عربي
Tuesday 18th of January 2022
490
0
نفر 0

الاستشراق

الآن، والآن فقط، يمكن أن نجيب عن السؤال المتعلق بالاستشراق بعد أن أثبتنا أن المحدث هو الذي، عندما يتكلم على تاريخ الإسلام، لا يعني تاريخ المجتمع بما فيه الأمور غير الخاضعة للشريعة، وإنما يعني فقط تاريخ الحفاظ على نص الشريعة. هذا الاختزال هو حدّ موقف المحدث. فإذا عرفنا الاستشراق بهذا الموقف، نفسه، وقلنا إن المستشرق هو أيضاً يختزل تاريخ المجتمع الإسلامي في تاريخ العقيدة، وجب ضرورةً أن نجري عليه حكم المحدثين على أنفسهم وغيرهم من مسلمي الدار. أما إذا وسعنا التعريف، وقلنا إن تاريخ الإسلام هو تاريخ المجتمع في أوسع معانيه، وقلنا إن الاستشراق، بالمعنى المعاصر غير التقليدي، يدرس هذا الموضوع الواسع، فيجب الحكم عليه من المنطلق الذي نحكم منه على مشروع ابن خلدون. فالحكم على الاستشراق يختلف باختلاف تعريفنا له.
تميز الاستشراق التقليدي (القرن التاسع عشر) بتحقيق النصوص، وتفوق في عمله هذا على التحقيق القديم وعلى من لا يزال يمارسه بين المحدثين. لكن هذا تفوق نسبي وموقّت، إذ قد يوجد بين القدامى والمحدثين من يكون في المستوى نفسه. والتحقيق على أي حال صناعة تكتسب بالدُربة والمثابرة، ولا يحوم حوله جدال نظري. إذا أخذنا اغناتس غولدزيهر ممثلاً على هذا الاتجاه، أدركنا في الحال أين يكمن الإشكال. لقد أقدم على دراسة، تمحيص، الحديث دون أن يتقيّد بمنهجه، ظناً منه أنه في حلّ منه، وأن طريقته النقدية أشمل وأدق من مسطرة الجرح والتعديل. إلاّ أن هذا الموقف هو بالضبط ما رفضه مبدأ الحديث، أي ما تأسس الحديث كعلم وصناعة بدحضه وتفنيده (نص الإمام مسلم والخطيب البغدادي). إذا كان المحدث الحافظ يرفض رواية المبتدع ويقول: "كما يستوي في الكفر المتأول وغير المتأول، يستوي في الفسق المتأول وغير المتأول". (ابن الصلاح ص114)، فكيف يتصور أن يقبل رأي غولدزيهر في سند أو متن أي حديث؟ أثبتنا أن الحفاظ لا يضمون إلى جماعتهم، لا يعتبرون حافظاً مؤتمناً على نص الشرع، إلا من تقيد بالشروط المتفق عليها منذ تأسيس العلم، ومن زاد شرطاً واحداً فلا يقبل منه. ويبعد من الجماعة المعتبرة من يتشدّد ومن يتساهل في تطبيق الشروط، وإذا ما تمسك بموقفه وأراد أن يكون مذهباً لوحده عدّ سفيهاً.
بما أن غولدزيهر لم يفهم منطق الحديث فإنه لم ينتبه إلى أنه حوّل مادته إلى مجموعة معلومات تاريخية لا فرق بينها وبين سائر المعلومات. يظن أنه يتكلم على الحديث في حين أنه يتكلم على الآداب. فيحتج بكتاب الأغاني على كتب السنة (ص57 وما بعدها). إن المستشرق التقليدي، من طراز غولدزيهر، يحشر نفسه ضمن أصحاب التعديل، ويريد أن يفعل اليوم، بوسائله الخاصة وبمنهجه الخاص، ما فعله أصحاب الصحاح، كما لو كان يجوز له أن يقوم، هو بعملية إصلاح وتصحيح بتأليف كتب صحاح جديدة.
ما القول الآن في مشروع آخر يهدف إلى دراسة المجتمع "الإسلامي" بكل تفريعاته _وضعنا كلمة إسلامي بين مزدوجتين للتنبيه على أن المعنى أوسع بكثير من الإسلام المحدّد بطرق الحفظ على نص الرسالة؟ والمشروع يتجاوز في منهجه استثمار الشهادات، أي الأسطوغرافيا الإسلامية التقليدية، إلى استنطاق الأشياء بتوظيف مختلف العلوم المعاصرة". هل نسمّي هذا المشروع استشراقياً، لا لسبب إلا لأن غالبية القائمين به أو الداعين إليه من الغربيين، دون الالتفات إلى أنه يتفق في العمق مع المشروع الخلدوني المتولد عن أغراض ومقاصد الفقهاء الأصوليين؟
لا يمكن إذاً تعريف الاستشراق بمنهج واحد. إنه يحتوي على منهجين متعارضين، تماماً كما هو حال التأليف الإسلامي، وأكبر خطأ نرتكبه، قبل الحكم عليه، هو عدم التمييز بينهما. الأول مبني على شهادة الرجال، فهو قوي وقويم في أيدي المحدثين الحفاظ المسلمين، وهو ضعيف متهافت في أيدي غيرهم بين المسلمين من أدباء ووعّاظ وكتّاب دواوين، وهو متناقض مشوّه في أيدي المستشرقين التقليديين. ظنّ البعض أن هذا المنهج خاص بتمحيص الرواية الشفويّة، أياً كان مصدرها، فيمكن تطبيقه خارج إطاره الأصلي، مثلاً لنقد الأخبار الإفريقية. هذا الاستنتاج سليم في ظاهره فقط، ويقال فيه ما قلناه في منهج الإخباريين الأدباء. صحيح أن مسلك المحدثين على مستوى الرواية، لا ينفصل عن مفهوم الحديث بمعناه اللغوي (أي الرواية الشفوية)، وأحاديث الرسول قيدت في كنانيش منذ عهد الرسالة، لكن هذا لا يعني أن مقصود الرواية الحديثية هو الرواية بذاتها (راجع كلام الخطيب البغدادي ضد طلاب الخبر لمجرد الخبر)، فهي رواية حديث منسوب إلى نبي يخشى الراوي تحوير معنى وتحريف لفظ حديثه. كل ما يمكن أن يقال، والحال هذه، هو أنه إذا وجد في المجتمع الإفريقي جماعة تشبه في هيئتها ودورها جماعة الحفاظ، وكان لها ضابط يضمن استمرارها، فلا بد أن يكون ذلك الضابط شبيهاً بمنهج المحدثين المسلمين. أما تطبيق المنهج على المجتمع الإفريقي بالسحب والتعميم، لأنه مجتمع أمّي كما كان المجتمع العربي إبّان الرسالة، فإن ذلك يولد معرفة لا تتعدى ما نقرأ في كتب الآداب الإسلامية.
لكل هذه الاعتبارات نحكم على المستشرق، الذي يَروم تجاوز منهج الحديث في دراسة الحديث، أنه يقول برأيه، ورأيه لا وزن له لدى الحفاظ لأنه بذلك ينفي من الأساس مفهوم الحفظ.
أما المنهج الثاني فإنه مبني على دلائل الأشياء (شهادة الشواهد)، إلاّ أنه عكس الأول، لا يستقر على حال بل يتطور باستمرار بحسب تعدّد وتجدّد المسالك المؤدّية إلى استنطاق الأشياء. لا مسوّغ للقول إن أحداً من المؤرخين المسلمين أو من المستشرقين التقليديين قد أتقنه. فهو من أصله ومبدئه قابل للتعميم داخل وخارج المجتمع الإسلامي، لأنه يرصد الثوابت في المجتمع كمجتمع، أي في المجتمع البشري بدون تخصيص. ولذلك استنبط في آن من أصول الفقه ومن مدارك الحكمة ومن تجارب الأمم. ليس غريباً ولا دخيلاً على التأليف الإسلامي، لكن يجب على من أراد تطبيقه أن يأخذه على حاله الآن، في شكله المتكامل المتطور، لا على صورته الأولى عندما كان مجرّد تخمين وتطلّع. وفي الوقت نفسه لا يجوز أن يحل محل منهج الحديث لدراسة الحديث لأنه يجعل ضمنياً من الحديث مادّة أدبية.
----------------------------------


source : البلاغ
490
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

أين يقع غدير خُمّ؟
وسيلة الفوز والأمان في مدح صاحب الزمان عليه ...
وصيته ( ص )لأمير المؤمنين ع
من هو المنتصر ، الحسين بن علي ، أم يزيد بن معاوية ...
مصارف المسلمين ومصارف الکفار
النفس في القرآن
المرجع مكارم شيرازي يدعو إلى احترام مقدسات ...
جود الإمام الحسين (عليه السلام) وسخاؤه
سر من أسرار فاطمة الزهراء
إشكالية التوحيد الصفاتي في النهج..( بين تعارض ...

 
user comment