخميني
لبس السواد على أبي الثوار وسيد الاحرار أبي عبدالله ...
دعاء امام الحسين (ع) في يوم عرفة
الحسين مستميت ومستميت من معه
السيد محمد الحجة الكوهكمري
أفضلیة فاطمة الزهراء علیها السلام في کتب أهل ...
الحب بعد الأربعين
علاج الغضب بالقرآن و السنة النبوية
الشيطان كان سيئاً مع آدم
موسسات الشیعه -لبنان

 
user comment