عربي
Wednesday 23rd of September 2020
  364
  0
  0

أركون ومشروع نقد العقل الاسلامي

يزعم الباحث المعروف محمد أركون انه ياخذ على عاتقه انجاز مهمة جسيمة في المجال الفكري يرى أنها تتمثل في "نقد العقل الاسلامي"وهذه المهمة أو الدعوة التي يتبناها اركون لا يمارسها بشكل خفي أو تحت غطاء.بل هو يدعو اليها بكل صراحة ويعتقد أنها مهمة لا بد من انجازها وتحريك الفكر الإسلامي باتجاه تحقيقها.
وما أرغب في استثارة الحديث عنه في هذه المقالة هو مهمة نقد العقل الإسلامي في ما يرتبط بعلاقة العقل بالوحي,والتي يرى أركون أن العقل الإسلامي ظل يمارس فيها ومن خلالها دور التابع والخادم للوحي من دون أن يسمح لنفسه بسؤال أو مبادرة,فلنر ماذا يحمل أركون من أفكار في هذه القضية,وما هي الملاحظات التي يمكن أن تسجل على أفكاره تلك !!!
1- العقل الإسلامي والعقل العربي
يحاول أركون أن يتفهم القارىء العربي بشكل خاص مشروعه النقدي من خلال التأكيد أولاً على ضرورة التفريق بين العقل الإسلامي والعقل العربي,فبماذا يختلف مفهوم العقل الإسلامي عن مفهوم العقل العربي؟ وما هو النقد الذي يتوجه للعقل في علاقته بالوحي بما هو معطى ومنزل إلهي؟يجيب أركون عن السؤال الأول بالقول : ( إن الأول يتقيد بالوحي أو المعطى المنزل,ويقر أن المعطى هو الأول لأنه إلهي,وأن دور العقل ينحصر في خدمة الوحي أي فهم وتفهيم ما ورد فيه من أحكام وتعاليم وإرشاد,ثم الاستنتاج والاستنباط منه,فالعقل تابع وليس بمتبوع اللهم إلا بالقدر الذي يسمح به اجتهاده المصيب لفهم وتفهيم الوحي ) و( أما العقل العربي فهو الذي يعبر باللغة العربية أياً تكن نوعية المعطى الفكري الخارج عنه والذي يتقد به ).
وأما السؤال الثاني فان أركون يقول بشأنه : ( ترتكز عملية النقد على علاقة بالمعطى المنزل,وعلى رضاه أن يبقى دائماً في الدرجة الثانية,أي في حدود الخادم دون أن يجرأ على مبادرة أو سؤال أو تأويل لا يسمح به الوحي المحيط بكل شيءوبينما العقل لا يدرك شيئاً إدراكاً صحيحاً إلا إذا اعتمد على الوحي المبين.هذا هو أساس النزاع بين المعتزلة القائلين بخلق القرآن وأهل السنة والجماعة وخاصة الحنابلة والأشعرية القائلين بأن القرآن غير مخلوق ويجب على العقل ان يقرأه بلا كيف "غضاً كما أنزل").
ويشير أركون الى أن المجال لو بقي مفسوحاً للمسلمين للمناظرة والجدل في مثل هذه القضايا العقلية والعقائدية ما كان وضع المسلمين يصل الى هذه المستويات الحالية من ضيق الأفق والاستبداد بالرأي ف ( لو استمرت المناظرات بين العقل القائل بخلق القرآن والعقل الخادم الخاضع للقرآن غير المخلوق,لكان الوضع المعرفي للعقل الإسلامي اليوم على غير ما هو عليه,أعني أن الفسحة العقلية ما كانت لتصبح ضيقة محدودة تسودها الأرثوذكسية العقائدية الى الدرجة المعروفة اليوم ).
2- هل كل عقل إسلامي هو كذلك؟
إن الامر المهم الذي نريد أن نحاور فيه أركون في هذه المقالة يتعلق بما ذكره أركون من حكم مطلق على العقل الإسلامي بأنه عقل يتقيد بالوحي وأن دور العقل ينحصر في خدمة الوحي,وعلى هذا الاساس يبقى العقل الذي يؤمن بالوحي ( دائماً في الدرجة الثانية,أي في حدود الخادم دون أن يجرأ على مبادرة أو سؤال أو تأويل لا يسمح به الوحي المحيط بكل شيء )...نقول : إن هذا التعميم والاطلاق الذي يستخدمه أركون لا يتناسب ومقتضيات الانصاف والتحقيق ومتطلبات الموضوعية والنزاهة في البحث العلمي,وذلك لأن دراسة بسيطة وأولية لتمايزات الفرق والمذاهب الإسلامية تكشف بما لايدع مجالاً للشك على أن هذه الفرق والمذاهب لم تكن ذات اتجاه واحد في هذه المسألة,وفي الموقف المتبنى من العقل في طبيعة علاقته ورابطته بالوحي,وعلى هذا الأساس يمكننا القول أن هناك عقولاً إسلامية متعددة,وليس مجرد عقل إسلامي واحد,وإن كان ذلك لا ينفي واقعية وصحة التمييز الذي يذكره الباحث بين العقل العربي والعقل الاسلامي,وأركون نفسه يصرح بأن المعتزلة كانوا يمثلون اتجاهاً عقلياً اسلامياً مضاداً ومخالفاً للاتجاه العقلي الاسلامي الذي تبناه أهل السنة والجماعة,وبحسب قوله عن هذين المذهبين:انهما ( يحيلان في نهاية الأمر الى مرتبتين ونظريتين ووضعين انطولوجيين أيسيين مختلفين للعقل ).
وإذا كان هذا التقييم يصح أن يصدق في حق المعتزلة فهو أولى بأن يصدق على التراث الفكري والعقلي الذي خلفه الشيعة الإمامية,والذي كان يستند الى العقل كدعامة اولى وأساسية ودائمة في فهم الحقيقة الدينية ومحاولة التعرف عليها,والذي يستشير الاحساس هو ذلك الاهمال المتعمد والمقصود الذي ما زال التراث العقلي للشيعة يتعرض له من قبل مختلف الباحثين من اسلاميين وغيرهم,والأدهى والأمر أن يكرس هذا الاهمال من قبل الباحثين الجدد والمعاصرين من أمثال أركون الذي يصر على أنه لا يصدر من حساسيات مذهبية وطائفية في تقييماته المعرفية واحكامه العلمية,وهو يقول بالحرف الواحد في بيان أهم المبادىء التي يتأسس عليها مشروعه النقدي للعقل الإسلامي : ( مشروع نقد العقل الإسلامي لاينحاز لمذهب ضد المذاهب الأخرى ولا يقف مع عقيدة ضد العقائد التي ظهرت أو قد تظهر في التاريخ؟)...إن علامة الاستفهام التي يضعها أركون في نهاية كلامه هذا تكون مبررة جداً في ظل هذا التجاهل غير المبرر للفكر والتراث الإسلاميين الشيعيين بالرغم من كون التراث العقلي للشيعة الإمامية استطاع أن يجسد طوال تاريخه الفكري صورة وحيدة وفريدة وذات نسيج خاص في قضية العلاقة بين العقل والوحي,ولقد استطاع الفكر الشيعي أن يتجاوز الأزمة التي عرضت للفكر المعتزلي في انحيازه للعقل ضد الوحي,كما أنه نجا من الوقوع في براثن المحنة التي وقع فيها الأشاعرة وأهل السنة من الانحياز للوحي ضد العقل.
وباعتقادنا أن هذه هي النقطة المهمة التي ينبغي أن يتعرفها ويعيها الدارسون المعاصرون في الفكر الشيعي الإمامي,في الوقت الذي لا ينبغي أن ينسى الدارسون والباحثون أبداً طبيعة الصعاب والمشاكل التي تعرض لها الشيعة طوال تاريخهم السياسي,والتي ساهمت في تشويه وتغطية الكثير بل الأكثر من أبعاد التراث العقلي والفكري للشيعة وطمس المهم من معالمه,وبالرغم من أن أركون لا ينسى التنبيه على هذه النقطة في كتاب سابق له إلا انه يعودها هنا لتناسيها والتغاضي عن أهميتها التي أفصح عنها بنفسه حينما قال موضحاً تطور النظرية الشيعية في مسألة الخلافة والشرعية السياسية : ( في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري راحت فكرة الشرعية تكتسب وجودها التنظيري وبلورتها العلمية تحت اسم النظرية الشيعية للخلافة.وسوف تترسخ هذه الفكرة ضد الاضطهاد الأموي للهاشميين وبسببه,هذا الاضطهاد الذي سيلاحق باستمرارأنصارعلي.سيتحول هذا الاضطهاد الى مجاوز مرعبة كان التاريخ السني قد مررها قليلاً أو كثيراً تحت الصمت ).
ويبين أركون نفسه كيف ساهم هذا الاضطهاد في القضاء على الكثير من الوثائق والشهادات العلمية التي كانت تحسب لصالح الشيعة في الإمامة حينما يقول : ( كان من نتائج هذه المجاوز الكبرى التي حلت بانصار علي القضاء على فكرة الإمامة – الإمام هو الوارث الروحي للنبي – وبالتالي الحذف الكامل لمجموعة من الشهادات ذات الأهمية القصوى,وخصوصاً الشهادات المتعلقة بالفترة التأسيسية الأولى للاسلام أي لفترة العشرين عاماً التي قضاها النبي في التبشير والدعوة والتعليم والسلوك ).
ومن أجل أن نتعرف على عظيم الاجحاف الذي تعرض له الفكر الشيعي طوال تاريخه فإن ذلك يستدعي منا أن نلقي بعض الضوء على الدور الذي مارسته السلطة السياسية في العالم الإسلامي في مواجهتها للفكر الشيعي,وهي المهمة التي سنقوم بها في النقطة القادمة من البحث.
3- السلطة السياسية والفكر الشيعي
لا يتردد أركون في هذا المجال أي يقدم شهادة ناصعة للتاريخ عز أن تجد لها مثيلاً في هذا الزمن حينما يفصح عن ماهية الدور الذي مارسته السلطة السياسية منذ وقت مبكر في تاريخ الإسلام في تغطية الحقائق وتزويد وقائعه,فيتحدث قائلاً : ( إن العقل التدبيري للدولة بكل عنفه ومقتضياته القاسية التي لاترحم راح يحذف بضربة واحدة تجارب وشهادات ذات قيمة روحية لا تقدر بثمن.الشيء الأسوأ من ذلك هو أن هذا العقل السياسي التدبيري راح يركب من عنده وحسب مصلحته شهادات أخرى تخص تشكيل القرآن مما أدى الى نتائج خطيرة جداً.ذلك أن هذه العملية راحت تشكل البنى العقلي والتصورية التي ستسيطر على وعي ملايين البشر منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا.هذا هو الرهان الذي يحيط بكل تلك القصة ( قصة الخلافة ).ينبغي ألا تغيب عن وعينا هذه النقطة الحاسمة ).
إن هذه الشهادة التي يدلي بها أركون تجاه الدور الذي مارسته السلطة السياسية في تاريخ الإسلام رغم أهميتها إلا أنها ليست بالمستوى الذي يكفي للكشف عن مقدار الطمس والتشويه والقلب الذي تعرضت له الكثير من الحقائق والمقولات,ولا سيما عقائد الشيعة وآرائهم في القضية مورد البحث اعني العلاقة بين العقل والوحي.
وإذا ماأردنا أن نتعرف أبعاد الفكرة التي جسدها التشيع في مشروعه العقلي والفكري في مسألة العلاقة بين العقل والوحي فسنجد لزاماً علينا أن نستعرض تراثاً ضخماً من علوم مختلفة ومتنوعة تشمل التفسير والحديث واصول الفقه والفلسفة والكلام,ساهم الشيعة منذ وقت طويل من خلالها في تأسيس وتجلية وتوضيح موقفهم المتزن والرائع في العلاقة بين هذين المصدرين المعرفيين,أعني العقل والوحي,وهذا النوع من الاستعراض سيكون هو المتكفل ببيان النتيجة الرائعة التي استطاع التشيع الإمامي أن يصل اليها في هذه القضية المهمة.
ومن المهم ان نشير في هذا المقام الى قلة الدراسات الجادة التي عنت ببيان هذا البعد من أبعاد التشيع,مع تاكيدنا على أن الحث على دراسة موقف الشيعة الإمامية من مسألة العلاقة بين العقل والوحي لاينطلق من تعصب مذهبي,بقدر ما ينطلق من محاولة لتسليط الضوء على أهم تجربة دينية بحسب تقديرنا من التجارب البشرية الناجحة في تحديد الموقف العقلي المتزن والمضبوط من هذه المسألة التي شغلت الأفكار والأذهان وما زالت تشغلهما وتلح عليهما.
وقبل بيان معالم المنهج الذي تبناه الشيعة في هذه القضية بشكل خاص فإننا نجد من الضروري التعرف أولاً وقبل كل شيء على التمايزات التي اتسم بها التشيع كمنهج خاص في فهمه وتفهيمه للوحي وفي علاقته بالنص الديني,وهذا الأمر إنما يتيسر لنا عبر محاولة التعرف ولو بشكل إجمالي وأولي على الإفرازات الاجتماعية والسياسية وبالتالي المعرفية التي أفرزها الوجود الإسلامي في الفترة التالية لوفاة رسول الله ( ص ).
فلقد أفرز الواقع الاجتماعي والسياسي الذي عاشه المسلمون بعد ارتحال رسول الله ( ص ) عدة اتجاهات في التفكير والممارسة,وقد برزمن بين تلك الاتجاهات اتجاهان رئيسيان كان لكل واحد منهما تفسيره الخاص للدين والعقيدة,ورغم ان الاتجاهين المذكورين برزا وتمايزا بشكل واضح بعد وفاة رسول الله ( ص ) وبدأ يتشكل كل منهما في وجود اجتماعي منحاز ومنفصل,إلا أن الجذور الأصلية لكلا الاتجاهين كانت قد تشكلت وانبتت على عهد رسول الله ( ص ) نفسه,والتأمل الدقيق في ممارسات أصحاب كل واحد من الاتجاهين في زمن رسول الله ( ص ) يعطى إنطباعاً بأن أصول كلا الاتجاهين قد انغرست في بنية المجتمع الإسلامي على حياة رسول الله ( ص ).
وذلك أمر باعتقادنا طبيعي جداً,تقتضيه طبيعة كل دعوة رسالية تستهدف توعية انسان عصرها,ونقله من واقع حياتي معين تتحكم في صياغته وتسييره قيم فكرية واجتماعية وانسانية معينة الى واقع حياتي آخر,تسعى تلك الدعوة الرسالية الى تثبيته على ضوء أفكار وقيم اجتماعية وانسانية مستجدة ومناقضة لأفكار وقيم الواقع الحياتي السابق,والقول بأن كل فرد يظهر الإيمان بالدعوة الجديدة ,ويكشف عن استجابته الظاهرية لها,فإن ذلك يعني انصهار الفرد بتعاليم تلك الدعوة ووعيه الحقيقي بأفكارها ومتبنياتها هو قول جزافي,لايمكن أن تؤيده النظرة التقييمية الواقعية لطبيعة التعامل الإنساني مع الأفكار المستجدة,ولاسيما إذا كانت تلك الأفكاروالقيم والتعاليم التي بشرت بها الرسالة أو الدعوة الجديدة عميقة ومتينة,ولم يحض القائمون بشكل رئيسي على تلك الدعوة أو الرسالة بالفرصة الكافية من العمر لإنجاز مهمة التغيير الاجتماعي,بالشكل الذي يجسد وعيهم الخاص بـأفكار وقيم الدعوة أو الرسالة واختبار مدى قدرة الجموع المؤمنة بهما "الدعوة أو الرسالة " على وعي أفكارهما أولاً وتجسيد قيمهما في الواقع الحياتي ثانياً.
وهذا ما حصل بالضبط للدعوة الإسلامية,اذ لم تكن الفترة الزمنية التي قضاها رسول الله ( ص ) بين المسلمين تكفي للقيام ب " عملية تطهير" شاملة للمجتمع الجديد الذي قبل الإيمان بالاسلام بعد صراع مرير على المستوى الداخلي,وإذا أدركنا أن المجتمعات البشرية لا تتخلى عن عقائدها الموروثة وأعرافها الاجتماعية بشكل فجائي حتى ولو اتخذت قرار التغيير بالفعل وآمنت بضرورته,وإنما تجرى عملية التغيير بشكل تدريجي وبطيء,وربما لا يستطيع الكثير من الأفراد – رغم قناعتهم بالدعوة الجديدة وتبنيهم لأفكارها- من التحرر من " الموروث الاجتماعي " السابق,والذي قد يستنبطه الفرد في اللاشعور من دون أن يعيه.
ولقد حكى لنا القرآن المجيد قصة بني اسرائيل الذين آمنوا بدعوة موسى( عليه السلام) وتحملوا الكثير من العناء في سبيل الدعوة الجديدة,ولكنهم بمجرد أن مروا على أناس يعبدون حجارة صنعوا بايديهم حتى استثار ذلك المنظر كل موروثهم الاجتماعي المدفون في أعماق نفوسهم فاقترحوا على نبيهم الجديد أن يجعل لهم آلهة محسوسة يعبدونها كما لهؤلاء القوم آلهة,وقد حكى سبحانه وتعالى قضيتهم هذه في قوله عز شأنه: ( وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا ياموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون.إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعلمون.قال أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضلكم على العالمين ) ( الأعراف / 138- 140 ).
وتتجلى قوة هذا الموروث الاجتماعي الراسخ بكل قوة في نفوس بني اسرائيل في دعوتهم المجددة لعبادة العجل مع كل مالاقوة من استنكار من قبل نبيهم في محاولتهم الماضية,ولكن الاستجابة المجددة لضغوطات الموروث الاجتماعي في هذه المرة تطفح الى السطح في مواجهة الوصي الشرعي لموسى( عليه السلام ) وهو هارون ( عليه السلام ) وفي ذلك يقول تعالى : ( وما أعجبك عن قومك ياموسى.قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك ربي لترضى.قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري.فرجع موسى الى قومه غضبان أسفاً قال ياقوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً أفطال عليكم العهد أو أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي.قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم فكذلك ألقى السامري.فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار فقالوا هذا إلهكم واله موسى فنسي.أفلا يرون ألا يرجع اليهم قولاً ولا يملك لهم ضراًَ ولا نفعاً.ولقد قال لهم هارون من قبل ياقومي إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع الينا موسى) ( طه / 83- 91 ).
إن حالات الصراع التي يستذكرها القرآن المجيد خلال استعراضه لحياة ومسارات الأمم السابقة ولا سيما صراعات التجربة اليهودية خلال العهد الموسوي لها دلالاتها الكثيرة والغنية التي لا ينبغي أن تعزب عن بالنا أبداً,ومن المهم جداً الاستفادة منها في تحليل مسيرة المجتمع المسلم في علاقته مع الرسالة الإلهية الخاتمة,وهو الأمر الذي يدفعنا لمحاولة الكشف عن بعض أبعاد هذه التجربة في ما مثلته من اتجاهات مهمة في التعامل مع النص الديني وتفسير كلمات الوحي الإلهي.
4- الوحي في مواجهة تفسيرين متضادين
لقد افرز المجتمع المسلم على عهد رسول الله ( ص ) توجهين رئيسيين في النظرة الى الدين وتفهم طريقة ارتباط الانسان به,ولكن بقيت شخصية رسول الله ( ص ) بسلطتها التاسيسية في المجال الفكري والاجتماعي تفرض نفسها على كل التوجهات وتمنع من بروز حالة إستقطاب معارضة ومناوئة للاتجاه الفكري الذي يتبناه ( ص ),ولكن بمجرد وفاة رسول الله ( ص) في هداية المجتمع وتربية النفوس المستعدة وتزكية الناس وتعليمها الكتاب والحكمة وإدارة شؤونها السياسية والاجتماعية قد انتهت وتوقفت بموت رسول الله ( ص ),وفي هذا اعتراف ضمني بانقطاع دور النبوة وانفصام الرابطة بين الأرض والسماء التي كان يجسدها نزول الوحي على رسول الله ( ص ),وفي المقابل فقد تبلور اتجاه آخر اعتقد معتنقوه والمدافعون عنه أنه تأسس منذ البداية على عهد رسول الله ( ص ) ولايمكن أن يكون الأمر إلا كذلك,باعتبار ان رسول الله ( ص )كان حريصاً على مستقبل الرسالة وكان يهمه أن يهيىء لهذا الدين مبررات خلوده,ومن مبررات خلود أية فكرة أو عقيدة هو اعداد الجموع البشرية التي تعي كل الوعي وتفهم كل الفهم آفاق الفكر الذي طرحه من كان لهم دور التأسيس وإرساء قواعد البناء الجديد.
وكان هذا الاتجاه يرى أن مهمة رسول الله ( ص ) لايمكن أن تتوقف أو تنتهي بموته,ورغم ان هذا الاتجاه كان يرى في موت رسول الله ( ص ) مسألة طبيعية جداً فلم يحاول انكارها أو التشكيك في واقعيتها,إلا انه كان يضر في المقابل على ان ضرورة الارتباط بين السماء والأرض لا يمكن أن تفقد أهميتها بارتحال الرسول,وان الحاجة تبقى ماسة – ولا سيما بعد وفاة الرسول – الى من تستشعر الجموع المؤمنة بالرسالة أنه يمثل امتداداً شرعياً وواقعياً لأفكار ومفاهيم الرسالة التي بشر بها الرسول المؤسس ( ص ).
ومنذ ذلك الوقت و "الاسلام" يتجاذبه هذان الاتجاهان,الذي يقدم أحدهما نفسه على أنه تفسير بشري للدين,وأنه لا يستعيد سوى خطاب النبوة وأهدافها وغاياتها,وهو الاتجاه الشيعي بكل تياراته ومذاهبه أيضاً.
ورغم أنه – وكما أشرنا – قد انقسم كلا الاتجاهين الرئيسيين الى عدة اتجاهات فرعية الا انه يظل المائز الذ ي يميز بين كل واحد من الاتجاهين هو مقدار انتسابه الى فكرة النبوة وخطابها,والذي يلحظه المتتبع لطبيعة الخطاب الشيعي – منذ يوم وفاة رسول الله ( ص ) الى عصرنا الحاضر- هو أن الخطاب الشيعي ظل وفياً تمام الوفاء لإحياء خطاب النبوة,وبقي رغم كل الظروف والمحن التي كابدها معتنقوه يتواصل مع خطاب النبوة بل ويستعيد حرارة وحيوية ذلك الخطاب الذي رأت الجموع الغفيرة من المسلمين " الغالبية" أنه قد خمد وسكت بوفاة الرسول الخاتم ( ص ).
وفي واقع الامر اننا نلحظ أن السمة البارزة التي ميزت الاتجاه الشيعي وشخصته من أول الامر هي قدرته على استشعار الارتباط الوثيق بمهمة النبوة وانه لابد وان يجسد امتدادها المشروع في مواجهة الاتجاه الآخر الذي لم يتأخر عن إلغاء دور النبوة بمجرد وفاة رسول الله ( ص) .بل وقبل وفاته ( ص ) حينما سعى للتشكيك في مصداقية خطاب النبوة والدعوة للاكتفاء بكتاب الله ,تلك الدعوة التي كانت تعني فيما تعنيه بداية التأسيس لدور "الاتجاه البشري" في أن يكون حاكماً على " الاتجاه النبوي" وهكذا كان الأمر في تاريخ الفكر الإسلامي بشكل عام إلا ما كان من استثناء مثله الفكر والخطاب الشيعيان,مما جعل البحث عن "الأصيل" و" الطارىء" في بنية الفكر الاسلامي عملية إن لم تكن مستحيلة فهي معقدة بكل معنى الكلمة.والذي نعتقده انه لاسبيل لانجاز هذا الأمر – ان كانت ثمة رغبة حقيقية في انجازه – إلا عن طريق "الحفر المعرفي" في بنية الفكر الشيعي والسعي لاكتشاف المجاهيل والتشوهات التي فرضتها الظروف السياسية والاجتماعية على هذا الفكر أولاً والخطاب النبوي ثانياً,ولو قدر لهذه المهمة أن تنجز على أيدي المفكرين والباحثين الاسلاميين بكل انصاف وتجرد فاننا نثق كل الثقة ان النتائج المستخلصة ستعطي للفكر الاسلامي وجهاً آخر,وستفتح أمام الباحثين المسلمين آفاقاً من الفهم والمعرفة قد حجبت دونها العقول ممارسات السلطة والرغبة الشديدة في الحجر العقلي والاستئثار بسلطة المعرفة وغيرها من ممارسات قدر لها أن تتواجد بكل ثقل وقوة في تاريخ المسلمين الفكري والسياسي والاجتماعي.
ونتمنى على كل الباحثين الاسلاميين أن يستوحوا كل مظاهر التحريف التي يمكن افتراض طروئها على البنية الاصلية للاسلام من خلال التمعن الدقيق في مسارات الرسالات الالهية السابقة ومالاقته من تشويه وتحريف للكثير من تعاليمها بمجرد غياب الانبياء والرسل ( عليهم السلام ) الدين حملوا لواء الحفاظ على الرسالات من التشويه الفكري والانحراف العقائدي,ولا نعتقد ان الرسالة الاسلامية يمكن أن تمثل استثناء من هذه الحقيقة,إلا من خلال ما توفر لنصها الأصلي " القرآن الكريم " من حفظ ورعاية من قبل الله تعالى,وهو استثناء تقتضيه خاتمية الرسالة الاسلامية إذ الحجة لاتقوم لله على خلقه لو تعرض القرآن المجيد لتحريف وتبديل على مستوى الألفاظ الاصلية للنص,وهذا الحفظ الإلهي يوفر مجالاً حيوياً لاستخلاص الرأي الاسلامي الأصيل في كثير من القضايا العالقة في الفكر الاسلامي ومنها التثبت من اصالة الفكر الشيعي وما يمثله من استعادة واعية لخطاب النبوة.
5- الفكر الشيعي بين العقل والوحي
من الضروري التاكيد على أن من جملة أعقد المسائل الدينية والمعرفية التي عنى العقل البشري بمحاولة تحليلها وإدراكها,هي قضية العلاقة بين العقل والوحي,وبطبيعة الحال نحن لا نريد ولايمكننا في هذه العجالة أن نستعرض كل أبعاد المسألة,ولا سيما شغلت العقل البشري منذ آلاف السنوات,ولذا ما يهمنا ها هنا وما هو متاح لنا انجازه هو محاولة تقديم إطلالة سريعة على موقف الفكر الشيعي الإمامي بشكل خاص من هذه القضية,ومحاولة تسليط الضوء على موقف الفكر الشيعي بشكل خاص من هذه القضية يبتني باعتقادنا على مبررين :
الأول :الاهمال الذي لاقاه الفكر الشيعي طوال تاريخه وبشكل خاص في هذه المسألة.
الثاني :الموفقية التي حظى بها الفكر الشيعي بصورة خاصة في مجال تحليل وتحديد وضبط العلاقة بين هذين المصدرين المعرفيين.
وإذا كان الأمر الأول قد توضحت لنا بعض أبعاده في النقاط المتقدمة من البحث,فإن الأمر الثاني هو ما نحاول تجليته في هذه النقطة التي بين أيدينا,فلنر ما الذي استطاع الفكر الشيعي أن يقدمه للعلم وللمعرفة وللإنسان في هذه المشكلة المعرفية التي شغلت وما زالت تشغل عقل وتفكير الإنسان..
وفي بداية حديثنا عن هذه المسألة ومحاولة بيان المسلك الذي سلكه الفكر الشيعي في مهمة التوفيق بين معارف الوحي وحقائق العقل,يلزمنا القول أن الفكر الشيعي في حد ذاته يعتبر نتاج مزاوجة موفقة بين يقينيات العقل البشري وقطعيات الوحي الإلهي,فلقد أسس أئمة الشيعة المجال وفتحوه أمام العقل من أجل انجاز عملية تواصل مع الوحي عبر التعرف على الحاجة الذاتية التي لا يمتنع العقل من الاقرار بها الى الوحي في استلهام المعرفة وتصحيحها ,كما أنهم من جهة أخرى فسحوا المجال للوحي من أجل أن يتعرف للعقل بدوره التأسيسي في المعرفة وكونه القاعدة التي ينطلق منها الوحي في تثبيت مقولاته وبناء أفكاره.
وفي هذا الشأن يكفينا أن نتأمل في القول المنسوب الى رسول الله ( ص) والذي يقول فيه : ( قوام المرء عقله,ولادين لمن لاعقل له).
وأهمية هذا القول أنه أولاً يصدر من رسول الله ( ص ) الذي جاء نفسه بالوحي وحمل كلمته الى البشرية,وثانياً أنه لايتردد في سلب الدين الذي هو نتاج الوحي عن من فقد العقل,وقبل هذا وذاك فإن الرسول ( ص ) في كلمته هذه يجعل قوام كل انسان عقله قبل كل شيء فالعقل هو الذي يتيح أمام الإنسان التعرف على كلمة الوحي ووعيها,وهذا ما يفصله ابن عباس في بعض الكلمات المنسوبة اليه حينما يقول : ( أساس الدين بني على العقل,وفرضت الفرائض على العقل,وربنا يعرف بالعقل,ويتوسل إليه بالعقل,والعاقل أقرب الى ربه من جميع المجتهدين بغيرعقل,ولمثقال ذرة من بر العاقل أفضل من جهاد الجاهل ألف عام ).
ونجد في بعض مرويات ائمة أهل البيت ( عليهم السلام ) عن النبي ( ص ) تعبيراً رائعأً عن المهمة التي ينبغي أن توكل للعقل في حياة ووجود المسلمين,فهي تعبر عن العقل بأنه "فسطاط المسلمين" فقد روي عنه ( ص ) أنه قال : ( لكل شيء آلة وعدة وآلة المؤمن وعدته العقل,ولكل شيء مطية ومطية المرء العقل,ولكل شيء غاية وغاية العبادة العقل,ولكل قوم راع وراعي العابدين العقل,ولكل تاجر بضاعة,وبضاعة المجتهدين العقل,ولكل خراب عمارة وعمارة الآخرة العقل,ولكل سفر فسطاط يلجأون إليه وفسطاط المسلمين العقل ).
إن النكتة المهمة والدقيقة التي ينطوي عليها هذا الحديث الشريف تختزل في أنه أراد أن يؤسس دور العقل والعقلانية في حياة المسلمين,وذلك حينما اعتبر العقل الفسطاط الذي يلجأ إليه المسلمون جميعهم,ولو قدر لهذا التأسيس والإرشاد النبوي أن يأخذ مجاله في عقائد وافكار وممارسات المسلمين لكان من المؤكد أن تكون الحالة العقلية عند المسلمين على غير ما جسدوها طوال تاريخهم حينما سمحوا لأنفسهم أن يتحركوا باتجاه مضاد للعقل في العديد من أبعاد حياتهم وممارساتهم,مما خلف صورة سيئة ومشوهة عن حقيقة الدين والإسلام ,وبالأخص في حيز العقائد الدينية التي وجدت لها مجالاً أن تصاغ في كثير من الأحيان بعيداً عن منطق العقل,بل وأن تكون مضادة للعقل.
وهذا التصوير الذي يطرحه هذا الحديث عن العقل ودوره في حياة المسلمين يجعل من الضروري جداً على كل الباحثين أن يعيدوا النظر في العديد من التصورات والعقائد والأفكار التي قدمت على أنها القراءات الصحيحة والموضوعية لتراثنا الديني والإسلامي,وهوالامر الذي نجزم أن الباحث محمد أركون ينطلق منه حينما يسمح لنفسه أن يعتبر العقل الإسلامي مجرد تابع وخادم للوحي من دون أن يسمح لنفسه بسؤال أو مبادرة.
وثمة حقيقة مهمة في هذا الشأن تكشف لنا عن البعد الأساسي والأولي الذي أرساه الفكر الشيعي للعقل في فهم الدين ووعي حقيقته,ويتمثل هذا البعد في المضمون الذي صرحت به العديد من مرويات أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) من اعتبار التكليف الإلهي منوطاً بالعقل,فبالعقل استحق الإنسان أن يكون موضوعاً للخطاب والتكليف الإلهين,وهذا ما تفصح عنه عدة من المرويات التي تقول أن أول ما خلق الله من خلقه هو العقل,وأن أول من حظى بخطاب الله وأمره ونهيه هو العقل أيضاً,فعن الإمام الباقر ( عليه السلام ) : ( لما خلق الله العقل استنطقه, ثم قال له : أقبل فاقبل,ثم قال له : أدبر فأدبر,ثم قال له :وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب الي منك,ولا أكملك إلا في من أحب,أما إني إياك آمر,وإياك أنهى,وإياك أثيب ).
ومن الواضح أن الفكر الشيعي مادام يتبنى هذه النظرة حول العقل فليس من المعقول أبداً أن يتمثل هذا الفكر مسلكاً منافياً للعقل في ما يدعو إليه من حقائق دينية ومعرفية كما يحاول بعض الكتاب المعاصرين أن يجهد نفسه في إثبات ذلك والقول بأن التشيع قد جسد منهجاً باطنياً غنوصياً في معارفه عن الدين,وأنه قد تخلى عن العقل والعقلانية.
وانطلاقاً من ذلك أيضاً ليس من مجال للقوة بأن التشيع كان ملازماً للعقل في مباحثه العقائدية حول التوحيد والعدل والنبوة والمعاد ما خلا آرائه في الإمامة والعصمة التي – كما يزعم البعض – ناقض فيها العقل وتخلى عن التزامه بمبادئه وقواعده,وهي الفكرة التي يثيرها الكاتب المصري محمد عمارة حينما يتحدث قائلاً : ( والعقلانية : واحدة من القسمات التي تتجلى للناظر في تراث الشيعة الفكري,وذلك إذا استثنينا تراثهم في الإمامة وما يتعلق بها؟!.. فهم في الامامة – كما قدمنا – قد غدوا اسرى لنصوص وتفسيرات لنصوص ,وتفسيرات لنصوص,تعبدوا بها,ونحوا العقل جانباً,أمام هذه النصوص ذات الطابع الاسطوري,بل وفاخروا بذلك غيرهم من التيارات؟!.. أما في غير الإمامة وما يتعلق بها فإن تراثهم صفحة من صفحات الفكر الإسلامي المشرقة بنور العقل,والمزدانة بسلطانه..يتفقون في ذلك كثيراً أو يقتربون الى حد كبير من المعتزلة,فرسان العقلانية في الإسلام ).
إن هذا التقييم الذي يطلقه الباحث المذكور يفتح أعيننا على طبيعة المشكلة التي واجهها الدارسون للتراث الشيعي فهؤلاء لما لم يستطيعوا أن يتعقلوا فكرة التشيع عن الإمامة والعصمة لم يترددوا في اتهام الفكرة نفسها بأنها مجافية ومناقضة للعقل,وكان من الحري بهم أن يرجعوا الى أنفسهم فيبحثوا عن قصورهم أو تقصيراتهم التي حالت بينهم وبين وعي وإدراك البعد العقلاني الذي انطوت عليه النظرية الشيعية في الإمامة,والتي دفعت الشيعة – كما يشير الباحث – الى أن يصيروا أسرى نصوص وتفسيرات للنصوص,فما دفع الشيعة لأن يصيروا اسرى للنصوص وبتعبير أدق ل" الوحي " هو نفس اعتقادهم بمكانة العقل التي تلزمهم بالرجوع الى كلمة الوحي في تشخيص الإمام,فبعد أن دلهم عقلهم على ضرورة الإمامة وأنه من المحال أن يترك الله عز وجل الخلق من دون أن ينصب اليهم هادياً في كل زمان وآن.فقد التزموا باستحالة أن لا يكون هناك نص وبيان من الشارع المقدس على هذه المسألة التي يدركها العقل كبروياً إدراكاً مستقلاً كما يدرك ضرورة النبوة والحاجة الى الرسول من قبل الله تعالى,وتبقى الصغرى وهي تشخيص الإمام وتعيينه من بين الناس مسألة منوطة بالبيان الشرعي من قبل الله ورسوله,إذ لا يتميز الإمام المعصوم بميزة ظاهرة في خلقه تدل على إمامته,والعصمة أمر خفي لا يطلع عليه إلا خالق الخلق فلزم أن يكون البيان من جهته وبأمر منه,وهي الفكرة التي يفيض الإمام الصادق ( عليه السلام ) في بيانها حينما يستدل على لزوم وجود الحجة لله على خلقه في كل زمان بالقول : ( إنا لما أثبتنا أن لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنا وعن جميع ما خلق,وكان ذلك الصانع حكيماً متعالياً لم يجز أن يشاهده خلقه,يعبرون عنه الى خلقه وعباده,ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم,فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه والمعبرون عنه جل وعز,وهم الأنبياء ( عليهم السلام ) وصفوته منخلقه,حكماء مؤدبين بالحكمة,مبعوثين بها,غير مشاركين للناس,على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب,في شيء من أحوالهم,مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة,ثم ثبت ذلك في كل دهر وزمان مما أتت به الرسل والأنبياء من الدلائل والبراهين,لكيلا تخلو أرض الله من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقالته وجواز عدالته ).
وهذا الأفق الذي يطرحه الإمام ( عليه السلام ) في قضية الحاجة الى السفراء الذين يحملون كلمة الله عز وجل الى الخلق في كل زمان,هو الذي تنبني عليه العلاقة بين العقل والوحي ( = النص الديني ) في الفكر الشيعي,وعلى أساس من ذلك انطلق الفكر الشيعي ليؤكد على تمسكه بفكرة استمرار الإمامة التي تجسد معنى الارتباط بين الأرض والسماء,أو بعبارة أخرى بين الله والخلق,أو بعبارة ثالثة بين العقل "البشري " والوحي " الإلهي " وعلى ضوء هذه العلاقة المستمرة والممتدة في التاريخ البشري والوجود الإنساني بين العقل ( = الإنسان ) والوحي ( = الله ) انبثقت مهمة السفارة التي تربط الإنسان بخالقه,والتي كانت تتمظهر تارة في شخصية النبي المرسل وتارة اخرى في شخصية الإمام المعصوم,وهذا ما جعل مهمة الأنبياء والتي تختزل في حمل كلمة الله عز وجل الى الإنسان تتواصل مع دور العقل في حياة ووجود الإنسان ,وهو المعنى الذي يفصح عنه الإمام علي ( عليه السلام ) في ثنايا حديثه عن دور الأنبياء والرسل,حينما يقول : ( وواتر إليهم أنبياءه, ليستأدوهم ميثاق فطرته,ويذكروهم منسي نعمته,ويحتجوا عليهم بالتبليغ,ويثيروا لهم دفائن العقول...).
فمهمة الأنبياء والرسل :تنسجم وتتواصل مع الدور المنوط بالعقل في حياة البشر,فحينما تدفن الثورة والثروة العظيمة التي ينطوي عليها العقل الإنساني لسبب أو آخر من سوء تربية أو عقيدة منحرفة أو غير ذلك يأتي الوحي ليزيح التراب والغبار عن المدفون من ثورة وثروة العقل ,ويحرر العقل مرة أخرى من اسار كل القيود التي تعيقه عن القيام بدوره وتفعيل مهمته, وبعد أن يحرر الوحي العقل فإن العقل يعود ليستفهم الوحي ويسائله ويسبر أغواره ويكشف عن مطوياته,ومن هنا يدعو النبي الأعظم ( ص ) علياً ( عليه السلام ) الى التقرب الى الله تعالى بعقله إذا ما راى غيره يتقرب اليه بعمله فيقول في ما روي عنه : ( ياعلي إذا رأيت الناس يتقربون الى خالقهم بأنواع البر فتقرب اليه بانواع العقل تسبقهم).
ولقد أبدع الفكر الشيعي صورة من أعظم واجمل الصور في مجال العلاقة بين الوحي والعقل,حينما استطاع أن يتجاوز طوال تاريخه – وليس لمدة محدودة – كل المطبات التي كانت تستزله ,من أجل أن يحيد ويميل لصالح العقل ضد الوحي,أو لصالح الوحي ضد العقل,بل عمل الفكر الشيعي على الدوام لتفهم صوت العقل بالمستوى الذي يتفهم فيه نداء الوحي,ولذا لا عجب أن يقوم أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين احتلوا في التشيع موقع التواصل مع الوحي وتمثيل كلمته بالحث على الرجوع الى العقل وضرورة تحكيم وتفعيل دوره في حياة الانسان ,وهو الأمر الذي تفصح عنه العديد من كلماتهم ( عليهم السلام ),ففي الحديث عن الإمام أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) قال : ( قال رسول الله ( ص ) لم يعبد الله عز وجل بشيء افضل من العقل ...).
وفي خبرآخرعنه ( ص ) : ( ما عبد الله بمثل العقل ...)
وهذا التفعيل والتاصيل لمهمة ودور العقل من قبل أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) يجعلنا نتحفظ تجاه بعض المحاولات التي تسعى – وإن كان ذلك بحسن نيه – الى إسباغ طابع عرفاني روحي على جملة من المعالجات الفكرية التي قدمها الأئمة ( عليهم السلام ) لبعض القضايا العقائدية كما هو الشأن بالنسبة الى مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى,ومسألة معرفة الخالق وما يتعلق بها من زيادة الصفات أو عينية الصفات واتحادها مع الذات ,ففي المسألة الأولى حينما يستعرض بعض الباحثين قول الإمام الصادق ( عليه السلام ) المروي عنه في الكافي,والذي يقول فيه : ( ..من زعم أنه يعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك ,لأن حجابه ومثاله وصورته غيره,انما هو واحد متوحد ) ..الخ ,نرى هذا الباحث يعتبر هذه المعالجة التي يقدمها الإمام ( عليه السلام ) في موضوع الرؤية ذات صبغة عرفانية ,إذ أن ( هذا الموضوع – في نص كهذا – عرفاني بالدرجة الأولى,تشارك فيه معرفة القلب ,وهو ما فسرت به مدرسة أهل البيت رؤية الله سبحانه في الآيات التي تطرقت اليها في القرآن الكريم,الرؤية القلبية ).
وفي المسألة الثانية – أعني موضوع المعرفة – يتحدث الباحث بالقول : ( هنا لا بد من الاشارة الى ان المتكلمين في محاولتهم الوصول الى كنه المعرفة جدلياً, تحدثوا أحياناً بما يصعب فهمه أو بما لا يؤدي الى نتائج يقينية تحدد ماهية المعرفة,وظل الاشاعرة أكثر هؤلاء تشوشاً وبعداً عن المنطقية,بينما حسم الامام المسألة باحالتها الى القلب والوجدان,بوصفه الذات بالصفات ,رافضاً الفصل بينهما,ويشير الباحث بكلامه الأخير الى أولى خطب الإمام المذكورة في نهج البلاغة والتي يتحدث فيها عن الذات والصفات قائلاً: ( من وصف الله فقد قرنه,ومن قرنه فقد ثناه ).
ان اعتبار هذه المعالجات معالجات عرفانية فيه خلط غير يسير بين كون موضوع الرؤية التي يمكن أن تنسب اليه سبحانه وتعالى,وكذا موضوع المعرفة الواقعية عليه عز وجل هما رؤية ومعرفة قلبيتان بمعنى أنهما غير حسيتين ولاعقليتين ولاوهميتين,وبين كون المنهج المتبع في التدليل على استحالة الرؤية والمعرفة غير القلبيتين في حقه تعالى منهجاً عرفانياً ,لأننا حينما نشير الى المنهج العرفاني في تثبيت الحقائق فإننا نشير بذلك الى المنهج الذي يرصد الحقيقة ويعيها عبر القلب بما يتوفر عليه من قدرات كشفية وذوقية, ولانريد بذلك أن ننفيها أو أن نلغي قيمتها المعرفية,ولكننا نقول أنها ذاتية تختص بمن حصلت له ولايمكن أن ينالها غيره ممن يفتقد مبررات حصولها,وهذا بخلاف المنهج العقلي البرهاني في الاثبات ,والذي يسلك طريقاً مشتركاً بين كل الناس في تحصيل المعرفة,وهو طريق التدليل والبرهنة العقليتين.
والأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) كانوا دائماً سواء في معارفهم التي كانوا يطرحونها ابتداء أم في محاوراتهم مع الآخرين في الشأن العقيدي لايستندون الى شيء سوى العقل والبرهان ,وحتى حينما كان يجادلهم من يؤسس عقائده بالانطلاق من النص وبعيداً عن مقتضيات العقل فإنهم كانوا يفرغون النص في قالب عقلي نافين عنه كل الدلالات التأويلية والتحميلية التي تجعله في موقع التعارض مع العقل,وهذا ما يتبين لنا في هذين النصين الذين يتحاور فيهما الامام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) مع بعض أهل الحديث ممن كانوا يستندون الى ظواهر الآيات والروايات في تأسيس عقائدهم الدينية,والنص الأول يدور الحوار فيه عن موضوع رؤية الله سبحانه بشكل خاص,إذ يقول صفوان بن يحيى : ( سألني أبو قرة المحدث أن أدخله على أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) فاستأذنته في ذلك فأذن لي فدخل عليه فسأله عن الحلال والحرام والأحكام حتى بلغ سؤاله الى التوحيد فقال أبو قرة:إنا روينا أن الله قسم الرؤية والكلام بين نبيين فقسم الكلام لموسى ولمحمد الرؤية.
فقال أبو الحسن ( عليه السلام ):فمن المبلغ عن الله الى الثقلين من الجن والإنس : ( لاتدركه الأبصار ) ( ولايحيطون به علماً ) و( ليس كمثله شيء ) ,أليس محمد؟
قال : بلى.
قال : كيف يجيء رجل الى الخلق جميعاً فيخبرهم أنه جاء من عند الله وأنه يدعوهم الى الله بأمر الله فيقول: ( لاتدركه الأبصار ) ( ولايحيطون به علماً ) و ( ليس كمثله شيء ) ثم يقول أنا رأيته بعيني واحطت به علماً,وهو على صورة البشر؟! أما تستحون ؟!ماقدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي من عند الله بشيء,ثم يأتي بخلافه من وجه آخر؟!
قال أبو قرة: فإنه يقول : ( ولقد رآه نزلة اخرى ) ؟
فقال أبو الحسن ( عليه السلام ) : إن بعد هذه الآية ما يدل على مارأى .حيث قال : ( إذا ادركت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها.وما اجمع عليه المسلمون أنه لايحاط به علماً ولاتدركه الأبصار وليس كمثله سيء).
والنص الثاني والذي يدور الحوار فيه بين نفس المتحاورين السابقين هو مايرويه صفوان بن يحيى أيضاً,قال : ( سألني أبو قرة المحدث أن أدخله على أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) فاسـتأذنته فأذن لي ,فدخل فسأله عن الحلال والحرام ,ثم قال له : أفتقر أن الله محمول؟
فقال ابو الحسن ( عليه السلام ) :كل محمول مفعول به مضاف الى غيره محتاج,والمحمول اسم نقص في اللفظ ,والحامل فاعل وهو اللفظ مدحه,وكذلك قول القائل :فوق وتحت وأعلى وأسفل ,وقد قال الله : ( وله الأسماء الحسنى فادعوه بها ).ولم يقل في كتبه :انه المحمول ,بل قال :إنه الحامل في البر والبحر والممسك السماوات والأرض أن تزولا ,والمحمول ماسوى الله,ولم يسمع أحد آمن بالله وعظمته قط قال في دعائه :يامحمول.
قال أبو قرة:فانه قال: ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) وقال : ( الذين يحملون العرش ).
فقال أبو الحسن ( عليه السلام ) :العرش ليس هو الله ,والعرش اسم علم وقدرة ,وعرش فيه كل شيء ,ثم أضاف الحمل الى غيره,خلق من خلقه,لأنه استعبد خلقه بحمل عرشه وهو حملة علمه وخلقاً يسبحون حول عرشه وهو يعملون بعلمه وملائكة يكتبون أعمال عباده ,واستعبد أهل الأرض بالطواف حول بيته,والله على العرش استوى كما قال,والعرش ومن يحمله ومن حول العرش والله الحامل لهم,الحافظ لهم,الممسك القائم على كل نفس وفوق كل شيء وعلى كل شيء,ولا يقال :محمل ولاأسفل ,قولاً مفرداً يوصل بشيء فيفسد اللفظ والمعنى.
قال أبو قرة :فتكذب بالرواية التي جاءت أن الله إذا غضب إنما يعرف غضبه أن الملائكة الذين يحملون العرش يجدون ثقله على كواهلهم,فيخرون سجداً,فإذا ذهب الغضب خف ورجعوا الى مواقفهم؟
فقال أبو الحسن ( عليه السلام ) :أخبرني عن الله تبارك وتعالى منذ لعن إبليس الى يومك هذا هو غضبان عليه,فمتى رضي؟وهو في صفتك لم يزل غضبان عليه وعلى اوليائه وعلى اتباعه,كيف تجترى أن تصف ربك بالتغيير من حال الى حال وأنه يجري عليه ما يجري على المخلوق؟!
سبحانه وتعالى,لم يزل مع الزائلين ,ولم يتغير مع المتغيرين ,ولم يتبدل مع المتبدلين ,ومن دونه في يده وتدبيره,وكلهم اليه محتاج وهو غني عمن سواه).
وفي نهاية حديثنا هذا عن طبيعة العلاقة التي رسمها أئمة أهل البيت ( عليهم السلام) بين العقل والوحي,وهي الطبيعة التي استلهمها الفكر الشيعي في معالجته لمسائل الدين والشريعة ,نريد الإشارة الى أننا قمنا بطرح الرؤية التي تبناها الفكر الشيعي في مجال العلاقة بين العقل والوحي ضمن المجال المعرفي العقائدي والفلسفي ,على اساس تخطئه الفكرة التي أطلقها أركون,من كون العقل ظل في تراثنا وفكرنا الاسلامي يمثل دائماً دور الخادم المطيع والتابع للوحي من دون أن يجرؤ على سؤال أو مبادرة,وتبقى عندنا مجالات أخرى مهمة للعقل في علاقته بالدين تم التعرض اليها في الفكر الاسلامي الشيعي بشكل مفصل,وذلك ضمن ما يمكن أن نعبر عنه بمجالات العقل العملي,ونأمل أن نقوم في مستقبل الأيام بتقديم إطلالة أو دراسة مفصلة عن هذا البعد العقلي في الفكر الشيعي الإمامي.


source : البلاغ
  364
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

تنشيط نظام المناعة بالصيام
غيبة الإمام المهدي (عج) وظهوره..بين الغيب المطلق ...
رسالة في حديث الوصية بالثقلين (الكتاب والسنة)
تعريف المال عند علماء الشريعة
تأريخ المباهلة عاماً وشهراً ويوماً
شعر الإمام الحسين
احادیث عن الامام الرضا (ع)
سيرة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
اعتناق بولس للنصرانية
فى ليلة عاشوراء

 
user comment