عربي
Wednesday 27th of January 2021
99
0
نفر 0
0% این مطلب را پسندیده اند

العمل على إيقاف المد الإسلامي


لقد راع قريشاً ذلك المد الإسلامي النشط، فقد كان الإسلام يمتد بين الناس سرعة امتداد النار في الهشيم، يحرق كفرهم ويزرع في رماده ورود الإيمان، فعملوا جاهدين وبكل وسيلة لإيقاف هذا المد:
1_ المفاوضات غير المباشرة
أـ توسيط أبي طالب لإسكات محمد:
لقد كانت قريش تعلم أن رسول الله عند أبي طالب بمكان، وأبو طالب عند قريش بمكان أيضاً، فرأوا من الحكمة أن يوسطوا أبا طالب لعله ينجح في إيقاف هجوم محمد (ص) على عقائد المشركين وبيان زيفها، فسعوا إلى أبي طالب وقالوا له: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه! فقال لهم أبو طالب قولاً رفيقاً، وردهم رداً جميلاً، فانصرفوا عنه.
ب ـ تهديد أبي طالب:
لا نشك في أن رسول الله قد علم بتوسيط قريش عمّه أبا طالب ليسكت صوته المدوي بالحق، ولكن متى كان الحق يخضع للوساطة خاصة إذا كان حاملُه شخصاً كمحمد (ص)؟!!.
لقد مضى محمد في دعوته يجمع الناس على مبادىء السماء، ويقودهم إلى العزة قيادة الحكيم البصير، مما زاد التوتر في صفوف قريش حتى فكر بعضهم بالنيل من محمد (ص)، ولكن عقلاءهم رأوا من الحكمة أن يسعوا إلى أبي طالب مرة أخرى، ولكنهم سيحملون في ألسنتهم _في هذه المرة _ من الحزم ما هو أشد وأقوى مما حملوه في المرة الماضية، لقد حملوا في المرة الماضية الرجاء، أما الآن فلا بد من التهديد، لقد قالوا له: \"يا أبا طالب إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على عيب آلهتنا وتسفيه أحلامنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين\".
فبعث أبو طالب إلى رسول الله (ص) فقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا _للذي كانوا قالوا له _ فأبقِ عليَّ وعلى نفسِكَ، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق. فظن رسول الله (ص) أنه قد بدا لعمه فيه بَدَءٌ وأنه خاذِله ومُسلِمُه، وأنه قد ضعُف عن نصرته، فقال رسول الله (ص): يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ماتركته!.
ما كان هدف محمد مالاً ولا متاعاً ولا ملكاً، ولكن تبليغ دعوة، وبناء دولة تحمل العدل والإنصاف للإنسان على أجنحة الإيمان.. لقد أوضح محمد الطريق، وأبان الهدف... ولما ولى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا ابن أخي، فأقبل عليه رسول الله(ص) فقال: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبداً.
ج ـ بذل البديل لأبي طالب:
لما علمت قريش بأن أبا طالب لن يتخلى عن ابن أخيه محمد(ص)، لأنه ربما يؤمل منه النصرة والخير، ففكروا بأنهم لو عوضوه عنه بشاب قوي قادر على نصرته فلربما استقام لهم ما أرادوا، فمشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له: يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد، أشد وأقوى وأجمل فتى في قريش، فخذه، واتخذه ولداً فهو لك، وسلّم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفَّه أحلامهم فنقتله، فإنما هو رجلٌ برجل! فقال: والله لبئس ما تسومونني! أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه! هذا والله ما لا يكون أبداً، فقال المطعِم بن عدي: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئاً! فقال أبو طالب للمطعِم: والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم عليَّ، فاصنع ما بدا لك.
2_ التعذيب البدني
لما رأت قريش أن جميع مساعيها الكلامية من رجاء وتهديد ووعود قد فشلت لجأت إلى أسلوب التعذيب البدني، فاتفق زعماؤها فيما بينهم على أن يثب كل جماعة منهم على من أسلم منهم وانضوى تحت لواء محمد فيوسعوه تعذيباً وتنكيلاً، حتى يعود عن موالاة محمد (ص) إلى موالاة المشركين وبدأت عمليات التعذيب الوحشي للمسلمين، والمسلمون صابرون صامدون.
إن هذا التعذيب الوحشي الذي أنزله المشركون بأصحاب محمد (ص) أحلّ الرعب في قلب أبي طالب عم رسول الله، فوجد أنه لا بد من التحرك لجمع كلمة بني هاشم وبني المطلب على حماية محمد (ص)، ونجح أبو طالب في مساعيه، واتفق بنو هاشم وبنو المطلب على حماية رسول الله من بطش قريش إلا ما كان من عم رسول الله أبي لهب الذي أبى أن يضم يديه إلى أيديهم لغاية خبيثة في نفسه.
3_ الحرب النفسية
لم تستطع قريش أن تمد يدها بالتعذيب إلى محمد بعد هذا الاتفاق من بني هاشم وبني المطلب على حمايته...
لم يكن سكوت رسول الله وتحمله أذى المشركين في النيل من شخصيته لمحاربته نفسياً في هذه المرحلة من الدعوة عن خنوع أو ذل، ولكنه سكون خاضع لتخطيط دقيق وضعه قائد المسيرة محمد (ص)، أنه سيبقى متحملاً للأذى، لا يبدي أية مقاومة حتى يصلب عوده، ويستكمل قوته، ويقيم دولته، وعندئذ يبدأ الصدام بقوة تمكنه من انتزاع النصر، بفضل الله. وقد تم تنفيذ هذا المخطط بكثير من الحرص، ولو أن أية مقاومة قد بدت من الرسول في فجر الدعوة، لكانت هذه المقاومة الشرارة التي تقع في برميل البارود، ولتفجَّر الموقف تفجراً عنيفاً، ولن يكون ذلك في صالح محمد (ص) ولا صالح الدعوة، نظراً لقلة أصحابه وضعفهم، وكثرة عدوه وقوته.
4_ المفاوضات المباشرة
أـ مفاوضة عُتبة:
رأى المشركون أن أصحاب رسول الله يزيدون يوماً بعد يوم، وأن المفاوضات غير المباشرة وما رافقها من بطش وتعذيب لم يصد الناس عن الإيمان، فقرروا اللجوء إلى المفاوضات المباشرة _ والمفاوضات المباشرة تعني الاعتراف الرسمي بمحمد وبكيان الدعوة الإسلامية _ لعلهم يستطيعون بهذه المفاوضات إقناع الرسول بترك ما يدعو إليه من وجوب الكفر بالعقائد الزائفة المخالفة لعقيدة الإسلام والأخذ بما جاء من عند الله، وخاصة أن إسلام حمزة بن عبد المطلب قد شد من أزر الرسول ودعم موقفه.
واختار المشركون لمهمة مفاوضة الرسول رجلاً زعيماً عرف الناس عنه قوة الحجة وحسن العرض، هو عتبة بن ربيعة، فأتى عتبة رسول الله، وكلمه بمعسول الكلام وقال له: \"يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السِّطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرَّقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها\". فقال له رسول الله (ص): \"قل يا أبا الوليد، أسمع\". قال: \"يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سوَّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد مُلكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيكَ رَئيّاً تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوي منه\".
وأكبر ظني أن عتبة بن ربيعة لم يكن جاداً فيما يعرض على رسول الله من المال والملك و... وإنما هو عرض سياسي من إنسان ذكي، حتى إذا ما رضي الرسول بواحد من بنود هذا العرض كانت الفضيحة بأن محمداً يبتغي فيما يدعو إليه الدنيا، ويكون بذلك القضاء على محمد وعلى ما يدعو إليه، وإن رفض تأكد لديه أن محمداً رجل دعوة وليس برجل دنيا.
وقد كان رسول الله أذكى من أن يقع في هذه المصيدة السياسية، بل كان عليه الصلاة والسلام أنبل هدفاً وأسمى مقصداً... إنه ماض لتنفيذ أمر ربه في تبليغ ما عهد إليه بتبليغه، ولذلك فإنه ما إن فرغ عتبة من كلامه حتى قال له: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم. قال: فاسمع مني. قال: أفعل. قال: (بسم الله الرحمن الرحيم. حم* تنزيل مّن الرَّحمن الرَّحيم* كتاب فصِّلت آياته قرآناً عربياً لقومٍ يعلمون* بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون* وقالوا قلوبنا في أكنَّة ممّا تدعونا إليه).
ثم مضى رسول الله (ص) فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول الله(ص) الى السجدة منها وهي قوله تعالى: (ومن آياته الليل والنَّهار والشَّمس والقمر لا تسجدوا للشَّمس ولا للقمرِ واسجدوا للهِ الّذي خلقهنَّ إن كنتم إيّاه تعبدون). فسجد رسول الله(ص)، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك. وعندما أيقن عتبة بن ربيعة أن محمداً رسول الله للناس يحمل أعباء رسالة ويقوم بتبليغها، وما هو بطالب دنيا كغيره من الزعماء، رأى أن من واجبه أن يبلغ قومه قناعته بهذا الرجل، وينصحهم ما وسعه النصح.
ب ـ مفاوضة زعماء قريش مجتمعين:
ولذلك اجتمع رأيهم على أن يجتمع بمحمد عليه الصلاة والسلام أشراف قريش من كل قبيلة، وهم: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث، وأبو البَختري بن هشام، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، والعاص بن وائل ونُبيه ومُنبِّه ابنا الحجاج، وأمية بن خلف، ليفاوضوه؛ حتى إذا ما قصرت الحجة بأحدهم لقنها إياه صاحبه.
فاجتمعوا وبعثوا إلى محمد من يخبره ويقول له: إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فأتِهِم. فجاءهم رسول الله (ص) سريعاً، وهو يظن أنه قد بدا لهم بما كلمهم فيه بَدَاء، وكان عليهم حريصاً، يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم، فقالوا له: يا محمد، إنّا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وسفّهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت لهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسوّدك علينا، وإن كنت تريد به ملكاً ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك. فقال لهم رسول الله (ص): ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل إلي كتاباً وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم.
ج ـ نتائج هذه المفاوضات:
أولاً: شن الحرب النفسية:
لما رأى المؤتمرون من المشركين ما رأوه من صمود رسول الله على المبدأ، ورفضه جميع ما عرضوه عليه من المغريات لأنها لا تنسجم مع مخططه المرسوم لإقامة الدولة الإسلامية، قرروا العودة إلى شن الحرب النفسية، لعلهم يتوصلون بذلك إلى تحطيمه نفسياً، وذلك بطرح بعض المطالب بأسلوب الساخر المستهزىء المشعر بضعف رسول الله (ص) وعجزه عن تحقيق أيّ شيء، ويتمثل ذلك بما يلي:
1_ طلبهم سعة العيش بلا كد ولا عمل:
2_ طلبهم نزول الملائكة:
3_ طلبهم الإهلاك:
4_ تهديد ووعيد:
ثم توج هؤلاء المؤتمرون من المشركين حربهم النفسية بإنذار الرسول بالتصفية الجسدية إن أصر على موقفه فقالوا: يا محمد، أفما علم ربك أنّا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك فيعلمك ما تُراجِعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا، إذ لم نقبل منك ما جئتنا به؟ إنه قد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجلٌ باليمامة يقال له \"الرحمن\" وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً، فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركُك وما بلغتَ منا حتى نُهلكك أو تهلكنا!.
ثانياً: قرار قتل محمد (ص) :
لذلك وجدوا أن لا وسيلة للخلاص منه غير قتله، حيث قال أبو جهل لزعماء قريش: يا معشر قريش إن محمداً قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وشتم آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلسن له غداً بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم!.. قالوا: والله لا نُسلمك لشيءٍ أبداً، فامض لما تريد!.
ثالثاً:طرح بديل عن القرآن:
لما أيقن المؤتمرون من المشركين أن محمداً لن تلين له قناة، ولن ينزع عما يدعو إليه، وأنهم مع ذلك غير قادرين على اغتياله، وتجربة أبي جهل _وهو مُصدَّق عندهم _ أكبر شاهد على ذلك، فكروا ملياً، فوجدوا أن في تحويل أنظار الناس عن محمد ودعوته ما يحقق هدفهم، وتوجهت أنظارهم نحو القرآن الذي كان يفعل في النفوس فعل السحر وقرروا أن يطرحوا للناس بديلاً عن القرآن ليحولوا أنظارهم عنه، وهذا ما حدث.
وكان النضر بن الحارث من أذكياء قريش وعلمائها، وممن كان يؤذي رسول الله(ص)، وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رُستم واسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله (ص) مجلساً فذكَّر فيه بالله، وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلَفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثاً منه، فهلم إليّ فأنا أحدثكم أحسن من حديثه. ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسفنديار ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثاً مني. وفشلت محاولة المؤتمرين من المشركين بطرح هذا البديل الرخيص، لأنه فشل في تفريق الناس عن القرآن واجتذابهم إليه.
رابعاًً التعذيب الجسدي:
ولما فشلت هذه المحاولة أيضاً عاد المؤتمرون إلى قرار استئناف وسائل القمع المادية من قتل وتعذيب، فوثبت كل قبيلة على من استضعفوا فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يُفتَن من شدة البلاء الذي يصيبه، ومنهم من يَصلبُ لهم ويعصمه الله منهم.
نتائج التعذيب الجسدي:
كان على رسول الله (ص) أن يتخذ تدبيراً عاجلاً لإنقاذ جنود الدعوة بعد أن اشتد عليهم الطالب، واستبد بهم البطش، فأمرهم رسول الله(ص) بالهجرة إلى الحبشة، وقال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه. واستجاب أصحاب رسول الله لأمر الرسول فخرجوا إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وإبقاءً على النفس، وفراراً بدينهم إلى الله، وكانت الهجرة إلى الحبشة أول هجرة في الإسلام. لم تأت الهجرة إلى الحبشة اعتباطاً، وإنما كانت بعد دراسة دقيقة للموقف قام بها رسول الله (ص)، وفرض لها عدة حلول، ووجد أن الحل الأمثل هو أن يواجه أصحابه بالهجرة إلى الحبشة.
خامساً: مقاطعة الرسول ومناصريه من قومه :
لما رأت قريش أن أصحاب رسول الله (ص) قد أصابوا أمناً واطمئناناً في الحبشة، وأن مساعيهم في إعادتهم إلى مكة قد فشلت، وأنهم لا يستطيعون إمعان الأذى برسول الله (ص) بسبب حماية أهله من بني هاشم وبني المطلب له، اتفق كافة زعمائها على مقاطعة رسول الله ومن يناصره من بني هاشم وبني المطلب، فلا يبيعوهم ولا يشترون منهم، ولا يزوجوهم ولا يتزوجون منهم، وكتبوا بذلك كتاباً في صحيفة علقوها في جوف الكعبة، تأكيداً للعزم على الالتزام بها.
سادساً العودة إلى المفاوضات ونتائجها:
شعرت قريش بضعف موقفها بعد أن ظهرت الخلخلة في صفوفها، وتعاطفَ بعض زعمائها مع محمد (ص)، وهذا نذير شؤم بالنسبة إليها، لأنها طلائع الفشل، خاصة وأن جهود هؤلاء المتعاطفين قد أثمرت ما يريدون من إنهاء المقاطعة وتمزيق الصحيفة.
خاصة وأن اثنين من كبار رجالاتها وأقواهم وأشدهم شكيمة قد آمنوا بمحمد وأعلنوا ولاءهم له هم حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب. وخاصة _أيضاً_ أن أمر محمد قد فشا في القبائل كلها، ولم يعد بالإمكان التحكم بالمارد الجبار ومنعه من الانطلاق ولذلك رأى زعماء قريش أن من الحكمة مهادنة محمد(ص)، فيكف عنهم ويكفون عنه، يعبد ربه بكل حرية، ويعبدون أصنامهم، لا يعيب عليهم عبادتهم ولا يعيبون عليه عبادته.
مشى القوم إلى أبي طالب _وكان مريضاً _ فكلموه في الأمر الذي اجتمعوا عليه وقالوا له: يا أبا طالب إنك منا حيث علمت، وقد حضرك ما ترى من المرض، وتخوَّفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه فَخُذ لهُ منا، وخُذ لنا منه، ليكف عنا ونكف عنه، وليدعنا وديننا، وندعه ودينه. فبعث أبو طالب إلى رسول الله فجاءه، فقال: يا ابن أخي، هؤلاء أشراف قومك، قد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك. فقال رسول الله(ص): نعم كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم. فقال أبو جهل: نعم وأبيك وعشر كلمات، قال: \"تقولون لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه\". فصفقوا بايديهم ثم قالوا: أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلهاً واحداً، إن أمرك لعجيب؛ ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئاً مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم، حتى يحكم الله بينكم وبينه، ثم تفرقوا، وأنزل الله سبحانه في ذلك: (ص* والقرآن ذي الذكر* بل الَّذين كفروا في عزَّة وشقاق* كم أهلكنا من قبلهم مّن قرن فنادوا وَّلات حين مناص* وعجبوا أن جاءهم مُّنذر مّنهم وقال الكافرون هذا ساحر كذّاب* أجعل الآلهة إلهاً واحداً إنَّ هذا لشيء عجاب* وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إنَّ هذا لشيء يراد* ما سمعنا بهذا في الملّة الآخرة إن هذا إلاَّ اختلاق).
ولكن أبا طالب لم يلبث أن توفي بعد مدة يسيرة، ثم توفيت خديجة زوج رسول الله (ص) بعده بأيام، واشتد الحزن برسول الله (ص)، واستطالت الأيدي والألسن عليه بعد ذهاب ناصره وحاميه أبي طالب، ونال المشركون من رسول الله ما لم يكونوا يستطيعونه في حياة عمه.
سابعاً: إيذاء رسول الله:
كان أبو طالب شخصية فذة، استطاعت أن تجمع كلمة بني هاشم والمطلب وتقف بهم سداً منيعاً يحمي رسول الله (ص) من أن يناله المشركون بأذى يذكر، ولكن بعد وفاة أبي طالب تهدم ذلك الحاجز الذي أقامه لحماية محمد، وأصبح رسول الله في مواجهة مباشرة مع كفار قريش، ولذلك نالوا رسول الله بألوان من العذاب منها:
1_ أذى ابي لهب وزوجته.
2_ أذى أمية بن خلف.
3_ أذى أبي جهل.
4_ أذى الأخنس بن شُرَيق.
5_ أذى الوليد بن المغيرة.
6_ أذى عقبة بن أبي مُعَيط.

99
0
0% ( نفر 0 )
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

الغدير والخوارج بعد صفين
في تقدم الشيعة في علوم القرآن ، وفيه صحائف
لقد أعطى اجتماع السقيفة لأبي بكر القوّة من ناحيتين
شفاعة الميرزا القمي
عدم جواز تكفير من سبّ الصحابة
حول تغلغل التشيع في ايران خلال القرن الثالث .
سلطة بني العباس الفاسدة و الإمام الرضا يتحدى الفساد :
صراعات فرق أهل السنة
الذنوب الكبيرة (7)
المأمون يعترف . . . ! !

 
user comment