عربي
Friday 21st of January 2022
186
0
نفر 0

الحديث والاجتهاد والفقه

الأصل السادسُ والثلاثون بعد المائة: مصادر التشريع والحديث
يَعملُ الشيعة الإمامية في العَقائد والأُصول بأحاديث مرويّة عن رسولِ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ  عن طريق ثقات يُعتَمَد عليهم، سواء أكانت هذه الروايات والأحاديث. في كتب الشيعة أم في كتب أهل السُّنّة.
من هنا ربّما استَنَد الشيعة في كتبهم الفقهيّة إلى روايات منقولة عن طريق رواة من أهل السّنة أيضاً، ويُسمّى هذا النوع من الحديث الذي تُصَنَّف أقسامه على أربعة أقسام، بالموثّق.
وعلى هذا فإنّ ما يرمي به البعض من المغرضين «الشيعةَ الإماميةَ» في هذا المجال لا أساس له من الصحّة مطلقاً.
إنّ الفقه الشيعيَّ الإماميَّ يقوم ـ أساساً ـ على الكتاب والسُّنّة، والعقل، والإجماع.
والسُّنَّة عبارة عن قول المعصومين وفعلهم وتقريرهم وعلى رأسهم رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .
وعلى هذا إذا روى شخصٌ ثقة حديثاً عن رَسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ واشتمل ذلك الحديثُ على قولِ النبي، أو فعله، أو تقريره، كانَ معتبراً في نظر الشيعة الإمامية وتلقّوه بالقبول وعملوا وفقه.
وما نجده في مؤلّفات الشيعة ومصنّفاتهم شاهدُ صدق على هذا القول، ويجبُ أن نقول: إنَّه ليس هناك أيُّ فرق بين كتب الشيعة في الحديث، وكتب أهل السنّة في الحديث، في هذا المجال، إنّما الكلام هو في تشخيص من هو الثقة، وفي درجة اعتبار الراوي.
الأصلُ السابعُ والثلاثون بعد المائة: حجيّة الأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ
إنّ الأحاديث والرّوايات التي تُنْقَل عن أئمة أهل البيت المعصومين بأسناد صحيحة، حجّةٌ شرعيّة، ويجب العمل بمضمونها، والإفتاء وفقها.
إنّ أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ  ليسوا بمجتهِدين أو «مفتين» ـ بالمعنى الإصطلاحيّ الرائج للَّفظَتين ـ بل كلُّ ما يُنقَلُ عنهم حقائق حَصَلوا عليها من الطُرُقِ التالية:
ألف ـ النَقْل عن رَسُول اللهِ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ
إنّ الأئمّة المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ أخَذَوا أحاديثهم من جَدّهمْ رسولِ الله  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ (خَلفاً عن سَلَف وكابِراً عن كابر) ثم رووها للنّاس.
وإنّ هذا النَوع من الأحاديث والرِّوايات التي رَواها كلُّ إمام لاحق عن الإمام السابِق إلى أن يصل السَند إلى رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كثيرة في أحاديث الشيعة الإمامية.
ولو أنّ هذه الأحاديث التي وردت عن أهل البيت واتصل سَنَدها برسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ جُمِعَت في مكان واحد لحصل مِنها مُسْنَدٌ كبيرٌ يُمثل كَنزاً عظيماً للمحدّثين، والفُقَهاء المسلمين، لأنّ مثل هذه الأحاديث والروايات بهذه الأسانيد المُحكَمة القَوِيّة لا نَظير لها في عالم الحَديث ، ونشير إلى نموذج واحد من هذه الأحاديث، ويسمّى بحديث «سلسلة الذهب» ويُقال انّ السامانيّين كانوا يحتفظون بنسخة منه في خزانتهم حبّاً منهم للأدب والعلم.
روى الشيخُ الصَّدوقُ، عن أبي سعيد محمد بن الفَضل النيسابوري، عن أبي علي الحسن بن علي الخزرجي الأنصاري السعديّ، عن أبي الصَّلت الهَرَويّ، قال: كنتُ مع علي بن موسى الرّضا ـ عليه السَّلام ـ حين رَحَلَ من «نيسابور» وهو راكبٌ بغلةً شهباء، فاذا محمدُ بن رافع، وأحمد بن حرب، ويحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه، وعدّةٌ من أهل العلم، قد تَعَلَّقوا بلجام بغلته في المربعة فقالوا: بحقّ آبائِك المطهَّرين، حدِثنا بحديث قد سَمِعته من أبيك، فأَخرَجَ رأسَه من العَمارية، وعَليه مِطرف خز ذو وجهين، وقال: «حَدَّثَني أبي العبدُ الصالح موسى بنُ جعفر قال: حَدَّثني أبي الصادقُ جعفرُ بنُ محمد قالَ: حَدَّثني أبي أبو جَعفر محمدُ بنُ علي باقر عِلمِ الأَنبياء قالَ: حَدَّثَني أبي عليُّ بن الحسين زينُ العابِدين قالَ: حَدَّثني أبي سيدُ شبابِ أهلِ الجَنَّةِ الحسينُ قالَ: حَدَّثني أبي عليُّ بنُ أبي طالب قالَ: سَمعْتُ النَّبيَّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: قالَ الله جَلَّ جَلالُه: لا إلهَ إِلاّ اللهُ حِصْنِي فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أمنَ مِن عَذابي».
فلَما مَرَّتِ الراحِلةُ، نادانا: «بِشُروطِها، وأنا مِن شُروطِها».([1] )
ب : الرِواية من كتابِ عليٍّ  ـ عليه السَّلام ـ
لقد صاحَبَ عليٌ  ـ عليه السَّلام ـ رسولَ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في فترةِ بعثته كلّها، ولهذا استطاع أن يحفظ ويدوّن قدراً عظيما من أحاديث رسولِ الله  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في كتاب (وفي الحقيقة كان ذلك الكتابُ من إملاءِ رسولِ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وكتابة علي ـ عليه السَّلام ـ ).
ولقد ذُكِرَت خُصوصيّات هذا الكتاب الذي صار بعد استشهاد الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ إلى أهل بيته في أحاديث أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ .
يقول الإمام الصّادق عن هذا الكتاب: «طولُه سَبْعون ذراعاً، إملاء رسولِ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ  قاله من فِلقِ فِيه، وخطّ علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ  بيده، فيه والله جميع ما تحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة»([2] ).
ومِنَ الجدير بالذّكِر أنّ هذا الكتاب بقيَ عند أهل البيت يتوارثه إمامٌ من إمام، وقد نقل الإمامُ الباقر والإمام الصّادق ـ عليهما السَّلام ـ روايات عديدة منه وربّما أطلَعُوا بعضَ شيعتهم عليه.
ويوجَدُ قسمٌ كبير من أحاديثه الآن في المجاميع الحديثية الشيعية وبالأخص كتاب «وسائل الشيِعة».
ج : الإِلْهاماتُ الإِلهِيّة
إنّ لِعلومِ أهلِ البيت ـ عليهم السَّلام ـ مَنبعاً آخر يمكن أن نسَمّيه بالإلهام. والإلهامُ ليس مخصوصاً بالأَنبياء، فقد كان في طول التاريخ من الشخصيات المقدَّسة مَن كان يحظى بهذا الإلهام، مع أنّهم لم يَكونوا أنبياء، وقد كانت تلقى إليهم بعضُ الأسرار من عالم الغيب، وقد أشار القرآنُ الكريمُ إلى ذلك عندما تَحدَّثَ عن مرافق النبيّ موسى (خضر) الّذي علّم موسى بعضَ الأشياء فقال:
( آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدنا وَعَلّمناهُ من لَدُنّا عِلْماً) ([3] ) .
كما وأنّه قال في شأن شخص من حاشية النبيّ سليمان ـ عليه السَّلام ـ (وهو آصف بن برخيا) قال:
( قالَ الّذِي عندَهُ عِلْمٌ مِن الكِتاب) ([4] ) .
إنّ هؤلاء الأشخاص لم يَتَعلَّموا علومَهم، ولم يَكتسبُوا مَعلوماتهم من طريق التعلّم، بل هو كما يُعَبّرُ عنه القرآنُ عِلْمٌ لَدُنّيٌ:( عَلَمَنّاهُ مِنْ لَدُنّا عِلماً) .
وعلى هذا الأساس لا يكونُ عدم كون الشخص نبيّاً، مانِعاً من أن يحظى بالإِلهام الإلهيّ، كما يحظى بعضُ الأشخاص من ذوي الدَرَجات المعنويّة الرفِيْعَة بالإلْهامِ الإلهيّ.
وقد أُطلق على هذا النَمَط من الأشخاص في أحاديث الفريقين وصف «المُحدَّث» يعني الّذين تَتَحَدّثُ معهم الملائكةُ من دون أن يكونوا أنبياء.
فقد رَوى البخاريُّ في صحيحِهِ عن النبيّ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال: «لَقَدْ كانَ فِيمَنْ كانَ قَبْلَكُمْ مِن بَني إِسْرائِيل يُكلَّمون مِن غَيرِ أنْ يَكُونُوا أنْبِياء».([5] )
من هنا كان أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ  ـ لكونهم مراجعَ للأُمة في بيان المعارف الإلهيّة، والأحكام الدينيّة ـ يجيبون على الأسئلة التي لا توجَد أجوبتها في أحادِيث النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أو في كتاب علي  ـ عليه السَّلام ـ ، من طريق «الإلهام» والتعليم الغيبي، والعِلمِ اللَدُنِيّ.([6] )
الأصلُ الثامنُ والثلاثون بعد المائة: تدوين الحديث
إنّ الأحاديث النَبَويّة تحظى باعتبار خاصٍّ، مثل القرآن الكريم، فالكتاب والسُّنّة كانا ولا يزالان من مصادر المسلمين الاعتقادية والفقهيّة.
ولقد أحجَمَ فريقٌ من المسلمين بعد رحلة النبيّ الأكرمِ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وتحت ضغط من السُّلُطات الحكومية بعد النبيّ، من كتابة وتدوين الحديث، ولكنّ أتباع أهلِ البيت ـ عليهم السَّلام ـ لم يغفَلوا ـ ولحسن الحَظّ ـ ولا لحظة واحدة عن تدوين الحديث، فدوَّنُوا، وضَبَطوا الحديث بعد رحيل النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .
ولقد قُلنا ـ في الأصل السابقـ بأنّ قِسماً من أحاديث أئمة أهلِ البيت مأخوذٌ عن الرسول الأكرم نفسه. ولقد قام علماءُ مدرسة أهل البيت وعلى طول التاريخ، بتأليف مجاميع حديثيّة كبيرة، ومدوَّنات تضمُّ الرّوايات والأخبار، جاءَ ذكرها في كتب الرجال، خاصّة في القرنِ الرابعِ والخامسِ الهجريّين، مستفيدين ـ في هذا الصعيد ـ من الكتب التي تمَّ تأليفُها وتدوينُها في عصر الأئمة ـ عليهم السَّلام ـ ، وعلى أيدي أصحابهم وتلامذتهم العَدِيدين.
والكتب الحديثية الجامعة المدَوَّنة التي تعتَبَرُ اليومَ محوراً للعقائد والأحكام الشيعية هي عبارة عن:
1. «الكافي» تأليف محمّد بِنِ يعقوب الكلينيّ (المتوفّى عام 329 هـ) في ثمانية أجزاء.
2. «مَنْ لا يَحْضرُه الفقيهُ»، تأليف محمد بن عليّ بن الحسين بن بابويه المعروف بالصدوق (306 ـ 381 هـ) في أربعة أجزاء.
3. «التَهذيب» تأليف محمد بن الحسن المعروف بالشيخ الطوسيّ (385ـ 460 هـ) في عشرة أجزاء.
4. «الإستبصار»، تأليف المؤلف السابق، في أربعة أجزاء.
وهذه هي ثاني مجموعة من المجاميع الحديثيّة التي دوَّنها ونَظَّمها الشيعةُ، طوال التاريخ، بجهودِهِمُ الحثيثة حتى القرن الرابع والخامس الهجريّين، وقد أُلّفَتْ ـ كما ذكرنا ـ في عصر الأئمة أي القرن الثاني والثالث جوامع حديثيّة تُسمّى بِالجَوامع الأوَّليّة، بالإضافة إلى «الأُصول الأربعمائة» وقد انتقلت محتوياتها إلى الجوامع الثانويّة. وحيثُ إنّ عِلمَ الحديث كانَ دائماً موضعَ إهتمام الشيعة، لذلك أُلّفَت في القرنِ الحادي عشر، والثاني عشر مجاميعُ حديثية أُخرى نترك ذكر أسمائها لعلّة الاختصار.
إلاّ أنّ أكثر هذه المجاميع شهرة هو «بحار الأنوار» للعلامة محمد باقر المجلسي، ووسائل الشيعة لمحمد بن الحسن الحرّ العاملي.
هذا ومن البديهيّ أنّ الشيعة لا تعمل بكل حديث، ولا تعمل بأخبار الآحاد، في العقائد، أو التي تخالف في مضمونها القرآنَ أو السّنة القطعيّة، وليست بحجّة عندهم، على أنّ مجرّد وجود الرواية في كتب الحديث عندهم لا يَدلُّ على إعتقاد المؤلّف بمفاده، بل الأحاديث تتنوَّع عند هذه الطائفة إلى صحيح وحَسَن، وموثَّق، وضعيف، ولكلِّ واحد من هذه الأنواع أحكامٌ خاصّة، ودرجةٌ خاصّة من الاعتبار، وقد جاء بيان ذلك على وجه التفصيل في علم الدراية.
الأصلُ التاسع والثلاثون بعد المائة: الاجتهاد
أشرنا فيما سبق إلى مصادر الفقه الشيعيّ الإماميّ (وهي عبارة عن الأدِلّة الأربعة: الكتاب والسُّنة والعقل والإجماع)، وتسمّى عمليّة إستنباط الأحكام الشرعيّة من هذه الأدلّة بشروط خاصّة مذكورة في عِلم الأُصولِ بـ«الإجتهاد».
إنّ الشريعة الإسلاميّة حيث إنَّها شريعةٌ سماويّةٌ، ولا شريعة بعدَها قَط، وَجَبَ أنُ تلبّي كلَّ الحاجات البشرية في مختلف مجالات حياتها الفرديّة والاجتماعية.
ومن جانِب آخَر حيث إنَّ الحوادث والوقائع لا تنحصر فيما كان في زمن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فالتَطوُّرات المتلاحقة في الحياة تطرح احتياجات وحالات جديدة، تحتاج كل واحدة منها طبعاً إلى حكم شرعي خاصّ.
وبالنظر إلى هذين المطلبين يكون فتح باب الاجتهاد في وجه الفقهاء على طول التاريخ أمراً ضروريّاً، إذ هل يمكن أن يكون الإسلام الذي هو شريعة إلهية كاملة ودين جامع أن يسكتَ في الحوادثِ الجَديدة الظهور، وأن يترك البشرية حائرة في منعطفات التاريخ والحياة، أمام سيل الحوادث الجديدة.
كُلُّنا نَعلم بأنّ علماءَ «الأُصول» قَسَّموا «الإجتهاد» إلى قسمين «الإجتهاد المطلَق» و «الإجتهاد في مَذهَب خاصٍّ».
فإذا اجتهد شخصٌ في مسلك أبي حنيفة الفقهيّ، وسعى إلى أن يحصل على رأيه في مسألة مّا، سُمِّيَ عَمَلُه بـ«الإجتهاد في المذهب».
وأمّا إذا لم يقيّدِ المجتهدُ نَفسَه بمذهب معيّن وخاصّ في المذهب وسعى إلى أن يَفهَمَ الحكمَ الإلهيَّ من الأدلّة الشرعيّة (سواءً وافق مذهباً ومَسلَكاً معيَّناً أو خالفه) دُعيَ ذلك بالإجتهادِ المطلق.
ولقد أُغلق بابُ الإجتهاد المطلق ـ وللأسف ـ في وجه علماء أهل السُّنّة([7] )، وإنحصر اجتهادُهم في إطار المذاهب الأربعة خاصّة، وهو لاشك نوعٌ من تقييد عمليّة الاجتهاد، وتضييق لدائرته.
إنّ فقهاء الشيعة اجتهدوا على أساس الكتاب والسّنة والعقل والإجماع، وسعَوا إلى أن لايتقيّدوا لإدراك الحقائق والمعارف الدينية بشيء، الاّ إتّباع الأدلّة الشرعيّة.
ومن هنا انتج اجتهادُهم الحيُّ المتحرّك فِقهاً جامعاً، منسجماً مع الإحتياجات البشريّة المختلفة، المتنوعة، المتطوّرة باستمرار، وخلّف كنزاً علمياً عظيماً.
إنّ ما ساعد على إثراء هذا الفقه العميق المتحرّك هو المنع من تقليد الميّت، والحكم بتقليد المجتهد الحيّ، الذي يعرف بالمجتمع وبالزمان واحتياجاتهما، ومستجداتهما.
إنّ الفقه الشيعيّ يوافق في أكثر المسائل نظريات الفقهاء من المذاهب الأُخرى، وإنّ مطالعة كتابِ «الخلاف» للشيخ الطوسيّ شاهدُ صدق على ذلك، فقلّما توجَد مسألةٌ فرعيّة في الفقه الشيعيّ لا توافِق رأيَ أحد مؤسسي المذاهِبِ الأربعة، أو من سَبَقهم من الفقهاء، ومع ذلك فثمّت مسائل للفقه الشيعي فيها رأيٌ خاصٌ، نشير إلى بعضها ضِمن عدّة أُصول تالية، وسنَذكرها مع أدلّتها، لأنّه قد يُتَصَوَّر أنّ هذه الفروع الخاصّة لا يدل عليها شيءٌ أو هي تخالف الكتاب والسُّنّة، والحال أنّ الأمر على عكس ذلك.
بَعضُ الأحكام الفقهيّة المختلَف فيْها
إنَّ الدينَ الإسلاميَّ تركيبة مزيجةٌ من العقيدة والشريعة (أي من الرؤية والنظرة إلى الوجود، ومما يجب وما لا يجب) واللّذين يُعَبَّر عنهما بأُصول الدين وفُرُوعه أيضاً.
ولقد وقفنا في الأبحاث السابقة على أُصول عقائد الشيعة بصورة برهانيّة، كما تمَّ بيان موقف الشيعة ونظريتهم حول اعتبار أحاديث النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ أيضاً.
والآن يجب أن نشير باختصار إلى الأُسلوب والمنهج الفقهيّ للشيعة وإلى بعض المسائل الفقهيّة التي للشيعة فيها آراءٌ خاصّة، وموقف خاص.
الأصلُ الأربعون بعد المائة: حجّية قول الصحابي وروايته
لقد رُويَت ونُقِلَت السنّة النبويّة إلى الأجيال اللاحقة عن طريق فريق مِن صَحابته، وما رُوي من قوله، وفعله، وتقريره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حجةٌ إلهيّةٌ يجب اتّباعُها، والعمل بموجبها.
فإذا روى صحابيٌ السُّنةَ النبويّةَ وحازت تلك الرواية على كل شرائط الحجية تلقّاها الجميعُ بالقبول ولزم العمل وفقها.
وهكذا إذا فَسَّرَ أحدُ الصَّحابة لغةً من لغات القرآن ولفظاً من ألفاظه، أو روى شيئاً من الحوادث والوقائع المرتبطة بعصر الرسالة، أو غيرها، قبلت روايتهُ إذا توفرت فيها الشروط المذكورة.
ولكن إذا ذَكَرَ الصحابيُّ رأيَه أو استنباطَه من آية قرآنية، أو حديث نبويّ، أو نُقِلَ عنه قولٌ، ولم يتبيّن أنّ ذلك المنقول هل هو من سنّة رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، أو أنّه رأي ذلك الصحابي واجتهاده الخاص، لم يكن في هذه الحالة حجةً، لأنّ رأي المجتهد ليس حجة على غيره من المجتهدين.
ولهذا يجب التفريق في مجال العمل بقول الصحابيّ بين رأيه واجتهاده، وبين ما ينقله للسنّة النبوية. والشيعة الإمامية إنّما تعمل بقول الصحابي إذا روى السُّنة النبويّة.
الأصلُ الواحدُ والأربعون بعد المائة: التقليد
يجب على كل مسلم أن يحصِّلَ على اليقين في المسائل التي يجب ان يعتقدها، ولا يجوز له اتّباعُ الآخرين في هذه المسائل من دون أن يحصل له اليقين.
وحيث إنّ أُمّهات الأُصول وكلّيات المسائل الاعتقادية محدودة ومعدودة ولكلّ منها أدلةٌ عقليةٌ واضحةٌ، لهذا فإنّ تحصيلَ اليقين للأشخاص في أُصول الدين وأساسيات العقيدة، قضيةٌ سهلة، في حين أنّ نطاق الفروع والأحكام الفقهية لما كان واسعاً جداً، والعلم بها يحتاج إلى مقدمات كثيرة، لا يقدر أغلبُ الأفراد على تحصيلها، لهذا فإنّ على أُولئك الأشخاص ـ بحكم الفطرة، وتبعاً لسيرة العقلاء ـ أن يرجعوا في أحكام الشريعة إلى العلماء والمجتهدين، ليقوموا في ضوء ذلك بواجباتهم الدينية، ووظائفهم الشرعية.
إنّ الإنسان ـ في الأساس ـ فاعلٌ عِلْمِيٌ أي إنّه يقومُ بأعماله على أساس العلم والمعرفة، فإذا تيسَّر له ان حَصَل بنفسه على تلك المعلومات أخَذَ بها وعمل على ضوئِها، وإلاّ استعان بغيره.
وهنا لا بدّ من أن نعلم بأنّ التقليد للمجتهد الجامع للشرائط والرجوع إليه لمعرفة الوظيفة الشرعية، هو نوعٌ من الرجوع إلى المتخصّصِين، ولا علاقة له بالتقليد الأعمى الناشئ من العصبيّة القوميّة، أو العرقية أو ما شاكل ذلك.
186
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

مباني علم المعرفة في الفلسفة الإنسية القسم الأول
مظاهر قدرة الله في الطبيعة
شبهات وحلول حول الإعجاز
آية "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" تضع الحجر ...
الدُرُوز
موقف الخلافة من المصحف العلوي ومصيره بعد ذلك
المهدي المنتظر (ع) في صحيحي البخاري ومسلم ق(1)
حقدت على الشيعة في البداية وكتب الشيخ المفيد سبب ...
ما هو البرهان؟
التجنب من الفحش والکذب و الریا

 
user comment