عربي
Monday 18th of January 2021
469
0
0%

الاغتراب في الزمان

من المفاهيم الفلسفيه التي تترسب في الوعي القومي وتصبح بناء فيه يحدد معالم الشخصيه وحركتها الثقافيه مفاهيم الزمان والاغتراب . وكلاهما مفهومان في التراث الغربي وفي تراثنا على حد سواء، في الغرب عند القدماء والمعاصرين خاصة الوجوديين منهم، وفي تراثنا القديم والمعاصر بل إنهما لفظان وردا في الحديث النبوي. فقد خلق الله الؤمان مستديرا ومنه نشأت السنون والشهور والأيام. وجاء الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء. وقد سمى الدلجى الاغتراب "الفلاكة" والمغتربين "المفلوكين" أي الذين يعيشون زمان الأفلاك خارج زمانهم، غرباء عن العالم وخارج التاريخ.
ووضع الزمان في الوجدان العربي قد يكون أحد أسباب الأزمة السياسية الراهنة. فالزمان هو ركيزة الوعي التاريخي. والوعي التاريخي هو رصيد الوعي السياسي. ويمكن تلخيص هذا الوضع في أن الزمان في الوعي العربي إما الماضي وإما المستقبل وليس الحاضر. يتجه نحو الماضي، نحو يوتوبيا ماضية كانت هي والواقع شيئاً واحد ثم انفصلت عنه نظراً لتسرب الواقع منها، منحدراً عنها حتى حدث فصام في الشخصية العربية بين المثال والواقع، المثال البعيد والواقع القريب، الماضي والحاضر. والماضي الزاهر خير من الحاضر الأليم. ولا حل لأزمة الحاضر إلا بالعودة إلى الماضي. وهو في الواقع هروب لا حل، وسكينة ورضا وليس مواجهة للأزمات. فالنجاح في الماضي تعويض عن تعثر الحاضر. واسترجاع الحلم أسهل من تحليل الأزمة. وحلم اليقظة خير علاج للواقع الأليم.
وقد يتجه الوعي بالزمان إلى المستقبل. فالتطلع إلى المستقبل. خير من الركون إلى الحاضر، والهروب إلى الأمل البعيد خير من مواجهة البؤس القريب. ففي نهاية الزمان حل لبدليته. والتفاؤل خير من التشاؤم، والفرج قريب. عنق الزجاجة مؤقت بعدها تأتي الأنفراجة، فالهروب من الحاضر مرتان، مرة إلى الماضي، في عصر ذهب، ولى وانقضى، ومرة إلى المستقبل في عصر ذهبي ما زال قادماً.
ولا يختلف خطاب القو ميين عن خطاب الإسلاميين في وضع الزمان، وتوجيه الوعي بالتاريخ إلى طوباوية مزدوجة، مرة نحو الماضي ومرة نحو الحاضر. فالخطاب القومي المعاصر، نموذج الخطاب الناصري فإنه يترحم أيضاً على حلم الستينات، ووحدة مصر وسوريا 1958 _ 1961، أول تجربة وحدوية في تاريخ العرب الحديث. ويعيد قراءة ساطع الحصري وميشيل عفلق ونديم البيطار وصلاح البيطار. أين هذا الزمان الذي كان فيه الخطاب القومي العربي حاملاً لآمال الحرية والاشتراكية والوحدة ومتحدا مع خطاب التحرر الوطني الشامل متجاوزا حدود الأوطان وقاضياً على الأحلاف العسكرية ومناطق النفوذ. وما زالت خطب عبد الناصر ترن في الأذهان، وأغاني عبد الحليم حافظ الوطنية. وفيلم ناصر 56 يكتسح الأسواق، ويعيد إلى الجمهور ذكريات حلم سعيد.
وبالرغم من تواري الخطاب الماركسي بعد انهيار المنظومة الاشتراكية إلا أن بعض المخلصين للخطاب التقليدي مازالوا يحرصون عليه. فباسم الاشتراكية انهارت القيصرية في روسيا، ونشأت الأحزاب الاشتراكية في أوربا الغربية، واندحر العدوان النازي على الشرق، وقوى ساعد حركة التحرر الوطني وتنمية شعوب العالم الثالث. وما زال حلم لينين وماوتسي رأس المال قائماً. وما زالت أدبيات الماركسية هي أساس التجديد في ماركسيات القرن العشرين.
قضية الوعي العربي المعاصر إذن وأزمته هي اغترابه في الزمان، وعدم بدايته في الحاضر دون تحويله إلى ماض سعيد أو مستقبل زاهر كما هو الحال في الخطاب العربي المعاصر بصرف النظر عن نوعيته. الحاضر نقطة البداية. وفيه الحاجات الأساسية من خبز وحرية. والماضي حال فيه، إسلامياً كان أم قومياً أو ليبرالياً أو ماركسياً. فكلها تجارب عاشها العرب في الماضي بحلوها ومرّها، ورصيد لهم في التاريخ. والمستقبل أيضاً حال في الحاضر عن طريق التطلع إليه وسيناريوهات المستقبل التي يتم الإعداد لها. فالحاضر هو الأساس والماضي والمستقبل يعدان له.
وهذا هو التحدي أمام الوعي العربي المعاصر. كيف يشخّص الحاضر؟ في أي مرحلةَ هو يعيش؟ ماذا يفعل في حضور الماضي فيه هذا الحضور الطاغي الذي يمنعه أحياناً من التوجه نحو المستقبل؟ قد يكون الماضي عائقاً إذا كان ممثلاً في تراث السلطة والطاعة والتسليم والتقليد والنقل. وقد يكون دافعاً على التقدم إذا كان ممثلاً في تراث الناس والمصالح العامة والنصحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد يكون التطلع نحو المستقبل أيضاً عائقاً إذا كان مجرد تقليد للآخر ونقل لإبداعاته وتبعية له. هو ينتج، والأنا تستهلك. هو يبدع، والأنا تقلد. وقد يكون التوجه نحو المستقبل دافعاً إلى التقدم للمساهمة في صنعه والقدرة على الاجتهاد فيه وإيجاد ميزان التعادل في مسار التاريخ، والعمل من مركزه وليس من أطرافه.
والبعض يلعن هذا الزمن الرديء، رافضاً كل شئ، ويعلن الإفلاس التاريخي الشامل وينتهي إلى المطلقة. وهذا عجز عن الفهم وعدم قدرة على الفعل وسب الزمان "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر".
نعيب زماننا والعيب فينا... وما لزماننا عيب سوانا.
----------------------------------


source : البلاغ
469
0
0%
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

التطیّر
الاعجاز العلمي واللغوي للبحر المسجور
تحرير اءرادة‌ الاُمة‌-2
السيد علي اليثربي الكاشاني
السيدة فاطمـة الزهراء (عليها السلام) بنت رسول الله(صلى ...
الشيخ محمد حسن نجف
دروس من مواقف أبي ذر (رض)
إحسان الإمام الجواد ( عليه السلام ) ومواساته للناس
علم‌ الاءمام‌ الحسين‌(ع) بشهادته‌ -2
وقف دولة المماليك البحرية

 
user comment