عربي
Monday 26th of September 2022
0
نفر 0

أسباب انتشار السادة الموسویین

أسباب انتشار السادة الموسویین

انتشر فی بقاع الارض المترامیة الاطراف العدید من السادة الموسویین وکان لوجودهم فی تلک البلدان المختلفة فی العادات والتقالید واللغات ، التاثیر البالغ فی نشر الاسلام والدعوة الی الحق والایمان وساهموا مساهمة فعالة فی نشر مذهب اهل البیت علیهم السلام .
ویمکن إرجاع الأسباب التی أدّت إلى انتشار السادة الموسویین فی أطراف الأرض إلى عاملین رئیسین:
الأول: إن الإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام) کان أکثر الأئمة أولاداً، فقد ذکر بعض علماء الأنساب أنه (علیه السلام) قد أنجب ستین ولداً بین ذکر وأنثى، واتفقوا على أن عشرة من أولاده الذکور قد أعقبوا، وقیل إن الإمام موسى (علیه السلام) أعقب من ثلاثة عشر رجلاً، أربعة منهم مکثرون، وهم: علی الرضا (علیه السلام)، وإبراهیم المرتضى، ومحمد العابد، وجعفر وأربعة منهم متوسطون، وهم: زید النار، وعبد الله، وعبید الله، وحمزة، وخمسة مقلّون، وهم: العباس، وهارون، وإسحاق، والحسین، والحسن. وذکر آخرون غیر هؤلاء ممن أعقب من أولاده (علیهم السلام)(1)
ولعلّ الغایة من وراء الإکثار من النسل عند أهل البیت (علیهم السلام) ـ عدا رجحانه فی نفسه ـ هی الحفاظ على استمرار بقاء هذا الوجود الطیّب لذریّة الرسول (صلّى الله علیه وآله)، وخصوصاً مع العلم بما انطوت علیه نوایا خصومهم من السعی فی القضاء علیهم والتخلّص منهم.هذا، وذکر الشیخ المفید فی الإرشاد أن لکل واحد من ولد أبی الحسن موسى (علیه السلام) فضلاً ومنقبة مشهورة، ومثله ذکر الطبرسی فی إعلام الورى.(2)
وقد ذکروا فی بعض أحوال أولاد الإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام) أنّهم کانوا من أهل العلم والحدیث والفضل والصلاح، فإنّ إسماعیل بن موسى هو الذی ولاّه أبوه على الوقف، وروی أن الإمام الجواد (علیه السلام) أمره بالصّلاة على جنازة صفوان، وله کتب کثیرة یرویها عن أبیه عن آبائه (علیهم السلام)(3)، وأن محمد بن موسى کان صاحب وضوء وصلاة، وکان لیلة کلّه یتوضأ ویصلّی، فیسمع سکب الماء، ثم یصلّی لیلاً ثم یهدی ساعة، فیرقد ویقوم فیسمع سکب الماء والوضوء، ثم یصلّی لیلاً، فلا یزال کذلک حتى یصبح. وقال بعضهم: وما رأیته قطّ إلا وذکرت قول الله تعالى: (کَانُوا قَلِیلاً مِنَ اللَّیْلِ مَا یَهْجَعُونَ)(4)
وغیرهما ممن وصف بالفضل والصلاح والشجاعة.
وقد تنقّل أبناء الإمام (علیه السلام) فی مختلف البقاع، فقطن بعضهم فی مصر، وبعضهم فی العراق، وآخرون فی إیران، ومنهم انتشرت ذریّة موسى بن جعفر (علیهما السلام)، ولا زالت هذه الشجرة الطیبة تؤتی أکلها بإذن ربّها، فقد ضمّت هذه السلالة الشریفة على مر تاریخها المعطاء الأفذاذ من الرجال الذین صنعوا التاریخ، وکانوا غرراً فی جبین الدهر یفتخر بهم الزمان، ونبغ منها رجال حملوا العلم والمعرفة والأخلاق والسیادة، وقد حفلت بذکرهم کتب الرجال والتراجم.
الثانی: ـ وهو الأهم ـ الظروف العصیبة التی أحاطت بالإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام)، فإنه بعد أن استقرّ الحکم العباسی وتربّع المنصور الدوانیقی على دست الحکم بدأ المسلسل الدرامی فی ضراوة بلغت حدّاً عاش فیه أهل البیت (علیهم السلام) الرّعب بأبشع صوره، وشمّر المنصور عن ساعدیه لإبادة بنی عمّه بشتى الأشکال، ووصفه الباحثون بأنه تتبعهم وراء کل حجر ومدر، حتى إذا استشهد الإمام الصادق (علیه السلام) مسموماً بإیعاز من المنصور اضطرب أهل البیت (علیهم السلام) وشیعتهم اضطراباً شدیداً، کما یحدّثنا بذلک من أرّخ تلک الفترة، حتى کادت معالم التشییع أن تنطمس لولا ظهور الإمام موسى (علیه السلام) فی الوقت المناسب مع حراجة الظروف وخطورتها.
ویصوّر لنا الشیخ القرشی تلک الظروف فی عرضه الروایة التی تضمّنت کیفیة رجوع الشیعة إلى الإمام (علیه السلام)، فیقول: وحدّث هشام بن سالم أحد عیون الشیعة ووجوهها عن کیفیة رجوعه ورجوع إخوانه إلى الإمام بعد وفاة أبیه، یقولک کنت بالمدینة مع محمد بن النعمان صاحب الطاق حین وفاة الإمام أبی عبد الله، وقد اجتمع الناس على عبد الله بن جعفر ظانّین أنّه صاحب الأمر والقائم بعد أبیه، فدخلت علیه مع أصحابی، ولمّا استقرّ بنا المجلس، وجّهنا له السؤال الآتی: کم تجب الزّکاة فی المائتین من الدّراهم؟
ـ خمسة دراهم.
ـ ففی المائة؟
ـ درهمان ونصف.
وتعجّبوا من هذه الفتوى التی لا تمتّ إلى الشریعة الإسلامیة بصلة، فإن النصاب الأول فی نصاب الدراهم مائتان، وما نقص عنها فلیس علیه شیء، وطفق هشام یقول مستهزئً بهذه الفتوى التی لا مدرک لها:
والله ما تقول المرجئة هذا!!
والله ما أدری ما تقول المرجئة؟
وخرج هشام ومحمد من عنده وهما لا یبصران الطریق من الألم والحزن لعدم ظفرهما بالإمام القائم بعد أبی عبد الله، وجعل هشام یقول:
إلى المرجئة، إلى القدریّة، إلى المعتزلة، إلى الزیدیّة، إلى الخوارج؟
وبینما کان هشام ومحمد هائمین فی تیّار من الهواجس والأفکار لا یعلمان أی مبدأ یعتنقانه إذ أطلّ علیهما شیخ، فأومأ إلى هشام یشیر إلیه باتّباعه، فتوهّم هشام أنّه من عیون المنصور وجواسیسه قد فهم حدیثهما، فالتفت إلى صاحبه وقد استولى علیه الذعر والارتباک وأمره بالبعد عنه لیکون وحده الذی ینال العقوبة والجزاء، فتبع الشیخ حتى أورده على الإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام)، فلمّا دخل سکن روعه، فلمّا استقرّ به المجلس التفت إلیه الإمام قائلاً بنبرات تفیض لطفاً وحناناً: إلیّ لا إلى المرجئة، ولا إلى القدریّة، ولا إلى المعتزلة، ولا إلى الزیدیّة.. ففرح هشام لأنّه ظفر ببغیته حیث أخبره الإمام بما انطوت علیه نفسه، وتلک من أمارة الإمامة وعلائمها، ووجه له هشام السؤال الآتی:
ـ جعلت فداک مضى أبوک؟
ـ نعم.
ـ مضى موتاً؟
ـ نعم.
ـ من لنا بعده؟
ـ إن شاء الله أن یهدیک هداک.
ـ جعلت فداک إن عبد الله أخاک یزعم أنّه الإمام بعد أبیه.
ـ عبد الله یرید أن لا یعبد الله.
ـ من لنا بعده؟
فأجابه مثل جوابه الأول وطفق هشام یقول:
ـ أفأنت هو؟
ـ لا أقول ذلک.
وأخطأ هشام فی حدیثه، والتفت إلى خطاه فقال:
ـ علیک إمام؟
ـ لا.
فداخله من الإکبار والإجلال ما لا یعلم به إلا الله، ثم قال له:
ـ جعلت فداک، أسألک عمّا کنت أسأل به أباک؟
ـ سل ولا تذع، فإن أذعت فهو الذّبح.
ثم وجّه إلیه أسئلة کثیرة، فإذا به بحر لا ینزف لکثرة علمه وفضله، وانبرى بعد معرفته ووثوقه بإمامته قائلاً:
ـ جعلت فداک شیعة أبیک فی ضلال، فألقی إلیهم هذا الأمر وأدعوهم إلیک فقد أخذت علی الکتمان؟
ـ من أنست به رشداً فألق إلیه وخذ علیه الکتمان، فإن أذاع فهو الذبح ـ وأشار بیده إلى حلقه ـ.
ثم خرج وهو ناعم الفکر مسرور القلب بما ظفر به، فبادر إلیه صاحبه قائلاً:
ـ ما وراءک؟
ـ الهدى.
ثم حدثه بالأمر.. وأقبلت جماهیر الشیعة تترى أفواجاً نحو الإمام وهی تعقد له الولاء والطاعة وتعترف بإمامته.
وتلا المنصور ابنه المهدی على دست الحکم، وقد ذکر الباحثون أنه ورث من أبیه المنصور العداء للعلویین وشیعتهم، فقد أترعت نفسه بالبغضاء والکراهیة لهم، وکان یغری الشعراء ویغدق علیهم من أجل هجاء أهل البیت (علیهم السلام)، والحط من شأنهم، والتقلیل من أهمیتهم، وذکروا عنه أنه أرعب الإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام) حیث أمر باعتقاله وإرساله من المدینة إلى بغداد، وکاد أن یقتله لولا أن العنایة الإلهیة حفظت الإمام (علیه السلام) من بطشه.
حتى إذا جاء عهد موسى الهادی ابتدأت سلسلة أخرى من المآسی، لقی منها أهل البیت (علیهم السلام) وشیعتهم الأمرّین، وعلى الرغم من أن عهده کان قصیراً کعمره، إلا أنه کان ثقیلاً مجهداً واجه فیه أهل البیت (علیهم السلام) وشیعتهم أعنف الرزایا وأکثرها محنة وصعوبة، فسفکت دماؤهم وانتهکت حرماتهم وهدرت کرامتهم، بما لا مجال لوصفه وبیانه.
وقد ذکر المؤرخون أن فی یعهد موسى الهادی حدثت واقعة فخ التی ضارعت حادثة الطف فی کیفیتها وأسماء أشخاصها، وبعض آثارها، وما جرى فیها.
وأمّا عهد الرشید فکان أسوأ عهد مرّ على العلویین والشیعة، فقد قابلهم منذ بدایة حکمه بکل قسوة وجفاء، وصبّ علیهم جام غضبه، وأقسم على استئصالهم وقتلهم، فقال: والله لأقتلنّهم ـ أی العلویین ـ ولأقتلنّ شیعتهم(5)
وأمعن الرشید فی التنکیل بالعلویین وشیعتهم، وذکرت المصادر أنه کان یتتبعهم بشتّى الوسائل، ویحتال لقتلهم بمختلف الطرق، وکان یرى أن بقاء ملکه وسلطانه لا یستقرّ إلا بإبادتهم.
لقد کان الرشید شدید الوطأة على عترة النبی (صلّى الله علیه وآله)، وکانوا على علم بمقته وبغضه لهم، فحینما علموا بخلافته هاموا على وجوههم فی القرى والأریاف متنکّرین لئلا یعرفهم أحد، قد أحاط بهم الرعب والفزع، واستولى علیهم الخوف والإرهاب، وکان فی طلیعة من لقی العناء من أهل البیت (علیهم السلام) الإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام)، فرض الرشید علیه رقابة صارمة، ترصد علیه تحرّکاته وسکناته، حتى ثقل علیه وضاق به ذرعاً، فغیّبه فی سجون البصرة وبغداد، ینقل من سجن إلى آخر، وکان آخرها سجن السندی بن شاهک حیث قضى الإمام (علیه السلام) مسموماً(6)
وقد تمخّض عن ذلک تفرّق سلالة الإمام الکاظم (علیه السلام) وانتشارهم فی مختلف البقاع، ولم یکن هذا الأمر خاصًّ بأولاد الإمام (علیه السلام)، بل کان عاماً لجمیع العلویین وشیعتهم، نعم کان أبناؤه (علیه السلام) من أکثرهم محنة وأشدّهم ابتلاءً.
وکان من آثار ذلک أن ذهب بعضهم فی طیّ النسیان، فلم یعرف له عقب أو مکان، إذ کان بعضهم یخفی نسبه خشیة أن یفاجأ بما یودی بحیاته، کما کان من نتائج ذلک أیضاً بروز ظاهرة التقیّة التی فرضت على أهل البیت (علیهم السلام) وشیعتهم فرضاً لم یجدوا مناصاً عنها، طلباً للنجاة، وبحثاً عن الأمن والأمان.
وقد انعکست مسألة التقیة على جمیع مظاهر سلوکه فی عباداتهم ومعاملاتهم، ونشأ من ذلک ما یمکن أن یعبّر عنه بالفقه الوقائی الذی یعنی بهذه الحالة عند تحقق موضوعها کما بیّنها الفقهاء، واستندوا فی ذلک إلى ما رسمته الأئمة (علیهم السلام) الذی عانوا من تلک الظروف القاسیة التی مرّت بهم مستثنین منها بعض الموارد حیث تکون المواجهة هی الحلّ، وقد حدّدها الفقهاء وضبطوها فی دراساتهم الفقهیة.
على أن موضوع التقیة لا ینحصر بالشیعة الإمامیة وحدهم، بل هو أمر یعود إلى تأمین الحمایة والوقایة من الوقوع فی الخطر الذی یتهدّد الحیاة. وبعبارة أخرى: إن مسألة التقیة قضیّة فطریة تستوجب درء المخاوف عن النفس، وفق ضوابط محدّدة مدروسة، مع الاحتفاظ بالثوابت وصیانتها، ولیست هی انسلاخاً عن المبدأ وإلغاءً للمعتقد، وهی عملیّة مؤقتة تعالج ظرفاً طارئاً لیعود الإنسان بعدها إلى طبیعته الأولى التی کان علیها فی سلوکه.
ومن خلال ذلک یمکننا أن ندرک أنّ ما یقوم به خصوم الشیعة من الحملات والتشنیق علیهم فی أمر التقیّة ما هو إلا استغلال لظروف الشیعة الصعبة والتشهیر بمحنتهم، وإلا فلو أن هؤلاء عانوا بعض ما عاناه الشیعة لحملوا لواء التقیة عالیاً، وما یدرینا لعلّهم یتّقون فی بعض أعمالهم من حیث لا نشعر بأنهم یتّقون.

السیدة تُکْتَم
عرفنا مما مرّ أن الإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام) ـ والد السیدة المعصومة ـ هو أحد الأئمة المعصومین من أهل البیت (علیهم السلام) وإلیه تنتمی السلالة الموسویة، ولابدّ لنا من التعرف على أم السیدة المعصومة لنتمکّن من الخروج بصورة واضحة عن الجو الذی عاشت فیه هذه السیدة الجلیلة، والبیت الذی تلقّى فیه تربیتها فإن للأب والأم دورهما الکبیر الفعّال فی سلوک الولید ونشأته وانعکاس أخلاق الأبوین علیه.
وقد ذکر المؤرخون وعلماء الأنساب أن أم السیدة المعصومة هی تکتم، وتسمّى نجمة، وأروى، وسمانة، وأم البنین، وخیزران، وصقر، وشقراء، والطاهرة، ولنا حدیث حول تعدّد الأسماء سیأتی.
وهی وإن کانت جاریة أم ولد إلا أن لها من الفضل والجلال والعفّة والعبادة ما فاقت به نساء زمانها فکانت بذلک قرینة لإمام معصوم، وأمّاً لإمام معصوم.

ولادة السیدة فاطمة المعصومة
فی ذلک البیت الطاهر ولدت سلیلة الطهر والعفاف فاطمة المعصومة، وکانت الظروف التی ألمّت بأهل البیت (علیهم السلام) آنذاک عصیبة جداً إلى حدّ غاب فیها عن المؤرخین والرواة تسجیل أحداث الولادة وتأریخها، أو ذکر شیء ممّا یتعلّق بها، إذ کانت السلطة العباسیة قد أحکمت قبضتها وأخذت تتّبع مناوئیها ممن تتوجس منهم وترى أنّهم سبب إزعاج لهم ومصدر قلق لسیاستهم، وهم العلویّون وفی طلیعتهم الإمام الکاظم (علیه السلام) صاحب الحق الشّرعی الذی ما فتئ یلمّح بل ویصرّح بأنّه صاحب الحق، وأن العباسیین خدعوا الأمّة بسیاستهم الملتویة حیث أعلنوا للناس أن حرکتهم ضد بنی أمیة إنما کانت غضباً لبنی هاشم ممّا حل بهم من خصومهم الأمویین، وطلباً لثأرهم منهم، وأنّ دعوتهم کانت للرضا من آل محمد (علیهم السلام)، وبذلک استطاعوا أن یسیّروا عواطف الناس ومشاعرهم نحو تأییدهم، وانطلقت اللعبة على أکثر الناس فاستجابوا لهم فی سذاجة وحسن نیّة، وفی غفلة عما بیّته العباسیون، حتى انخدع بذلک القوّاد الذین کان لهم الدور فی توطید الملک والقضاء على بنی أمیة وإخضاع البلاد، فی ظنّ منهم أن الدعوة للرّضا من آل محمد (علیهم السلام) دعوة صادقة وما علموا أن بنی العباس إنما استخدموهم آلات لتحقیق أغراضهم ، ولذا ما إن استلم العباسیون زمام الأمر واکتشف هؤلاء القوّاد أنّهم خدعوا فأعلنوا سخطهم حتى فتکوا بهم واستأصلوهم کأبی سلمة الخلاّل، وأبی مسلم الخراسانی وغیرهما من القادة العسکریین.(7)
ولم تکن هذه اللعبة لتخفى على آل محمد (علیهم السلام) الذین اتخذهم العباسیون درعاً تترّسوا به من أجل الوصول إلى أغراضهم، وقد کشف الإمام الصادق (علیه السلام) هذه المهزلة العباسیة وأخذ حذره ولم یتورّط فی أحداث هذه الحرکة المبیّتة فی حین قد تورّط غیره من بنی عمّه فانساق معهم، وکان مآله أن فتک به کما فتک بغیره.
وفی هذه الحقبة الزمنیّة من التاریخ أحداث کبیرة، وهی جدیرة بالبحث، ولسنا فی صدد الحدیث عنها، ولعلّنا نشیر إلى بعضها فی موضع آخر.
أقول: من أجل هذا تحاشى الرواة والمؤرخون من الدنوّ من أهل البیت (علیهم السلام) فی هذه الفترة لتسجیل ونقل بعض الأحداث التی ترتبط بتاریخهم خوفاً على أنفسهم من بطش الحکّام وغضبهم بل انضمّ بعضهم إلى صفوف الحکّام تزلفاً وطمعاً.
وقد غاب عنا کثیر من الحقائق وخفیت علینا وقائع کثیرة، وذهبت فی طی النسیان، ومنها تاریخ ولادة السیدة المعصومة (علیها السلام)، فلم یرد فی شیء من الروایات ذکر السنة التی ولدت فیها فضلاً عن الیوم أو الشهر.
وما بأیدینا من المصادر التی ذکرت تاریخ ولادتها (علیها السلام) هی فی الحساب متأخرة جدّاً، ولم تذکر مستنداً لذلک، بل ذکر بعض الکتاب أن ذلک أمر مجهول.(8)
ونحن وإن ننقل ما ذکره المؤلفون إلا أننا لسنا على یقین، وتبقى حلقة مفقودة تضاف إلى کثیر من الحلقات الضّائعة من تاریخ أهل البیت (علیهم السلام)
ذکر بعض المؤلفین ـ ونسبه إلى المؤرخین ـ أنّ ولادتها (علیها السلام) کانت سنة 183هـ، هی السّنة التی استشهد فیها والدها الإمام الکاظم (علیه السلام)، فی قول أکثر المؤرخین.(9)
وعلى هذا فلم تحظ السیدة المعصومة بلقاء أبیها (علیه السلام) ورعایته، وعاشت فی کنف أخیها وشقیقها الإمام الرضا (علیه السلام) وصیّ أبیه والقائم مقامه.
واستبعد بعضهم(10) أن تکون ولادتها (علیها السلام) فی تلک السنة، لأنّ السنوات الأربع الأخیرة من عمره (علیه السلام) ـ على أقل التقادیر ـ کان فیها رهین السجون العباسیة، مضافاً إلى أنّه قد ذکر أن للإمام الکاظم (علیه السلام) أربعاً من البنات، اسم کل منها فاطمة، وأنّ الکبرى من بینهن هی فاطمة المعصومة (علیها السلام)، ولذا فلابدّ أن تکون ولادتها قبل سنة 179هـ وهی السنة التی قبض فیها على الإمام (علیه السلام) وأودع السجن. (11)
ولکن بالالتفات إلى احتمال أن هؤلاء الفاطمیات الثلاث ـ غیر الکبرى ـ لسن من أمّ واحدة، بل من أمّهات شتى، فلا استبعاد فی أن تکون ولادتهنّ فی سنة واحدة.
على أنّه یمکن القول بأنه قد قبض على الإمام (علیه السلام) وأمّهاتهن حوامل بهن، وکانت ولادتهنّ بعد سنة 179هـ، وأن فاطمة المعصومة کانت ولادتها فی سنة 179هـ.
ولکن مع ذلک لا یمکن الجزم بشیء، نعم بناءً على أن شهادة الإمام الکاظم (علیه السلام) کانت سنة 183هـ فمن البعید أن تکون ولادة السیدة المعصومة فی تلک السنة، ولا سیّما أنها الکبرى من بین أخواتها الثلاث.
ثم إنّه قد ذهب آخرون إلى أن ولادتها (علیها السلام) کانت فی غرّة شهر ذی القعدة سنة 173هـ والقائل بذلک وإن کان من الباحثین الأجلاّء وله باع طویل فی التحقیق والتتبع، وأرسل ذلک إرسال المسلّمات إلا أنه لم یشر إلى مستنده فی تحدید هذا التاریخ.(12)
وبناء على هذا التاریخ تکون السیدة فاطمة قد عاصرت من حیاة أبیها عشر سنوات، غیر أنّ السنین الأربع الأخیرة من عمه (علیه السلام) کان فیها رهین السجون العباسیة کما ذکرنا، فلم تحظ منه إلا بست سنوات.
ولم نقف فی شیء من المصادر على غیر هذین القولین فی تحدید سنة ولادتها (علیها السلام)
وعلى أی تقدیر فقد فتحت هذه السیدة عینیها على الدنیا فی أیام محنة أبیها، وقد أحاطت به الخطوب، فارتسمت حیاتها بالحزن والأسى، وإذا کان عمرها (علیها السلام) ست سنوات یوم قبض على أبیها فهی فی سنّ تدرک فیه غیاب الأب عن البنت، وتعی ما یجری فی هذا البیت، وما یسوده من الحزن والألم، وما یعانیه أهله من لوعة وعناء، ثم ما یتناهى إلى سمعها من شهادة أبیها (علیه السلام)، وما تلاها من أحداث مروّعة فیعتصر الألم قلبها الصغیر، وهی لا ترجو لأبیها عودة إلى البیت، وترى أن هناک أخطاراً تحدق بأهل هذا البیت، وربّما أثار ذلک فی نفسها کثیراً من التساؤلات حول ما یجری، ولماذا قصد أبوها بالذات، وأهل بیتها بالخصوص، بأنواع الإیذاء من دون سائر الناس، ولکنّها ما تلبث أن تدرک أن لهذه القضایا جذوراً تمتدّ إلى زمان جدّتها الزهراء (علیها السلام)
فمن ذلک الیوم الذی عانت فهی أمّها فاطمة (علیها السلام) آلام الظلم والعدوان، ومن ذلک الیوم الذی نحّی فیه جدّها أمیر المؤمنین (علیه السلام) عن منصب الإمامة أصبح أهل هذا البیت عرضة لظلم الظالمین وتعدّی الغاشمین.
وما کانت السیدة فاطمة المعصومة لتبقى مهملة بلا کفیل، فإنّها وإن فقدت أباها وهی فی مقتبل العمر إلا أنّها عاشت فی کنف شقیقها الرضا (علیه السلام)، وأولاها العنایة الخاصّة فی تربیتها ورعایتها، حتى غدت أفضل بنات الإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام).
ونشأت هذه السیدة تتلقى من أخیها العلم والحکمة فی بیت العصمة والطهارة، فأصبحت ذات علم وروایة ومقام وسیوافیک عنه حدیث.

أسماء وألقاب
لا یخفى أن للتسمیة أهمیة کبیرة، ولها فی نظر أهل البیت (علیهم السلام) عنایة خاصّة، وهی وإن وجدت مع وجود الإنسان باعتبار المدنیة الطبیعیة المقتضیة للتعامل مع الأشخاص والأشیاء المختلفة الموجبة للتمیز فیما بینها إلا أنّ تعالیم أهل البیت (علیهم السلام) أدخلت تعدیلات مهمّة فی وضعها وإطلاقها على الأشخاص والأشیاء راعت فیها الجوانب النفسانیة والأخلاقیة، فحثّت على تخیّر الاسم الحسن، واعتبرت ذلک من حقوق الأبناء على آبائهم.
ففی روایة عن أبی الحسن موسى (علیه السلام) قال: جاء رجل إلى النبی (صلّى الله علیه وآله)، فقال: یا رسول الله ما حقّ ابنی هذا؟ قال: تحسن اسمه، وأدبه، وتضعه موضعاً حسناً بل إضافة على ذلک کان أهل البیت (علیهم السلام) یغیّرون بعض الأسماء إذ ربّما تترک أثراً سلبیاً على نفس المسمّى.(13)
فقد روى الإمام الصادق (علیه السلام) عن آبائه (علیهم السلام): أنّ رسول الله (صلّى الله علیه وآله) کان یغیّر الأسماء القبیحة فی الرجال والبلدان(14)
وروی عن موسى بن جعفر (علیهما السلام) فی حدیث إسلام سلمان وأنّ اسمه کان روزبه، وأنّ النبی (صلّى الله علیه وآله) اشتراه من امرأة یهودیة بأربعمائة نخلة ـ إلى أن قال (علیه السلام) ـ: قال سلمان: فأعتقنی رسول الله (صلّى الله علیه وآله) وسمّانی سلمان(15)
وروى الکلینی بسنده عن یعقوب السرّاج أنّه قال: دخلت على أبی عبد الله (علیه السلام) وهو واقف على رأس أبی الحسن موسى (علیه السلام)، وهو فی المهد، فجعل یسارّه طویلاً فجلست حتى فرغ، فقمت إلیه، فقال: ادن إلى مولاک فسلّم علیه، فدنوت فسلّمت علیه، فردّ علیّ بلسان فصیح ثم قال لی: اذهب فغیّر اسم ابنتک التی سمّیتها أمس، فإنّه اسم یبغضه الله، وکانت ولدت لی بنت فسمّیتها بالحمیراء، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): انته إلى أمره ترشد فغیّرت اسمها(16)
ومن هنا ندرک مدى اهتمام أهل أبیت (علیهم السلام) بهذا الأمر، ومدى ارتباطه الوثیق بالجانبین الفردی والاجتماعی وقد أشرنا إلى ذلک فیما تقدّم.
کما ندرک أنّهم (علیهم السلام) کانوا یتخیّرون لأولادهم أسماءً حسنة مراعاة لهذه الجوانب، وهی تحمل دلالات مهمّة، ومعان سامیة، وقد روى عن أبی جعفر (علیه السلام) أنّه قال: ـ فی حدیث ـ إنّنا لنکنّی أولادنا فی صغرهم مخافة النبز أن یلحق بهم(17)
وقد ذکرت الروایات الترغیب فی أسماء معیّنة کمحمد وعلی، وحسن وحسین، وجعفر، وطالب، وعبد الله، وحمزة، وغیرها من الأسماء کأسماء الأنبیاء والأئمة (علیهم السلام)، بل ورد استحباب تسمیة الأولاد قبل أن یولدوا، بل وإن کانوا أسقاطاً فإنّ النبی (صلّى الله علیه وآله) قد سمّى محسناً قبل أن یولد. وأما أسماؤهم (علیهم السلام) فقد اختارها الله تعالى لهم وجاء فی الزیارة الجامعة: (فما أحلى أسماءکم) وقد دلّت عدّة روایات على ذلک.(18)
ولما کانت السیدة المعصومة ربیبة الإمامة فقد حظیت بأحسن الأسماء، وأجمل الألقاب، وإن لأسمائها وألقابها من الدلالات والمعانی ما یشیر إلى عظمتها، ذلک لأنّ الاسم أو اللقب لم یطلق علیها جزافاً، وإنّما صدر عن المعصوم الذی یضع الأشیاء فی مواضعها، الأمر الذی یدلّ على جلالة هذه الشخصیة وعظمتها فی کل شأن من شؤونها.
المصادر :
1- مناهل الضرب فی أنساب العرب، ص393.
2- الإرشاد: ج2، ص246/إعلام الورى: ج2، ص37.
3- معجم رجال الحدیث: ج4، ص100-102.
4- الإرشاد: ج2، ص245.
5- حیاة الإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام): ج2، ص74.
6- حیاة الإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام): ج2، ص485-520.
7- حیاة الإمام موسى بن جعفر (علیه السلام): ج1، ص347-372.
8- ریاحین الشریعة: ج5، (فارسی)، ص31.
9- أعلام النساء المؤمنات، ص576.
10- کریمة أهل البیت (علیهم السلام)، ص103.
11- تذکرة الخواص، ص351.
12- مستدرک سفینة البحار: ج8، ص261.
13- وسائل الشیعة: ج15، باب 22، من أبواب أحکام الأولاد، الحدیث 6.
14- وسائل الشیعة: ج15، باب 22، من أبواب أحکام الأولاد، الحدیث 7.
15- کمال الدین وتمام النعمة، ص165.
16- الأصول من الکافی: ج1، / الحدیث 3، ص308.
17- وسائل الشیعة: ج15، باب 27، من أبواب أحکام الأولاد، الحدیث 1.
18- وسائل الشیعة: ج15، باب 23 وباب 24 من أبواب أحکام الأولاد.

 


source : www.abna.ir
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

أثرواقعة كربلاء على الإمام السجاد علیه السلام
دم الحسين حفظ دين الاسلام
موقف الامام الجواد عند طفولته مع المأمون
الإمام الحسن كريم أهل البيت(ع)
يا فاطمة إشفعي لي في الجنة
عصر الإمام السجاد (عليه السلام)
زيارة الامام الحسين (ع) بالإنابة يتكفله موقع ...
معطیات حبّ أهل البیت علیهم السلام
لماذا ندرس السيرة النبوية؟
الكميت بن زيد الأسدي وإخلاصه في أهل البيت عليهم ...

 
user comment