عربي
Sunday 20th of September 2020
  1188
  0
  0

أبو جميزة: هل هو مسيلمة المهدي؟

أبو جميزة شخصية دينية بارزة في غربي (دارفور) وذاعت شهرته عام 1888، بعد ثلاث سنوات من وفاة (المهدي).
والأفضل أن نتفهم السياق التاريخي لحركة (أبو جميزة) داخل إطار المقاومة الإقليمية والمحلية للسيطرة الخارجية. وقد ألحقت (سلطنة دارفورد) التقليدية بالسودان المصري عام 1874 عقب الهزيمة الساحقة التي حلت بقوات (السلطان إبراهيم). ثم ثار المطالبون بعرش (دارفور) بالتأييد بعد عام 1881 في معارضتهم لهذا النظام. ومهما يكن، فبعد وقت ليس بالطويل تمت محاولات من جديد لإقامة السلطنة القديمة مرة أخرى.
وسمة أخرى للسياق التاريخي لـ (أبو جميزة) هي وضع الإسلام في المنطقة. وكانت المنطقة ولا تزال منطقة (حدود) من زوايا عديدة. وبداية فإن (دارفور) تشكل بشكل عام جزءاً من المنطقة الحدودية الضخمة بين دار الإسلام والمناطق غير الإسلامية التي تمتد عبر القارة الأفريقية حتى جنوب (الصحرا). ويشكل التفاعل بين المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية سمة مهمة في تاريخ المنطقة. ولم تكن منطقة من المناطق الإسلامية في (دارفور) والمناطق المحيطة بها جزاءً من دار الإسلام لأكثر من ثلاثة قرون، بل كانت المدة أقصر من ذلك في كثير من هذه المناطق.
ومن زاوية أخرى كان الإقليم منطقة حدودية بلغة التفاعلات المتبادلة داخل العالم الإسلامي. فوصلت المؤثرات الإسلامية إلى (دارفور) عن طريق عدد من الجهات المختلفة. فقد أصبحت (دارفور) ملتقى العديد من التقاليد الأفريقية الإسلامية المختلفة، من مصر ومن السودان النيلي ومن شمال أفريقيا نحو الغرب من أفريقيا). كما تأثرت الممارسة الإسلامية بقوة أولياء الله الطوافين والمعلمين الذين جاؤوا من مجموعة مختلفة من المناطق وعاونوا في إضفاء شخصية خاصة على البعد الإسلامي في المجتمع. وتلقى المعلمون تشجيع سلاطين (دارفور) الذين منحوهم الأرض وامتيازات أخرى. ويبدو واضحاً أن الالتزام الرسمي نحو الإسلام على مستوى العلماء والدولة انتشر في (دار فور) عن طريق المؤسسات الحاكمة الخارجية والأخرى الموروثة من عهود سابقة. وإذا كان العامل الأساس الخارجي هو مجيء الأولياء. فإن الالتزام الداخلي الحاسم كان مصدره الحكام).
والأرجح أن (أبو جميزة) كان في الأصل عضواً في الجماعة القيادية الإسلامية. ولا تذكر المصادر شيئاً عن علاقات خاصة تربطه بالقيادة السياسية قبل بداية عوته، ولكنها تشير إلى شعبيته باعتباره كاتب تعاويذ وأحجبة للناس العاديين.
وتشير بعض التقارير إلى أنه هرب إلى (دار طامة) عندما تحرك الأنصار (أتباع الهدى) في المنطقة. وبعدئذ وعندما هزمت القوات المهدية السلطان المحلي في (دار طامة) بدأ (أبو جميزة) في تنظيم المقاومة.
ويصور (عثمان آدم) (أبو جميزة) باعتباره شاباً لغته على شيء من البلاغة، وكان اسمه في الأصل (محمد الزين). ولاحظ الحاكم من قبل السلطة المهدية أن بعض أتباع (أبو جميزة) كانوا يعتقدون أنه انبثق من شجرة جميز (ثمرة شجرة جميز). وهذا يؤكد عنصر الاعتقاد في المعجزات وسط أتباعه. وكان التفسير البسيط لا سمه ذائعاً في ذلك الوقت، حينك ان من عادة المعلم أن يتحدث إلى أتباعه وهم جلوس في ظل شجرة (جميز).
وتاريخ حركة (أبو جميزة) في هذا السياق بسيط نسبياً. فقد أحبطت القوات (المهدية) محاولة (يوسف بن إبراهيم) إحياء سلطنة (دار فور)، ثم واصلوا توسعهم نحو الغرب. وتجمع المخلصون لـ (دار فور حول (أبو الخيرات) اخ (يوسف)، غير أن هذه القوات كانت تبدو ضعيفة ومحبطة الهمة. ويبدو أن القيادات المخلية في السلطنات الصغيرة لم تكن واثقة كيف تتعامل مع توسع (المهديين) المتواصل. وهذه هي المرحلة التي ظهر فيها (أبو جميزة). ويصور (عثمان آدم) بزوغ نجمه في تقريره إلى (الخليفة عبدالله). فيشير إلى أن (أبو جميزة) توجه إلى (دار طامة)، وعندما جاء الأنصار إلى هناك وقبضوا على السلطان... ذهب إلى أبنائه خلال حيرتهم وأخبرهم أنه موفد من قبل (ابن السنوسي) كي يقضي على الأنصار. ونصحهم أن يحملوا سلاحهم وأكد لهم أنهم إذا قاوموا (الأنصار) فسوف يقضون عليهم جميعاً ولن يستطيع الأنصار التغلب عليهم مطلقاً. ثم قال لهم، لقد دفعتني الأقدار إليكم)، ثم شرع في الإتيان بأعمال مبهرة).
وزودتهم هذه الرسالة بحافز لمقاومة القوات المهدية المتقدمة وسرعان ما جمع الفقيه الشاب قوة كبيرة، كانت تضم رجال القبائل من الجماعات الصغيرة في الغرب، وبصفة خاصة قبائل (طامة) و (المساليت). كما جذب إليه انتباه (أبو الخيرات)، الذي انضم إلى الحركة الجديدة، وجاء معه ببقايا قوات (دار فور)، وأنزل هذا الجيش الجديد هزيمتين كبيرتين بالمهديين في وقت قصير، بحيث أجبرهم على الإنسحاب من أغلب المنطقة. وركز (عثمان آدم) بقايا فرقه في (الفاشر) منتظر المدد العسكري. وكان تقدم (أبو جميزة) نحو الشرق بطيئاً نسبياً، بحيث أتاح للمهديين وقتاً كافياً لإعادة بناء قوتهم. ثم توفى (أبو جميزة) فجأة بالجدرى، وانتقلت القيادة إلى أخيه (Saghah)، وفي فبراير 1889 اقتتل الجيشان بالقرب من (الفاشر)، وبعد صراع مرير انتصر المهديون وقتل (Saghain) في المعركة، أما (أبو الخيرات) فقد هرب إلى ملجأ جبلي حيث قتل فيما بعد، وتفرق أتباعه. وهكذا انتهت الحركة على نحو مفاجئ.
إن مقارنة هذه الحركة بحركة (مسيلمة) في القرن الأول الهجري تساعد على تفسير بعض السمات في مسيرة (أبو جميزة).
وفي عدد من الحالات رفعت بعض الحركات بقيادة أفراد يدعون النبوة أو سلطة دينية خاصة راية التحدي لجماعة المسلمين، وكان (مسيلمة) أحد هؤلاء القادة. وكان يدعي النبوة وسط (بنو حنيفة في اليمامة). ورفض (بنو حنيفة) تحت قيادته أن يسلموا بسلطة (أبو بكر) وجماعة المسلمين الجديدة. وتوجد روايات تقليدية بأن (مسيلمة) كان على صلة بالرسول، ولكن يبدو أنه لم يظهر للعيان في موقع بارز إلى ما بعد وفاة (Waedha) وهو زعيم قبلي كبير لـ (بنو حنيفة). ويوجد ما يوحى بأن كلا من Waedha أولاً ثم (مسيلمة) قدم عرضاً بالمشاركة في السلطة أو بتقسيم المنطقة بينهم وبين المسلمين. وقد رفض زعماء المسلمين هذا العرض. ومن ثم فإن (مسيلمة) تصرف باعتباره زعيماً دينياً وسياسياً ومدعياً سلطة نبوية، فقاد حركة مقاومة ضدتوسع السيطرة الإسلامية في (اليمامة). وفي عام 634م هاجم جيش المسلمين بقيادة (خالد بن الوليد) (النبي الكذاب) وهزمه، فانتهت بذلك حركة (مسيلمة).
إن التشابه العام في وضع (مسيلمة) و (أبو جميزة) يجعل من المقارنة بينهما أمراً مغرياً. وقد دعى (محمد أحمد المهدي) السوداني أتباعه إلى أتباع طريق (النبي محمد)، كما حاول هو نفسه بوعي أتباع نفس الطريق، وكان هذا أمراً طبيياً بالمعايير الدينية، وكثيراً ما كان أمراً عملياً أيضاً بلغة تطور الحركة المهدية في نهاية القرن التاسع عشر. وبشكل واضح، فإن قائداً كانت رسالته المعلنة تطهير ممارسة المسلمين لدينهم من الشوائب وخلق مجتمع متوافق مع (القرآن) و (سنة النبي)، كان من الطبيعي ن يرى القدوة في (محمد) وفي جماعة المسلمين الأولى، باعتبار أن ذلك أمراً عظيم الأهمية.
وإنه لأمر واضح أن (المهدي) وخليفته كانا يؤثران ألا يواجها مقاومة كالتي أعلنها (أبو جميزة). وتشابه هذه المقاومة مع تجربة النبي لم يكن أمراً مرغوباً فيه بوعي. ومهما يكن، فبالنظر إلى شخصيتي (أبو جميزة) و (مسيلمة) البارزتين، فإنه أمر منطقي أن نتساءل ما إذا كان (أبو جميزة) هو (مسيلمة المهدي) أم لا. إنها مقارنة جديرة بالبحث في بعدها (السوداني) لأنها يمكن أن تزودنا بمنظور لفهم أبعد مدى حول مغزى وطبيعة الثورات الدينية في سودان القرن التاسع عشر والعشرين. كما يمكن أن تزودنا أيضاً بملاحظات مفيدة في المجال الأوسع عن دراسة حركة التجديد الإسلامي على وجه الخصوص، وكذلك التجديد في الأعراف الدينية بوجه عام.
ومهما يكن، فإن عددا من الزعماء الدينيين من أصحاب الشخصيات الكارزمية رفعوا أعلامهم في نفس عصر (أبو جميزة). وكان من بين هؤلاء (آدم محمد) الذي أذاع رسالته باعتباره (النبي عيسى) في شرقي السودان عام 1887 / 1888م.
إن نشأة عدد من الحركات في نفس الوقت كانت ظاهرة عامة، وكانت أمراً مألوفاً في الحركات الإحيائية. وسواء كان (مسيلمة) يحاكي (النبي محمد) أم لا، وسواء كان (أبو جميزة) يستلهم بطريقة مباشرة تعاليم (المهدي) أم لا، فيبدو واضحاً أنه في كلتا الحالتين كان يوجد أناس كثيرون مستعدون لاتباع قيادة دينية كارزمية في كلا السياقين الاجتماعيين. وفي مثل هذا الموقف يمكن أن يوجد كثيرون يسعون إلى مواقع قيادة التحول الاجتماعي. وفي هذه الظروف التي تتحدى فيها القيادة الكارزمية بنى السلطة التقليدية، يمكن أن يظهر أنبياء عديدون. وفي مصطلحات علم الاجتماع الحديث يمكن القول أن (انتشار الحركات المستقلة أمر معد بشكل واضح عندما يكون أساس السعي إلى القيادة هو الإلهام، كما أن أي عدد من القادة والأنبياء يستطيعون أن يدعوا الوحي الإلهي).
كما لاحظ أيضاً علماء الإسلام التقليديون انتشار ظاهرة الزعامة النبوية. فابن خلدون مثلاً كان يميز بين الأنبياء والعرافين. ومهما يكن، فهو يرى في تحليله أن العرافين الذين يعيشون في زمن أحد الأنبياء يدركون نفوذ النبي ويحاولون الاستحواز على هذا النفوذ لحسابهم أنفسهم. وهذا ما حدث لـ (مسيلمة). إن تعدد الساعين إلى النبوة في أوقات الشدة أمر معروف أيضاً، فيقول الرسول في حديث قدسي ما معناه: (لن تأتي الساعة حتى يظهر ثلاثون مسيحاً دجالاً، وكل منهم يدعي النبوة).
ويعرف المؤمن أن الأنبياء في النهاية ينجحون لأن رسالتهم صادقة، بينما يسقط الأنبياء الزائفون في النهاية. ولا يستطيع الإنسان أن يرفض هذا الفرض كي يبحث قضية كيف ان دعوة زعيم ذي شخصية كارزمية كانت أكثر فعالية عن دعوة زعيم آخر. وفوق ذل فإن مقارنة (مسيلمة) و (أبو جميزة) في هذا المجال العام أمر مفيد. فكل منهما كان جزاءً من وضع كان يوجد فيه دعاوى دينية متنافسة. وبينما الفصل الواضح في المسألة بين (المسلمين) و (مسيلمة) وبين (الأنصار) و (أبو جميزة) قد تحقق في ميدان المعركة فإن الوضع يتضمن عوامل أخرى واضحة.
وفي كلتا الحالتين، كان الجانبان، الكاسب والخاسر متشابهين في أسلوب رساليتهما. ويرى (إشيلمان Eichelman ) أن ادعاء (مسيلمة) بحقه في السلطة كان مؤسساً على الروابط التقليدية القبلية والعشائرية، باعتبارها مقابلاً للروابط الجديدة اللاعشائرية والعقلانية والتي كانت تدعم الدعوة الإسلامية. وساعد هذا الاتجاه القلبي (مسيلمة) على تعبئة دعم قبلي ضخم داخل منطقته. فكان يستطيع اللجوء إلى الرغبة الطبيعية عند الكثيرين في ألا يستوعبوا في حركة (لا قبلية) نسبياً، حتى لا يفقدوا صلتهم بتقاليدهم العشائرية. ومهما يكن، وحتى إذا وجد التوكيد على العنصر الديني في رسالته، فإن هذا كان يعني أنه في حالة (مسيلمة) فإن (مفهوم) النبي يبدو مندمجاً مع المفهوم الأكثر ارتباطاً بالقبيلة وهو مفهوم رئيس القبيلة، وإن (مسيلمة) في هذا الإطار لم يكن لديه إلا أساس ضعيف كي يجذب الناس من خارج إطار (بنو حنيفة)، وفي التحليل الأخير، عجز (مسيلمة) عن منافسة رسالة الإسلام الأكثر إثارة والتي تجاوزت القبلية، على نحو فعال.
وتثير تجربة (مسيلمة) قضية مفادها، هل واجه (أبو جميزة) مشكلة مشابهة أم لا. وكانت رسالة (المهدي) على نحو واضح استمرارية للدعوة الإسلامية التي تجاوزت القبلية. وبينما اتهم (الخليفة عبدالله) بأنه أتى بأبناء قبيلته إلى مواقع الهيمنة وأضعف سمة النزعة العامة في المهدية، فإن (المهدية) واصلت تحت قيادته إتجاهها العام الرحب على نحو ذي دلالة. وعكس هذا كان (أبو جميزة) فيبدو بوضوح أكثر محلية وقبلية في اتجاهه. وكان دعمه الأساسي يأتي من القبائل التي كانت تقاوم بفاعلية وبشكل ثابت التدخل الخارجي في شؤونها الداخلية. وقد جذب الكثير من جنده من قبيلة (طامة) و (مساليت) لقد قيل أنه يوجد سبب واحد لتفسير تأخر (أبو جميزة) طويلاً في التقدم نحو (الفاشر)، وكنتيجة لذلك، لماذا لم يحارب جيشه قوة (المهدي) الأساسية حتى عززت بعد ذلك، مما كان له دلالته، وتفسير ذلك أن الكثير من فرقه كانت رافضة الحرب خارج مناطقها نفسها. أما المكون الرئيسي الآخر في جيش (أبو جميزة) فكان من (دار فور) بقيادة (أبو الخيرات) وتحول هذا العنصر إلى إحياء (سلطنة: دار فور)، ومن ثم تحول أيضاً إلى هدف محلي مفضلاً ذلك على هدف أكثر عمومية. وقد يكون هناك أبعاد أوسع في دعوة (أبو جميزة) والتي انقطعت بوفاته فجأة. وكما يبدو الوضع، ومهما يكن من أمر، فإن تجربة (أبو جميزة) شبيهة بتجربة (مسيلمة). ومن زاوية لغة السلطة، وعلى نحو متجرد وبإنصاف فأن التوجهات الأكثر عمومية تقريباً في الرسالة الإسلامية المبكرة وفي الدعوة (المهدية) أيضاً كانت قادرة على حشد قوات ضخمة وعلى درجة كبيرة من النظام، أكثر من الحركات المحلية نسبياً عند (مسيلمة) و (أبو جميزة).
وعن إدعاءات الرجلين بحقهما في السلطة، تشير التفسيرات التقليدية إلى أنه بالإضافة إلى كونهما لم يكونا بعيدي النظر، فإنهما كانا أيضاً أقل التزاماً على نحو قاطع. ويروي في كلتا الحالتين أن الزعيمين كانا على الأقل على استعداد للتسليم بعض الشيء بحق منافسيهم في السلطة. فقد أقر (مسيلمة) (بنبوة محمد) حتى عندما كان يبشر بدعوته، وأيدته في موقفه هذا قبيلته (بنو حنيفة). كما أكد (مسيلمة) على الاتجاه القبلي والإقليمي في رسالته عندما عبر عن رغبته في اقتسام الأرض مع الرسول.
ويبدو أيضاً أن (أبو جميزة) جعل من موافقته على رسالة (المهدي) أمراً واضحاً تماماً. وفضل ذلك على معارضة (المهدية)، فحاول أن يندمج في إطار الدولة (المهدية) الناشئة على أن يؤكد في نفس الوقت على استقلالية أتباعه. ويما يتعلق بالمهدية فكان مطلبه أن يرث الحكم بعد (عثمان). وهذا يعكس حقيقة أن (محمد أحمد المهدي) عين تابعيه الرئيسيين باعتبارهما (خلفاء) أو ورثة الزعامة المبكرة لصحابة النبي (محمد). وبهذه الطريقة لقب (عبدالله) خليفة (أبو بكر) وآخرون لقبوا خلفاء (عمر) و (علي). وكتب (المهدي) إلى (محمد المهدي السنوسي) في ليبيا، مخبراً إياه أنه جاءه النبي (محمد) في رؤيا أخبره فيها بأن موقع الخلافة بعد (عثمان) يكون لابن السنوسي، (متى يكون لك ابن عاجلاً أو بعد وقت طويل) وقد رفض (محمد السنوسي) دعوة (محمد أحمد المهدي) ومن ثم ظل موقع خليفة (عثمان) شاغراً. وقد ادعى (أبو جميزة) أنه صاحب الحق في هذا الموقع داخل الإطار الأيديولوجي للمهدية.
ولذلك فلم تكن دعاوى (أبو جميزة) الدينية من أجل سلطة مستقلة. فقد أخبر (الخليفة عبدالله) بأنه تابع (للقرآن) و (سنة النبي)، وإنه يسلم بطريق (المهدي) ويعلن ولاءه للخليفة عبدالله.
ويمكن أن تشى تجارب (مسيلمة) و (أبو جميزة) بأن إدعاءات كل منهما يغلب عليها الاتجاه الإقليمي على الاتجاه العام، والمشاركة الجزئية في السلطة على السيطرة الكاملة عليها، وهي أوضاع أقل فاعلية عندما تواجه بدعوة قوية عامة وصلبة تسعى نحو السلطة.
والأمر الواضح أيضاً أن حركة (أبو جميزة) لم تكن حالة معزولة، ففي أقصى الغرب من منطقته رفع عدد من الزعماء الدينيين لواء المقاومة الدينية. وفي دراسة الثورات الدينية ضد (المهدية) خلال فترة (الخليفة عبدالله)، يقرر كاتب إحدى الدراسات العامة أنه بمعرفة عدد من ادعوا النبوة في (دار طامة) يجب أن نطلق عليها (مصنع إنتاج الأنبياء الكذبة) ولم تكن ظاهرة الزعماء الذين يسعون إلى أن يكونوا من أنبياء الله (عيسى) أو آخرين من الشخصيات المؤمنة البارزة قاصرة على غربي (دار فور)، فقد ظهر كثيرون أمثال هؤلاء الناس خلال الحركة (المهدية) وأيضاً في بواكير القرن العشرين في مناطق مختلفة كثيرة من السودان.
وهذه السمة العامة تجعل من الأهمية بمكان أن نضع حركة (أبو جميزة) في التطور العام للتاريخ السوداني. ومن ثم يمكن أن نضيف بعض العناصر لفهم ذلك التاريخ. وبخاصة أن هذه الحركة يمكن أن تزودنا باتجاه مختلف في تقييم الحركة (المهدية) نفسها، سواء في علاقتها بالحكومة المصرية في القرن التاسع عشر، أو في علاقتها بالتطورات التي حدثت خلال فترة (الحكم الثنائي). إن حركة (أبو جميزة) نموذج للثورات ذات النطاق المحدود وذات التوجهات الإقليمية أو القبلية والتي أعلنت رسالتها باعتبار أنها حركة خلاص ديني أو حركة إيمان بالأخرويات.
ومهما يكن، فإن حالة (أبو جميرة) تجعل من الأهمية بمكان أن نتجاوز التعميم في مقولة أن (المهدية) كانت ثورة (الفقهاء) لأن ثورات (أبو جميزة) والآخرين من أشباهه ضد (المهدية) يمكن أن توصف أيضاً بأنها ثورات (الفقهاء). وعلى الأقل يمكن القول من بعض الزوايا أن القوة الدافعة الإجتماعية الدينية الأصيلة في ثورة (الفقيه) تواصلت أكثر بشكل مباشر عن طريق الناس مثل (أبو جميزة) أكثر من تواصلها عن طريق (الخليفة عبدالله) ويبدو أن ذلك هو الحال، على الأقل من ناحية أنه لم يترتب على سقوط النظام المصري خلق بنى اجتماعية كان (الفقيه) المحلى يستطيع أن يبقى فيها مستقلاً ومسيطراً على منطقته المباشرة. وبدلاً من ذلك، فإن انتصار المهدية عزز اتجاهات التمركز في العقود السابقة. ون تأسيس (محمد أحمد المهدي) لدولة، نظمها وتوسع في حدودها خليفته (عبدالله التعايشي) كان من نواح عديدة وبشكل مباشر تأسيس دولة وريثة للنظام المصري المتمركز، مع إحساس أكبر بالرسالة الغسلامية، من أن تكون بناء دولة يمكن أن تلقى قبولاً من (معلم القرآن) المحلي.
ولم يكن (المهدي) ولا خليفته (عبدالله) يرغب في أن يجيز الممارسات الدينية (المألوفة) التي كان يمارسها فقيه القرية. وقد وضع كلا الزعيمين النظم التي تحرم بعض العادات المحلية التي كان يشارك فيها (الفقهاء)، والتي كانوا كثيراً ما يفيدون منها. فمثلاً عارض (المهدي) لبس الأحجبة، بالرغم من أن عمل الأحجبة كان نشاطها هاماً للفقيه المحلي. كما استبدل الاستقلال المحلي للفقيه بخضوعه للقيادة المركزية المهدية. وبهذه الطريقة وبالرغم من أن حركة (المهدي) قد تكون ثورة (الفقهاء) ضد النظام المصري، فإن روح الثورة تلك استمرت ويمكن أن نجدها في حركات مثل حركة (أبو جميزة) بدلاً من وجودها في سياسيات (الخليفة عبدالله) المتمركزة. وقد يساعد هذا على تفسير لماذا لم تكن ثورة (أبو جميزة) حادثاً منعزلاً. وما دام لدى (الفقهاء) المحليين المقدرة على جمع ولو عدد ضئيل من الأتباع خلال وعظهم عن الرسالات التي تؤمن بالأخرويات، فسوف يستمر وجود ثورات تستلهم نفس الدوافع التي ألهمت إلى حد ما الحركة (المهدية) نفسها.
ومهما يكن، فإن حالة (أبو جميزة) تذكرنا بأن هذه الثورات لم تبدأ مع هزيمة الدولة (المهدية) عام 1898. ومن الجائز أن تكون ثورات (النبي عيسى) استمرار التراث طويل و (أبو جميزة) جزء منه. كما أن حركات القرن العشرينن مثل ثورات كثيرة مبكرة كانت نسبياً مرتبطة عن كثب بالقضايا المحلية، كما كانت أقل تصلباً في عرض إدعاءاتها. وفي الواقع، كان صراع هذه الثورات استمرار للمقاومة المبكرة التي قادها (الفقهاء) المحليون ضد سلطة أكثر تمركزاً وشمولاً.
إن مقارنة (مسيلمة) بـ (أبو جميزة) تساعد على تصنيف عدد من المجالات الهامة في فهم تاريخ السودان الحديث. فبينما ظهر الزعيمان في فترتين من التاريخ الإسلامي منفصلتين إلى حد بعيد، فقد جمعت بينهما عدد من المتشابهات الهامة. وعند تحليل هذه المتشابهات فإنها توضح لنا أن (أبو جميزة) كان يعكس فترة عريضة ديناميكياً من التاريخ السوداني. ولم تكن حركته متفردة، بل الأرجح يمكن اعتبارها جزءاً من التفاعل الطويل الأمد بين تراث (الفقيه) المحلى وقوى النظام والتمركز الناشئة على نطاق واسع. وكنتيجة لذلك، فإن شكلا واحداً في معارضة (المهدية) كان من طبقة هذا الفقيه المحلى، والتي ربما كان (محمد أحمد) يمثل مصالحها في الأصل. وعلى نحو مشابه، فإن حالة (أبو جميزة) تساعد على توضيح أن ثورات (الفقيه) المحلى التي اشتعلت مبكراً في القرن العشرين، ليست هي ببساطة ردود أفعال الهزيمة المهدية. فقد تكون هذه الثورات جزءاً من هذا التراث الطويل.
ويمكن النظر إلى حركة كل من (أبو جميزة) و (مسيلمة) باعتبارهما حالة لدراسة حركات الإحياء الديني التي أخفقت. ومهما يكن، فعند فحص تاريخيهما، يصبح في الإمكان تصنيف ديناميكيات أوسع في التاريخ الاجتماعي الديني. وبتمثيل اتجاه أكثر محلية في معارضة اتجاه أكثر شمولاً، ربما كان (أبو جميزة) هو (مسيلمة المهدي).


source : البلاغ
  1188
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

جابر بن عبد الله الانصاری
أدب الصلاة على النبي (ص)
قربان الحسين (عليه السلام)
حب أهل البيت (ع)
الحكمة من عصمة سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء (عليها ...
البكاءُ في الشَعائر الحسينيّة
آيات يحتجب الإنسان بها من أهل العداوات
البدعة ومراسم العزاء على الامام الحسين عليه السلام
أهمية دراسة الشخصيات التاريخية
إبراهيم ونصرة المختار

 
user comment