عربي
Tuesday 22nd of September 2020
  238
  0
  0

آية البراءة من المشركين

انطلاقاً من آية البراءة: {وأذانٌ من الله ورسوله يوم الحجّ الأكبر أنّ الله بريءٌ من المشركين ورسولُه}، دعا الإمام الخميني الحجيج الآتين من كلِّ فجٍّ عميق ليشهدوا منافع لهم ، إلى ضرورة إعلان البراءة من المشركين والمستكبرين في موسم الحج ، وفي مكة المكرّمة; ليطلقوا «بجوار بيت التوحيد صرخة البراءة من المشركين والملحدين من مستكبر رأسه أمريكا المجرمة» .
وما ركّز الإمام على آية من الآيات المباركة في فريضة الحج ، كما ركّز على آية البراءة ، حيث إنّه سلّط الأضواء الكاشفة على هذه الآية ، ودعا بكلّ قوّة وإصرار إلى تجسيدها في واقعنا المعاصر . . حتّى لا نعيش التفسير الدلالي والمفاهيمي للقرآن بعيداً عن التجسيد والتطبيق .
ولا يكاد يخلو خطاب من خطابات الإمام في موسم الحج من ذكر لآية البراءة ودعوة إلى تجسيدها في واقعنا المعاصر .
ويمكن تلخيص تفسيره الدلالي والتطبيقي لآية البراءة بالنقاط التالية:
  
أوّلاً: إعلان البراءة: إحياء لذكرى حادثة سياسية كبرى
يرى الإمام أنّ «إرسال سورة (براءة) لقراءتها في ذلك الجمع إنّما كان يستهدف تعليمنا ضرورة قراءة سورة براءة في ذلك المكان» .
كما يرى أنّ إعلان البراءة في موسم الحج يعتبر «إحياءً لذكرى أهمّ وأكبر حركة سياسية للرسول(صلى الله عليه وآله) ، التي عبّر عنها القرآن بقوله: {وأذانٌ من الله ورسوله إلى الناس يوم الحجّ الأكبر أنّ الله بريءٌ من المشركين ورسولُه} ، ذلك لأنّ سنّة الرسول(صلى الله عليه وآله)وإعلان البراءة لن يبليا» .
إنّ «إعلان البراءة من المشركين في موسم الحج ، هو إعلانٌ سياسي ـ  عبادي» .
ومهما اختلف المفسِّرون في تعيين المراد من يوم الحجّ الأكبر ـ يوم النحر كما جاء في روايات أهل البيت(عليهم السلام) أو يوم عرفة أو جميع أيّام الحج ـ فإنّ الآية المباركة واضحة في دلالتها في إعلان البراءة من المشركين في أكبر يوم من أيّام الحج ، حيث يجتمع المسلمون الآتون من كلّ فجٍّ عميق; ليشتركوا في مراسم إعلان صرخة البراءة تلك ، وليكونوا على اُهبة الاستعداد لإنفاذ أمر الله فيهم بقتال أعداء الله بعد انسلاخ الأشهر الحرم {حيث وجدتموهم} في أي زمان ومكان ، في حلٍّ أو حرم ، وبأيّ وسيلة ممكنة بالأخذ أو الحصر أو القعود لهم في كلِّ مرصد {وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصد} حتّى يفنوا عن آخرهم ، وتطهر الأرض من  وجودهم .
وقد ذكر المفسِّرون من الفريقين أنّ الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) كان قد بعث أبا بكر مع (براءة) ليقرأها على الناس فنزل جبرئيل(عليه السلام) فقال: لا يبلِّغ عنك إلاّ علي ، فأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) عليّاً أن يلحق أبا بكر ليأخذها منه ويقرأها على الناس .
فقد جاء في الدر المنثور للسيوطي: أخرج عبدالله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند ، وأبو الشيخ وابن مردويه عن علي(رضي الله عنه) قال: لمّا نزلت عشر آيات من براءة على النبي(صلى الله عليه وآله) دعا أبا بكر ليقرأها على أهل مكّة ، ثمّ دعاني فقال لي; أدرك أبا بكر فحيثما لقيته فخذ الكتاب منه . ورجع أبو بكر ، فقال: يارسول الله نزل فيَّ شيء؟ قال: لا ، ولكن جبريل جاءني فقال لي: لن يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجلٌ منك» .
وفي الدرّ المنثور كذلك: أخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعث أبا بكر ببراءة إلى أهل مكة ، ثمّ بعث علياً على أثره ، فأخذها منه فكأن أبا بكر وجد في نفسه ، فقال النبي(صلى الله عليه وآله) : يا أبا بكر إنّه لا يؤدِّي عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي»(2) .
من هذا المنطلق يعتبر الإمام أنّ إعلان البراءة يمثِّل حدثاً تاريخياً عظيماً في مسيرة الإسلام بقيادة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) ، قد حقّق انعطافة في الموقف تجاه المشركين وأعداء الدين ، وأننا إذا قمنا بإعلان البراءة في موسم الحجّ فإنّما هو تأس برسول الله(صلى الله عليه وآله) وإحياء لسنّته .
ولهذا يستنكر الإمام على فتاوى (وعّاظ السلاطين) و(علماء البلاط) من تحريمهم إعلان البراءة في مكة ، وفي موسم الحجّ ، بحجّة الأمن والسلامة وقدسيّة الكعبة المشرّفة!!
يخاطب الإمام ذلك «الواعظ العميل الذي يرى الهتاف ضدّ أمريكا واسرائيل مخالفاً لمراسم الحج» ، قائلاً: «وهل التأسّي برسول الله واتّباع أمر الله مخالف لمراسم الحجّ؟!
ومن عجب ما أوّله بعض المفسِّرين كالآلوسي في (روح المعاني) ، حيث يقول: وقوله(صلى الله عليه وآله): «لا يبلغ عنّي . . .» جار على عادة العرب أن يتولّى تقرير العهد ونقضه إلاّ رجل من الأقارب لتنقطع الحجّة بالكلّية»!! (روح المعاني / 10 / 45) .
يقول العلاّمة الطباطبائي في تفسيره (الميزان): أبدع بعض المفسِّرين كابن كثير وأترابه هنا وجهاً وجّهوا ما تتضمّنه هذه الروايات . . . أنّ تعيينه(صلى الله عليه وآله) علياً بتبليغ آيات براءة أهل الجمع إنّما هو لما كان من عادة العرب أن لا ينقض العهد إلاّ عاقده أو رجل من أهل بيته ، ومراعاة هذه العادة الجارية هي التي دعت النبي(صلى الله عليه وآله) أن يأخذ براءة ـ وفيها نقض ما للمشركين من عهد ـ من أبي بكر ويسلّمها إلى علي ليستحفظ بذلك السنّة العربية فيؤدّيها عنه بعض أهل بيته» . (الميزان /9/ 168 ـ 169) .
هل أنت وأمثالك من الوعّاظ الأمريكيين تخطِّئون فعل رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأمر  الله؟!
هل التّأسّي بتلك الشخصية الكبرى ، وإطاعة أمر الله تعالى مخالف للإسلام؟!
هل تنزّهون مراسم الحجّ من البراءة من الكفّار؟!
أتغطون على أوامر الله ورسوله من أجل مصالحكم الدنيوية ، وترون البراءة من أعداء الله من محاربي المسلمين ومن الظالمين ولعنهم كفراً؟!» .
ولم يشجب الإمام (وعّاظ السلاطين) فحسب ، بل هناك ممّن يسمّيهم آ«المتنسكين الجاهلينآ» يدّعون ـ كذلك ـ أنّ حرمة وقدسيّة الكعبة المعظّمة ، تنتهك برفع الشعارات وإقامة التظاهرات والمسيرات وإعلان البراءة!!
ويعتبر الإمام أنّ «مثل هذه الأقاويل هي من إيحاءات وخبث السياسات الخفيّة للناهبين الدوليين ، ولابدّ للمسلمين أن ينهضوا ، وبكلّ ما لديهم من إمكانات . . . لخوض المواجهة الجادّة ، والدفاع عن القيم الإلهية ومصالح المسلمين» .
   
ثانياً: الكعبة أجدر وأنسب بيت لإعلان البراءة
يتساءل الإمام متعجّباً ومستنكراً على أولئك الذين يعتبرون إعلان البراءة في موسم الحج يسيئ إلى فريضة الحج ومناسكها ، كما يسيئ إلى قداسة البيت الحرام ، قائلاً:
«وأيّ بيت أفضل وأنسب وأجدر من (الكعبة) المشرّفة ، بيت الأمن والطهارة والناس; لإعلان البراءة ، قولاً وعملاً ، بوجه كلِّ أشكال الظلم والاستغلال والعبودية والدناءة واللإنسانية؟!» .
«إذا لم يعلن المسلمون براءتهم من أعداء الله ، في بيت الناس وبيت الله ، فأين اذن يُعلنون البراءة؟!
وإذا لم يكن الحرم والكعبة والمسجد والمحراب معاقل وسنداً لجنود الله والمدافعين عن الحرم وحرمة الأنبياء ، فأين إذن يكمن مأمنهم وملجأهم؟!» .
ينطلق الإمام بنظرته هذه إلى دور الكعبة والمسجد الحرام ، من منطلق القرآن ، الذي تعطي آياته بكلّ صراحة ووضوح ذلك الدور العظيم الذي لا ينفكّ عن القيام والنهوض والبراءة من المشركين والمستكبرين .
  
الآية الاُولى: {جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس}.
يرى الإمام: أنّ الله عزّوجلّ في هذه الآية المباركة «يقرّر أنّ سرّ الحجّ وبواعثه والغاية من الكعبة والبيت الحرام هي نهوض المسلمين وقيامهم في سبيل مصالح الناس والجماهير المستضعفة في العالم» .
لقد بدأ خطابه عام 1401 والموجّه إلى حجّاج بيت الله الحرام ، بآية القيام ، أعطى فيه السبل التي تجعل من ذلك التجمّع المليوني في موسم الحج مصدر نهوض المسلمين وقيامهم في سبيل مصالح الناس المستضعفين في العالم .
ولن يتحقّق ذلك القيام إلاّ إذا وعى المسلمون الآتون من كلِّ فجٍّ عميق مقاصد وأهداف الحج الكبرى ، وعرفوا واجباتهم في ذلك «التجمّع الإلهي العظيم الذي لا تستطيع أيّ قدرة سوى قدرة الله أن تعقده» .
ودراسة مشاكل المسلمين ، وبذل الجهود في سبيل إيجاد الحلول لها ، هو الواجب الأوّل الذي يجب أن يضطلع به أولئك الحافّون حول بيت الله الحرام .
ويرى الإمام: أنّ «إحدى أكبر هذه المشاكل وأكثرها أهمّية هي عدم الوحدة بين المسلمين وتمزّقهم وتشتّتهم» .
«هذا المسجد الحرام ومساجد عصر رسول الله(صلى الله عليه وآله) كانت مركز الحروب ، ومركز السياسات والشؤون الاجتماعية والسياسية» .
«لو أننا ذهبنا إلى الحج ، ولم نأخذ بنظر الاعتبار مصالح المسلمين ، بل وخلافاً لمصالح المسلمين نغطّي على الجرائم التي ترتكب بحقّهم ، ولا ندع المسلمين يتداولون ما ترتكبه بحقّهم الحكومات والقوى الكبرى من جرائم ومظالم ، فليس هذا بحجٍّ; لأنّه صورة فاقدة للمعنى ، وشكل مفرّغ من المضمون» .
  
الآية الثانية: {وإذْ جعلنا البيت مثابةً للناس وأمناً واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركّع السجود}.
انطلاقاً من هذه الآية المباركة يرى الإمام أنّ «الكعبة التي هي أُمّ القرى وما امتدّ منها حتّى آخر نقطة في الأرض ـ وإلى آخر يوم من حياة العالم ـ ينبغي أن تطهّر من لوثة الأصنام مهما كانت هياكل أم شمساً أم قمراً أم حيواناً أم إنساناً . وأيّ منهم أسوأ من (الطواغيت) على مرّ التاريخ ، ابتداءً من زمان آدم صفي الله ومروراً بإبراهيم خليل الله ومحمّد حبيب الله . . . حتى آخر الزمان ، حيث يرفع محطّم الأصنام الأخير نداء التوحيد من الكعبة؟!» .
ويشجب الإمام النظرة الضيّقة الخاطئة للأصنام ، التي تحصرها بالأصنام الحجرية فحسب ، حيث يتساءل: «أَليست القوى الكبرى في زماننا هذا أصناماً كبرى تدعو الناس إلى طاعتها وعبادتها والخضوع لها ، وتفرض نفسها عليهم بالقوّة والمال والتزوير؟!
مكّة المعظّمة هي المركز الوحيد لتحطيم هذه الأصنام . إنّ إبراهيم الخليل(عليه السلام) ، وحبيب الله محمّداً(صلى الله عليه وآله) ، وابنه العزيز المهدي الموعود ـ روحي فداه ـ رفعوا وسيرفعون نداء التوحيد في آخر الزمان من الكعبة المشرّفة» .
«والمهدي المنتظر على لسان كلِّ الأديان وبإجماع المسلمين يَرفع نداءَه من الكعبة ، ويدعو البشرية إلى التوحيد ، والجميع يرفعون نداءهم من مكّة ، وعلينا أن نتّبعهم ، ونعلن كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة من ذلك المكان المقدّس» .
«وما لم نعقد الاجتماعات الحيّة المدويّة في مركز تجمّع المسلمين (مكة المكرّمة) ، وما لم نكسِّر الأصنام ونرجم الشياطين وعلى رأسهم الشيطان الأكبر في (العقبات) ، لن يكون حجّنا حجّ خليل الله وحبيب الله ووليّ الله المهدي العزيز ، ولقيل في حقّنا: آ«ما أكثر الضجيج وأقلّ الحجيج»! .
  
الآية الثالثة: {إنّ أوّل بيت وضع للناس للّذي ببكّة مباركاً وهُدًى للعالمين}.
هذه الآية المباركة ـ كما يرى الإمام ـ تقرّر أنّه ليس هناك أولوية ببيت الله على سائر الناس ، لشخص أو مجموعة أو طائفة . . فإنّ الناس جميعاً ، أينما كانوا ، وفي أيّ بقعة من بقاع الأرض ، في مشارقها ومغاربها ، مكلّفون أن يكونوا مسلمين ، وأن يجتمعوا في هذا البيت الذي وُضع للناس ، وأن يزوروا هذا البيت المقدّس .
«بيت الله الحرام هو أوّل بيت وضع للناس، إنّه بيتٌ عام، ليس لشخص ولا لنظام ولا لطائفة حقّ الأولوية فيه، سواء فيه أهل البادية وسكنة الصحراء والمتنقلون، والعاكفون وسكنة المدن»: سواءً العاكفُ فيه والباد.
«هذا البيت المعظّم بني للناس ، ولقيام الناس ، وللنهوض العام ، ولمنافع الناس ، وأيّ منافع أعظم وأسمى من قطع يد جبابرة العالم والظالمين من السيطرة على البلدان المظلومة» .
  
ثالثاً: صرخة البراءة هي صرخة المستضعفين المظلومين .
يرى الإمام أنّ إعلان البراءة لا يتجزّأ; لأنّه يمثِّل صرخة براءة المستضعفين والمحرومين بوجه المستكبرين الظالمين . . وبالتالي يُعبّر إعلان البراءة في موسم الحج من قبل المسلمين الآتين من أصقاع الأرض الإسلامية عن الرفض لكلّ الظالمين الذين يتحكّمون برقاب المسلمين .
يقول الإمام: «إنّ صرخة براءتنا من المشركين والكافرين اليوم هي صرخة البراءة من الظلم والظالمين ، هي صرخةُ اُمّة ضاقت ذرعاً باعتداءات الشرق والغرب ، وعلى رأسهم أمريكا وأذنابها ، وغضبُ مَن نُهب بيتها وثرواتها» . ثمّ يقول: «إنّ صرخة براءتنا هي صرخة الشعب الأفغاني المظلوم ضد الاتحاد السوفيتي» .
«وإنّ صرخة براءتنا هي صرخة الشعوب المسلمة المضطهدة في أفريقيا» .
«إنّ صرخة براءتنا هي صرخة الشعبين اللبناني والفلسطيني . .» .
«إنّ صرخة براءتنا هي صرخة جميع الذين ما عادوا يتحمّلون فرعنة أمريكا وتواجدها السلطوي . .» .
«إنّ صرخة براءتنا هي صرخة الدفاع عن الشعوب والكرامات والنواميس . .» .
«إنّ صرخة براءتنا هي صرخة الفقراء والجياع والمحرومين الذين نهب الجشعون والقراصنة الدوليون حصيلة كدِّ يمينهم وعرق جبينهم» .


source : اهل بیت
  238
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

الحكومة والمجتمع الأسلامي في عصر الغيبة
الأئمة واقفون على سلبيات الأمر
فلسفة الاخلاق في الاسلام
طقوس عيد الأضحى
معرفة الحجة بالمعجزة
المنهج البياني
مِن فضائل زیارة الحسین علیه السلام
لمحة عن منهج إبن تیمیة المعادي للشیعة
اليقين والقناعة والصبر والشکر
علامات ظهور الإمام المهدي ( عليه السلام )

 
user comment