عربي
Thursday 24th of September 2020
  420
  0
  0

الامداد الغيبي في حياة البشرية

الغيب يحيط بنا في حياتنا المادية والمعنوية، وكلّ الموجودات تستمد وجودها من الغيب، ولكن ثمة امداد غيبي خاص يتجلّى أحيانا بصورة تهيئة الظروف المناسبة للتوفيق، وأحيانا بصورة هداية وتفتح ويقظة. وهذا الامداد بحاجة إلى بذل الجهد والسعي والاخلاص وحسن النية. المدرسة الإلهية لا تنظر إلى العالم نظرة المحايد في موقفه تجاه أصحاب الحق والباطل بل تراه مناصرا للسائرين على طريق الحق والعدالة والاستقامة. الالهام والاشراق نوع من المدد الغيبي الذي يلمسه العلماء في جهودهم العلمية، وبذلك يقول العلماء المسلمون والغربيون. وثم الامداد الغيبي الاجتماعي، ومسألة المهدي عليه السلام تأتي في هذا السياق لتؤكد أن مستقبل العالم مضمون بامداد غيبي لنصرة أهل الحق.

عنوان بحثنا ـ كما علمتموه من خلال بطاقات الدعوة ـ هو «الإمداد الغيبي في حياة البشرية».

لقد كنت على علم بأن هذا العنوان الذي اتخذته لبحثي هذا اليوم سيثير استغراباً وتشكيكاً عندما يظن بعض السذج أني سأطرح موضوعاً عن تسخير الجن أو حل الطلاسم أو غيرها من الموضوعات الخرافية.

ومن المؤكد أن نفرا عند سماعه عنوان «الامداد الغيبي» سوف يرفع عقيرته قائلا: نحن في عصر العلم والتجربة والفضاء، وكل شيء قد خضع اليوم لسيطرة حواس الإنسان!! فما هو دور الإمداد الغيبي في هذا العصر؟! عصر النور، حيث أضحى البحث عن الغيب وماوراء الطبيعة دون معنى ولا طائل تحته!!

نعم، كنت أعي كل هذه الملاحظات، عندما عمدت إلى انتخاب هذا العنوان الذي طالما أثار تساؤلا واستنكاراً، وإنما اخترته لأنه سيثير انتباها أكثر إلى ما سيطرح في هذا البحث.

ينبغي أن أذكر أولا، أن المسألة عكس ما يثار حولها عادة من ظنون وشكوك.

إن هذا الإنكار والإعراض، والادعاء بأن الحديث عن الغيب لا يجد مكاناً في عصر العلم، هو مخالف للعلم وللروح العلمية تماماً.

إنه جهل بل مرحلة دون مرحلة الجهل!!

وهل هناك مرحلة تتسافل عن مرحلة الجهل؟!

نعم، إنها الجمود..

على الصعيد المالي والاقتصادي هناك ماهو دون الفقر، إنه الغرور، والاتكال على مافي اليد، أي حينما يفكر الفرد بأن ما عنده يغنيه عن السعي والفكر، فإن هذا أشد مأساة من الفقر وأكثر خطراً منه.

الجهل قبيح لأنه عدم وفقدان علم. ولكن ، كم من جاهل سعي لينهل من العلم ما يوصله إلى مستوى العلماء!!.. وكم من عالم ركبه الغرور، وخال أنه استوعب العلم بكل أطرافه، فراح يعلن عن كبريائه وخيلائه ليملأ الدنيا جهلا وظلاما!!

إن علم البشر لاثقل له في ميزان حقيقة هذا الكون وهو ضئيل بالنسبة إلى كل ما ينطوي عليه الوجود من علوم ) وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلاً(.

إن العالم حقاً هو الذي لا يقبل شيئاً دونما دليل ولا ينكر شيئاً أيضا من غير دليل.

ليس الجامد والمغرور بالعالم،وهكذا الذي يقبل وينكر دونما دليل. إنه أقرب إلى خزانة من المعلومات والصيغ، قد اختزن كل ما أعطي، دون أن يكون له وعي ومقياس في الرد والقبول. وبعبارة أخرى، فهو فاقد للروح العلمية.

إذا التقيتم بشخص يحمل شهادات دراسية في ألوان الفنون والعلوم، ولكنه يقبل ويرد دونما دليل وبرهان، فاعلموا أنه ليس بعالم حقيقي.

ليس من خصائص العلم أن يبعث في نفس حامله الغرور، بل العلم يبعث البشرية على أن تخضع للحقائق، وتسلم بها، ويجعلها تتخذ موقف الدقة والحذر في الرد والقبول.

الجمود الأدنى والأحط من الجهل، هو الروح المخالفة للدقة والتحقيق. وهو الذي يسلب من البشر الاندفاع المقدس نحو البحث والتعمق.

وطالما كان الجمود أقبح من الجهل، فإن روح البحث والتحقيق أسمى من العلم نفسه. العلم يبعث على التقديس والاحترام حينما تؤازره روح البحث العلمي. وهذه الروح تبدأ من نقطة يحس معها الإنسان بنقص معلوماته ومعارفه.

ومن طريف ما قيل، ان العلم له ثلاث مراحل، فما إن يلج الإنسان مرحلته الأولى حتى يركبه الغرور وتعتريه الكبرياء، ويخال أنه يعلم كل شيء. وحينما يصل إلى المرحلة الثانية تظهر عليه سيماء التواضع لأنه يرى ضآلة ما يعلمه بالنسبة لما يجهله. لكنه حينما يصل المرحلة الثالثة يدرك أنه لا يعلم شيئاً، ويصبح من الواضح عنده أنه لم يتضح له شيء بعد.

أنشتاين ـ وهو أجل علماء الرياضيات والطبيعيات في عصرنا بلا منازع ـ يقول في مقدمة الخلاصة الفلسفية لنظريته النسبية:

إن الإنسان بعد توغله في الفيزياء الحديثة يستطيع أن يدعي بأنه اطلع على الحروف الابجدية لكتاب الطبيعة لا أكثر.

أي إن الإنسان في تعرفه على حقائق الكون كطفل قد طوى لتوّه مرحلة تعلم حروف الكتابة فحسب، وما أطول المدة التي يحتاجها هذا الطفل كي يستطيع أن يقرأ الكتب العلمية المدونة بتلك الحروف!!

أنا لا أريد اليوم أن أفرض عليكم مقولتي، بل الذي أريده هو أن أتخذ موقف المتحدث الديني في هذا المقر العلمي، لأقوم بالدور الذي نهض به الدين إزاء العلم، عندما كان الدين هادياً للعلم نحو الدقة والتحقيق.

يقول وليم جيمس: إن الدين يحدثنا عن أمور يستحيل على العقل والعلم ادراكها ابتداءاً. لكن هذه الرموز ـ التي حدثنا عنها ـ دفعت العقل إلى أن يبحث ويحقق ومن ثمّ توصل إلى نتائج باهرة.

العلماء يجمعون على أن الدين كان المحرك الأول لكثير من المسائل العلمية التي توصلت إليها البشرية اليوم.

 

ماهو الغيب؟

الغيب يعني الخفاء، ماوراء الستار، أي هو الشيء الذي غاب عن حواسنا، وخرج عن دائرة الإدارك الحسي.

وردت كلمة الغيب مراراً في القرآن الكريم، فتارة ذُكرت وحدها، كما في قوله تعالى:
 )الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ( ) وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ …( .

الفلاسفة المسلمون استفادوا من هذا التعبير القرآني فسموا الطبيعة المادية «الشهادة» واصطلحوا على عالم الملكوت بعالم «الغيب».

الادب العرفاني الفارسي تحدث عن عالم الغيب، بتعبيرات دقيقة رائعة نجدها منتشرة في أشعار حافظ والخيام والمولوي وسعدي.

الإيمان بعالم الشهادة لا يتطلب أكثر من الحواس. وتسمية هذا العالم بعالم الشهادة تنطلق من كون هذا العالم محسوساً ملموساً. من هنا لا نحتاج إلى مرشد يوجهنا للإيمان بهذا العالم، بل نحتاج إلى مُعلم يهدينا سبل البحث والتحقيق لنتعرف أكثر فأكثر على حقائق عالم الشهادة.

غير أن هذه الحواس قاصرة عن الإيمان بعالم الغيب. وهنا تبدأ وظيفة العقل ـ وهو المرحلة الغيبية من وجودنا ـ في إدراك هذا العالم المجهول، بل لعل الاطلاع على هذا العالم يتطلب قوة ادراك أكثر خفاء من العقل.

الأنبياء هداة وأدلاء على عالم الغيب، بعثوا لكي يدعوا الناس للإيمان بهذا العالم وبما وراء الحس الظاهر، وليكونوا حلقة اتصال، وليوصلوا الناس إلى المدد الغيبي في الاحوال والظروف الخاصة.

لم يكتف الأنبياء بدعوة الناس إلى الإيمان بوجود الغيب، بل عملوا على إيجاد رباط بينهم وبين ذلك العالم.. وهنا تبدأ العلاقة العملية بين الحياة البشرية وبين الغيب.

 

ستار الغيب

ذكرنا أن الغيب يعني الخفاء.. ماوراء الستار.

فما هو هذا الستار الذي حال بيننا وبين الرؤية؟

هل هو في الواقع ستار ينبغي أن يزاح كي نستطيع أن نرى وندرك؟

أم هو كناية عن حقائق أخرى؟

لقد ورد ما يرادف كلمة الستار في القرآن الكريم عند حديثه عن أهل القيامة:
 )لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ( (قّ:22).

وفي حديث لامير المؤمنين علي (عليه السلام) قال: «لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا».

إن هذا الغطاء ليس جسما مادياً طبعاً، إنه التعبير عن الإطار الذي تتحدد به حواسنا في إدراكها.

 

محدود وغير محدود

إن الموجودات تنقسم ـ بحسب التقسيم العقلي ـ إلى محدودة وغير محدودة. وحينما تُعرف المحدودات فإن غيرها سيتضح تلقائياً.

إنكم تجلسون الآن في مكان معين، وتشغلون حيزاً محدوداً من الفراغ. وإن أردتم الجلوس في مكان آخر يلزمكم ترك المكان الأول لتتحركوا إلى المكان الثاني. أي إنكم لا تستطيعون إشغال المكانين في آن واحد، فأنتم من ناحية المكان محدودون ـ إذن ـ بمكان معين.

وهكذا من ناحية الزمان، فنحن موجودون في الزمن الحاضر، وغير موجودين في زمن مضى، ولا في زمن لم يأت بعد.

أما لو تسنى لموجود أن يكون غير محدود في زمان أو مكان، أي أن لا يخلو منه زمان ولا مكان، بل هو في كل زمان ومكان، ومهيمن على الزمان والمكان، عند ذاك تعجز حواسنا عن إدراك هذا الموجود.

نحن نستطيع أن نرى الموجود حينما يكون محدوداً ومستقراً في جهة معينة، وله شكل معين، ويمكن أن يشار اليه. أما إذا لم يكن محدودا، وليس له شكل أو جهة، فتستحيل علينا رؤيته.

نحن نستطيع أن نسمع صوتاً حينما يكون موجوداً حيناً، وغير موجود حيناً آخر. أما إذا امتد الصوت في دويّ واحد، واستمر دونما انقطاع في وصوله إلى أذننا، فلا نستطيع سماعه إطلاقاً.

يقول الغزالي: نحن نستطيع أن نعرف النور لأنه موجود تارة، وغائب تارة أخرى، ولأنه مرئي في مكان ومفقود في مكان آخر. ولو قُدر للعالم أن يكون مضيئاً باستمرار وبشكل واحد، وليس ثم ظل ولا ظلام، ولا غروب ولا أفول، لجهلنا ـ عند ذاك ـ معنى النور الذي هو أظهر الأشياء، بل المُظهِر لكل الأشياء الأخرى.

إننا نعرف النور ـ إذن ـ بنقيضه، وهو الظلمة. وعن طرق هذا النقيض نسلّم بوجوده.

يقول المتصوفة والعرفاء: إن الله قد اختفى لشدة ظهوره، فهو قد خفي لأنه لا يغيب، ولا يخلو منه زمان ومكان.

يا من هو اختفى لفرط نوره          الظاهر الباطن في ظهوره

الشاعر الفارسي يمثل لهذه المسألة بأسلوب جميل فيقول:

كانت هناك سمكة تسبح في البحر

وكانت مثلي ذات ادراك ضيق الأفق

لم تعان يوماً أذى من صياد

ولا عدمَ ارتياح من شباك الصيد

لم تحس يوماً بعطش.. ولا بحرارة شمس

لقد وعت يوما على صوت أناس..

ينادون: واعطشاه! أين الماء؟

رجعت السمكة إلى نفسها تفكر في هذا الماء

ما هذا الاكسير الذي يحيي كل شيء؟!

إذا كان هو أساس الحياة..

فَلِمَ يا ربِّ قد حجبته عنّي؟!

*  *  *

لم يكن يتجلّى أمام ناظريها صباح مساء سوى الماء..

إنها كانت تعيش بكنفه باطمئنان، ولكنها كانت تجهله..

كانت غافلة عن النعمة التي تعيش في أحضانها،

إلى أن ألقاها الموج إلى ساحل البحر..

وحينذاك غمرت جسمها أشعة الشمس المحرقة

وأضرم بُعد الماءِ في أحشائها ناراً

لقد جفّ فمها من شدة العطش

وتذكّرت الماء وهي مستلقية في التراب

وسمعت من بعيد خرير الماء

بدأت تضرب بنفسها الأرض وهي تقول:

لقد عثرت الآن على هذا الإكسير الكيميائي،

الذي لا أستطيع أن أعيش بدونه

أسفا! لقد عرفته بعدما قصرت يدي عن نواله

نعم، ان السمكة التي تعيش العمر كله في أحضان الماء، ولا تجد في مسيرها وفي كل ما يحيطها سواه لا تستطيع أن تفهمه، والشيء الذي تشك فيه ولا تقدره حق قدره هو الماء نفسه. إلا  أنها عرفته وتمنته حالما انفصلت عنه لحظة ودخلت إلى عالم اليابسة.

هذا التمثيل يستهدف توضيح المسألة التي سبق أن ذكرناها، وهي إن السبب في خفاء الغيب يرتبط بقدرة حواسنا على الإدراك، لا بوجود مانع وحاجز بينه وبين جهازنا الحسي والإدراكي.

نحن نعلم أن فلاسفة أوروبا المحدثين يدّعون لأنفسهم قصب السبق في البحث حول الإدراك البشري، ويعتبرون بحوثهم في هذا الميدان ابتكاراً.

ولعل الأساس الذي اتخذه بعض كبار فلاسفة أوروبا لبحوثهم هو نقد وسائل الفكر الإنساني. ومن أعظم ما كتبه «كانت» - الفيلسوف الألماني ـ كتابان حول نقد العقل النظري، ونقد العقل العملي.

لا يهمنا في هذا البحث التعرف على مقدار الابتكار في اتجاه هؤلاء الفلاسفة. ولا نريد شرح أسبقية العلماء المسلمين في تناول هذا الاتجاه النقدي، بل نكتفي بالإشارة إلى أن الفلسفة الإسلامية عمدت إلى هذا اللون من النقد قبل غيرها. ولكن لا باسم النقد بل تحت عناوين أخرى.

لهذا الاتجاه النقدي ـ في الفلسفة الإسلامية ـ عطاء ثرّ قيّم يفوق ما تمخّضت عنه العقول الأوروبية، ولي أمل العودة إلى هذا الموضوع في لقاء آخر كي نبحثه بتفصيل وبرهان.

الشاعر الفارسي ـ مولوي ـ يمثل في شعره ـ قبل مئات السنين ـ لمحدودية الحس البشري، فيقول:

جاء الهنود بفيل إلى أرض لم تعهد رؤية الفيل من قبل.. ووضعوه في دار مظلمة لا نور فيها.

ودخل الناس واحداً بعد آخر ليلمسوه!

وما إن خرجوا حتى بدأ كل منهم يصفه من خلال ما أحسه بلا مسته.

فهذا الذي وقعت يده على الخرطوم قال: إن الفيل يشبه الأنبوب!

وذاك الذي لمس الأذن قال: إنه يشبه مروحة يدوية!

أما الذي استطاع لمس ظهره فوصفه بأنه يشبه السرير!

وما كان من الذي لمس قوائمه إلا  أن قال: إنه يشبه الأسطوانة!

* *  *

إن الباصرة قادرة على أن ترى الفيل بضخامته، وبكل أعضائه وأبعاده. أما اللامسة ـ وخاصة حينما تكون بكف اليد فقط ـ فلا تستطيع أن تدرك ذلك. والصدفة هي التي تلعب دورها في مكان وضع كف اليد من الفيل.

اللامسة اذن محدودة بالنسبة إلى الباصرة التي هي غير محدودة نسبياً. وهذه النسبة تصدق في مقارنة الحواس مع القوى العقلية.

 

عالم الغيب

ما هو الطريق الذي يسلكه العقل ليطلع على العالم الآخر؟

ماهي الآثار المرئية التي بمقدورها الدلالة على ذلك العالم؟

هذه المسائل لا يمكن لهذا البحث الموجز أن يستوفيها. ولا بأس بالاشارة إلى أن البحوث العلمية والفلسفية في آخر مراحلها، قد توصلت إلى أن الأصل في كل الأشياء المادية هو الحركة. وسلكت العلوم لإثبات ذلك طريقاً يختلف عن طريق الفلسفة.

إن رأي الفلسفة يرتكز على التغير الدائم للذرات وجواهر الأشياء. الكون كله ـ في نظر الفلسفة ـ ركب متنقل، ولكنه ليس بذاك الركب المتنقل من مكان إلى آخر فحسب، بل إنه في حالة انتقال من وجود إلى وجود آخر باستمرار وبدون انقطاع.

أثبت صدر المتألهين الشيرازي أن جواهر الأجسام في حالة تغير وتبدل. أي إنه أثبت إمكان ما كان يؤمن أرسطو وابن سينا باستحالته. وهو لم يثبت إمكان الحركة الجوهرية فقط، بل اعتبرها ضرورة حتمية.

العالم في نظر هذا الفيلسوف وحدة متحركة باستمرار، وفي حالة حدوث وفناء دائمين.

بناء على هذا فإن العالم غير قائم بذاته، بل قائم بغيره، وهذه مسألة واضحة لا تحتاج إلى شرح وتفصيل.

من هنا نفهم أن المسألة الأساسية ليست مسألة البحث عن العلة التي أوجدت العالم من العدم في لحظة واحدة معينة، بل إن البحث يتجه إلى أن العالم يولد في كل لحظة من العدم ومن خلفه يد توجده وتفنيه باستمرار، ومن غير انقطاع..

 

الامداد الغيبي

لقد أوضحنا فيما مضى: أن كل الموجودات تستمد وجودها من الغيب. وبعبارة أخرى فإن الإمداد الغيبي يعم الطبيعة جميعاً ولكننا نريد أن نضيف هنا بأن ثمة مجموعة من الإمدادات الخاصة لها وجود أيضا.

وهل هناك إمداد خاص؟.. نعم.

لكي أستطيع توضيح هذا الموضوع، ينبغي أن أشير أولا إلى مصطلح قرآني وارد في آية البسملة حيث تصف الباري تعالى بالرحمن، والرحيم.

وكلتا الكلمتين مشتقتان من الرحمة مع تفاوت بينهما.

الرحمة «الرحمانية» تشمل كل الموجودات، إذ إن وجود كل الأشياء، وديمومتها وبقاءها مدين لهذه الرحمة.

أما الرحمة «الرحيمية» فهي اللطف والعناية الخاصة التي ينالها الموجود المكلف على أثر أداء الوظيفة المنوطة إليه، وهي عناية خاصة لها قانونها الخاص، غير قانون الطبيعة. لقد جاء الأنبياء ليرشدونا إلى هذا النوع من الإمداد الغيبي. وإذا استقرت أنفسنا على الإيمان بهذا الامداد، فسندخل في علاقة مباشرة مع رب العالمين. نحس بأننا أمام جزاء عادل لكل أعمالنا خيراً كانت أم شراً.

وعلى أية حال ينال الإنسان أحياناً في حياته الفردية والاجتماعية نوعاً من الرحمة تنجيه من الكبوة والسقوط.

والله سبحانه يخاطب رسوله الله الكريم قائلا:

)أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى)
(الضحى:6-8).

ونحن في صلواتنا الخمس نقرا: )إياك نعبد وإياك نستعين(.

وهو نوع من الاستمداد الغيبي.

 

انواع الإمداد

يد الغيب تتجلّى أحيانا بصورة تهيئة الظروف المناسبة للتوفيق، وأحيانا بصورة هداية وتفتح ويقظة.

لكن الذي ينبغي تأكيده هو أن المساعدات الغيبية لا تأتي عبثاً دونما مقابل.

لا ينبغي أن يجلس الإنسان في بيته مكتوف الأيدي منتظراً يد الغيب لتنقذه، فهذا الانتظار مخالف لناموس الطبيعة والخلقة.

نذكر آيتين كريمتين إحداهما حول الإمداد الغيبي الذي يتجلّى في تهيئة الظروف المناسبة للتوفيق، والأخرى حول إمداد الهداية المعنوية. لننظر إلى الشروط التي يضعها القرآن الكريم للإمداد الغيبي:

) إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ( (محمد:7) .

فالنصر الالهي ـ   الذي هو إمداد غيبي ـ مشروط بنصرنا لله. أي أن نبذل ما وسعنا في سبيل الصالح العام لله وفي الله.

فالسعي والجهد ينبغي أن يلازمه الاخلاص وحسن النية أيضا.

وفي الإمداد الثاني يقول جلّ وعلا: )وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ( (العنكبوت:69).

هذه الآية أيضا تشترط الجهد «فينا»، وبعبارة أخرى تشترط صرف طاقة جسمية إلى جانب الطاقة الروحية ليستطيع الإنسان في النتيجة أن ينال الهداية والتفتح والانفتاح.

ليس هناك اذن حديث عن إمداد يُنال دونما مقابل.

يتحدث الإمام علي ـ عليه السلام ـ عن شروط الإمداد والإسناد الغيبي فيقول: «ولقد كنا مع رسول الله (ص) نقتل آباءنا وأبناءنا واخواننا وأعمامنا ، ما يزيدنا ذلك إلا  إيمانا وتسليماً ومضياً على اللقم وصبراً على مضض الألم وجداً في جهاد العدو.

ولقد كان الرجل منّا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من عدونا، ومرة لعدونا منا.

فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبتَ وأنزل علينا النصر».

«ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم لما قام للدين عمود ولا اخضرّ للايمان عود».

وهذه الآية تطالعنا في سورة الكهف من قوله تعالى:

)إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً، وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا (
(الكهف:13-14).

وهي تحدثنا عن الهداية، وعن ربط القلب وتقوية الإرادة، وكلاهما مشروطان بعاملين:

الأول: القيام.

والثاني: أن يكون هذا القيام لله وفي سبيل الله.

الذي يبحث عن الحق والحقيقة، ويجهد نفسه في طريق الوصول اليها سوف تمتد اليه يد الغيب لتشمله بعنايتها، وهذه لعمري مسألة تجربية إضافة إلى أنها مسألة إيمانية. لكنها تجربة شخصية، يلزم على الفرد أن يمارسها في حياته ليلمس آثار اللطف والعناية الربانية وهي تحتضنه.

وما أجملها من لذة..!!

ليس الامر بالصعب. مراحله الأولية بسيطة يستطيع الإنسان أن يطويها من خلال خدمة المجموع ومساعدة الضعيف، والإحسان إلى الوالدين، على أن يصحب هذه  جميعاً الإخلاص وصفاء النية.

عند ذاك سوف تتجلى له اليد الرؤوفة آخذة بناصره، ولعلي أستطيع أن أدعي بأني مارستُ تلكم الشروط، وأحسستُ معها باللذة تحت ظلال رحمة رب العالمين، ولمست تلك العناية بوضوح.

يخطر في ذهني ـ بهذا الصدد ـ موقف من مواقف المرحوم آية الله البروجردي ـ أعلى الله مقامه ـ .

لقد غادر ـ رحمه الله ـ مدينة «بروجرد» إلى «طهران» على أثر مرض شديد تطلب عملية جراحية.

ثم شد الرحال منها إلى مدينة «قم» حيث اختارها مقاماً على أثر طلب الحوزة العلمية منه ذلك.

وعند حلول العطلة الصيفية للحوزة في تلك السنة قرر أن يسافر إلى مشهد الرضا ـ عليه السلام ـ اذ عُلِمَ بعدها أنه كان قد نذر على نفسه هذا السفَرَ لله أثناء مرضه رجاء للشفاء.

أعلن سماحته تصميمه هذا في مجلس خاص من العلماء، وطلب إليهم أن يعينوا من يرافقه في سفره هذا. وكان جواب الأصحاب أن طلبوا منه فرصة ليفكروا في الأمر.

ذكر لي أحد العلماء ممن حضر ذلك المجلس قائلا: إننا اجتمعنا على انفراد وتشاورنا في الأمر، فلم نجد الظرف مناسبا لسفر مثل هذا، في ذلك الوقت. إذ إنه ـ أعلى الله مقامه ـ قريب العهد في القدوم إلى مدينة «قم»، ولم يتعرف عليه الشعب إلايراني بعد، وعلى هذا فإن المواطنين سوف لا يقومون بما يناسب منزلته من الحفاوة والتكريم.

كان هذا هو العامل الأول الذي دعانا إلى تثبيط عزيمة السيد على السفر، ولكنا لم نجرأ على أن نصارحه بالسبب الحقيقي، بل جعلنا العملية الجراحية التي أجريت له حجة لرفضنا هذه السفرة. وكان أن قلنا جميعاً: إن السفر الطويل بالسيارة (إذ لم يكن خط جوي أو حديدي يربط المدينتين آنذاك) سوف لا تكون نتائجه حسنة على
صحة السيد.

وفي جلسة أخرى حيث كرر السيد حديث السفر، سعينا بكل ما وسعنا من جهد لأن نغير وجهة نظره، لكن أحد الحاضرين لم يخف الأمر، بل صرح له بقصدنا من وراء هذه المخالفة.

تغيرت ملامح السيد فجأة، وتحدث بلهجة صارمة روحية قائلا: «منحني الله سبعين سنة من العمر كانت مملوءة بمنح وعطايا لم تكن إحداها من تدبيري وتقديري.. سعيت طوال هذه المدة لأن أتعرف على وظيفتي في الحياة. والآن وبعد أن تصرمت تلك السنون السبعون، لا ينبغي أن أفكر بأموري الخاصة بنفسي! كلا.. لابد أن أسافر..».

نعم، إن الإنسان، لو قرن السعي بالإخلاص في ممارسته لأعماله الحياتية، سوف يأتيه التسديد من حيث لا يحتسب.

 

الفرق بين الفكر الالهي والفكر المادي

إذا نصرتم الحقيقة، فلابد أن تكون الحقيقة سنداً لكم وظهيراً.

وهنا يبدو بوضوح الفرق بين الإنسان الإلهي والإنسان المادي.

ليس ثم تفاوت ـ في نظر الإنسان المادي ـ بين طريق الحق والباطل، وبين العدل والظلم. وليس للحق والباطل، ولا للصالح والطالح في ميزان النظام الكلي للعالم حساب ووزن. فالعالم لا يعبأ بهذه الموازين والقيم.

ليس للعالم ـ في الرؤية المادية ـ عين ولا أذن ولا عقل ولا إدراك يعي بواسطتها القيم المختلفة ليسند ويؤيد السائرين على طريق الحقّ، ويخذل المنحرفين عن الطريق السوي المستقيم.

إلا  إن الإنسان الإلهي يفرق بين الطريقين. فهناك حقيقة تسند دعاة الحق وتأخذ بأيديهم.

ذكرتُ في كتاب «الإنسان والمصير» تحت عنوان «أثر العوامل المعنوية على المصير»: «إن الرؤية المادية للعالم تذهب إلى أن العوامل المؤثرة على أجل الإنسان ورزقه وسلامته وسعادته مادية صرفة، فالعوامل المادية وحدها هي التي تتحكم في تقريب أجل الإنسان، وفي ضيق رزقه وسعته، وفي سلامة جسمه، وكذا في ضمان سعادته.

إلا  أن الرؤية الإلهية للعالم تذهب إلى أن العوامل الروحية والمعنوية تؤثر، إلى جانب العوامل المادية ـ في كل ما يعتري الإنسان شراً أم خيراً.

النظرة الالهية تعتبر العالم يقف محايداً تجاه السنن التشريعية والاتجاهات العملية البشرية. أي ترى أن السنن الكونية في العالم لا تتحيز لأنصار الحق أو لأنصار الباطل، لأن مفاهيم الحق والباطل، والصحيح والخطأ، والعدل والجور، لها في المنظار الكوني حساب واحد.

لكن المدرسة الإلهية لا تنظر إلى العالم نظرة المحايد في موقفه تجاه أصحاب الحق والباطل.

العالم ـ في رأي هذه المدرسة ـ مناصر للسائرين على طريق الحق  والعدالة والاستقامة، ولذوي الأهداف المقدسة.

الإنسان المادي ـ مهما أوتي حظاً من الإيمان والاعتقاد بمذهبه وطريقه، ومهما كانت أهدافه وآماله ذات مصلحة عامة ومقدسة وبعيدة عن الذاتية والنفعية ـ لا يؤمن بأكثر من أنه سوف يتلقى نتائج أعماله بمقدار ما بذله من سعي وجهد لا أكثر.

بينما الفرد المسلم يؤمن ويعتقد أن الموجودات الكونية سوف تهب لحمايته ونصرته، إن ضحًى في سبيل عقيدته وإيمانه، ويؤمن أن الكون ينطوي على قوى تفوق آلاف المرات تلكم القوى التي يبذلها في الطريق.

الرؤية المادية تؤكد أن دعاة الحق يتلقون من نتائج أعمالهم بنفس القدر الذي يتاح للظالمين أن يكسبوه نتيجة ظلمهم، اذ ليس ثمة فرق – في الفهم المادي – بين الفريقين، إلا  أن الفرق هائل في حساب المدرسة الإلهية».

 

الإلهام والإشراق

الإلهام أو الإشراق نوع من المدد الغيبي ينفذ إلى كيان العلماء فيفتح لهم أبواباً من العلم تؤدي إلى اكتشافات هائلة.

إن الطرق التي نفهمها للوصول إلى العلم اثنتان، إحداهما: التجربة والمشاهدة العينية، والاخرى: القياس والاستدلال.

البشرية تعرفت على رموز الطبيعة وأسرارها عن طريق الاستقراء والمشاهدة العينية. وتوصلت إلى نتائج مختلفة عن طريق القياس والاستدلال.

هذه المكتسبات طبيعية لأنها النتيجة القطعية اللازمة لمقدمات طواها الإنسان بشكل عملي. غير أن هذه المكتسبات ـ في المنظار الفلسفي الدقيق – ليست منفصلة عن منشأ إلهامي. والى هذا يشير السبزواري في منظومته:

والملهم المبتدع العليم     حي قديم منّه عظيم

وهذا خارج عن بحثنا.

والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل ان البشرية قد طوت مسيرتها العلمية من خلال هذين الطريقين فحسب، أم إن ثمة طريقاً ثالثاً قد أمدّها توصلت إليه وجَنَته؟

يعتقد العلماء أن هناك طريقاً ثالثاً. ولعل أغلب الاختراعات والاكتشافات الكبرى تمت عن هذا الطريق الثالث، وهو نوع من تيار كهربائي قد ينقدح فجأة في نفس العالم وعقله، فيضيء ما حوله، ثم ما يلبث أن ينطفيء.

يعتقد ابن سينا أن هذه القوة موجودة في الافراد بدرجات متفاوتة ومختلفة، ويذهب إلى تفسير الآية الكريمة: )يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ( . بهذه القوة التي لها وجود شديد مؤثر عند بعض الأفراد.

يذهب الغزالي في كتابه «المنقذ من الضلال» إلى أن اكثر معلومات البشر المرتبطة بالاحتياجات المعاشية انبثقت أولا بشكل إلهامي. وفي بحثه عن الوحي والنبوة يقول: إن مجموعة المعلومات التي يمتلكها الشر عن الأدوية والعلاج وعن النجوم لا يمكن أن تكون مكتسبة عن طريق التجربة، فلا بد أن تكون صادرة عن اللطف الإلهي، بطريق الإلهام، لهداية البشر.

الخواجه نصير الدين الطوسي هو الآخر في بحثه عن الوحي والنبوة يذهب إلى أن معظم ما توصل إليه البشر تمّ عن طريق الإلهام.

لعل الكثيرين يتصورون أن الإلهام مسألة قديمة ليس لها اليوم أنصار، ويخالون أن الحواس الظاهرة هي مصدر كل معلوماتنا في عالمنا اليوم عن طريق المشاهدة والتجربة، ولا شيء غير هذه الحواس!!

وليست المسألة كما يتصورون ويخالون.

جمع كبير من العلماء المعاصرين يذهب إلى أن كثيراً من النظريات أوحيت إلى العلماء عن طريق شبيه بالإلهام.

يدافع «الكسيس كارل» في كتابه «الإنسان ذلك المجهول» عن نظرية الإشراق والإلهام ويقول:

«من المؤكد أن الاكتشافات العلمية ليست فقط حصيلة الفكر الإنساني. النوابغ يمتلكون خصائص معينة كالإشراق والخلاقية، إضافة لما لهم من مطالعات وتفكير في المسائل المختلفة. فعن طريق الإشراق يدركون ما خفي عن الآخرين، ويبصرون الروابط المجهولة بين القضايا التي يُظن أن لا ارتباط بينها، ويتوصلون إلى فهم المسائل الهامة دونما دليل وبرهان».

ويقول أيضا:

«يمكن تقسيم العلماء إلى فريقين: منطقيين واشراقيين ، والعلوم مدينة لهذين الفريقين. وللإشراق نصيبه في العلوم الرياضية أيضا، مع أنها تستند إلى أساس منطقي كامل. ويحتل الإشراق في الحياة الاعتيادية ـ كما في القضايا العلمية ـ محلاً خطيراً باعتباره عاملاً للفهم والإدراك، ويصعب التمييز أحيانا بينه وبين التوهم…

الرجال العظام والطاهرون يستطيعون، عن طريق الإشراق، التوصل إلى قمة الحياة المعنوية. وهذه الموهبة عجيبة حقاً، وإدراك الواقع دونما دليل وتفكير، غير قابل للتفسير».

يعرض لنا «الكسيس كاريل» ثلة من علماء الرياضيات يدعي أنهم منطقيون اكتسبوا معلوماتهم عن طريق السعي والاستنتاج المنطقي فحسب، ويعرض إلى جانب هؤلاء اسماء عدة من علماء الرياضيات الذين تلقوا علمهم عن طريق الإشراق والإلهام.

هذه النظرية أيدها علماء آخرون. وأخيراً اطلعت على مقال للعالم الرياضي الفرنسي «جاك هادا مارا» تحت عنوان: «دور العقل الباطن في الادراك العلمي» جاء في ترجمته:

«حينما نفكر بالعوامل التي أدت إلى ظهور الاكتشافات والاختراعات فإننا لا نستطيع إطلاقا أن نتجاهل دور الادراك الفجائي الداخلي.

كل عالم محقق يدرك ـ إلى حد ما ـ هذه المسألة، ويعلم أن بعض ما توصل اليه من المسائل العلمية كان نتيجة سلسلة من النشاطات الشعورية، بينما توصل إلى البعض الآخر عن طريق الإلهام الباطني».

العالم الكبير «أنشتاين» كان له نفس هذا الإيمان حول الفرضيات الكبرى، وكان يقول أن مبدأ هذه الفرضيات نوع من الإلهام والإشراق.

 

نتيجة

نفهم من مجموع ما ذُكر أن أنواعاً من الامدادات الغيبية لها وجود في حياة الأفراد، تمنح الفرد أحيانا عزماً وإرادة وربطا على القلب، وقد تُعِدُّ له الوسائل المادية، أو تبرز هذه الإمدادات بشكل قوة تهخدي وتنير.. وتلهم الافكار العلمية.

من هنا نعلم أن الإنسان لم يترك سدى، فاللطف الإلهي والعناية الربانية تشمله في شروط معينة، وتنتشله من الضلالة والضياع والحيرة، وتنجيه في لحظات العجز والخور والضعف. إن هذا شأن الافراد فما شأن المجتمعات؟

 

الإمداد الغيبي الاجتماعي

هل من الممكن أن تمتد يد العناية إلى مجتمع كي تنتشله من هوته وتساعده في قيامه؟

الأنبياء العظام كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليه وعليهم، والمصلحون المعروفون، ظهروا في وقت تحتاج إليهم البشرية أيمّا احتياج.

إنهم كانوا كاليد الغيبية التي امتدت لتنجي البشرية، كان شأنهم كالديمة السمحاء التي تهطل في صحراء قاحلة مجدبة، كانوا مصداق قول الله تعالى:)وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ( (القصص:5).

الإمام علي ـ عليه السلام ـ يصف الظروف التي رافقت البعثة النبوية المباركة فيقول:

«أرسله على حين فترة من الرسل، وطول هجعة من الأمم، وانتقاض من المبرم، وانتشار من الأمور، وتلظ من الحروب، والدنيا كاسفة النور، ظاهرة الغرور، على حين اصفرار من ورقها وإياس من ثمرها..».

إن ظهور الأنبياء أعقب سقوط البشرية، أو انحدار مجتمع من المجتمعات في هوة سحيقة، فكان أولئك الأنبياء سبباً للانقاذ والنجاة.

القرآن الكريم يخاطب معاصري الدعوة قائلا: ) وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ( (آل عمران:103).

يقول المثل الفارسي: «الضياء والصباح نهاية الليل الاسود» وتقول أمثال بعض الشعوب: «الفرج نهاية الشدة» وهذه المقولات تتحدث عن نوع من التجارب البشرية، وتدل على أن سير الكون ليس عبثياً كما يتصوره الماديون.

 

مسألة المهدي

مسألة المهدي في الإسلام، لهي مسألة فلسفية كبرى.

الإنقاذ المرتقب لا ينحصر في أمة معينة أو منطقة مشخصة أو جنس بالذات، بل إن الانقاذ يمتد ليشمل البشرية جمعاء، وليسير بها نحو مدارج الرقي والصلاح والسعادة.

ربما قال قائل: إننا في عصر العلم وتسخير الفضاء، وليس ثم خطر يواجه البشرية كي تكون هناك حاجة إلى إمداد غيبي!! البشرية ترتقي  على سلم الاستقلال والكمال، ويقل احتياجها تدريجيا إلى المعونة والإمداد، فالعقل والعلم يملآن فراغ الحاجة والاستمداد!! كان الخطر يواجه البشرية حينما كانت تغطّ في غياهب الجهل والانحطاط، وليس ثم خطر يواجه مجتمعاً تنور بالعلم والمعرفة!!

إن هذا الجنوح في الخيال ـ مع الأسفِ ـ لا أساس له.

إن الخطر الذي يحدق بالبشرية اليوم ليس بأقل مما كان يحيط بمجتمعات العصور السالفة، بل إنه أكثر وأعظم.

من الخطأ أن نعتقد أن الجهل كان وراء انحراف البشرية دائماً. وهذه مسألة شغلت الباحثين في علم التربية والأخلاق.

إن سبب الانحراف هو الغرائز والأهواء المرسلة العنان. هو الشهوة والغضب والحرص على طلب الشهرة والجاه، والنهم في الاستكثار من اللذة، وحب الذات وعبادتها.

والآن لنلق نظرة علىالغرائز المادية،والأهواء البشرية في عصرنا الراهن، وكذا على دوافع السيطرة واستثمار الآخرين وعبادة الذات والمنفعة الشخصية، وعلى دوافع الظلم الإنساني.

هل إنها جميعاً هادئة مستقرة في ظل العلم؟

هل إنها مهذبة بروح العدل والتقوى والرضا والعفاف والاستقامة؟!

أم إن المسألة معكوسة تماماً؟!

لم يعد خافياً أن الغرائز البشرية المادية قد جنت اليوم أكثر من أي وقت مضى. وأضحت العلوم والفنون أدوات وآلات لدن تلكم الغرائز.

أضحى ملاك العلم في خدمة شيطان الشهوة، وأصبح العلماء وكل المشتغلين في الحقل العلمي أدوات طيّعة تخدم الساسة والفراعنة وطلاب السيطرة والنفوذ.

ليس هناك من شك في أن التقدم العلمي لم يترك أي أثر إيجابي على الغرائز البشرية. بل بالعكس فإن هذاالتقدم زاد من غرور الإنسان وطغيانه وهيّج غرائزة الحيوانية، وسعّر لظاها، حتى أضحت العلوم والفنون اليوم أكبر عدو للبشرية، أي إن هذا الصديق الحميم للبشر أصبح عدوا لدوداً له..

لماذا؟!

لأن العلم مصباح، وسيلة إنارة.. الاستفادة منه ترتبط بكيفية استعمال هذا المصباح، والهدف من وراء هذا الاستعمال.

يستطيع الفرد أن يستفيد من المصباح لقراءة كتاب، أو ـ على حد قول الشاعر الفارسي سنائي ـ لانتقاء المتاع الأفضل عند السرقة.

العلم سلّم تستطيع البشرية عن طريقه أن تصل إلى أهدافها، وتحقق غاياتها. وليس العلم بقادر على تغيير أهداف الإنسان. ولا يستطيع أن يقدم له قِيَماً ومقاييس إنسانية.

هذه وظيفة الدين.. الدين الذي يستطيع أن يتحكم في الغرائز والأهواء الحيوانية، ويحرك في الإنسان الدوافع النبيلة السامية.

العلم يستطيع أن يُخضع لسيطرته كل شيء، إلا  الإنسان وغرائزه. الإنسان هو الذي يسخّر العلم في الاتجاه الذي يطمح إليه. والدين هو الذي يسخّر الإنسان ويوجهه الوجهة الخاصة.

يقول «ويل ديورانت» في مقدمة كتابه «لذائذ الفلسفة» عن إنسان عصر الآلة: «نحن أصبحنا أغنياء في التكتيك والآلة، إلا  أننا فقراء في الهدف.

لم يتغير الإنسان في عصر العلم عن ذاك الإنسان الذي كان يعيش في عصور قد خلت من قبل في كونه أسيراً لقوتي الغضب والشهوة وعبداً لهما.

لم يستطع العلم أن يحرر الإنسان من أهوائه النفسية.. لم يستطيع أن يغيّر روح التجبّر والتفرعن والسفك والغضب في الإنسان…

مع فارق، هو أن روح النفاق والتظاهر قد سادت في عالمنا  اليوم، وهيمنت عليه. وأن يد الأعتداء قد طالت فتجاوزت حدود السيف لتصل إلى مرتبة الصواريخ عابرة القارات، والى قاذفات القنابل».

 

مستقبل العالم

إننا مسلمون مؤمنون بوجود إله مهيمن على هذا الكون، وهذا الإيمان هوالذي يقلّل من خطر الكارثة في أعيننا.

كل الأخطار التي تحيط بالإنسانية اليوم لا توحي لنا بالفناء الكامل لهذا الكون، لأننا مطمئنون في أعماقنا بأن للبشرية مستقبلاً يمتد إلى ملايين السنين.

إن هذا الاطمئنان تبعثه في النفس تعاليم الرسل والأنبياء، إنه في الواقع إمداد غيبي نستند إليه.

لو أخبرنا بنجم ضخم يسير بسرعة في الفضاء، ويقترب تدريجياً من مدار الأرض، وبأنه سيرتطم بالأرض بعد ستة شهور ليحولها إلى كومة رماد.. لو قيل لنا هذا لما تسرب إلينا الخوف، لأن في أعماقنا نوعاً من الاطمئنان والإيمان بأن الوقت لم يحن لفناء البشرية التي لم يمض طويلاً على تفتح براعمها.

وكما أننا لا نؤمن بأن أرضنا ستفني بفعل سقوط نجم أو كوكب، كذلك لا نصدق مقولة فناء الأرض بيد القوى البشرية المخربة.

والآخرون..؟ هل إنهم لا يصدقون أيضا؟

هل هم متفائلون أيضا بمستقبل الأرض والإنسان والحياة والمدنية والسعادة والعدالة والحرية؟!

كلا …

إننا نلاحظ باستمرار علامات الخوف والتشاؤم في خطب وأحاديث ساسة العالم بالنسبة إلى مستقبل البشرية والحضارة.

ولو أهملنا تعاليم الدين وإيماننا بالإمداد الغيبي، ولاحظنا المسألة على أساس العلل والأسباب الظاهرية، لوافقناهم في التشاؤم، وجعلنا الحق في جانبهم.

لماذا لا يتشاؤمون؟!

أيّ تفاؤل في دنيا يقرر مصيرها ضغط زرّ يؤدي إلى انطلاق وسائل الدمار والتخريب؟!

أي تفاؤل في عالم يرقد على كتل عظيمة من البارود تنتظر الشرارة كي تتحول إلى حريق عالمي؟!

يقول «رسل» في كتابه «الآمال الجديدة»:

«إن الإحساس بالحيرة والضعف وعدم القدرة يسود في عصرنا الحاضر.

نرى أنفسنا نقتربُ من حرب لا نريدها جميعاً، حرب سوف تفني معظم البشر. ومع هذا فإننا كأرنب قد لاقى حية فمكث في مكانه، ننظر من طرف خفي إلى الخطر المحدق بنا دون أن ندري ما نعمل!!

أحاديث القنبلة الذرية والهدروجينية المخوفة المخربة تنتشر في كل مكان، ونتناقل فيما بيننا أخبار الجيش الروسي([1]) وأخبار القحط والتكالب والوحشية.

في الوقت الذي نقف فيه نحن أمام هذه المظاهر مذهولين مذعورين، فاننا لم نعد قادرين على اتخاذ موقف حازم من هذه المأساة».

وهل البشر قادرون على اتخاذ مثل هذا الموقف؟!

هو يقول أيضا:

«إن مدة ظهور الإنسان طويلة بالنسبة إلى عصر التاريخ، لكنها قصيرة بالنسبة إلى العصور الجيولوجية.

يقال إن الإنسان قد ظهر إلى الوجود قبل مليون سنة، ويذهب البعض ومنهم – انشتاين – إلى أن الإنسان قد اجتاز فترته الحياتية، وسيستطيع خلال سنين معدودة، بمعونة تقدمه العلمي الهائل، أن يفني نفسه».

لو حكمنا على الأمور من خلال الأسباب والظواهر المادية لما حكمنا عليها حقاً بغير هذا النوع من ا لتشاؤم. وهذه النظرة السلبية لا يمكن أن تتبدل إلى نظرة ايجابية متفائلة إلا  عن طريق ايمان روحي، إيمان بأن الإنسانية تنتظر في مستقبل أيامها حياة الرفاه والسعادة والأمن والعدل.

لو أننا قبلنا صورة التشاؤم القاتمة، فإن حياة الإنسانية ستكون مضحكة حقاً.. إنها تشبه حياة ذلك الطفل الذي ما إن استطاع حمل السكين حتى أسرع الىالانتحار بغرس السكين في بطنه.

يقال: إن عمر الأرض أربعون مليار سنة، وإن عمر الإنسان على هذا الكوكب يقرب من مليون سنة.

ويقال أيضا: لو افترضنا أن عمر الأرض سنة واحدة، فإن ثمانية أشهر مضت من هذه السنة دون أن يوجد على ظهر الأرض أي أثر للحياة. وفي حدود الشهر التاسع بدأ ظهور الحياة بشكل فايروسات ذات خلية واحدة. في الأسبوع الثاني من الشهر الأخير ظهرت الحيوانات اللبنية، وفي الربع الاخير من الساعة الأخيرة لهذه السنة ظهر الإنسان.

والفترة التي خرج فيها الإنسان من حياته المتوحشة وحياة الغابات والكهوف هي آخر ستين ثانية من هذه السنة، وفي هذه الثواني الستين ظهر استعداد الإنسان في الاستفادة من عقله في تسخير مظاهر الطبيعة، وفي بناء حضارته ومدنيته. وفي هذه الثواني الستين أثبت الإنسان جدارته بتحمل أعباء خلافة الله في الأرض.

ولو قيل الآن إن الإنسان بمهارته العلمية الفائقة سيفني نفسه عاجلاً، ولم يتبق من زواله سوى بضع أقدام من مسيرته. لو قيل هذا، فإنه لا يعني سوى أن مسألة خلق الإنسان ليست إلا  عبثاً لا معنى لها.

نعم، إن نفراً من الماديين يستطيع أن يزعم هذا، لكن الفرد الذي تربى في المدرسة الإلهية لا يمكن له أن يفكر هذا التفكير.. إنه يقول: لا يمكن للعالم أن يفنى بيد نفر من المجانين. إنه يؤمن بالخطر المحدق بالعالم، ولكنه يؤمن أيضا بأن تجربة الإنقاذ التي تفضّل بها الله على البشرية سوف تتكرر، وسوف تمتد يد الغيب لتبعث المنجي والمصلح كما فعلت من قبل.

الإنسان الإلهي يرى: أن العالم لم يُخلق عبثاً، ويسخر من مقولة الماديين حول فناء الإنسان التي يصدق عليها المثل العربي: «ما أدري أسلّم أم ودّع».

فناء البشرية في عصرنا الراهن مخالف لحكمة الله:

أذ مقتضى الحكمة والعناية      ايصال كل ممكن لغايـــة

كلا.. إن عمر الأرض لم ينته بعد، إنه في أول مراحله.

البشرية تنتظر دولة عالمية قائمة على أساس العدل والخير والسعادة والأمن والرفاه.

سوف يصل اليوم الموعود وتشرق الأرض بنور ربها وسيكون ذلك:

«اذا قام القائم،  وحكم بالعدل، وارتفع في أيامه الجور، وأمنت به السبل، وأخرجت الأرض بركاتها، ولا يجد الرجل منكم يؤمئذ موضعا لصدقته ولا برّه، وهو قوله تعالى: والعاقبة للمتقين».

بدل أن نكون سلبيين متشائمين، بدل أن نجلس لنعد الأيام المتبقية من عمر البشرية، بدل كل هذا، علينا أن نتطلع إلى إطلالة فجر النور من وراء كل الخطوب، فالشرارة لا تنير إلا  في الظلمة.

يشير الإمام علي إلى ظهور المهدي فيقول: «حتى تقوم الحرب بكم على ساق بادياً نواجذها([2]) ، مملوءة أخلافها([3]) ، حلواً رضاعها([4]) ، علقماً عاقبتها([5]) .

ألا وفي غد – وسيأتي غد بمالا تعرفون – يأخذ الوالي من غيرها عمالها على مساويء أعمالها([6]) ، وتخرج الأرض، أفاليذ كبدها([7]) ، وتلقي اليه سلماً مقاليدها، فيريكم كيف عدل السيرة ويحيي ميت الكتاب والسنة».

الإمام علي يتطلع إلى غد عبوس مكفهر، ولكنه يبشر بطلوع فجر النصر من وراء كل تلكم الظلمات.

والقرآن الكريم يقول:

)وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَاعِبَادِيَ الصَّالِحُونَ(
(الانبياء:105).

نعم.. هذه هي الفلسفة العظمى في مسألة ظهور المهدي.

إنها، وإن كانت تنذر بأزمات عظام.. لكنها تبشر بالسعادة وانتصار الحق والعدالة بعد هذه الأزمات.

وهذا هو أمل الإنسانية الكبيرة..

أللهم إنا نرغَبُ إليك في دولة كريمة تُعزّ بها الإسلام وأهله.. وتذلُّ بها النفاق وأهله.. وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك.. وتزرقنا بها كرامة الدنيا والآخرة».

[1] - علّق الأستاذ الشهيد على هذه العبارة بقوله: إن كتاب «الآمال الجديدة» قد كُتب يوم كان الغرب مرعوباً من الروس. أما الآن فقد برزت الصين لترعب المعسكرين كليهما.. انتهى تعليق الاستاذ مطهري. ونقول إن العالم يواجه اليوم أكبر خطر في تاريخ البشرية يتمثل بانفراد أمريكا بالهيمنة العالمية، إذ تندفع ببطش تخريبي هائل على خلفية أهداف صهيونية وأوهام توراتية وحروب صليبية (المترجم).

[2] - النواجذ: أقصى الأضراس أو الانياب، كناية عن شدة احتدام الحرب.

[3] - الأخلاف، جمع خلف: الضرع، كناية عن غزارة مافيها من الشر.

[4] - حلواً رضاعها: للمظلولمين والمستضعفين.

[5] -  علقماً عاقبتها: للظالمين.

[6] - اذا انتهت الحرب حاسب الوالي القائم، كلّ عامل من عمال السوء على مساوئ أعمالمهم، وإنما كان القائم من غيرها لأنه بريء من جرمها.

[7] - أفاليذ جمع أفلاذ جمع فلذة: وهي القطعة من الذهب والفضة.

  420
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

المعالم الاقتصادية والعمرانية في حكومة الامام المهدي ...
هل ان عيسی عليه السلام ابن الله جل وعلا
لماذا الأسلوب القصصي في القرآن؟
ظواهرغريب اللفظ في (النهج) – الثاني
كان القمّة في العلم والحوار والتّقوى والوحدة
الإمام الصادق والمعارف الجعفرية (الشيعية)
الغــيبة.. مـرض أخـلاقي
تهذيب الشهوة
بأيّ حق ظلمتْ فاطمة
هل هناك عهد بيننا و بين الحسين عبر رسول الله أم لا ؟

 
user comment