عربي
Sunday 29th of May 2022
573
0
نفر 0

سلطة بني العباس الفاسدة و الإمام الرضا يتحدى الفساد :

حينما نتدبر في سورة هود أو سائر السور القرآنية التي تقص علينا رسالة الأنبياء السابقين (ع) نجد أنهم يتحدون الفساد بكل ألوانه . وبالذات الفساد الذي كان مستشرياً في قومهم، ويعتبرون كل فساد سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو فكري ينتهي إلى الضلالة أو الشرك أو الكفر وكانوا (ع) يذكِّرون الناس بالله ويحذِّرونهم عذابه في الدنيا وعقابه في الآخرة، لأن هذا هو السبيل لإصلاح الإنسان وردعه عن الفساد بكل ألوانه .
وسار الأئمة (ع) على طريق الأنبياء، حاربوا كل ألوان الفساد، بذات الوسيلة، والإمام الرضا (ع) كأجداده قاد المخلصين من أبناء الأمة في هذا السبيل وتحمل الأذى في سبيل الله .
لقد رفض الاعتراف بالسلطة الجاهلية التي بناها العباسيون باسم الإسلام واعتبرها سلطة غاصبة ظالمة فاسدة جملةً وتفصيلاً .
وناهض التيارات الفكرية المخالفة لأصول الشريعة، وقاوم الفساد الخلقي في الأمة وذلك بنشر تعاليم الدين الحنيف .
ولم يكن الإمام وحده في مواجهة ذلك الفساد العريض، بل كانت صفوة الأمة وخيرة العلماء والحكماء والقادة المخلصين وهم شيعة أهل البيت (ع) يتبعونه في ذلك .
وقد قرأنا معاً كيف وبأي أسلوب كان الأئمة يقودون الأمة، ولكن هنا ينبغي أن نتحدث قليلاً عما أثار التساؤل عند المؤرخين، وهي نقطةٌ مضيئةٌ - في رأينا - تلمع في حياة الإمام الرضا، ومنعطف أساسي في حركة الشيعة وهي قبول الإمام بولاية عهد المأمون .
وقبل كل شيء نتساءل عن الأسباب التي دفعت الخليفة العباسي للإقدام على هذه الخطوة الجريئة .
   
المأمون يتقرب للإمام :
والمأمون الذي ولد من أم فارسية، وتربى في حجر المؤيدين للبيت العلوي، وعرف الكثير من تاريخ الإسلام وتبحَّر في علم الكلام، هل كان شيعياً فعلاً، وهل كان عهده إلى الإمام الرضا بدافع سليم، ثم انقلب عن ذلك ودس السم إلى الإمام لأن الملك - كما قال والده هارون له يوماً - عقيم وأنه لو نازعه فيه لأخذ الذي فيه عيناه ؟
أم كانت خطة دبرها الفضل بن سهل وغيره من بطانته ووقع فيها من دون التفات، ثم عاد عنها وقتل الفضل غيلة في الحمام وقضى على الإمام بالسم ؟
أم أنها كانت خطته اشترك فيها هو وغيره من القادة، وكانت مجرد لعبة سياسية ؟
كل ذلك ممكن ! ولم أجد فيما اطلعت عليه من التاريخ ما يدل على واحد من الإحتمالات بالتأكيد، على أني أميل إلى الإعتراف بكل العوامل التاريخية، وآخذها بعين الإعتبار عند تفسير ظاهرة معينة، لأن مثل هذه العوامل تتفاعل مع بعضها في حياتنا وتصنع من حيث المجموع حياتنا الحاضرة، فلماذا لا نعتقد أن الماضي كالحاضر تصنعه كل العوامل المؤثرة في حياة البشر ؟
من هنا أميل إلى الرأي التالي .. أن كلا من خلفية المأمون الثقافية، والظروف السياسية، ورأي بطانته، أقرت في الإقدام على هذه الخطوة الجريئة، ولولا واحدة منها لم يقدم ..
وهذا يعني أن انقلاب المأمون على الإمام الرضا (ع) جاء بعد تحول الظروف السياسية - وأن الرجل لم يكن شيعياً بالمعنى الحقيقي للكلمة، وهو إتِّـباع أهل البيت، والتعبد لله في طاعته، إنما كان متأثراً ببعض الأفكار الشيعية كتفضيل أمير المؤمنين (ع) على غيره من الخلفاء، والإعتقاد بخيانة معاوية، وبأن القرآن كتاب محدث وما أشبه .
إلاّ أن ذلك لا يجعل الفرد شيعياً في نظر الأئمة (ع) وهو بالتالي كان صاحب سلطة يبحث عنها أكثر مما يبحث عن المبادئ والقيم .
ولعل والده هارون كان يشير إلى ابنه وإلى خواصّ أهل بيته كما يشير الطغاة عادة إلى بطانتهم من الإعتراف بحق معارضيهم، وذلك عندما تستيقظ ضمائرهم ولو لفترة محدودة . وهكذا يروي المأمون أنه إنما تشيّع على يد والده .
وقد أسرّ المأمون إلى بعض خواصه بالسبب الذي دعاه إلى هذا الأمر، فعن الريّان بن الصلت قال : أكثر الناس في بيعة الرضا (ع) من القواد والعامة، ومن لا يحب ذلك، وقالوا : إن هذا من تدبير الفضل بن سهل ذي الرئاستين، فبلغ المأمون ذلك، فبعث إليَّ في جوف الليل فصرت إليه، فقال : يا ريّان

بلغني أن الناس يقولون : أن بيعة الرضا (ع) كانت من تدبير الفضل بن سهل ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين يقولون هذا . قال : ويحك يا ريّان أيجسر أحد أن يجيء إلى خليفة قد استقامت له الرعية والقـواد، واستوت له الخلافة فيقول له إدفع الخلافة من يدك إلى غيرك، أيجوز هذا في العقل ؟ قلــــت لــــه :

لا والله يا أمير المؤمنين ما يجسر على هذا أحد، قال : لا والله ما كان كما يقولون ولكن سأخبرك بسبب ذلك .
إنه لما كتب إليّ محمد أخي يامرني بالقدوم عليه فأبيت عليه، عقد لعلي بن عيسى بن ماهان وأمره أن يقـيِّدني بقيد ويجعل الجامعة في عنقي، فورد علي بذلك الخبر، وبعثتُ هرثمة بن أعين الى سجستان وكرمان وما والاهما فأفسد علي أمري، وانهزم هرثمة وخرج صاحب السرير، وغلب على كور خراسان، من ناحيته، فورد عليَّ هذا كله في أسبوع .
فلمــــا ورد ذلك عليَّ لم يكن لي قوة بذلك ولا كان لي مال أتقوى به، ورأيت من قـوادي ورجالــــي الفشــــل
والجبن، أردت أن ألحق بملك كابل، فقلت في نفسي : ملك كابل رجل كافر ويبذل محمد له الأموال فيدفعني إلى يده، فلم أجد وجهاً أفضل من أن أتوب إلى الله عزّ وجلّ من ذنوبي وأستعين به على هذه الأمور وأستجير بالله عزّ وجلّ ، فأمرت بهذا البيت وأشار إلى بيت تكنس، وصببت عليَّ الماء، ولبست ثوبين أبيضين وصليت أربع ركعات، قرأت فيها من القرآن ما حضرني ودعوت الله عزّ وجلّ واستجرت به، وعاهدته عهداً وثيقاً بنية صادقة إن أفضى الله بهذا الأمر إليَّ وكفاني عاديته، وهذه الأمور الغليظة، أن أضع هذا الأمر في موضعه الذي وضعه الله عزّ وجلّ فيه .
ثم قوي فيه قلبي فبعثت طاهراً إلى علي بن عيس بن هامان فكان من أمره ما كان، ورددت هرثمة إلى رافع (بن أعين) فظفر به وقتله، وبعثت إلى صاحب السرير فهادنته وبذلت له شيئاً حتى رجع، فلم يزل أمري يقوى حتى كان من أمر محمد ما كان، وأفضى الله إلي بهذا الأمر، واستوى لي .
فلما وافى الله عزّ وجلّ لي بما عاهدته عليه، أحببت أن أفي الله تعالى بما عاهدته، فلم أر أحداً أحــق بهذا الأمر من أبي الحسن الرضا (ع)، فوضعتها فيه فلم يقبلها إلا إن عليَّ ما قد عملت، فهذا كان سببهــا) (1).
ولعل هذا السبب كان أيضاً من الدواعي المساعدة إلاّ أن أبرز العوامل التي دفعته إلى ذلك كانت الظروف السياسية التي أشرنا إليها حيث كانت علاقته بالعباسيين سيئة لقتله أخاه أميناً، كما أن القيادات العربية لم تكن راضية عنه بسبب تفضيله الصارخ للقيادات الفارسية، أما أنصار البيت العلوي فقد رأوا ووجدوا الفرصة مؤاتية للإنتقام من السلطة العباسية الغاشمة، وانتفضوا في كل مصر . فماذا بقي له من فرص الإستمرار في السلطة ؟
ولكن محصلة خطط المأمون، والأقدار التي أجرت الرياح في اتجاهه كانت التالية .
1 - اكتساب ود أنصار البيت العلوي باستقدام الإمام الرضا لولاية عهده .
2 - تصفية لكثير من الثورات بالأعمال العسكرية وبقدر من السماحة والعطاء .
3 - الإلتفاف على العباسيين واكتساب ودّهم والعودة إلى خطهم، بعد تصفية الفضل بن سهل، وشهادة الإمام الرضا (ع) .
وهكذا تسنى للمأمون أن يستمر في الحكم وأن يحافظ على العرش العباسي من بعده .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ المسعودي : (ص 137 - 138) .


source : اهل بیت
573
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:
لینک کوتاه

آخر المقالات

ثورة النفس الزكية محمد بن عبدالله بن الحسن
في رحاب نهج البلاغة (الإمام علي عليه السلام ...
الخطبة الفدكية للسيدة فاطمة الزهراء (ع)
التشيع في ايران .
فرق الشيعة
بحث في إثبات تواتر حديث: أنا حرب لمن حاربكم سلم ...
نقش الخواتيم لدى الأئمة (عليهم السلام)
قصة موسى والخضر عليه السلام
قبيلة أشْعَر
مناظرة الإمام الصادق(ع) مع أبي حنيفة في حكم ...

 
user comment