عربي
Tuesday 29th of September 2020
  324
  0
  0

تكلمة البحث


فاعلم، أنه لا وصول إلى الله إلاّ بتنحية ما عداه عن القصد من المشتهيات البدنية واللذات الدنيوية، والتجريد في جميع الحالات، والاقتصار على الضروريات، ولهذا انفرد الرهبان في الأعصار السالفة عن الخلق في قلل الجبال، توحّشاً من الخلق، وطلباً للأُنس بالخالق، وأعرضوا عن جميع ما سواه، ولذلك مدحهم بقوله: (ذَلِكَ بِأَنّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ)(1).
فلمّا اندرس ذلك، وأقبل الخلق على اتّباع الشهوات، والإقبال على الدنيا، والالتفات عن الله، بعث نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، لإحياء طريق الآخرة، وتجديد سنة المرسلين في سلوكها، فسأله أهل الملل عن الرهبانيّة والسياحة في دينه، فقال: «أبدلنا بها الجهاد والتكبير على كلّ شرف» يعني: الحج، وسئل عن السائحين، فقال: «هم الصائمون»، فجعل سبحانه الحجّ رهباينة لهذه الأمّة.
فشرّف البيت العتيق بإضافته إلى نفسه، ونصبه مقصداً لعباده، وجعل ما حوله حرماً لبيته، تفخيماً لأمره، وتعظيماً لشأنه، وجعل عرفات كالميدان على باب حرمه، وأكّد حرمة الموضع بتحريم صيده وشجره، ووضعه على مثال حضرة الملوك، يقصده الزوّار من كلّ فجّ عميق، شعثاً غبراً، متواضعين لربّ البيت، مستكينين له خضوعاً بجلاله واستكانةً لعزّته، مع الاعتراف بتنزيهه عن أن يحومه مكان، ليكون ذلك أبلغ في رقّهم وعبوديّتهم.
ولذلك وظّف عليهم فيها أعمالا لا تأنس بها النفوس، ولا تهتدي إلى معانيها العقول، كرمي الجمار بالأحجار، والتردّد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار.
وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرقّ والعبودية، بخلاف سائر العبادات، كالزكاة التي هي إنفاق في وجه معلوم وللعقل إليه ميل، والصوم الذي هو كسر للشهوة التي هي عدوّ لله وتفرغ للعبادة بالكفّ عن الشواغل، وكالركوع والسجود في الصلاة الّذي هو تواضع لله سبحانه بأفعال على هيئات التواضع وللنفوس أنسٌ بتعظيم الله تعالى.
وأمّا أمثال هذه الأعمال، فإنه لا اهتداء للعقل إلى أسرارها، فلا يكون للإقدام عليها باعث إلاّ الأمر المجرد وقصد امتثاله من حيث هو واجب الاتباع فقط، وفيه عزل للعقل عن تصرّفه، وصرف النفس والطبع عن محلّ أنسه المعين على الفعل من حيث هو، فإنّ كلّ ما أدرك العقل وجه الحكمة في فعله مال الطبع إليه ميلا تاماً، فيكون ذلك الميل معيناً للأمر وباعثاً على الفعل، فلا يكاد يظهر به كمال الرق والانقياد، ولذلك قال (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحج على الخصوص: «لبّيك بحجّة حقّاً تعبّداً ورقّاً» (2)، ولم يقل ذلك في الصلاة وغيرها.
وإذا اقتضت حكمة الله سبحانه ربط نجاة الخلق بكون أعمالهم على خلاف أهوية طباعهم، وأن تكون أزمتها بيد الشارع، فيتردّدون في أعمالهم على سنن الانقياد ومقتضى الاستعباد، كان ما لا يهتدى إلى معانيه أبلغ أنواع التعبدات، وصرفها عن مقتضى الطبع إلى مقتضى الاسترقاق، ولهذا كان مصدر تعجب النفوس من الأفعال العجيبة هو الذهول عن أسرار التعبدات.
  
وأما الشوق
فباعثه الفهم أنّ البيت بيت الله، وأنه وضع على مثال حضرة الملوك، فقاصده قاصدٌ لله تعالى، ومَن قصد حضرة الله تعالى بالمثال المحسوس، فجدير أن يترقى منه بحسب سوق شوقه إلى الحضرة العلوية والكعبة الحقيقية التي هي في السماء، وقد بني هذا البيت على قصدها، فيشاهد وجه ربّه الأعلى بحكم وعده الكريم.
   
وأمّا العزم
فليستحضر في ذهنه أنه لعزمه مفارقٌ للأهل والولد، هاجر للشهوات واللذات، مهاجرٌ إلى ربّه، متوجّهٌ إلى زيارة بيته.
وليعظّم قدر البيت لقدر ربّ البيت، وليخلص عزمه لله، ويبعده عن شوائب الرياء والسمعة، فإن ذلك شركٌ خفيٌّ، وليتحقّق أنه لا يقبل من عمله وقصده إلاّ الخالص، وأنّ من أقبح المقابح أن يقصد بيت الملك وحَرَمَهُ مع اطلاع ذلك الملك على خائنة الأعين وما تخفي الصدور ويكون قصده غيره، فإنّ ذلك استبدال للذي هو أدنى بالّذي هو خير.
   
أمّا قطع العلائق
فحذف جميع الخواطر عن قلبه، غير قصد عبادة الله، والتوبة الخالصة له عن الظلم وأنواع المعاصي، فكلّ مظلمة علاقةٌ، وكلّ علاقة خصمٌ حاضرٌ متعلّقٌ به ينادي عليه ويقول:
أتقصد بيت الملوك وهو مطّلع على تضييع أمره لك في منزلك هذا، وتستهين به، ولا تلتفت إلى نواهيه وزواجره، ولا تستحي أن تقدم عليه قدوم العبد العاصي فيغلق دونك أبواب رحمته، ويلقيك في مهاوي نقمته، فإن كنت راغباً في قبول زيارتك فأبرز إليه من جميع معاصيك، واقطع علاقة قلبك عن الالتفات إلى ما وراءك، لتتوجّه إليه بوجه قلبك، كما أنتَ متوجّهٌ إلى بيته بوجه ظاهرك.
وليذكر عند قطعه العلائق لسفر الحجّ قطع العلائق لسفر الآخرة، فإنّ كلّ هذه أمثلة قريبة يترقّى منها إلى أسرارها.
   
وأمّا الزاد
فليطلبه من موضع حلال، فإذا أحسّ من نفسه بالحرص على استكثاره وطيبه وطلب ما يبقى منه على طول السفر ولا يتغيّر قبل بلوغ المقصد، فليذكر أنّ سفر الآخرة أطول من هذا السفر، وأنّ زاده التقوى، وأما ما عداه لا يصلح زاداً، ولا يبقى معه إلاّ ريثما هو في هذا المنزل.
وليحذر أن يفسد أعماله التي هي زاده إلى الآخرة بشوائب الرياء، وكدورات التقصير، فيدخل في قوله تعالى: (هَلْ نُنَبّئكُمْ باْلأَخْسرينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في اْلَحَيَاةِ الدُّنْيا وهُمْ يَحْسبونَ أَنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعاً)(3).
وكذلك فليلاحظ عند ركوب دابّته تسخير الحيوان له، وحمله عنه الأذى، ويتذكّر منّتهِ تعالى لشمول عنايته ورأفته، حيث يقول: (وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلَى بَلَد لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيه إِلاّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)(4)، فيشكره سبحانه على جزيل هذه النعمة وعظيم هذه المنّة.
ويستحضر نقلته من مركبه إلى منازل الآخرة، التي لا شك فيه، ولعلّه أقرب من ركوبه الحاضر، فيحتاط في أمره.
وليعلم أنّ هذه أمثلة محسوسة، يترقّى منها إلى مراكب النجاة من الشقّة الكبرى، وهي عذاب الله سبحانه.
   
وأما ثوب الإحرام وشراؤه ولبسه
فليتذكّر معه الكفن، ودرجه فيه، ولعلّه أقرب إليه.
وليتذكّر منها التسربل بأنوار الله الّتي لا مخلص من عذابه إلاّ بها، فيجهد في تحصيلها بقدر إمكانه .
  
وأمّا الخروج من البلد
فليستحضر عنده أنّه يفارق الأهل والولد، متوجّهاً إلى الله سبحانه في سفر غير أسفار الدنيا.
ويستحضر أيضاً غايته من ذلك السفر، وأنه متوجّه إلى ملك الملوك وجبّار الجبابرة، في جملة الزائرين الذين نودوا فأجابوا، وشوّقوا ما اشتاقوا، وقطعوا العلائق، وفارقوا الخلائق، وأقبلوا على بيت الله طلباً لرضى الله وطمعاً في النظر إلى وجهه الكريم.
وليحضر أيضاً في قلبه رجاء الوصول إلى الملك، والقبول له بسعة فضله، وليعتقد أنّه إن مات دون الوصول إلى البيت لقى الله وافداً عليه، لقوله تعالى: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيتهِ مهاجراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ اْلمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله)(5).
وليتذكر في أثناء طريقه من مشاهدة عقبات الطريق عقبات الآخرة، ومن السباع والحيّات حشرات القبر، ومن وحشة البراري وحشة القبر وانفراده عن الأنس، فإنّ كلّ هذه الأمور جاذبة إلى الله سبحانه ومذكّرة له أمر معاده.
   
وأمّا الإحرام والتلبية من الميقات
فليستحضر أنه إجابة نداء الله تعالى، وليكن في قبول إجابته بين خوف ورجاء، مفوّضاً أمره إلى الله، متوكّلا على فضله.
قال سفيان بن عيينة: حجّ زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام)، فلمّا أحرم واستوت به راحلته، اصفرّ لونه، ووقعت عليه الرعدة، ولم يستطع أن يلبّي، فقيل له: ألا تلبّي، فقال: «أخشى أن يقول: لا لبّيك ولا سعديك!»، فلمّا لبّى غشي عليه وسقط عن راحلته، فلم يزل يعتريه ذلك حتّى قضى حجّه (6) .
فانظر رحمك الله إلى هذه النفس الطاهرة، حيث بلغ بها الاستعداد لإفاضة أنوار الله، لم تزل الغواشي الإلهية والنفحات الربّانيّة تغشاها، فيغيب عن كلّ شيء سوى جلال الله وعظمته.
وليتذكّر عند إجابته نداء الله سبحانه، إجابة ندائه بالنفخ في الصور، وحشر الخلق من القبور، وازدحامهم في عرصات القيامة، مجيبين لندائه، منقسمين إلى: مقرّبين، وممقوتين، ومقبولين، ومردودين، ومردّدين في أول الأمر بين الخوف والرجاء، تردّد الحاج في الميقات: حيث لا يدرون أيتيسّر لهم إتمام الحجّ أم لا.
   
أما دخول مكة
فليستحضر عنده أنه قد انتهى إلى حرم الله الآمن، وليرج عنده أن يأمن بدخوله من عقاب الله، وليخش أن لا يكون من أهل القرب، وليكن رجاؤه أغلب، فإنّ الكريم عميم، وشرف البيت عظيم، وحقّ الزائر مرعي، وذمام اللائذ المستجير غير مضيّع، خصوصاً عند أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويستحضر أنّ هذا الحرم مثال للحرم الحقيقي، لترقى من الشوق إلى دخول هذا الحرم والأمن بدخوله من العقاب، إلى الشوق إلى دخول ذلك الحرم والمقام الأمين.
وإذا وقع بعده على البيت فليستحضر عظمته في قلبه، وليترقّ بفكره إلى مشاهدة حضرة ربّ البيت في جوار الملائكة المقرّبين، وليتشوّق أن يرزقه النظر إلى وجهه الكريم، كما رزقه الوصول إلى بيته العظيم، وليتكثّر من الذكر والشكر على تبليغ الله إيّاه هذه المرتبة.
وبالجملة، فلا يغفل عن تذكير أحوال الآخرة في كلّ ما يراه، فإنّ كلّ أحوال الحجّ ومنازله دليل يترقّى منه إلى مشاهدة أحوال الآخرة.
    
وأمّا الطواف بالبيت
فليستحضر في قلبه التعظيم والخوف والخشية والمحبّة، وليعلم أنّه بذلك متشبّه بالملائكة المقرّبين الحافين حول العرش الطائفين حوله.
ولا تظنّن أنّ المقصود طواف جسمك بالبيت، بل طواف قلبك بذكر ربّ البيت، حتّى لا تبتدئ بالذكر إلاّ منه، ولا تختم إلاّ به، كما تبدأ بالبيت وتختم به.
واعلم أنّ الطواف المطلوب هو طواف القلب بحضرة الربوبية، وأنّ البيت مثال ظاهر في عالم الشهادة لتلك الحضرة التي هي عالم الغيب، كما أنّ الإنسان الظاهر مثال الظاهر في عالم الشهادة للإنسان الباطن الذي لا يشاهد بالبصر وهو في عالم الغيب، وأن عالم الملك والشهادة مرقاة ومدرج إلى عالم الغيب والملكوت لمن فتح له باب الرحمة، وأخذت العناية الإلهية بيده لسلوك الصراط المستقيم.
وإلى هذه الموازنة وقعت الإشارة الإلهية: بأنّ البيت المعمور في السماء بإزاء الكعبة، وأنّ طواف الملائكة به كطواف الإنس بهذا البيت(7).
ولمّا قصرت مرتبة أكثر الخلق عن مثل ذلك الطواف أُمروا بالتشبّه بهم بحسب الإمكان، ووعدوا بأنّ مَن تشبّه بقوم فهو منهم، ثمّ كثيراً ما يزداد ذلك التشبيه إلى أن يصير في قوّة المشبّه به، والّذي يبلغ تلك المرتبة فهو الّذي يقال: إنّ الكعبة تزوره وتطوف به، على مارواه بعض المكاشفين لبعض أولياء الله.
    
وأمّا الاستلام
فليستحضر عنده أنّه مبايع لله على طاعته، ومصمّم عزيمته على الوفاء ببيعته، (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنكُثُ عَلَى نَفْسِه وَمَنْ أَوْفَى بِما عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)(8).
ولذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الحجر الأسود يمين الله في الأرض يصافح بها خلقه كما يصافح الرجل أخاه»(9).
ولمّا قبّله عمر قال: إني لأعلم أنك حجر لاتضر ولا تنفع، ولولا أنّي رأيت رسول الله يقبّلك لَما قبّلتكَ!! فقال له عليّ (عليه السلام): «مه يا عمر، بل يضرّ وينفع، فإنّ الله سبحانه لمّا أخذ الميثاق على بني آدم حيث يقول: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهمْ ذُرِّيتَهُمْ وَأَشْهَدَهُم عَلَى أَنْفُسِهِم) (10)، ألقمه هذا الحجر ليكون شاهداً عليهم بأداء أمانتهم، وذلك معنى قول الإنسان عند استلامه: أمانتي أدّيتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي عند رّبك بالموافاة»(11).
   
وأمّا التعلّق بأستار الكعبة والالتصاق بالملتزم
فليستحضر فيه طلب القرب، حّباً لله وشوقاً إلى لقائه، تبركاً بالمماسة ورجاءً للتحصن من النار، في كلّ جزء من البيت.
ولتكن النية في التعلّق بالستر الإلحاح في طلب الرحمة(12)، وتوجيه الذهن إلى الواحد الحقّ، وسؤال الأمان من عذابه، كالمذنب المتعلّق بأذيال من عصاه، المتضرع إليه في عفوه عنه، المعترف له بأنه لا ملجأ إلاّ إليه، ولا مفزع له إلاّ عفوه وكرمه، وأنه لا يفارق ذيله إلاّ بالعفو وبذل الطاعة في المستقبل.
   
وأمّا السعي بين الصفا والمروة في فناء البيت
فمثال لتردّد العبد بفناء دار الملك، جائياً وذاهباً، مرّةً بعد أخرى، إظهاراً للخلوص في الخدمة، ورجاءً لملاحظته بعين الرحمة، كالّذي دخل على الملك وخرج وهو لا يدري ما الّذي يقضي الملك في حقّه من قبول أو ردّ، فيكون تردّده رجاء أن يرحمه في الثانية إن لم يكن رحمه في الأولى.
وليتذكّر عند تردّده بين الصفا والمروة تردّده بين كفتي الميزان في عرصة القيامة، وليمثل الصفا بكفّة الحسنات والمروة بكفّة السيّئات، وليتذكّر تردّده بين الكفتين، ملاحظاً للرجحان والنقصان، متردّداً بين العذاب والغفران.
   
وأمّا الوقوف بعرفة
فليتذكر بما يرى من ازدحام الناس، وارتفاع الأصوات، واختلاف اللغات، واتباع الفرق أئمّتهم في التردّدات على المشاعر ـ اقتفاءً لهم وسيراً بسيرتهم ـ عرصات القيامة، واجتماع الأمم مع الأنبياء والأئمة، واقتفاء كلّ أمّة أثر نبيّها، وطمعهم في شفاعتهم، وتجرّدهم في ذلك الصعيد الواحد بين الردّ والقبول.
وإذا تذكّر ذلك فيلزم قلبه الضراعة والابتهال إلى الله أن يحشره في زمرة الفائزين المرحومين، ولكن رجاؤه أغلب، فإنّ الموقف شريف، والرحمة إنّما تصل من حضرة الجلال إلى كافّة الخلائق بواسطة النفوس الكاملة من أوتاد الأرض، ولا يخلو الموقف عن طائفة من الأبدال والأوتاد وطوائف من الصالحين وأرباب القلوب.
فإن اجتمعت هممهم، وتجردت للضراعة نفوسهم، وارتفعت إلى الله أيديهم، وامتدّت إليه أعناقهم، يرمقون بأبصارهم جهة الرحمة، طالبين لها، فلا تظنّن أنه يخيب سعيهم من رحمة تغمرهم.
ويلوح لك من اجتماعهم الأمم بعرفات، والاستظهار بمجاورة الأبدال والأوتاد المجتمعين من أقطار البلاد، وهو السرّ الأعظم من الحج ومقاصده، فلا طريق إلى استنزال رحمة الله واستدرارها أعظم من اجتماع الهمم وتعاون القلوب في وقت واحد على صعيد واحد.
   
وأمّا رمي الجمار
فليقصد به الانقياد لأمر الله، وإظهار الرقّ والعبودية.
ثمّ ليقصد به التشبّه بإبراهيم (عليه السلام)، حيث عرض له إبليس في ذلك الموضع، ليدخل على حجّه شبهة، أو يفتنه بمعصية، فأمره الله تعالى أن يرميه بالحجارة، طرداً له وقطعاً لأمله(13).
فإن خطر له أنّ الشيطان عرض لإبراهيم (عليه السلام) ولم يعرض له، فليعلم أن هذا الخاطر من الشيطان، وهو الذي ألقاه على قلبه، ليخيّل إليه أنه لا فائدة في الرمي، وأنه يشبه اللعب. وليطرده عن نفسه بالجدّ والتشمير في الرمي فيه، يرغم فيه أنف الشيطان، فإنه وإن كان في الظاهر رمياً للعقبة بالحصى، فهو في الحقيقة رمي لوجه إبليس وقصم لظهره، إذ لا يحصل إرغام أنفه إلاّ بامتثال أمر الله، تعظيماً لمجرّد الأمر.
   
وأمّا ذبح الهدي
فليعلم أنّه تقرّب إلى الله تعالى بحكم الامتثال، فليكمل الهدي وأجزاءه، وليرج أن يعتق الله بكلّ جزء منه جزءاً من النار، هكذا ورد الوعد، فكلّما كان الهدي أكثر وأوفر كان الفداء به من النار أتمّ وأعمّ، وهو يشبه التقرب إلى الملك بالذبح له وإتمام الضيافة والقرى، والغاية منه تذكّر المعبود الأول سبحانه عند النية في الذبح، واعتقاد أنه متقرب به بأجزائه إلى الله.
فهذه هي الإشارة إلى أسرار الحج وأعماله الباطنة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المائدة : 82.
(2) كنز العمال 5/32 ح11921، و ص149 ح12416، مع اختلاف.
(3) الكهف : 103-104.
(4) النحل : 7.
(5) النساء : 100.
(6) راجع: نهاية الارب 21 : 326، تهذيب التهذيب 7 : 306.
(7) الوسائل 13 : 296 ح17788، وغيره.
(8) الفتح : 10.
(9) المحاسن : 65، البحار 99 : 225 ح22، مع أختلاف يسير.
(10) الأعراف : 172.
(11) الوسائل 13 : 313 ب12 من أبواب الطواف، وغيره.
(12) في بعض النسخ : الراحة.
(13) الوسائل 14 : 263 ح19153، 19154، 19156، 19157.


source : اهل بیت
  324
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

نتائج ذكر مصائب المعصومین(ع)
آداب الزيارة والزائر
الحقائق الکونیة و القرآن الکریم
الدوافع الروحية للعبادة
عمر على فراش الموت
زيد بن علي بن الحسين
تعدد المذاهب والفرق سمة وحالة لازمة ثابتة في جميع ...
الشيعة والتفسيرتدويناً وتطويراً
أهمية دراسة الشخصيات التاريخية
الترك ودورهم في عصر الظهور:

 
user comment