عربي
Friday 25th of September 2020
  433
  0
  0

مناقشة مسألة الحجر الاسود

وفي بعض الاخبار : ان الحجر الأسود كان ملكا من الملائكة . أقول : ونظائر هذه المعاني كثيرة واردة في أخبار العامة والخاصة ، وهي وان كانت آحادا غير بالغة حد التواتر لفظا ، أو معنى ، لكنها ليست بعادمة النظير

في أبواب المعارف الدينية ولا موجب لطرحها من رأس .
   
أما ما ورد من نزول القبة على آدم ، وكذا سير إبراهيم إلى مكة بالبراق ، ونحو ذلك ، مما هو كرامة خارقة لعادة الطبيعة ، فهي أمور لا دليل على استحالتها ، مضافا إلى أن الله سبحانه خص أنبيائه بكثير من هذه

الآيات المعجزة ، والكرامات الخارقة ، والقرآن يثبت موارد كثيرة منها .
  
وأما ما ورد من نزول قواعد البيت من الجنة ونزول الحجر الأسود من الجنة ، ونزول حجر المقام - ويقال : انه مدفون تحت البناء المعروف اليوم بمقام إبراهيم - من الجنة وما أشبه ذلك ، فذلك كما ذكرنا كثير النظائر ، وقد

ورد في عدة من النباتات والفواكه وغيرها : انها من الجنة ، وكذا ما ورد : انها من جهنم، ومن فورة الجحيم، ومن هذا الباب أخبار الطينة القائلة : ان طينة السعداء من الجنة، وان طينة الأشقياء من النار  أو هما من

عليين، وسجين، ومن هذا الباب أيضا ما ورد : ان جنة البرزخ في بعض الأماكن الأرضية ، ونار البرزخ في بعض آخر ، وان القبر اما روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار ، إلى غير ذلك ، مما يعثر عليه المتتبع

البصير في مطاوي الاخبار ، وهي كما ذكرنا بالغة في الكثرة حدا ليس مجموعها من حيث المجموع بالذي يطرح أو يناقش في صدوره أو صحة انتسابه وإنما هو من إلهيات المعارف التي سمح بها القرآن الشريف ،

وانعطف إلى الجري على مسيرها الاخبار الذي يقضى به كلامه تعالى : ان الأشياء التي في هذه النشأة الطبيعية المشهودة جميعا نازلة إليها من عند الله سبحانه ، فما كانت منها خيرا جميلا ، أو وسيلة خير ، أو

وعاء لخير ، فهو من الجنة ، وإليها تعود ، وما كان منها شرا ، أو وسيلة شر ، أو وعاء لشر ، فهو من النار ، وإليها ترجع ، قال تعالى : ( وان من شئ إلا عندنا خزائنه ، وما ننزله إلا بقدر معلوم ) الحجر - 21 ، أفاد : ان

كل شئ موجود عنده تعالى وجودا غير محدود بحد ، ولا مقدر بقدر ، وعند التنزيل - وهو التدريج في النزول - يتقدر بقدره ويتحدد بحده ، فهذا على وجه العموم ، وقد ورد بالخصوص أيضا أمثال قوله تعالى : ( وأنزل لكم

من الانعام ثمانية أزواج ) الزمر - 6 ، وقوله تعالى : ( وأنزلنا الحديد ) الحديد - 25 ، وقوله تعالى : ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) الذاريات - 22 ، على ما سيجئ من توضيح معناها إن شاء الله العزيز ، فكل شئ

نازل إلى الدنيا من عند الله سبحانه ، وقد أفاد في كلامه : أن الكل راجع إليه سبحانه ، فقال : ( وان إلى ربك المنتهى ) النجم - 42 ، وقال تعالى : ( إلى ربك الرجعي ) العلق - 8 ، قال : ( وإليه المصير ) المؤمن - 3 ،

وقال تعالى : ألا إلى الله تصير الأمور ) الشورى - 53 ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة . وأفاد : أن الأشياء - وهي بين بدئها وعودها - تجري على ما يستدعيه بدؤها ، ويحكم به حظها من السعادة والشقاء ، والخير

والشر ، فقال تعالى : ( كل يعمل على شاكلته ) أسراء - 84 ، وقال : ( ولكل وجهة هو موليها ) البقرة - 148 ، وسيجئ توضيح دلالتها جميعا ، والغرض هيهنا مجرد الإشارة إلى ما يتم به البحث، وهو ان هذه الأخبار

الحاكية عن كون هذه الأشياء الطبيعية ، من الجنة ، أو من النار ، إذا كانت ملازمة لوجه السعادة أو الشقاوة لا تخلو عن وجه صحة ، لمطابقتها لأصول قرآنية ثابتة في الجملة، وان لم يستلزم ذلك كون كل واحد واحد

صحيحا ، يصح الركون إليه، فافهم المراد .
وربما قال القائل : ان قوله تعالى : ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل الآية ) ظاهر في أنهما ، هما اللذان بنيا هذا البيت لعبادة الله تعالى في تلك البلاد الوثنية ، ولكن القصاصين ومن تبعهم من

المفسرين ، جاؤنا من ذلك بغير ما قصه الله تعالى علينا ، وتفننوا في رواياتهم ، عن قدم البيت ، وعن حج آدم ، وعن ارتفاعه إلى السماء وقت الطوفان وعن كون الحجر الأسود من أحجار الجنة ، وقد أراد هؤلاء

القصاصون أن يزينوا الدين ويرقشوه برواياتهم هذه ، وهذه التزيينات بزخارف القول ، وان أثرت أثرها في قلوب العامة ، لكن أرباب اللب والنظر من أهل العلم يعلمون ان الشرف المعنوي الذي أفاضه الله سبحانه ، بتكريم

بعض الأشياء على بعض، فشرف البيت إنما هو بكونه بيتا لله، منسوبا إليه، وشرف الحجر الأسود بكونه موردا للاستلام بمنزلة يد الله سبحانه، وأما كون الحجر في أصله ياقوتة، أو درة ، أو غير ذلك ، فلا يوجب مزية

فيه ، وشرفا حقيقا له ، و ما الفرق بين حجر أسود ، وحجر أبيض ، عند الله تعالى في سوق الحقائق ، فشرف هذا البيت بتسمية الله تعالى إياه بيته ، وجعله موضعا لضروب من عبادته ، لا تكون في غيره - كما تقدم

- لا بكون أحجاره تفضل سائر الاحجار ، ولا بكون موقعه تفضل سائر المواقع ، ولا بكونه من السماء ، وعالم الضياء وكذلك شرف الأنبياء على غيرهم من البشر ليس لمزية في أجسامهم ، ولا في ملابسهم ، وإنما هو

لاصطفاء الله تعالى إياهم ، وتخصيصهم بالنبوة ، التي هي أمر معنوي ، وقد كان أهل الدنيا أحسن زينة ، وأكثر نعمة منهم .
قال : وهذه الروايات فاسده ، في تناقضها وتعارضها في نفسها ، وفاسدة في عدم صحة أسانيدها ، وفاسدة في مخالفتها لظاهر الكتاب . قال : وهذه الروايات خرافات إسرائيلية ، بثها زنادقة اليهود في المسلمين،

ليشوهوا عليهم دينهم ، وينفروا أهل الكتاب منه .
أقول : ما ذكره لا يخلو من وجه في الجملة ، الا انه أفرط في المناقشة ، فاعترضه من خبط القول ما هو أردى وأشنع .
أما قوله : أن هذه الروايات فاسدة أولا من جهة التناقض والتعارض وثانيا من جهة مخالفة الكتاب ، ففيه أن التناقض أو التعارض إنما يضر لو أخذ بكل واحد واحد منها ، وأما الاخذ بمجموعها من حيث المجموع ( بمعنى

أن لا يطرح الجميع لعدم اشتمالها على ما يستحيل عقلا أو يمنع نقلا ) فلا يضره التعارض الموجود فيها وإنما نعني بذلك : الروايات الموصولة إلى مصادر العصمة ، كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والطاهرين من

أهل بيته ، وأما غيرهم من مفسري الصحابة ، والتابعين ، فحالهم حال غيرهم من الناس وحال ما ورد من كلامهم الخالي عن التناقض ، حال كلامهم المشتمل على التناقض وبالجملة لا موجب لطرح رواية ، أو روايات

، إلا إذا خالفت الكتاب أو السنة القطعية ، أو لاحت منها لوائح الكذب والجعل ، كما لا حجية إلا للكتاب والسنة القطعية ، في أصول المعارف الدينية الإلهية .
فهناك ما هو لازم القبول ، وهو الكتاب والسنة القطعية وهناك ما هو لازم الطرح ، وهو ما يخالفهما من الآثار ، وهناك مالا دليل على رده ، ولا على قبوله ، وهو ما لا دليل من جهة العقل على استحالته ، ولا من جهة

النقل أعني : الكتاب والسنة القطعية على منعه .
وبه يظهر فساد اشكاله بعدم صحة أسانيدها ، فإن ذلك لا يوجب الطرح ما لم يخالف العقل أو النقل الصحيح .
وأما مخالفتها لظاهر قوله : وإذ يرفع إبراهيم القواعد الآية فليت شعري : أن الآية الشريفة كيف تدل على نفى كون الحجر الأسود من الجنة ؟ أم كيف تدل على نفى نزول قبة على البقعة في زمن آدم ، ثم ارتفاعها

في زمن نوح ؟ وهل الآية تدل على أزيد من أن هذا البيت المبني من الحجر والطين بناء إبراهيم ؟ وأي ربط له اثباتا أو نفيا بما تتضمنه الروايات التي أشرنا إليها ، نعم لا يستحسنه طبع هذا القائل ، ولا يرتضيه رأيه ‹

صفحة 294 › لعصبية مذهبية توجب نفى معنويات الحقائق عن الأنبياء ، واتكاء الظواهر الدينية على أصول وأعراق معنوية ، أو لتبعية غير إرادية للعلوم الطبيعية المتقدمة اليوم ، حيث تحكم : أن كل حادثة من

الحوادث الطبيعية ، أو ما يرتبط بها أي ارتباط من المعنويات يجب أن يعلل بتعليل مادي أو ما ينتهي إلى المادة ، الحاكمة في جميع شؤون الحوادث كالتعليمات الاجتماعية .
وقد كان من الواجب : أن يتدبر في أن العلوم الطبيعية شأنها البحث عن خواص المادة وتراكيبها وارتباط الآثار الطبيعية بموضوعاتها ذاك، الارتباط الطبيعي وكذا العلوم الاجتماعية إنما تبحث عن الروابط الاجتماعية بين

الحوادث الاجتماعية فقط .
وأما الحقائق الخارجة عن حومة المادة وميدان عملها، المحيطة بالطبيعة وخواصها وارتباطاتها المعنوية غير المادية مع الحوادث الكونية وما اشتمل عليه عالمنا المحسوس فهي أمور خارجة عن بحث العلوم الطبيعية

والاجتماعية، ولا يسعها أن تتكلم فيها أو تتعرض لاثباتها، أو تقضي بنفيها العلوم الطبيعية إنما يمكنها أن تقضي أن البيت يحتاج في الطبيعة إلى أجزاء من الطين والحجر ، وإلى بان يبنيه ويعطيه بحركاته وأعماله هيئة

البيت أو كيف تتكون الحجرة من الاحجار السود وكذا الأبحاث الاجتماعية تعين الحوادث الاجتماعية التي أنتجت بناء إبراهيم للبيت ، وهي جمل من تاريخ حياته ، وحياة هاجر ، وإسماعيل ، وتاريخ تهامة ، ونزول جرهم

، إلى غير ذلك ، وأما أنه ما نسبة هذا الحجر مثلا إلى الجنة أو النار الموعودتين فليس من وظيفة هذه العلوم أن تبحث عنه ، أو تنفى ما قيل ، أو يقال فيه ، وقد عرفت : أن القرآن الشريف هو الناطق بكون هذه

الموجودات الطبيعية المادية نازلة إلى مقرها ومستقرها من عند الله سبحانه ثم راجعة إليه متوجهة نحوه ( أيما إلى جنة أيما إلى نار ) ، وهو الناطق بكون الأعمال صاعدة إلى الله ، مرفوعة نحوه ، نائلة إياه ، مع أنها

حركات وأوضاع طبيعية ، تألفت تألفا اعتباريا اجتماعيا من غير حقيقة تكوينية ، قال تعالى : ( ولكن يناله التقوى منكم ) الحج - 37 ، والتقوى فعل ، أو صفة حاصلة من فعل ، وقال تعالى : ( إليه يصعد الكلم الطيب

والعمل الصالح يرفعه ) الفاطر - 10 ، فمن الواجب على الباحث الديني أن يتدبر في هذه الآيات فيعقل أن المعارف الدينية لا مساس لها مع الطبيعيات والاجتماعيات من جهة النظر الطبيعي والاجتماعي على

الاستقامة وانما اتكاؤها وركونها إلى حقائق ومعان وراء ذلك .
وأما قوله : إن شرف الأنبياء والمعاهد والأمور المنسوبة إليهم كالبيت والحجر الأسود ليس شرفا ظاهريا بل شرف معنوي ناش عن التفضيل الإلهي فكلام حق ، لكن يجب أن يفهم منه حق المعنى الذي يشتمل عليه

، فما هذا الامر المعنوي الذي يتضمن الشرافة ؟ فإن كان من المعاني التي يعطيها الاحتياجات الاجتماعية لموضوعاتها وموادها نظير الرتب والمقامات التي يتداولها الدول والملل كالرئاسة والقيادة في الانسان وغلاء

القيمة في الذهب والفضة وكرامة الوالدين وحرمة القوانين والنواميس فإنما هي معان يعتبرها الاجتماعات لضرورة الاحتياج الدنيوي ، لا أثر منها في خارج الوهم والاعتبار الاجتماعي ، ومن المعلوم أن الاجتماع

الكذائي لا يتعدى عالم الاجتماع الذي صنعته الحاجة الحيوية ، والله عز سلطانه أقدس ساحة من أن يتطرق إليه هذه الحاجة الطارقة على حياة الانسان ، ومع ذلك فإذا جاز أن يتشرف النبي بهذا الشرف غير

الحقيقي فليجز أن يتشرف بمثله بيت أو حجر ، وان كان هذا الشرف حقيقيا واقعيا من قبيل النسبة بين النور والظلمة ، والعلم والجهل ، والعقل والسفه بأن كان حقيقة وجود النبي غير حقيقة وجود غيره وان كانت

حواسنا الظاهرية لا تنال ذلك وهو اللائق بساحة قدسه من الفعل والحكم ، كما قال الله تعالى : ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ، ما خلقناهما إلا بالحق ، ولكن أكثرهم لا يعلمون ) الدخان - 39 ،

وسيجئ بيانه كان ذلك عائدا إلى نسبة حقيقية معنوية غير مادية إلى ما وراء الطبيعة فإذا جاز تحققها في الأنبياء بنحو فليجز تحققها في غير الأنبياء كالبيت والحجر ونحوهما وإن وقع التعبير عن هذه النسب

الحقيقية المعنوية بما ظاهره المعاني المعروفة عند العامة التي اصطلحت عليه أهل الاجتماع .
وليت شعري : ما ذا يصنعه هؤلاء في الآيات التي تنطق بتزيين الجنة وتشريف أهلها بالذهب والفضة ، وهما فلزان ليس لهما من الشرف إلا غلاء القيمة المستندة إلى عزة الوجود ؟ فما ذا يراد من تشريف أهل الجنة

بهما ؟ وما الذي يؤثره معنى الثروة في الجنة ولا معنى للاعتبار المالي في الخارج من ظرف الاجتماع ؟ فهل لهذه البيانات الإلهية والظواهر الدينية وجه غير أنها حجب من الكلام وأستار وراءها أسرار ؟ فلئن جاز أمثال

هذه البيانات في أمور نشأة الآخرة فليجز نظيرتها في بعض الأمور نشأه الدنيا .
  
  
  
تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج 1 - ص 290 - 294


source : اهل بیت
  433
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

التزاور في الله
معنى النفاق لغةً واصطلاحاً
يوم الشورى
طبيعة نشأة الشيعة
أساليب التبليغ في القرآن
المنزلة العالية
وسيلة الفوز والأمان في مدح صاحب الزمان عليه السلام
الحبّ في القرآن والروايات
عالمية الخلاص وحتمية الظهور في الفكر السياسي
الحب الرشيق

 
user comment