عربي
Monday 28th of September 2020
  471
  0
  0

الامام‌ الخميني‌ و الدفاع‌ عن‌ كيان‌ الدين‌

 ورد في‌ المسألة‌ العاشرة‌ الخاصة‌ بموانع‌ الارث‌ في‌ كتاب‌ المواريث‌ من‌ (تحرير الوسيلة‌ / ج‌ 2) للامام‌ الخميني‌ الراحل‌ ان‌: «المرتد هو من‌ خرج‌ عن‌ الاسلام‌ واختار الكفر» وهو بموجب‌ هذه‌ المسألة‌ علي‌ قسمين‌ فطري‌ وملّي‌: «والاول‌ من‌ كان‌ احد ابويه‌ مسلماً حال‌ انعقاد نطفته‌ ثم‌ اظهر الاسلام‌ بعد بلوغه‌ ثم‌ خرج‌ عنه‌...». وفي‌ تعريف‌ المرتد الفطري‌ قالت‌ (زبدة‌ الاحكام‌) انه‌ «من‌ يولد من‌ أب‌ أو أم‌ او ابوين‌ مسلمين‌ ويكون‌ مسلماً ثم‌ يكفر».

           الكاتب‌ الكشميري‌ الاصل‌ البريطاني‌ الجنسية‌ مارس‌ عملية‌ الارتداد عن‌ دينه‌ الاسلامي‌ وانتقل‌ الي‌ حالة‌ الالحاد، وكانت‌ الرواية‌ التي‌ ألّفها ونشرها باسم‌ «الايات‌ الشيطانية‌» هي‌ العنوان‌ الابرز لارتداده‌، ذلك‌ انه‌ ضمّنها بصراحة‌ كبيرة‌ افكاراً وتعبيرات‌ـ لم‌ ينكرها ولم‌ يتراجع‌ عنها لاحقاً، تحمل‌ معاني‌ الارتداد والالحاد.

           الامام‌ الخميني‌ (رض‌) تعرض‌ لمعالجة‌ مصداق‌ من‌ المصاديق‌ التي‌ ورد ذكرها في‌ المسألة‌ الشرعية‌ المتقدمة‌ وذلك‌ في‌ معالجته‌ لقضية‌ سلمان‌ رشدي‌ وكما هو معلوم‌ فان‌ الامام‌ الراحل‌ قاد مشروعاً متقدماً لتأشير مصاديق‌ المسائل‌ الفقهية‌ الرئيسية‌ وتطبيق‌ القواعد الدينية‌ في‌ شؤون‌ الحياة‌ العامة‌. وبمعني‌ آخر فانه‌ سعي‌ الي‌ نقل‌ المسائل‌ الفقهية‌ الي‌ مفردات‌ يومية‌ حيوية‌ من‌ اجل‌ ان‌ تتاح‌ لها فرصة‌ التطبيق‌ من‌ ناحية‌، ومن‌ اجل‌ نقل‌ الواقع‌ المتخلف‌ الي‌ واقع‌ تنطبق‌ عليه‌ـ ما امكن‌ـ مواصفات‌ المجتمع‌ المسلم‌ الذي‌ تحدد معالمه‌ الشريعة‌ الاسلامية‌.

           ان‌ كثيراً من‌ احكام‌ الرسالة‌ العملية‌ والمتبنيات‌ الفقهية‌ الاخري‌ للامام‌ الراحل‌ وجد طريقه‌ الي‌ التطبيق‌، وبعضه‌ لم‌ يثر اية‌ ملاحظات‌ خاصة‌، ربما لانه‌ كان‌ مع‌ تطبيقاته‌ تكراراً لاحكام‌ وتطبيقات‌ مرعية‌ سابقاً. غير ان‌ مصداق‌ الارتداد بالاضافة‌ الي‌ ندرة‌ الالتفات‌ اليه‌ في‌ المجتمع‌ الاسلامي‌ فانه‌ مصداق‌ لايمكن‌ الحكم‌ به‌ بسهولة‌ لدقته‌ وخطورة‌ النتائج‌ التي‌ تترتب‌ عليه‌.

 


           وعلي‌ الصعيد العملي‌ فان‌ مصداق‌ الارتداد في‌ مسألة‌ سلمان‌ رشدي‌ قد اثار جدلاً واسعاً وتحديات‌

ود افعال‌ مختلفة‌ مما يتطلب‌ التوقف‌ والتأمل‌.

           خلاصة‌ القضية‌ ان‌ سلمان‌ رشدي‌، وهو كاتب‌ روايات‌ وقصص‌ قصيرة‌، بريطاني‌ الجنسية‌ ذو اصل‌ مسلم‌ من‌ كشمير، ولد مسلماً من‌ ابوين‌ مسلمين‌ في‌ مدينة‌ بومباي‌ الهندية‌ ودرس‌ في‌ مدارسها التبشيرية‌ ثم‌ سافر الي‌ بريطانيا حيث‌ واصل‌ هناك‌ وهو في‌ سن‌ الثالثة‌ عشر دراسته‌، واخيراً انهي‌ دراسته‌ الجامعية‌ في‌ الادب‌ في‌ جامعة‌ كمبردج‌. ألّف‌ هذا الكاتب‌ القصصي‌ رواية‌ الا´يات‌ الشيطانية‌ التي‌ تعرض‌ فيها بشكل‌ سافر ومشين‌ لحياة‌ الرسول‌ الاكرم‌ (ص‌) واستهان‌ بنصوص‌ القرآن‌ الكريم‌ واحكام‌ الشريعة‌.

           التكييف‌ الاولي‌ لهذا العمل‌ يتلخص‌ في‌ انه‌ تراجع‌ عن‌ العقيدة‌ الاسلامية‌ التي‌ يفترض‌ في‌ سلمان‌ رشدي‌ انه‌ ولد عليها واعتنقها، وذلك‌ في‌ المصطلح‌ الشرعي‌ ارتداد عن‌ الدين‌ الاسلامي‌.

           والواقع‌ ان‌ هذا الكاتب‌ المرتد لم‌ يعبر في‌ روايته‌ سيئة‌ الصيت‌ عن‌ خيالات‌ اديب‌ وقتية‌ كتلك‌ التي‌ ينجرّ اليها الشاعر في‌ لحظات‌ سحر معينة‌ وانما كان‌ يعبر فيها عن‌ توجه‌ عقيدي‌ تحول‌ بموجبه‌ عن‌ الدين‌ الذي‌ يحمله‌ وهو الاسلام‌. وهذا امر تؤكده‌ كتابات‌ وتصريحات‌ رشدي‌ الاخري‌، ومنها رسالة‌ بعث‌ بها الي‌ راجيف‌ غاندي‌ رئيس‌ وزراء الهند السابق‌ حيث‌ صرح‌ بانه‌ (ملحد).

           واذا لم‌ نكن‌ هنا في‌ مقام‌ بيان‌ الموقف‌ الفقهي‌ وشرح‌ كيفية‌ الاستدلال‌ المؤدية‌ الي‌ اعتبار سلمان‌ رشدي‌ مرتداً لان‌ ذلك‌ ليس‌ من‌ صميم‌ اختصاصنا فاننا نكتفي‌ بالاشارة‌ الي‌ ان‌ الامام‌ الخميني‌ الراحل‌ (رض‌) قد فحص‌ الحالة‌ هذه‌ ووجد انها مصداق‌ للارتداد الفطري‌ واصدر حكمه‌ القاضي‌ باعدام‌ سلمان‌ رشدي‌ وناشري‌ كتابه‌ «الا´يات‌ الشيطانية‌» العارفين‌ بمحتواه‌.

           لقد مر حتي‌ الان‌ علي‌ هذا الحكم‌ حوالي‌ احدي‌ عشرة‌ سنة‌، اذ كان‌ قد صدر في‌ السابع‌ من‌ رجب‌ عام‌ 1409 ومازالت‌ المناقشات‌ الدائرة‌ حوله‌ علي‌ مستويات‌ مختلفة‌ حارة‌ متجددة‌. فماهي‌ الابعاد التي‌ جعلت‌ من‌ قرار الامام‌ الراحل‌ قراراً تاريخياً له‌ كل‌ هذه‌ الاهمية‌؟

 القرار بين‌ الدين‌ والسياسة‌

           هل‌ كان‌ قرار الحكم‌ باعدام‌ سلمان‌ رشدي‌ وناشري‌ كتابه‌ حكماً فقهياً ام‌ سياسياً؟ لعل‌ هذا التساؤل‌ هو اول‌ واهم‌ التساؤلات‌ التي‌ اثارها القرار.


           والحق‌ اننا اذا نظرنا الي‌ القرار من‌ زاوية‌ منطوقه‌ وجدناه‌ حكماً شرعياً في‌ المقام‌ الاول‌، ذلك‌ ان‌ لفظ‌ الحكم‌ بالاعدام‌ انما يختص‌ بالصياغات‌ القانونية‌ لا السياسية‌ وان‌ السبب‌ الذي‌ اورده‌ الامام‌ الراحل‌ (رض‌) في‌ حكمه‌ كمبرر لهذا الحكم‌ هو ان‌ الكتاب‌ المشؤوم‌ موضوع‌ البحث‌ قد «اعد وطبع‌ ونشر بهدف‌ الاساءة‌ الي‌ الاسلام‌ والنبي‌ والقرآن‌» تلك‌ الاساءة‌ التي‌ بلغت‌ مبلغ‌ الارتداد عن‌ الدين‌ الذي‌ يحمله‌ المؤلف‌، ومعلوم‌ ان‌ القتل‌ هو حكم‌ المرتد في‌ هذه‌ الحالة‌.

           يؤيد هذا الذي‌ نذهب‌ اليه‌ ان‌ الحكم‌ المذكور قد حصل‌ علي‌ تعضيد خاص‌ من‌ قبل‌ الفقهاء المسلمين‌ علي‌ اختلاف‌ مذاهبهم‌، وقد اشاروا في‌ تاييدهم‌ للحكم‌ الي‌ انه‌ يعبر عن‌ الموقف‌ الشرعي‌ الاسلامي‌ من‌ واقعة‌ الارتداد الفطري‌. وفي‌ هذه‌ المناسبة‌ نشير الي‌ ان‌ قائد الثورة‌ الاسلامية‌ باعتباره‌ (اماماً) قد مارس‌ دور القاضي‌ بما له‌ من‌ صلاحيات‌ (الامام‌) الشرعية‌ لا الدستورية‌ حيث‌ ان‌ دستور الجمهورية‌ الاسلامية‌ لا ينص‌ علي‌ صلاحية‌ قضائية‌ كهذه‌ لولي‌ الامر، وان‌ كانت‌ المادة‌ السابعة‌ والخمسون‌ قد نصت‌ علي‌ ان‌ سلطات‌ الدولة‌ الثلاث‌ انما تمارس‌ باشراف‌ ولي‌ الامر المطلق‌ وامام‌ الامة‌، والمادة‌ السابعة‌ والخمسون‌ بعد المائة‌ قد نصت‌ علي‌ ان‌ رئيس‌ السلطة‌ القضائية‌ يعيّن‌ من‌ قبل‌ القائد.

           غير ان‌ ما تقدم‌ لايتعارض‌ مع‌ القول‌ ان‌ الامام‌ الراحل‌ (رض‌) وهو يصدر حكمه‌ الشرعي‌ علي‌ المرتد سلمان‌ رشدي‌ قد درس‌ المسألة‌ في‌ ابعادها المختلفة‌ بما في‌ ذلك‌ البعد السياسي‌ سواء ما تعلق‌ منه‌ زمنياً بمرحلة‌ ما قبل‌ القرار او ما بعده‌، وبعبارة‌ اخري‌ فاننا نري‌ ان‌ الامام‌ (رض‌) قد درس‌ البواعث‌ السياسية‌ لصدور كتاب‌ الا´يات‌ الشيطانية‌ كما درس‌ الاثار السياسية‌ المترتبة‌ علي‌ قرار الحكم‌ الذي‌ يريد اصداره‌، و ذلك‌ قبل‌ ان‌ يصدر فعلاً.

           ان‌ الضجة‌ التي‌ اثارها الغرب‌، ومازال‌ يتابعها باشكال‌ مختلفة‌، حول‌ حكم‌ الامام‌ علي‌ المرتد سلمان‌ رشدي‌ لم‌ تكن‌ غائبة‌ عن‌ توقعات‌ الامام‌، ولذلك‌ فانه‌ لم‌ يفاجأ بها عندما وقعت‌، وتعامل‌ معها بطريقته‌ المعهودة‌ التي‌ تتلخص‌ بالثبات‌ علي‌ المبدأ وعدم‌ التراجع‌. ولعل‌ الاهم‌ من‌ ذلك‌ انه‌ درس‌ ظروف‌ نشر الكتاب‌ المشؤوم‌، وشخّص‌ العوامل‌ السياسية‌ الكامنة‌ وراءه‌، مما اعطي‌ لقرار حكمه‌ قوة‌ مضافة‌ ولموقفه‌ اللاحق‌ من‌ رددود الفعل‌ الغربية‌ صلابة‌ واصراراً. وقد اشار منطوق‌ الحكم‌ الي‌ واحد من‌ دواعي‌ الطلب‌ من‌ المسلمين‌ اعدام‌ المرتد سلمان‌ رشدي‌ وهو ان‌ «لايتجرأ احد علي‌ التعرض‌ بالاهانة‌ لمقدسات‌ المسلمين‌» واعتبر الامام‌


 (رض‌) هذه‌ المسألة‌ من‌ الاهمية‌ بحيث‌ ان‌ الذي‌ يقتل‌ في‌ سبيلها سيكون‌ شهيداً.

 حساب‌ الارباح‌ والخسائر

           بعد المدة‌ التي‌ مرت‌ حتي‌ الان‌ علي‌ صدور حكم‌ الامام‌ الراحل‌ باعدام‌ المرتد سلمان‌ رشدي‌، ومن‌ خلال‌ دراسة‌ الوقائع‌ اللاحقة‌ المتعلقة‌ به‌ هل‌ يمكن‌ وضع‌ جدول‌ بالارباح‌ والخسائر التي‌ نتجت‌ عن‌ القرار؟ وهل‌ يمكن‌ تقييم‌ القرار من‌ خلال‌ هذا الجدول‌؟

           الاجابة‌ الاولية‌ تقول‌ بان‌ الحكم‌ الذي‌ صدر مادام‌ حكماً شرعياً فان‌ حساب‌ الارباح‌ والخسائر يصبح‌ حساباً غير ذي‌ بال‌ ذلك‌ ان‌ مايهم‌ المؤمن‌ هو تطبيق‌ الاحكام‌ الشرعية‌ مهما كانت‌ تكاليفها، وانه‌ لسعيد ان‌ يوفق‌ الي‌ مثل‌ ذلك‌ التطبيق‌ اذا كانت‌ التكاليف‌ باهضة‌. وهنا ينبغي‌ الاشارة‌ الي‌ ان‌ الامام‌ الراحل‌ (رض‌) وهو يتوقع‌، ثم‌ يلاحظ‌ الخطوات‌ التي‌ مارستها اطراف‌ دولية‌ معينة‌ لاسيما في‌ الغرب‌ للضغط‌ علي‌ ايران‌ و ارغامها علي‌ التراجع‌ عن‌ القرار موضوع‌ البحث‌، قد اكد علي‌ ان‌ تلك‌ الضغوط‌ لايمكن‌ ان‌ تنتج‌ شيئاً مما يرمون‌ اليه‌، وفي‌ بيان‌ له‌ حول‌ ذلك‌ قال‌ الامام‌ (رض‌) «لعل‌ الاستكبار الغربي‌ قد توهم‌ اننا سنتخاذل‌ بمجرد التلويح‌ باسم‌ السوق‌ المشتركة‌ والمحاصرة‌ الاقتصادية‌ ونغض‌ النظر عن‌ تنفيذ حكم‌ ربنا العظيم‌» وهكذا فان‌ قرار سحب‌ السفراء الاوربيين‌ من‌ طهران‌ والتهديدات‌ المختلفة‌ الاخري‌ لم‌ تنتج‌ شيئاً  يذكر في‌ هذا السبيل‌.

           غير ان‌ الذي‌ ينبغي‌ ذكره‌ ايضاً ان‌ هناك‌ حساباً خاصاً للارباح‌ والخسائر يتضمنه‌ كل‌ حكم‌ شرعي‌ قبل‌ صدوره‌. وبكلمة‌ اخري‌ فان‌ الاحكام‌ الشرعية‌، وبالتحديد ما يبينه‌ كتاب‌ القضاء من‌ حدود وقصاص‌ و تعزيرات‌، تتضمن‌ بذاتها مصالح‌ معينة‌ محسوبة‌ مقدماً. ومن‌ هذه‌ الزاوية‌ فان‌ العقوبات‌ الوضعية‌ لاتختلف‌ كثيراً في‌ المبررات‌ التي‌ تعتمدها عن‌ العقوبات‌ الاسلامية‌، ذلك‌ ان‌ فلسفة‌ العقوبة‌ تقوم‌ في‌ الاساس‌ علي‌ منع‌ تكرار الجريمة‌ وان‌ اختلفت‌ اشكالها وتقديراتها بحسب‌ الاحوال‌ والقوانين‌، واذا كانت‌ المدارس‌ العقابية‌ قد انتهت‌ الي‌ وجوب‌ عدم‌ تضمين‌ العقوبة‌ مشاعر انتقامية‌ فان‌ الاسلام‌ منذ نزل‌ نادي‌ بكرامة‌ الانسان‌ واخذ هذا الشعار بنظر الاعتبار في‌ كافة‌ تشريعاته‌ ولم‌ تتعد حالات‌ الاعدام‌ المقررة‌ في‌ العقوبات‌ الاسلامية‌ الجرائم‌ الاكثر شدة‌ وضرراً، وهي‌ جرائم‌ معدودة‌.

           وبالتالي‌ فان‌ حساب‌ الارباح‌ والخسائر مأخوذ بنظر الاعتبار في‌ اساس‌ تعيين‌ العقوبات‌ الاسلامية‌، بل‌ و


 في‌ سائر الاحكام‌ الاسلامية‌ الاخري‌.

           و اما حساب‌ الارباح‌ والخسائر الذي‌ يعنون‌ به‌ النتائج‌ المادية‌ من‌ اقتصادية‌ وسياسية‌ وغيرها مما ترتب‌ علي‌ حكم‌ الامام‌ علي‌ المرتد سلمان‌ رشدي‌ فانه‌ بعد التمحيص‌ يدل‌ علي‌ رحجان‌ كفة‌ الارباح‌ في‌ الجانب‌ الاسلامي‌ وذلك‌ لما حصلت‌ عليه‌ الدولة‌ الاسلامية‌ من‌ دعم‌ وتاييد من‌ المسلمين‌ والمستضعفين‌ في‌ انحاء العالم‌ من‌ خلال‌ كون‌ القرار التزاماً بالمبدأية‌ الاسلامية‌، وكذلك‌ ما حصلت‌ عليه‌ من‌ نتائج‌ عملية‌ علي‌ صعيد علاقاتها بالدول‌ التي‌ هددتها وطلبت‌ اليها التراجع‌ عن‌ حكم‌ الاعدام‌ الصادر بحق‌ المرتد المذكور، وهذا ما يتضح‌ من‌ مقارنة‌ مواقف‌ تلك‌ الدول‌ في‌ وقت‌ صدور القرار ثم‌ صدور تهديداتها، وبين‌ مواقفها الان‌ وما اشّرته‌ مسيرة‌ تلك‌ الدول‌ من‌ تنازل‌ امام‌ الاصرار الاسلامي‌ علي‌ التعامل‌ نداً لند.

           و اما اذا تذكرنا هدفية‌ صدور الكتاب‌ وانه‌ كان‌ يمثل‌ مؤامرة‌ واضحة‌ علي‌ الاسلام‌ والصحوة‌ الاسلامية‌ فان‌ الاصرار علي‌ الحكم‌ الصادر بشأنه‌ يأتي‌ في‌ محله‌، لان‌ مؤامرة‌ من‌ هذا القبيل‌ كان‌ لابد لها من‌ ان‌ تواجه‌ مواجهة‌ جادة‌ ثابتة‌. ويذكر ان‌ الصحوة‌ التي‌ خلقها الحكم‌ باعدام‌ المرتد رشدي‌ لدي‌ الدول‌ الاسلامية‌ قد اصبحت‌ قيداً وطوقاً حقيقياً يقيد كل‌ اولئك‌ الذين‌ كانوا يفكرون‌ باصدارات‌ شيطانية‌ مماثلة‌، وحصلت‌ حالات‌ محاسبة‌ لكتاب‌ آخرين‌ في‌ دول‌ اسلامية‌ معينة‌ علي‌ اثر ما حدث‌ لسلمان‌ رشدي‌.

 اوجه‌ اخري‌ للحساب‌

           ان‌ قرار الحكم‌ موضوع‌ البحث‌ رغم‌ انه‌ لم‌ ينفذ بعد الا انه‌ استوفي‌ عدداً من‌ اغراضه‌ وذلك‌ مفهوم‌ للذين‌ يتأملون‌ في‌ اوجه‌ الحساب‌ الاخري‌ التي‌ نذكر منها:

           1) ان‌ هناك‌ عمليات‌ ارتداد مشابهة‌ كانت‌ تنتظر من‌ يوقف‌ تاثيراتها ويبادر الي‌ وضع‌ النقاط‌ علي‌ الحروف‌ بشأنها، وتلك‌ مهمة‌ قام‌ بها قرار الامام‌ الجري‌ء، اذ كان‌ من‌ نوع‌ الافعال‌ المبادرة‌ التي‌ تصنع‌ الاحداث‌ ولا تلهث‌ خلفها.

           2) ان‌ حكم‌ الامام‌ كان‌ بمثابة‌ فعل‌ تعبوي‌ للامة‌ داخل‌ ايران‌ وخارجها خلق‌ صحوة‌ ثقافية‌ اسلامية‌ في‌ مواجهة‌ التغريب‌ والتشريق‌ والالحاد بشكل‌ خاص‌، وهكذا فقد كان‌ جزءاً من‌ عملية‌ تحصين‌ للامة‌ امام‌ الاخطار المحدقة‌ ومنها عمليات‌ الانتحار العقائدي‌ المتمثل‌ بالارتداد.

           3) لقد كان‌ حكم‌ الامام‌ رسالة‌ الي‌ كل‌ من‌ ينوي‌ شراً بهذه‌ الامة‌ ثقافياً وعقائدياً، وبالتالي‌ فقد كان‌ جزءاً


 

 من‌ عملية‌ ادارة‌ الصراع‌ مع‌ الاعداء المتربصين‌ والذي‌ يتخذ اوجهاً متعددة‌ سياسية‌ وثقافية‌ وعسكرية‌... الخ‌.

           4) ان‌ حكم‌  الامام‌ كان‌ بياناً لنموذج‌ من‌ نماذج‌ الاحكام‌ الشرعية‌ ذات‌ الابعاد الحياتية‌ اليومية‌ التي‌ تهمّ المواطن‌ المسلم‌ ولم‌ يكن‌ نوعاً من‌ (الترف‌ القضائي‌) الذي‌ يدبّج‌ النظريات‌ والصياغات‌ في‌ مسألة‌ يندر ان‌ يبتلي‌ بها احد. وبالتالي‌ فان‌ الفقه‌ استطاع‌ ان‌ يقدم‌ للحياة‌ اليومية‌ للمواطن‌ نموذجاً لما يمكن‌ ان‌ يلعب‌ من‌ دور اجتماعي‌.

           5) ان‌ حكم‌ الامام‌ كان‌ نقلة‌ موضوعية‌ كبيرة‌ لامكانيات‌ الفعل‌ الاسلامي‌ الذي‌ يعتمد المبدأية‌ كقاعدة‌ ومسار وهدف‌، وقد كان‌ بهذا بمثابة‌ هجوم‌ واسع‌ النطاق‌ للدفاع‌ عن‌ النفس‌ وهو مام‌ يسمي‌ بالدفاع‌ باسلوب‌ الهجوم‌، بالرغم‌ من‌ معرفتنا بان‌ الذي‌ شن‌ الهجوم‌ حقيقة‌ هو صاحب‌ كتاب‌ الا´يات‌ الشيطانية‌ وناشروه‌. اما هجوم‌ الامام‌ للدفاع‌ عن‌ النفس‌ فكان‌ يعتبر هجوماً كما اشرنا وذلك‌ نسبة‌ الي‌ الحالة‌ التي‌ كان‌ يعيشها العالم‌ الاسلامي‌ في‌ اطار الهجومات‌ الثقافية‌ التي‌ تشن‌ عليه‌ بشراسة‌ ولؤم‌ في‌ ساحات‌ خالية‌ من‌ المقاومة‌ المطلوبة‌.

  471
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

مما یدعی فی ربیع الاول
الزواج في القرآن
مفاتيح الجنان(1_200)
شهادة الإمام الجواد (عليه السلام)
علي الأكبر شبيه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
أهمية التربية في الإسلام
يا دعبل ارث الحسين
السرّ الرابع - خواصّ الشيعة زوّار الإمام (عليه السلام)
نبذ من غريب كلام الإمام علي عليه السلام وشرحه لإبن ...
المنهج اللغوي

 
user comment