عربي
Tuesday 31st of January 2023
0
نفر 0

الحائر الحسيني

• ما هو الحائر الحسيني؟
الحائِرُ الحُسينيُ: مُصطلحٌ يُطلَقُ على البقعة الطاهرة التي تحتضن قبرَ الإمام الحسين بن علي (عليه السَّلام) وشيئاً من أطرافه في كربلاء (1)، وتُطلقُ نسبة الحائري على المنسوب إلى الحائر الحسيني والمجاور له.
ولقد تكرر ذِكرُ لفظة "حائر" و"حَير" في الروايات والأحاديث، خاصة تلك التي تطرَّقت لزيارة الإمام الحسين (عليه السَّلام)، أو تلك التي تحدثت عن أحكام التخيير بين التمام والقصر بالنسبة إلى المسافر الذي يكون في الحائر الحُسيني.

 

 

• تاريخ التسمية بالحائر:
لعل تسمية قبر الإمام الحسين (عليه السَّلام) والبقعة المُحيطة به بالحائر أطلقت لأول مرة من قِبل الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السَّلام)، حيث أن هذه التسمية نجدها في أحاديثه التي تطرقت لزيارة الحسين (عليه السَّلام)، ولم نجد هذه التسمية في أحاديثه غيره من الأئمة السابقين له (عليهم السلام).
فعن الحسن بن عطية عن أبي عبد الله (عليه السَّلام) أنه قال: «إذا دخلت الحير - وفي بعض النسخ: الحائر - فقل: ...» (2).
وعن ثوير بن أبي فاختة عن أبي عبد الله (عليه السَّلام) في وصف زيارته: «حتى تصير إلى باب الحائر أو الحير...» (3).
وعن أبي حمزة الثمالي عن أبي عبد الله (عليه السَّلام) في وصف زيارة الحسين (عليه السَّلام): «ثم ادخل الحير أو الحائر وقل:...» (4).

 

 

• سبب التسمية بالحائر:
لعلّ السبب في تسمية الروضة الحسينية الشريفة بالحائر أو الحَير يعود لأكثر من سبب، ولم يتَّضح لنا سبب إطلاق الإمام الصادق هذه التسمية على القبر الشريف وما أحاط به، لكن يبدو أن هذه التسمية تجددت في وقت لاحق لسبب آخر ولحادثة تاريخية، وقبل الإشارة إلى هذه الحادثة لا بد وأن نُشير إلى المعنى اللغوي للفظة "الحائر" وكذلك "الحَير".
قال العلامة الطُريحي (رحمه الله): "الحائر؛ وهو في الأصل مجمع الماء، ويراد به حائر الحسين (عليه السَّلام)، وهو ما حواه سور المشهد الحسيني (على مشرفه السلام)".
و قال (رحمه الله) أيضاً: "والحَير بالفتح مُخفف حائر، وهو الحظيرة والموضع الذي يتحيَّرُ فيه الماء" (5).

 

 

• تجدد التسمية بالحائر:
يبدو أن تجدد تسمية هذه البقعة المباركة بالحائر يعود إلى حادثة تاريخية تجَلَّت فيها كرامة الإمام الحسين (عليه السَّلام) للصديق والعدو، ومُلخَّصُ تلك الحادثة أن المتوكل العباسي (6) كان شديد الحقد والبغض بالنسبة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السَّلام) بصورة خاصة، والبيت العلوي بصورة عامة، لذلك فقد عَمَدَ في محاولات متكررة (7) إلى هدم ضريح الحسين (عليه السَّلام) ونبش قبره الشريف وحرث تلك البقعة الطاهرة وإجراء الماء عليها، في محاولة يائسة وجبانة منه لمحو معالم هذا القبر الشريف، والحيلولة دون زيارة الموالين لأهل البيت (عليهم السلام) لقبر مولاهم الحسين (عليه السَّلام)، خاصة لمَّا رأى أن تأثير قضية الحسين (عليه السَّلام) ونهضته المباركة اتَّسعت رقعته وامتدَّ تأثيره حتى وصل إلى بلاط حكمه، فقد اكتشف أن عدداً من المُحيطين به يزورون قبر الحسين (عليه السَّلام) سراً، رغم المنع الشديد والعقاب الأليم الذي كان يفرضه على من يزور هذا القبر الطاهر.
قال الحافظ جلال الدين السيوطي (8): "وفي سنة ست وثلاثين (9) أمر بهدْم قبر الحسين، وهدْمِ ما حوله من الدور، وأن يعمل مزارع، ومنع الناس من زيارته، وخُرِّب، وبقي صحراء.
وكان المتوكل معروفاً بالتعصب، فتألم المسلمون من ذلك، وكتب أهل بغداد شَتمهُ على الحيطان والمساجد، وهجاه الشعراء، فمما قيل في ذلك:

بالله إن كانت أمية قد أتت * قتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيــه بمثله * هذا لعمـري قبره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا * في قتله، فتتبّعوه رميمــاً" (10)

 

 

• ظهور الكرامة الحسينية:
يقول إبراهيم الديزج (11) الذي أمره المتوكل بهدم قبر الحسين (عليه السَّلام): "بعثني المتوكلُ إلى كربلاء لتغيير قبر الحسين (عليه السَّلام)، وكتب معي إلى جعفر بن محمد بن عمَّار القاضي: أعلمك أني قد بعثت إبراهيم الديزج إلى كربلاء لينبش قبر الحسين، فإذا قرأت كتابي فقف على الأمر حتى تعرف فَعَلَ أو لم يفعل".
قال الديزج: "فعرفني جعفر بن محمد بن عمَّار ما كتب به إليه، ففعلت ما أمرني به جعفر بن محمد بن عمَّار، ثم أتيته.
فقال لي: ما صنعت؟
فقلت: قد فعلت ما أمرت به، فلم أر شيئاً ولم أجد شيئاً.
فقال لي: أفَلا عمقته؟
قلت: قد فعلت فما رأيت.
فكتب إلى السلطان أن إبراهيم الديزج قد نبش فلم يجد شيئا، وأمرته فمخره بالماء وكربه بالبقر".
قال أبو علي العماري (12): "فحدثني إبراهيم الديزج وسألته عن صورة الأمر، فقال لي: أتيتُ في خاصة غلماني فقط، وإني نبشت فوجدت بارية جديدة وعليها بدن الحسين بن علي، ووجدت منه رائحة المسك، فتركت البارية على حالها وبدن الحسين على البارية، وأمرت بطرح التراب عليه وأطلقت عليه الماء وأمرت بالبَقَر لتمخره (13) وتحرثه، فلم تطأه البقر، وكانت إذا جاءت إلى الموضع رجعت عنه، فحلفت لغلماني بالله وبالأيمان المغلظة لئن ذكر أحدٌ هذا لأقتلنه" (14).
وهكذا لم يتحقق ما أراده المتوكل من محو معالم القبر الشريف بإجراء الماء عليه، وتوقفَ الماء وأحاط بتلك البقعة المباركة دون أن يغمرها، فسُميت تلك البقعة بالحائر، أو الحائر الحُسيني.
وقال العلامة المُحقق الشيخ محمد صادق الكرباسي (حفظه الله): "ولعله لهذا السبب تجدد تسميته بالحائر لارتفاع الماء حوله، وإن كانت التسمية قد أطلقها الإمام الصادق (عليه السَّلام) سنة 148 هجرية من قبل" (15).
وشاء الله (عَزَّ وجَلَّ) أن يبقى ذكرُ الحسين (عليه السَّلام) خالداً ونوره مُضيئاً رغم محاولات أعداء الدين الإسلامي، فكان كما وعد الله (جَلَّ جَلالُه) وقال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (16)، الأمر الذي يبدو واضحاً وجلياً للجميع في عصرنا الحاضر، فهذه الملايين تتوافد اليوم بلهفة من أنحاء العالم لزيارة هذا المرقد الطاهر.

 

 

• حدود الحائر الحسيني:
يبدو - كما أسلفنا - أن الحائر - كما قال العلامة الطُريحي (رحمه الله) -: "هو في الأصل مجمع الماء، ويراد به حائر الحسين (عليه السَّلام)، وهو ما حواه سور المشهد الحسيني (على مشرِّفه السلام)".
كما يبدو من كلام العلامة الطُريحي (رحمه الله) أن سُوراً كان قد بُني في الموضع الذي تجمَّع عنده الماء (الحائر)، وعليه فإن حدود ذلك السُور والحائر متحدتان.
وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: سَمِعْتُهُ (17) يَقُولُ: «لِمَوْضِعِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) حُرْمَةٌ مَعْلُومَةٌ، مَنْ عَرَفَهَا واسْتَجَارَ بِهَا أُجِيرَ».
قُلْتُ: صِفْ لِي مَوْضِعَهَا.
قَالَ: «امْسَحْ مِنْ مَوْضِعِ قَبْرِهِ الْيَوْمَ خَمْسَةً وعِشْرِينَ ذِرَاعاً مِنْ قُدَّامِهِ، وخَمْسَةً وعِشْرِينَ ذِرَاعاً عِنْدَ رَأْسِهِ، وخَمْسَةً وعِشْرِينَ ذِرَاعاً مِنْ نَاحِيَةِ رِجْلَيْهِ، وخَمْسَةً وعِشْرِينَ ذِرَاعاً مِنْ خَلْفِهِ...» (18).
هذا وقد توصَّل العلامة المُحقق الكرباسي (حفظه الله) بعد الجمع بين الروايات؛ إلى أن ذلك السُور كان محيطاً بمرقد الإمام الحسين (عليه السَّلام) والصحن (19) المُحيط بالمرقد الشريف.
ويقول سماحته (حفظه الله) أيضاً: "وبقي الحائر على شكله حتى عهد الإمام موسى بن جعفر (عليه السَّلام) (148 - 183 هـ)، حيث وَرَدَ في رواية الحسن بن راشد عنه (عليه السَّلام) قال: «حتى يَرِد الحائر، فإذا دخل باب الحائر وضع كفه...»".
ثم قال: "ويتبيَّن أن مساحة الحائر كانت حوالي (25 في 25 ذراعاً) من الخارج، كما يُفهم من روايتي الصادق (عليه السَّلام) بعد الجمع بينهما، حيث وردَ في أحداهما: «قبر الحسين عشرون ذراعاً في عشرين ذراعاً مكسَّراً، روضة من رياض الجنة» (20)، وفي ثانيهما قال: «إمسح من موضع قبره اليوم، فامسح خمسة وعشرين ذراعاً مما يلي وجهه، وخمسة وعشرين ذراعاً من خلفه، وخمسة وعشرين ذراعاً من ناحية رأسه» (21).
والظاهر أن الحائر الذي سُمي فيما بعد بالصحن كان قطر سوره الخارجي خمسين ذراعاً، وإلى هذا يُشير ابن إدريس (22) في قوله: والمراد بالحائر ما دار سور المشهد والمسجد عليه (23)، ويقول المفيد: والحائر محيط بهم، إلا العباس فإنه قتل على المسناة (24) (25).
ومن المعلوم أن الذراع الواحد يعادل 45.83 سنتيمتراً تقريباً، وبذلك يكون قطر الحائر 45.83 في 50 = 22.915 متراً" (26).

 

 

• أحكام الحائر الحسيني:
لقد أفتى الفقهاء بتخيير المسافر بين التقصير والإتمام في الصلوات الرباعية في أربعة مواضع (27)، منها الحائر الحسيني، أي في المساحة التي تحيط بالمرقد الشريف من كل جانب بمقدار خمسة وعشرين ذراعاً - أي ما يقارب 5 / 11 متراً -، وهذا المقدار هو الثابت والمتيقَّن.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (28) (عليه السلام) قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «تَتِمُّ الصَّلَاةُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاطِنَ؛ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، ومَسْجِدِ الرَّسُولِ (صلى الله عليه وآله)، ومَسْجِدِ الْكُوفَةِ، وحَرَمِ الْحُسَيْنِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ)» (29).

______________________________

الهوامش:

(1) كربلاء؛ مدينة إسلامية مقدسة، وهي مشهورة في التاريخ الإسلامي وكذلك قبل الإسلام بزمن بعيد، وقد شهدت تربتها حادثة عظيمة وفريدة وواحدة من أنبل ملامح الشهادة والتضحية والفداء، ألا وهي حادثة الطف الخالدة في العاشر من شهر محرم الحرام سنة 61 هجرية، حيث ضحى الإمام الحسين بن علي (عليه السَّلام) بنفسه وأبنائه وخاصة أصحابه من أجل الحفاظ على الدين الإسلامي، وقابل مخططات طاغية عصره يزيد بن معاوية وأفشلها.
وتقع مدينة كربلاء على بعد 105 كم إلى الجنوب الغربي من العاصمة العراقية بغداد، على حافة الصحراء في غربي الفرات وعلى الجهة اليسرى لجدول الحسينية.
وتقع المدينة على خط طول 44 درجة و40 دقيقة، وعلى خط عرض 33 درجة و31 دقيقة، ويحدّها من الشمال محافظة الأنبار، ومن الجنوب محافظة النجف، ومن الشرق محافظة الحلة وقسم من محافظة بغداد، ومن الغرب بادية الشام وأراضي المملكة العربية السعودية.
(2) بحار الأنوار: 86 / 90.
(3) بحار الأنوار: 86 / 90.
(4) بحار الأنوار: 86 / 90.
(5) مجمع البحرين: 3 / 280.
(6) المتوكل العباسي: هو جعفر بن محمد المعتصم، وهو عاشر حُكام بني العباس، وُلد سنة 206، وقتله ابنه المنتصر سنة 247 هجرية بمعاونة الأتراك.
(7) عمدَ المتوكل إلى هدم قبر أبي عبد الله الحسين (عليه السَّلام) أربع مرات: المرة الأولى في سنة 232، والمرة الثانية في سنة 236، والمرة الثالثة في سنة 237، والمرة الرابعة في سنة 247 هجرية، ولمزيد من التفصيل راجع: دائرة المعارف الحسينية: الجزء الأول من تاريخ المراقد، ص 269 - 277، لآية الله المُحقق الشيخ محمد صادق الكرباسي (حفظه الله).
(8) الحافظ جلال الدين بن أبي بكر السيوطي، المتوفى سنة 911 هجرية.
(9) أي سنة 236.
(10) تاريخ الخلفاء، للحافظ جلال الدين السيوطي: 347.
(11) إبراهيم الديزج: هو ابن سهل، سكن سامراء وبغداد، وكان من المقربين لدى العباسيين، تولَّى قيادة الشرطة لأكثر من مرة، كان حياً حتى سنة 251 هجرية، والصحيح أنه توفي سنة 247 هجرية، أي بعد يومين من هلاك المتوكل، والديزج كلمة فارسية تعني الحمار الأدغم. لمزيد من التفصيل يراجع: دائرة المعارف الحسينية: الجزء الأول من تاريخ المراقد، ص 273، الهامش.
(12) قال العلامة المُحقق آية الله الكرباسي (حفظه الله): "وجاء في بعض المصادر القماري لم تتضح لنا شخصيته، ولعله كنية القاضي جعفر بن محمد بن عمَّار المُتقدم الذكر، والله العالم". دائرة المعارف الحسينية: الجزء الأول من تاريخ المراقد، ص 273، الهامش.
(13) قال العلامة المجلسي (قدَّس الله نفسه الزَّكية): "يُقال: مخرت الأرض، أي أرسلت فيه الماء، والسفينة إذا جرت تشق الماء مع صوت".
(14) بحار الأنوار: 45 / 395.
(15) دائرة المعارف الحسينية، تاريخ المراقد: 1 / 278.
(16) سورة الصف: 8.
(17) أي الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السَّلام)، سادس أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
(18) الكافي: 4 / 588.
(19) الصحن: هو المكان الرحب المحيط أو المتصل بالمرقد.
(20) كامل الزيارات: 272، ح 5.
(21) كامل الزيارات: 272، ح 4.
(22) إبن إدريس: هو محمد بن منصور بن أحمد بن إدريس العجلي الحلِّي (543 - 598 هـ)، من أعلام الإمامية، فقيه محقق، توفي في الحلة ومرقده معروف يُزار، وله كتاب السرائر، ومختصر التبيان للطوسي.
(23) السرائر: 78.
(24) المسناة: ما يُبنى في وجه السيل.
(25) الإرشاد: 126.
(26) لمزيد من التفصيل راجع: دائرة المعارف الحسينية: الجزء الأول من تاريخ المراقد، ص 260 - 261، لآية الله المُحقق الشيخ محمد صادق الكرباسي (حفظه الله).
(27) مواضع التخيير الأربعة هي: مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والكوفة، والحائر الحسيني.
(28) أي الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السَّلام)، سادس أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
(29) الكافي: 4 / 586.


source : اهل بیت
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

من معاجز أمير المؤمنين عليه السّلام
حقوق الوالدين والأولاد
مراحل الدعوة الإسلامية
منهج الرأي في التفسير
اسم المهدي المنتظر واسم أبيه وجده ورهطه وكنيته ...
الجمالیة فی أدعیة الامام السجاد(ع)[القسم الثاني]/ ...
وجوه الاحرف السبعة
النفس في القرآن
السبع المثاني
باب من له زميل، والمريض يظلل، أنه لا يجوز ...

 
user comment