عربي
Friday 9th of December 2022
0
نفر 0

تجاهل روايات المسح

تجاهل روايات المسح

قد تجاهل ابن كثير ومن تبعه روايات المسح وقال: قد خالف الروافض في ذلك (غسل الرجلين) بلا مستند، بل بجهل وضلالة، فالآية الكريمة دالّة على وجوب غسل الرجلين مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على وفق ما دلّت عليه الآية الكريمة، وهم مخالفون لذلك كلّه وليس لهم دليل صحيح في نفس الأمر.(1)
وكأنّه لم يمعن النظر في الآية الكريمة ونصوع دلالتها على لزوم المسح، وكأنّه لم يقف على تلك الأحاديث الكثيرة حينما ادّعى التواتر على الغَسْل ، أو وقف عليها ولم يتأمّل فيها.
وقد تبعه الشيخ إسماعيل البروسوي قائلاً: ذهبت الروافض إلى أنّ الواجب في الرجلين المسح، ورووا في المسح خبراً ضعيفاً شاذّاً.(2)
وكذلك ادّعى الآلوسي تشبّث الشيعة برواية واحدة حيث قال:ولا حجّة لهم في دعوى المسح إلاّ بما روي عن علي ـ كرم اللّه تعالى وجهه ـ
(انّه مسح(3) وجهه ويديه، ومسح رأسه ورجليه، وشرب فضل طهوره قائماً).(4)
ولو كان البروسوي والآلوسي معذورين في هذا العزو، وأنّه ليس لوجوب المسح أيّ دليل سوى رواية شاذّة، فليس هناك عذر لمن وقف على هذه الروايات الكثيرة التي تتجاوز الثلاثين، فلو لم نقل بأنّ المسح نقل بالتواتر فلابدّ أن نقول إنّه مستفيض.
أضف إلى ذلك أنّ الكتاب يدعمه، فلا سبيل لنا إلاّ الأخذ بما يوافق الكتاب، وتأويل المخالف أي ما دلّ على الغسل بوجه بأن يقال: كان يغسل في فترة بعد البعثة لكن نسخته الآية المباركة أو غير ذلك من المحامل.
(وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم).(5)
أسماء أعلام الصحابة والتابعين القائلين بالمسح قد تعرّفت على الروايات الدالّة على لزوم المسح في الوضوء، وقد رواها أعلام الصحابة والتابعين ونقلها أصحاب الصحاح والمسانيد.
ولأجل إيقاف القارئ على أسمائهم وشيء من مكانتهم في النقل نذكر أسماءهم مع الإيعاز إلى ترجمتهم على وجه الإيجاز مرفقةً برقم حديثهم. ليقف القارئ على أنّ القائلين به هم جبهة الصحابة والتابعين وسنام الثقات:

1. الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ وانّه ـ عليه السَّلام ـ قال: لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، لكن رأيت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مسح ظاهرهما.
2. الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ محمد بن علي بن الحسين الإمام الثبت الهاشمي العلوي المدني أحد الأعلام، روى عن أبيه، وكان سيد بني هاشم في زمانه، اشتهر بالباقر من قولهم: بقر العلم، يعني: شقّه، فعَلِمَ أصله وخفيه(6)
3. بسر بن سعيد، الإمام القدوة المدني، مولى بني الحضرمي، حدّث عن عثمان بن عفان، وثّقه: يحيى بن معين والنسائي، قال محمد بن سعد: كان من العباد المنقطعين والزهاد، كثير الحديث.(7)
4. حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان: يروي عنه (أُنظر الحديث 2 ) وكان من أهل الوجاهة، ذكره ابن حبان في الثقات.(8)
5. عثمان بن عفان، انّه كان يتوضأ ويمسح على رجليه ويقول: هذا وضوء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .
6. أبو مطر ذكره ابن حبان في الثقات، روى عنه الحجاج بن أرطأة.(9)
7. عبد اللّه بن زيد المازني صاحب حديث الوضوء عن فضلاء الصحابة يعرف بابن أُم عمارة(10). ذكره ابن حبان في الثقات(11).
8. النزال بن سبرة الهلالي الكوفي، روى عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعلي ـ عليه السَّلام ـ (أُنظر الحديث 30) وعثمان وأبي بكر وابن مسعود، وقال العجلي: كوفي تابعي، ثقة من كبار التابعين، وذكره ابن حبان في الثقات.(12)
9. عبد خير بن يزيد، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات التابعين و جزم بصحبته عبد الصمد بن سعيد الحمصي في كتاب الصحابة.(13)
10. عباد بن تميم بن غزية الأنصاري الخزرجي المازني: روى عن أبيه وعن عمه عبد اللّه بن زيد وعن عويمر بن سعد، وثّقه: العجلي والنسائي وغيرهما، وحديثه في الصحيحين (البخاري ومسلم)(14) وذكره ابن حبان في الثقات(15) .
11. عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وكان يسمّى البحر لسعة علمه، و يسمّى حبر الأُمّة. وقال عبد اللّه بن عتبة: كان ابن عباس قد فاق الناس بخصال: بعلم ما سبقه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وقال: ما رأيت أحداً كان أعلم بما سبقه من حديث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ منه، ولا أفقه في رأي عنه، ولا أعلم بتفسير القرآن منه(16) .
12. أوس بن أبي أوس الثقفي: روى له أصحاب السنن الأربعة، أحاديث صحيحة من رواية الشاميين عنه(17) .
13. الشعبي: عامر بن شراحيل بن عبد، هو الإمام الحافظ الفقيه المتقي استاذ أبي حنيفة و شيخه. قال أحمد بن حنبل، والعجلي: مرسل الشعبي صحيح، لأنّه لا يكاد يرسل إلاّ صحيحاً. و قال ابن عيينة: العلماء ثلاثة: ابن عبـاس فـي زمانـه، والشعبي في زمانه، والثوري فـي زمانه(18).
14. عكرمة: أبو عبد اللّه المدني مولى ابن عباس، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من علماء زمانه بالفقه والقرآن، وكان جابر بن زيد يقول: عكرمة من أعلم الناس، روى له أصحاب السنن الأربعة أحاديث صحيحة.(19)
15. رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان أبو معاذ الزرقي، شهد بدراً. وروى عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مات في أوّل خلافة معاوية.(20) ذكره ابن حبان في الثقات.(21)
16. عروة بن الزبير بن العوام القرشي أخو عبد اللّه بن الزبير، فقيه عالم، وكان من أفاضل أهل المدينة وعلمائهم، ذكره ابن حبان في الثقات.(22)
17. قتادة بن عزيز الحافظ العلامة أبو الخطاب السدوسي البصري الضرير الأكمه المفسر. قال أحمد بن حنبل: قتادة عالم بالتفسير وباختلاف العلماء، ووصفه بالحفظ . وأطنب في ذكره . وكان أحفظ أهل البصرة، مات بواسط في الطاعون سنة 118هـ.(23) وذكره ابن حبان في الثقات(24) .
18. أنس بن مالك بن النضر خادم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، قدم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ المدينة وهو ابن عشر سنين، وتوفي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهو ابن عشرين سنة، انتقل إلى البصرة وتوفي بها عام 91 هـ.(25)
19. موسى بن أنس بن مالك قاضي البصرة، يروي عن أبيه، روى عنه مكحول وحميد الطويل.(26)
20. حصين بن جندب الكوفي الجنبي (أبو ظبيان الكوفي) يروي عن علي بن أبي طالب وسلمان، روى عنه: إبراهيم والأعمش، مات سنة 56 هـ، ذكره ابن حبان في الثقات.(27) 21. جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي، يروي عن: أبي ذر وأبي الدرداء، روى عنه أهل الشام، كنيته أبو عبد الرحمن، مات سنة 80 هـ بالشام، ذكره ابن حبان في الثقات.(28)
22. إسماعيل بن أبي خالد البجلي الأحمسي أبو عبد اللّه الكوفي، قال العجلي: وكان رجلاً صالحاً ثقة ثبتاً وكان طحاناً. وقال مروان بن معاوية: كان إسماعيل يسمّى الميزان. مات سنة 146 هـ . (29)
23. تميم بن زيد المازني، أبو عباد الأنصاري من بني النجّار، له صحبة، وحديثه عند ولده.(30)
وإن تعجب فعجبٌ قول الشوكاني، حيث يقول: لم يثبت من أحد من الصحابة خلاف ذلك (أي الغسل) إلاّ علي وابن عباس وأنس.(31)
غير انّ اعتقاده بالغسل عاقه عن الفحص والتتبّع في السنن والمسانيد.

تأمّلات واهية في أخبار المسح
إنّ لأهل النظر والبحث من أهل السنّة القائلين بالغسل في الوضوء ـ أمام تلك الروايات المخالفة لمذهبهم ـ تأمّلات مختلفة نذكر المهمّ منها:
التأمّل الأوّل: أَنّ روايات المسح ضعيفة، ونقل عن البخاري والشافعي أنّهما ضعّفاها باعتبار أنّ مخالفها أكثر وأثبت منها(32).
يلاحظ عليه: أنّه، كيف نضعِّف تلك الروايات المستفيضة؟! وإنّما الذي يخضع للنقاش والجرح هو الخبر الواحد، لا المستفيض ولا المتواتر.
مضافاً إلى أنّ في الروايات من يرويها البخاري، فما ظنّك برواية يرويها الإمام البخاري؟!
التأمّل الثاني: إِنّ هذا كان في أوّل الإسلام، ثم نسخ بأحاديث الغسل.
يلاحظ عليه: أنّ كثيراً من هذه الروايات رويت للاحتجاج على القائلين بالغسل، فهل يمكن غفلة الراوي عن هذا الأمر؟!
وبتعبير أوضح: أنّ الصحابة والتابعين يروونها لغاية إثبات أنّ الفريضة في الوضوء هي المسح لا الغسل، فلو كانت الروايات ناظرة إلى العصر الأوّل من البعثة، فهل يمكن أن يغفل عنها الصحابة الأجلاّء والتابعون لهم بإحسان؟ وقد شارك في الروايات ثلّة من الصحابة والتابعين.
التأمّل الثالث: إنّ أحاديث المسح، انّما هي وضوء من لم يحدث، وقد اعتمد عليه ابن كثير في تفسيره .(33) وسار على ضوئه المتأخرون، كالآلوسي في «روح المعاني». (34) وأخيراً الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري(35).

يلاحظ عليه: النقاط التالية:
1. أنّ لفيفاً من الروايات الدالّة على المسح وردت في وضوء المحدث، لا في الوضوء بعد الوضوء; فكيف يمكن حملها على وضوء من لم يحدث؟ كرواية النزال ابن سبرة، حيث يحكي وضوء عليّ بعد البول.
2. أنّ أكثر هذه الروايات الدالّـة على المسـح، تحكـي وضوء رسـول اللّه، والمتبادر منه هو وضوؤه بعد الحدث، لا قبله. فحمل هذه الروايات الكثيرة، على الوضوء بعد الوضوء، تفسير بالرأي، حفظاً للمذهب وانتصاراً له.
3. لو سلّمنا أنّ ما ورد من الروايات في المسح على الرجليـن، بأنّه وضـوء من لم يحدث، لكنّها لا تشير إلى أنّ المسح على الرجلين فقط وضوء من لم يحدث، وإِنّما تشير إلى أنّ الاكتفاء بكفّ من الماء في غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين، وضوء من لم يحدث.
فكم فرق بين أن يرجع اسم الإشارة إلى أنّ المسح على الرجلين هو وضوء من لم يحدث، وبين أن ترجع إلى مجموع ما ورد في الرواية من الغسل والمسح بكفّ من الماء؟! وإِن كنت في شكّ من ذلك فنتلو عليك نصوص تلك الروايات:
1.ما رواه الحافظ البيهقي حيث قال: أخبرنا أبو علي الروذبادي، حدثنا أبوبكر محمد بن أحمد بن محويه العسكري، حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عبد الملك بن ميسرة، سمعت النزال بن سبرة يحدث عن علي بن أبي طالب أنّه صلّـى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر، ثم أُتي بكوز من ماء، فأخذ منه حفنة واحدة، فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضله وهو قائم، ثم قال: إنّ ناساً يكرهون الشرب قائماً، وإنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ صنع كما صنعت، وقال: هذا وضوء من لم يحدث. رواه البخاري في الصحيح عن آدم بن أبي أياس ببعض معناه(36).
2. عن إبراهيم قال: كان علي إذا حضرت الصلاة دعا بماء، فأخذ كفّاً من ماء، فتمضمض منه واستنشق منه، ومسح بفضلة وجهه وذراعيه رأسه ورجليه، ثم قال: هذا وضوء من لم يحدث(37).
ترى أنّ الإمام اكتفى في الوضوء بكف ماء وحفنة منه مع أنّه غير كاف في الوضوء الواجب باتفاق الأُمّة، ولأجل ذلك نبّه المخاطب بأنّه وضوء من لم يحدث، وإلا فعلى المحدّث أن يسبغ ماء الوضوء بأكف وحفنات، فمحور المذاكرة بين الإمام ومخاطبه هو الاكتفاء بماء قليل لا المسح على الرجلين.
3. أخرج أحمد بسنده عن عبد اللّه، قال: حدثني أبو خيثمة، حدثنا إسحاق ابن إسماعيل، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن عبد الملك، عن النزال بن سبرة قال: صلّينا مع علي (رض) الظهر، فانطلق إلى مجلس له يجلسه في الرحبة، فقعد وقعدنا حوله، ثم حضرت العصر، فأتى بإناء فأخذ منه كفاً، فتمضمض واستنشق ومسح بوجهه وذراعيه ومسح برأسه ورجليه، ثم قال: إني رأيت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فعل كما فعلت(38).

وعلى ذلك تحمل الرواية التالية:
4. عن عبد خير قال: رأيت علياً (رض ) دعا بماء ليتوضّأ، فتمسح بها تمسحاً ومسح على ظهر قدميه، ثم قال: هذا وضوء من لم يحدث، ثم قال: لولا إني رأيت رسول اللّه مسح على ظهر قدميه رأيت أنّ بطونهما أحقّ، ثم شرب فضلة وضوئه وهو قائم(39).
فإنّ الظاهر أَنّ الإمام قام بمجموع العمل بكف ماء واحد، ويحتمل اتحاد الحديث مع الحديث الأوّل، فاسم الإشارة في قوله: «هذا» ليس إشارة إلى مسح القدمين، بل إلى مجموع ما أتى به من الأعمال من مسح الوجه والأيدي وغيرهما بالماء، فإنّ الواجب فيهما الغسل، والاكتفاء بالمسح لخلوه من الحدث.

عثرة لا تقال:
قد عرفت أنّ مجموعة كبيرة من الروايات الدالّة على المسح رواها ابن جريرالطبري صاحب التفسير والتاريخ، الغني عن الإطراء والبيان، ولما كان ذلك الأمر ثقيلاً على من يرى الغسل في الوضوء عاد يتمحل لتكذيب تلك الروايات بأنّه لم ينقلها ابن جرير الطبري السنّي وانّما رواها ابن جرير الشيعي، وهي من غرائب الأُمور كما سيوافيك، وممّن التجأ إلى هذا العذر ابن القيم قائلاً: إنّ حكاية المسح عن ابن جرير غلط بيّـن، فهذه كتبه وتفسيره كلّها تكذّب هذا النقل عنه، وإِنّما دخلت الشبهة، لأنّ ابن جرير القائل بهذه المقالة رجل آخر من الشيعة يوافقه في اسمه واسم أبيه، وقد رأيت له مؤلفات في أُصول مذهب الشيعة وفروعهم(40).
وقد تبعه في هذه العثرة الآلوسي في تفسيره، قال: وقد نشر رواة الشيعة هذه الأكاذيب المختلقة، ورواها بعض أهل السنّة ممن لم يميّز الصحيح والسقيم من الأخبار بلا تحقّق ولا سند، واتسع الخرق على الراقع، ولعل محمد بن جرير القائل بالتخيير هو محمد بن جرير بن رستم الشيعي صاحب «الإيضاح للمسترشد في الإمامة»، لا أبو جعفر محمد بن جرير بن غالب الطبري الشافعي الذي هو من أعلام أهل السنّة، والمذكور في تفسير هذا هو الغسل فقط لا المسح، ولا الجمع، ولا التخيير الذي نسبه الشيعة إليه(41).
وممن تنبّه إلى عثرة ابن قيم والآلوسي، صاحبُ المنار حيث إنّه بعد ما نقل عبارة الآلوسي أعقبـه بقوله: «إنّ في كلامـه ـ عفـا اللّه عنــه ـ تحاملاً على الشيعـة وتكذيباً لهم في نقل وجد مثله في كتب أهل السنّة. والظاهر أنّه لم يطّلع على تفسير ابن جرير الطبري» (42).
أقول: قد نقل أيضاً غير واحد أنّ ابن جرير قال بالتخيير بين المسح والغسل، ولكن اللاّئح من عبارته هو الجمع بينهما، فمن أمعن النظر في تفسير ابن جرير يقف على أُمور ثلاثة:
الأوّل: أنّه رجّح قراءة الجرّ على النصب وقال: وأعجب القراءتين إليَّ أن أقرأها قراءة من قرأ ذلك خفضاً، لما وصفت من جمع المسح المعنيين اللّذين وصفت، ولأنّه بعد قوله: (وامسحوا برءُوسكم) فالعطف على الرؤوس مع قربه منه أولى من العطف به على الأيدي، وقد حيل بينه وبينها بقوله: (وامسحوا برءُوسكم).
الثاني: أنّه يروي روايات المسح بصدر رحب ولا يتضايق كما نقل روايات الغسل.
الثالث: أنّه قائل بالجمع بين المسح والغسل، ومراده منه ليس هو التوضّؤ مرتين تارة بالغسل وأُخرى بالمسح بالنداوة المتبقّية على اليد، بل بغسلهما باليد ومسح الرجل بها، وإليك نص عبارته قال:«والصواب من القول عندنا في ذلك أَنّ اللّه أمر بعموم مسح الرجلين بالماء في الوضوء، كما أمر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمّم، فإذا فعل ذلك بهما المتوضّـي كان مستحقّاً اسم ماسح غاسل، لأنّ غسلهما، امرار الماء عليهما أو إصابتهما بالماء، ومسحهما إمرار اليد أو ما قام مقام اليد عليه، فإذا فعل ذلك بهما فاعل فهو غاسل ماسح» (43).
والعجب عن عدّة من الباحثين حيث نسبوا إلى الطبري القول بالتخيير،منهم: نظام الدين النيسابوري في تفسيره غرائب القرآن(44) والقرطبي(45) والشوكاني(46) والشعراني(47).
والعجب أيضاً انّ الآلوسي نسب إلى ابن جرير القول بالغسل فقط لا المسح ولا الجمع ولا التخيير(48).
(وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْء وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمينَ). (49)
المصادر :
1- تفسير القرآن العظيم:2/518.
2- تفسير روح البيان:2/351.
3- كذا في المصدر، والصحيح: غسل.
4- روح المعاني:6/87.
5- الإسراء:36.
6- تذكرة الحفاظ: 1/124; تهذيب التهذيب: 9/350; حلية الأولياء: 3/180; شذرات الذهب: 1/149; الطبقات الكبرى:5/324.
7- سير أعلام النبلاء: 4/594.
8- الثقات: 4/179.
9- الثقات: 7/664.
10- سير أعلام النبلاء: 2/377.
11- الثقات: 3/223.
12- تهذيب التهذيب: 10/423; التاريخ الكبير: 8/117.
13- تهذيب التهذيب: 6/124.
14- الاصابة: 4/23.
15- الثقات: 5/141.
16- أُسد الغابة: 3/192 ـ 195.
17- الاصابة: 1/92.
18- تذكرة الحفّاظ: 1/79; تهذيب التهذيب: 5/65; حلية الأولياء : 4/310; شذرات الذهب: 1/126; طبقات الحفاظ: 43.
19- تهذيب التهذيب: 7/293; تذكرة الحفاظ: 1/95; تهذيب الأسماء: 1/340.
20- تهذيب التهذيب: 3/281.
21- الثقات: 4/240.
22- الثقات: 5/194 ـ 195; تذكرة الحفّاظ: 1/92; تهذيب التهذيب: 7/180.
23- تذكرة الحفّاظ: 1/122 ـ 124.
24- الثقات: 5/321; البداية والنهاية: 9/313; تهذيب الأسماء: 2/57; تهذيب التهذيب: 8/337.
25- الثقات: 2/4; أُسد الغابة: 1/84; تذكرة الحفاظ: 1/44; شذرات الذهب: 1/100 .
26- الثقات: 5/401.
27- المصدر السابق: 4/156.
28- الثقات 4/111; تذكرة الحفاظ: 1/52; تهذيب التهذيب: 2/64; شذرات الذهب : 1/88.
29- تذكرة الحفاظ: 1/153; تهذيب التهذيب: 1/291; العبر: 1/203.
30- الثقات: 3/41.
31- نيل الأوطار: 1/163.
32- ابن القيم: في هامش مختصر سنن أبي داود: 1/96.
33- تفسير القرآن العظيم: 2/27.
34- روح المعاني: 6/77.
35- مجلة الفيصل، العدد: 235 ص 48.
36- سنن البيهقي:1/75، كنز العمال: 9/474، الحديث 27030; مسند أحمد بن حنبل:1/164، الحديث 799.
37- كنز العمال: 9/456، الحديث 26949.
38- مسند أحمد بن حنبل: 1/256، الحديث 1370.
39- مسند أحمد بن حنبل: 1/187، الحديث 946.
40- ابن القيم: في هامش سنن أبي داود: 1/97ـ98.
41- روح المعاني: 6/77.
42- تفسير المنار: 6/233.
43- تفسير الطبري: 6/83.
44- تفسير غرائب القرآن بهامش تفسير الطبري: 6/74
45- الجامع لأحكام القرآن: 6/92.
46- نيل الأوطار: 1/168.
47- ميزان الشعراني: 1/19، ط عام 1318 هـ.
48- روح المعاني: 6/78.
49- النحل:89.

 


source : .www.rasekhoon.net
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

أفضلية فاطمة الزهراء عليها السلام في کتب أهل ...
الاقتصَاد الإسلامي جُزء مِنْ كُل
أبعاد الحج
المقدّمة في الخطابة الحسينيّة
لا تتقدموا عليهم ولا تتأخروا
کیف تحافظ على سلامتک
آداب المجلس
الوحدة حول مائدة الكتاب و السنة
كيف تقضي وقتك في المدينة المنورة
الحائر الحسيني

 
user comment