عربي
Wednesday 23rd of September 2020
  518
  0
  0

السفياني في معركة فتح القدس

يظهر من أحاديث هذه المعركة العظيمة أن السفياني يعاني من عدة مشكلات، أولها ضعف شعبيته في بلاد الشام.

فمهما تكن القوى والظروف المساندة لحكمه فإن أهل بلاد الشام مسلمون، وهم يرون آيات المهدي عليه السلام  وكراماته، ويرون هزائم طاغيتهم السفياني وارتباطه بأعدائهم. لذلك يقوى فيهم تيار حب المهدي عليه السلام  والميل إليه، والتذمر من السفياني وسياساته.

بل المرجح أن حركة شعبية واسعة النطاق موالية للمهدي عليه السلام  تتسع في سوريا والأردن ولبنان وفلسطين، لأن الأحاديث تذكر أن المهدي عليه السلام   يزحف بجيشه إلى بلاد الشام حتى يعسكر في(مرج عذراء)  الذي هو ضاحية من ضواحي دمشق لايبعد عنها أكثر من ثلاثين كيلو متراً. وهو يدل على الأقل على أن السفياني يعجز عن حفظ حدوده، وعن مقاومة الزحف المبارك. بل تذكر الأحاديث أن السفياني يخلي عاصمته دمشق نفسها ويتراجع إلى داخل فلسطين، ويتخذ من (وادي الرملة)  عاصمة أو مقرا لقيادته، التي ورد أن قوات الروم أو مارقة الروم تنزل فيها.

كما ذكرت الأحاديث أن المهدي عليه السلام  يتأنى في خوض المعركة، ويبقى فترة في ضاحية دمشق حيث ينضم إليه أبدال أهل الشام ومؤمنوها من بقي منهم لم يلتحق به، وأنه عليه السلام  يطلب من السفياني أن يلتقي به شخصياً للحوار، فيلتقيان فيؤثر عليه المهدي فيبايعه السفياني، وينوي أن يستقيل ويسلمه المنطقة ولكن أقاربه، ومن وراءه يوبخونه بعدها ويردونه عن عزمه!

إن هذه الظواهر وغيرها مما نقرؤه في أحاديث المهدي عليه السلام  قبيل معركة فتح القدس وتحرير فلسطين، لا تفسير لها بالحساب الطبيعي والسياسي إلا ضعف شعبية السفياني في بلاد الشام، ووجود تيار شعبي مؤيد للمهدي عليه السلام.

بل تشير بعض الروايات إلى أن الأمر يصل إلى حد أن بعض قوات السفياني وقطعات جيشه يبايعون المهدي عليه السلام  وينضمون إليه، فعن الإمام الباقر عليه السلام  قال: (ثم يأتي الكوفة (أي المهدي عليه السلام)  فيطيل بها المكث ما شاء الله أن يمكث حتى يظهر عليها، ثم يأتي (مرج)  العذراء هو ومن معه، وقد ألحق به ناس كثير، والسفياني يومئذ بوادي الرملة، حتى إذا التقوا وهو يوم الأبدال يخرج أناس كانوا مع السفياني من شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويخرج ناس كانوا مع آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم   إلى السفياني، فهم من شيعته حتى يلحقوا بهم، ويخرج كل ناس إلى رايتهم. وهو يوم الأبدال)  (البحار:52/224).

وفي مخطوطة ابن حماد ص96 عن علي عليه السلام  قال: (إذا بعث السفياني إلى المهدي جيشا فخسف بهم بالبيداء، وبلغ أهل الشام قالوا لخليفتهم: قد خرج المهدي فبايعه وأدخل في طاعته وإلا قتلناك، فيرسل إليه بالبيعة، ويسير المهدي حتى ينزل بيت المقدس). وهي رواية تصور غاية ما يصل إليه التيار الشعبي الموالي للمهدي  عليه السلام  والمعارض للسفياني.

وفي ص 97 من مخطوطة ابن حماد: (فيقول (أي المهدي)  أخرجوا إلى ابن عمي حتى أكلمه، فيخرج إليه فيكلمه، فيسلم إليه الأمر ويبايعه! فإذا رجع السفياني إلى أصحابه ندمته كلب فيرجع ليستقيله فيقيله. ثم يعبئ جيوشه لقتاله، فيهزمه ويهزم الله على يديه الروم).

ومعنى: (ندمته كلب)  أي جعلوه يندم على بيعته للمهدي عليه السلام. وكلب اسم عشيرة وهم أخوال السفياني، وهم تعبير عن متعصبي أهل الشام. والذين يجعلونه يندم في الحقيقة ويحفظون حكمه من السقوط أمام التيار الشعبي ويصرون عليه أن يخوض المعركة مع المهدي، هم من وراءه من اليهود والروم كما تشير إليه الرواية المتقدمة وغيرها.

على أي حال، لايتوفق السفياني للإستفادة من هذا الجو الشعبي، ومن الفرصة التي يمنحه إياها الإمام المهدي عليه السلام، ولا يتوفق مسلموا بلاد الشام لإسقاط حكم السفياني وجيشه، فيقوم هو وحلفاؤه بتعبئة قواتهم للمعركة الفاصلة الكبرى التي تمتد محاورها كما تذكر الروايات من عكا إلى صور إلى أنطاكية في الساحل، ومن دمشق إلى طبرية إلى القدس في الداخل، وينزل غضب الله تعالى على السفياني وحلفائه وغضب المهدي وجيشه عليه السلام، وتظهر آيات الله على يديه، وتدور الدائرة على السفياني ومن وراءه من اليهود والروم فينهزمون شر هزيمة.

تكون نهاية السفياني أن يقبض عليه أحد جنود الإمام المهدي عليه السلام:

وينهون ذلك حياة طاغية استطاع في خمسة عشر شهراً أن يرتكب من الجرائم ما لا يستطيع أن يرتكبه غيره في سنين طويلة.

ملاحظة: زارني في لندن شاب فاضل من آل الحديدي، وقال إنه قرأ كتابي عصر الظهور عدة مرات، وتتبع أحاديث علامات الظهور وتأمل فيها.. وإنه يرجح أن تكون قوات السفياني التي نصت الأحاديث على أنها تنتشر في بلاد الشام والعراق والحجاز والخليج، إنما هي كناية أو رمز لقوات الغربيين.

وتعليقي: أن مايقتضيه ظاهر نصوص السفياني هو التفسير الذي قدمته، ومع أنه يفهم منها أن السفياني أداة للغربيين واليهود، لكن تفسير هذا السيد لنصوص تحركاته وقواته بأنها تحركات حلفائه الروم وقواتهم، يبقى احتمالاً يحتاج الى مؤيدات، والله العالم.

اليمن ودورها في عصر الظهور:

وردت في ثورة اليمن الإسلامية الممهدة للمهدي عليه السلام  أحاديث متعددة عن اهل البيت عليهم السلام، منها بضعة أحاديث صحيحة السند، وهي تؤكد حتمية حدوث هذه الثورة وتصفها بأنها راية هدى تمهد لظهور المهدي عليه السلام  وتنصره.

بل تصفها عدة روايات بأنها أهدى الرايات في عصر الظهور على الإطلاق، وتؤكد على وجوب نصرتها كراية المشرق الإيرانية وأكثر، وتحدد الأحاديث وقتها بأنه مقارن لخروج السفياني في رجب، أي قبل ظهور المهدي عليه السلام ببضعة شهور، ويذكر بعضها أن عاصمتها صنعاء.

أما قائدها المعروف في الروايات باسم (اليماني)  فتذكر رواية أن اسمه (حسن أو حسين)  من ذرية زيد بن علي عليه السلام.

وهذه نماذج من أحاديث حركة اليماني:

عن الإمام الصادق عليه السلام  قال: (قبل قيام القائم خمس علامات محتومات: اليماني، والسفياني، والصيحة، وقتل النفس الزكية، والخسف بالبيداء)  (البحار: 52 /204).

وعنه عليه السلام  قال: ( خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً، فيكون البأس من كل وجه، ويل لمن ناواهم. وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني، هي راية حق لأنه يدعو إلى صاحبكم، فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس، وإذا خرج اليماني فانهض إليه فإن رايته راية هدى، ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار، لأنه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم)  ( بشارة الإسلام ص93 عن غيبة النعماني).

وعن الإمام الرضا عليه السلام  قال لمن زعم أنه هو المهدي: (قبل هذا الأمر السفياني واليماني والمرواني وشعيب بن صالح، فكيف يقول هذا هذا). (البحار:52/233).

وقال المجلسي(ره): ( أي كيف يقول هذا الذي خرج أني القائم، يعني محمد بن إبراهيم، أو غيره). انتهى.

والمراد بالمرواني المذكور في الرواية قد يكون هو الأبقع، أو يكون أصله الخراساني فوقع فيه التصحيف من النساخ.

وعن الإمام الصادق عليه السلام  قال: (خروج الثلاثة الخراساني والسفياني واليماني في سنة واحدة في شهر واحد في يوم واحد وليس فيها راية بأهدى من راية اليماني يهدي إلى الحق)  ( البحار:52/210).

وعن هشام بن الحكم أنه لما خرج طالب الحق قيل لأبي عبد الله عليه السلام (أي الإمام الصادق): (أترجو أن يكون هذا اليماني؟ فقال: لا. اليماني يتوالى علياً، وهذا يبرأ منه)  ( البحار:52/75)

وفيها أيضاً: (اليماني والسفياني كفرسي رهان)، أي كفرسي السباق يسعى كل منهما أن يسبق الآخر.

وجاء في بعض الروايات عن المهدي عليه السلام  أنه (يخرج من اليمن من قرية يقال لها كرعة)  (البحار: 52/380).

وكرعة قرية في منطقة بني خَوْلان باليمن قرب صعدة، وإن صحت الرواية فلابد أن يكون المقصود فيها أن اليماني يبدأ أمره من هذه القرية، كما ورد أن مبدأ أمر المهدي عليه السلام  من المشرق، أي مبدأ حركة أنصاره، لأن الثابت المتواتر في الأحاديث أن المهدي عليه السلام  يخرج من مكة من المسجد الحرام.

وفي بشارة الإسلام ص187: (ثم يخرج ملك من صنعاء اسمه حسين أو حسن، فيذهب بخروجه غمر الفتن، يظهر مباركاً زاكياً، فيكشف بنوره الظلماء، ويظهر به الحق بعد الخفاء).

وفيما يلي عدة ملاحظات حول ثورة اليماني:

منها، مايتعلق بدورها، فمن الطبيعي لثورة ممهدة للمهدي عليه السلام  في اليمن أن يكون لها دور هام في مساعدة حركته ومساندتها في الحجاز. وعدم ذكر هذا الدور لليمانيين في الأحاديث الشريفة لاينفيه، بل قد يكون من أجل المحافظة عليه وعدم الاضرار به.

وسنذكر في حركة ظهوره عليه السلام  أن القوة البشرية التي تقوم عليها حركته في مكة والحجاز ويتألف منها جيشه، تتكون بشكل أساسي من أنصاره الحجازيين واليمانيين.

أما دور اليمانيين الممهدين في العراق، فقد ذكرت بعض الروايات أن اليماني يدخل العراق على أثر غزو السفياني له، وأنه يكون لهم دور مساعد في قتال السفياني، لأن الأخبار تشعر بأن الطرف المواجه للسفياني هم أهل المشرق أصحاب الخراساني وشعيب.

أما في منطقة الخليج فمن الطبيعي أن يكون الدور الأساسي فيها لليمانيين مضافاً إلى الحجاز، وإن لم تذكر ذلك الروايات.

بل لعل حكم اليمن والحجاز وبلاد الخليج يكون بعهدة قوات اليمانيين التابعة للمهدي عليه السلام.

ومنها، في السبب في كون راية اليماني أهدى من راية الخراساني، مع أن راية الخراساني ورايات أهل المشرق عامة موصوفة بأنها راية هدى، وبأن قتلاهم شهداء، ومع أن عدداً منهم يكونون من وزراء المهدي عليه السلام وخاصة أصحابه. ومنهم قائد قواتهم شعيب بن صالح الذي يجعله المهدي عليه السلام  قائد جيشه العام.

ومع أن دور الإيرانيين في التمهيد للمهدي عليه السلام دور واسع وفعال، ولهم فضل السبق والتضحيات حيث يبدأ أمر المهدي عليه السلام  بحركتهم. إلى آخر ما ذكرته الأحاديث الشريفة وسنذكره في دورهم في عصر الظهور. فما هو السبب في أن ثورة اليماني ورايته أهدى من ثورة الإيرانيين ورايتهم؟

يحتمل أن يكون السبب في ذلك أن الأسلوب الإداري الذي يستعمله اليماني في قيادته السياسية وإدارة اليمن أصح وأقرب إلى النمط الإداري الإسلامي في بساطته وحسمه. بينما لا تخلو دولة الإيرانيين من تعقيد الروتين وشوائبه، فيرجع الفرق بين التجربتين إلى طبيعة البساطة والقبيلة في المجتمع اليماني، وطبيعة الوراثة الحضارية والتركيب في المجتمع الإيراني.

ويحتمل أن تكون ثورة اليماني أهدى بسبب سياسته الحاسمة مع جهازه التنفيذي، سواء في اختياره من النوعيات المخلصة المطيعة فقط ومحاسبته الدائمة والشديدة لهم، وهي السياسة التي يأمر الإسلام ولي الأمر أن يتبعها مع عماله كما في عهد أمير المؤمنين عليه السلام  إلى عامله في مصر مالك الأشتر رضي الله عنه، وكما ورد في صفات المهدي عليه السلام  أنه شديد على العمال رحيم بالمساكين.

بينما لا يتبنى الإيرانيون هذه السياسة، ولا يعاقبون المسؤول المقصر أو الخائن لمصالح المسلمين على ملأ الناس ليكون عبرة لغيره. فهم يخافون أن يؤدي ذلك إلى تضعيف الدولة الإسلامية التي هي كيان الإسلام.

ويحتمل أن تكون راية اليماني أهدى في طرحها الإسلامي العالمي، وعدم مراعاتها للعناوين الثانوية الكثيرة والمفاهيم والمعادلات المعاصرة القائمة، التي تعتقد الثورة الإسلامية الإيرانية أنه يجب عليها أن تراعيها.

ولكن المرجح أن يكون السبب الأساسي في أن ثورة اليماني أهدى أنها تحضى بشرف التوجيه المباشر من الإمام المهدي عليه السلام ، وتكون جزءاً مباشراً من خطة حركته عليه السلام ، وأن اليماني يتشرف بلقائه ويأخذ توجيهه منه.

ويؤيد ذلك أن أحاديث ثورة اليمانيين تركز على مدح شخص اليماني قائد الثورة وأنه: (يهدي إلى الحق، ويدعو إلى صاحبكم، ولايحل لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو إلى النار).

أما ثورة الإيرانيين الممهدة فالتركيز في أحاديثها على مدح جمهورها بعنوان أصحاب الرايات السود وأهل المشرق وقوم من المشرق، أكثر من مدح قادتها كما سيأتي في أحاديثها، ما عدا شعيب بن صالح، الذي يفهم من أحاديثه أنه متميز عن بقية قادة الرايات السود، ويليه في المدح السيد الخراساني، ثم رجل قم.

ويؤيد ذلك أيضاً أن ثورة اليماني قريبة من حركة ظهوره عليه السلام  بالنسبة إلى ثورة الإيرانيين الممهدين، حتى لو فرضنا أن اليماني يخرج قبل السفياني أو أنه يماني آخر يمهد لليماني الموعود.

بينما بداية ثورة الإيرانيين على يد رجل من قم تكون مبكرة حيث يبدأ بها أمر المهدي عليه السلام  (يكون مبدؤه من المشرق)  والمدة بين بدايتها وبين الخراساني وشعيب قد تكون عشرين أو خمسين سنة، أو ما شاء الله من الزمان.

ومثل هذه البداية المبكرة إنما تقوم على اجتهاد الفقهاء واجتهاد وكلائهم السياسيين ولا تتوفر لها ظروف النقاء والنصاعة التي تتوفر لثورة اليماني الموجهة مباشرة من الإمام المهدي عليه السلام .

ومنها، احتمال أن يكون اليماني متعدداً، ويكون الثاني منهما هو اليماني الموعود. فقد نصت الروايات المتقدمة على أن ظهور اليماني الموعود مقارن لظهور السفياني، أي في سنة ظهور المهدي عليه السلام .

ولكن توجد رواية أخرى صحيحة السند عن الإمام الصادق عليه السلام تقول: (يخرج قبل السفياني مصري ويماني)  (البحار:52/210).

وعليه فيكون هذا اليماني الأول ممهداً لليماني الموعود، كما يمهد الرجل من قم وغيره من أهل المشرق للخراساني وشعيب الموعودين.

أما وقت خروج هذا اليماني الأول، فقد حددت الرواية الشريفة أنه قبل السفياني فقط، وقد يكون قبله بمدة قليلة أو سنين طويلة، والله العالم.

ومنها، خبر (كاسر عينه بصنعاء)  الذي رواه في البحار:52/ 245 عن عبيد بن زرارة عن الإمام الصادق عليه السلام  قال: (ذكر عند أبي عبدالله عليه السلام  السفياني فقال: أنى يخرج ذلك ولم يخرج كاسر عينه بصنعاء)، وهو من الأحاديث الملفتة الواردة في مصادر الدرجة الأولى مثل غيبة النعماني ولعله صحيح السند.

ويحتمل أن يكون هذا الرجل الذي يظهر قبل السفياني يمانياً ممهداً لليماني الموعود كما ذكرنا، ويحتمل في تفسير (كاسر عينه)  عدة احتمالات أرجحها أنه وصف رمزي مقصود من الإمام الصادق عليه السلام  لا يتضح معناه إلا في حينه.

مصر وأحداثها في عصر الظهور:

أحاديث الملاحم التي وردت حول مصر متعددة. ابتداء من أحاديث بشارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم  للمسلمين بفتحهم مصر، إلى أحاديث غلبة المغاربة على مصر في أحداث ثورة الفاطميين إلى أحداث عصر ظهور المهدي عليه السلام.

وتختلط أحداث ظهور المهدي عليه السلام  بأحداث إقامة الدولة الفاطمية في مصادر الملاحم، لأن أحاديث المهدي عليه السلام  تتضمن أيضاً دخول الجيش المغربي إلى مصر.

وطريقة تمييزها وجود النص فيها على اتصالها بظهور المهدي عليه السلام، أو اتصالها بحدث معلوم أنه من أحداث عصر ظهوره، مثل خروج السفياني وغيره. ومع أخذ هذه الملاحظة بعين الإعتبار تبقى بأيدينا عدة أحاديث ذكرت أحداثاً في مصر، من المؤكد أنها من أحداث عصر ظهور المهدي عليه السلام   أو من المرجح أنها منها.

منها، أحاديث عن (قتل أهل مصر أميرهم) وقد ورد هذا الحديث بعنوان إحدى علامات ظهور المهدي عليه السلام. (كما في بشارة الإسلام ص 175).

ويوجد تعبير آخر كثر تذاكره على ألسنة الناس في عصرنا يقول: (وقتل أهل مصر ساداتهم، وغلبة العبيد على بلاد السادات)  (بشارة الإسلام ص 176)، على أساس أنه ينطبق على قتل أنور السادات، ولكنه اشتباه لأن السادات في هذه النصوص بمعنى الرؤساء وليس اسم علم. ولأن أمير مصر الذي يكون قتله علامة لظهور المهدي عليه السلام  يتبعه كما يذكر الحديث دخول جيش أو أكثر إلى مصر، وقد يكون هو الجيش الغربي أو المغربي الذي سنذكره.

بل تذكر بعض الروايات أن قتله يترافق مع قتل أهل الشام حاكمهم، ففي بشارة الإسلام ص185 نقلاً عن القول المختصر لابن حجر قال: (السادس عشر: يقتل قبله ملك الشام وملك مصر).

ومن القريب أيضا أن يكون لقتل حاكم مصر علاقة بالرواية التي تتحدث عن رجل مصري صاحب ثورة يخرج قبل السفياني، ففي البحار:52/210 قال: (يخرج قبل السفياني مصري ويماني)  وهذا المصري قد يكون أمير الأمراء أي قائد الجيش الذي ذكرت بعض الروايات أنه يتحرك في مصر ويعلن حالة الحرب: (وقام بمصر أمير الأمراء وجهزت الجيوش).

وقد يكون هو أيضاً المذكور في رواية أخرى بأنه يدعو لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم   قبل دخول القوات الغربية الآتي ذكرها: (ويخرج أهل الغرب إلى مصر، فإذا دخلوا فتلك إمارة السفياني، ويخرج قبل ذلك من يدعو لآل محمد)  ( البحار:52/208).

وقد يكون الرجل المصري، وأمير الأمراء، والذي يدعو لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ثلاثة أشخاص لا شخصاً واحداً.

وعلى أي حال، فإن هذه الأحاديث تدل بمجموعها على قيام تحرك في مصر وحركة إسلامية ممهدة لظهور المهدي عليه السلام، أو في الأقل على وجود حالة إسلامية متفاقمة، وأنه يحدث في مصر تغيير داخلي يرتبط بوضع خارجي من الحرب والسلم.

ومنها، حديث غلبة القبط على أطراف مصر، فعن أمير المؤمنين عليه السلام  أنه قال في علامات ظهور المهدي عليه السلام :(وغلبة القبط على أطراف مصر)  (بشارة الإسلام ص 42).

وقد يكون ذلك هو المقصود فيما رواه ابن حماد في مخطوطته ص 78 عن أبي ذر(ره) قال: ( ليخرجن من مصر الأمن. قال خارجة قلت لأبي ذر: فلا إمام جامع حين يخرج. قال: لا، بل تقطعت أقرانها).

والحاصل من ذلك أن أقباط مصر يثيرون فتنة فيها ويسيطرون بشكل وآخر على بعض أطرافها، فيسبب ذلك ضعفاً في وضع مصر الأمني والإقتصادي.

ومن الطبيعي أن يكون ذلك بتحريك أعداء المسلمين من الخارج حيث لم يعهد لأقباط مصر في تاريخهم تحرك هام ضد المسلمين إلا بمساعدة خارجية، كما حدث في حملات الصليبيين، وكما هو الحال في عصرنا الحاضر.

أما وقت ذلك فلاتشير له الروايات المذكورة وأمثالها، ولكن تقول رواية أخرى عن حذيفة(ره): ( إن مصر أمنت من الخراب حتى تخرب البصرة). (بشارة الإسلام ص28 نقلاً عن ابن عربي في كتابه محاضرة الأبرار).

وفيها أيضاً: (وخراب مصر من جفاف النيل). ولعل خراب البصرة الموعود يقع بعد دخول قوات السفياني للعراق في سنة ظهور المهدي عليه السلام.

ومنها، حديث دخول القوات المغربية إلى مصر، ويذكر المؤلفون هذه العلامة عادة في علامات طهور المهدي عليه السلام. والمقصود بالمغرب فيها وفي الروايات الأخرى مغرب البلاد الإسلامية، الذي يشمل دولة المغرب والجزائر وليبيا وتونس. والعديد منها ينطبق بوضوح على دخول قوات المغاربة إلى مصر في الثورة الفاطمية.

لكن في كتاب غيبة الطوسي ص278 الذي هو من أقدم المصادر وأوثقها، ولكنها تذكر أهل الغرب وليس أهل المغرب. وكذلك نقلها عنه صاحب بحار الأنوار، وصاحب بشارة الإسلام، وقد اشتبه بعضهم غيرهما فنقلها (المغرب)، فقد تكون هذه عن قوات غربية.

وتحدد هذه الرواية وقت دخول أهل الغرب إلى مصر بأنه قبيل خروج السفياني في دمشق، وهي فقرة من رواية طويلة عن عمار بن ياسر(ره) قال: (إن دولة أهل بيت نبيكم في آخر الزمان، ولها إمارات... ويخرج أهل الغرب إلى مصر، فإذا دخلوا فتلك أمارة السفياني).

وبما أن السفياني يخرج قبل ظهور المهدي عليه السلام  ببضعة أشهر، فيكون مجئ هذه القوات في سنة الظهور أو نحوها.

وينبغي أن نشير الى بعض الروايات التي تذكر أن السفياني يقاتل أهل مصر ويدخلها ويرتكب فيها الجرائم أربعة أشهر، فالأرجح أنها من المبالغة في أمر السفياني ولم يرد منها شيء في مصادر الدرجة الأولى.

كما تذكر بعض أحاديث الأبقع الذي يقتله السفياني في دمشق أنه مصري، أو له علاقة بمصر، والله العالم.

ومنها، حديث أن المهدي عليه السلام يجعل مصر منبراً. وقد ورد ذلك في رواية عباية الأسدي عن علي عليه السلام  قال: (سمعت أمير المؤمنين عليه السلام  وهو مشتكي (متكٍ)  وأنا قائم عليه قال: لأبنين بمصر منبراً، ولأنقضن دمشق حجراً حجراً، ولأخرجن اليهود والنصارى من كل كور العرب، ولأسوقن العرب بعصاي هذه! قال قلت: كأنك تخبر أنك تحيا بعد ما تموت؟ فقال: هيهات يا عباية قد ذهبت في غير مذهب. يفعله رجل مني)  ( البحار:53/60).

وعن علي عليه السلام  في المهدي وأصحابه قال: (ثم يسيرون إلى مصر فيصعد منبره فيخطب الناس، فتستبشر الأرض بالعدل، وتعطي السماء قطرها، والشجر ثمرها، والأرض نباتها، وتتزين لأهلها، وتأمن الوحوش حتى ترتعي في طرق الأرض كالأنعام. ويقذف في قلوب المؤمنين العلم، فلا يحتاج مؤمن إلى ما عند أخيه من العلم. فيومئذ تأويل الآية: يغني الله كلاً من سعته). (بشارة الإسلام ص 71).

ويفهم من هاتين الروايتين أنه سيكون لمصر في دولة المهدي العالمية مركز علمي وإعلامي متميز في العالم، خاصة بملاحظة تعبير (لأبنين بمصر منبراً)  وتعبير ( ثم يسيرون إلى مصر فيصعد منبره)  أي يسير المهدي عليه السلام   وأصحابه إلى مصر، لا لكي يفتحها أو يثبت أمر حكمه لها، بل لتستقبله هو وأصحابه أرواحنا فداهم، ولكي يصعد منبره الذي يكون اتخذه فيها كما وعد جده أمير المؤمنين عليه السلام، وليوجه خطابه من هناك إلى العالم.

وكون مصر منبر علم المهدي عليه السلام  ومنطلق صوته إلى العالم، لا ينافي المستوى العلمي الذي دلت هذه الرواية وغيرها أن المسلمين يبلغونه في عصره، لأن أمر العلم يبقى نسبياً.

ومنها، أن للمهدي عليه السلام  في هرمي مصر كنوزاً وذخائر من العلوم وغيرها، وقد ورد خبرها في مصادر الدرجة الأولى كما في كتاب كمال الدين للصدوق قدس سره ص564 في رواية عن أحمد بن محمد الشعراني الذي هو من ولد عمار بن ياسر رضي الله عنه، عن محمد بن القاسم المصري، أن ابن أحمد بن طولون شغل ألف عامل في البحث عن باب الهرم سنة، فوجدوا صخرة مرمر وخلفها بناء لم يقدروا على نقضه، وأن أسقفاً من الحبشة قرأها وكان فيها عن لسان أحد الفراعنة قوله: (وبنيت الأهرام والبراني، وبنيت الهرمين وأودعتهما كنوزي وذخائري)  فقال ابن طولون: (هذا شيء ليس لأحد فيه حيلة إلا القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم) وردت البلاطة كما كانت مكانها).

وفي هذه الرواية نقاط ضعف قد تكون من إضافة بعض الرواة، ولكن فيها نقاط قوة تستوجب الإلتفات. والله العالم.

ومنها، حديث (أخنس مصر)  الذي رواه صاحب كنز العمال في البرهان ص 200 نقلاً عن تاريخ ابن عساكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  قال: (سيكون بمصر رجل من قريش أخنس)  وفي فيض القدير للمناوي:2/131من بني أمية (يلي سلطاناً ثم يغلب عليه أو ينزع منه، فيفر إلى الروم، فيأتي بهم إلى الإسكندرية فيقاتل أهل الإسلام بها، وذلك أول الملاحم)، فقد يكون المقصود بالملاحم ملاحم ظهور المهدي عليه السلام، وببني أمية خطهم، والله العالم.

العراق ودوره في عصر الظهور:

الأحاديث الواردة حول أحداث العراق وأوضاعه في عصر الظهور كثيرة، يظهر منها أن العراق يكون ساحة صراع لاتهدأ بين قوى متعددة، وأنه تمر عليه أربعة عهود أو فترات:

الفترة الأولى: فترة تسلط الجبابرة على العراق مدة طويلة قبل ظهور المهدي  عليه السلام ، وشمول أهله قتل ذريع وخوف لا يقر لهم معه قرار.

الفترة الثانية: صراع النفوذ فيه بين اتجاه أتباع اهل البيت عليهم السلام، والإتجاه المؤيد للسفياني حاكم بلاد الشام.

الفترة الثالثة: احتلال السفياني العراق وتنكيله بأهله، ثم دخول جيش الإمام المهدي عليه السلام ، وهزيمته جيش السفياني وطرده من العراق.

الفترة الرابعة: دخول الإمام المهدي عليه السلام  العراق وتطهيره من مؤيدي السفياني وفئات الخوارج، واتخاذه مقراً له عليه السلام  وعاصمةً لدولته.

وقد وردت روايات عن أحداث فيه خلال هذه المراحل الأربع مثل: خروج الشيصباني المعادي للإمام المهدي عليه السلام  قبل السفياني، وشهادة نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين، وخروج عوف السلمي من الجزيرة أو تكريت، ومنع أهل العراق من الحج ثلاث سنين، وخسف البصرة وخرابها قبيل ظهور المهدي عليه السلام، وخسف في بغداد والحلة. ودخول قوات مغربية أو غربية إلى العراق. وخروج أحد الصالحين في مجموعة قليلة لمقاومة جيش السفياني. وخروج عدة فئات من الخوارج على المهدي عليه السلام   من الشيعة والسنة. وآخر فئة منهم خوارج (رميلة الدسكرة)  الواقعة قرب شهربان في محافظة ديالى.

وفيما يلي عرض لأهم أحاديث هذه الفترات:

الفترة الأولى والثانية:

وأبرز ما في أحاديثها شدة البلاء على أهل العراق من حكامه الجبابرة، واختلاف هؤلاء الحكام مع أصحاب الرايات السود الإيرانيين.

فعن جابر بن عبد الله الأنصاري عليه السلام  قال: ( يوشك أهل العراق أن لايجبى إليهم قفيز ولادرهم. قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل العجم يمنعون ذلك)  (البحار:51/92).

والقفيز كيل للغلات، والمعنى أنه لا يكاد يصل إليهم مواد تموينية أو مساعدات مالية، بسبب الإيرانيين وحربهم معهم.

وقد تكون هذه الأزمة هي الجوع والخوف الموعود الذي وردت فيه رواية عن جابر الجعفي قال: (سألت أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام (أي الإمام الباقر)  عن قول الله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشيء مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ)، فقال: يا جابر ذلك خاص وعام. فأما الخاص من الجوع فبالكوفة يخص الله به أعداء آل محمد فيهلكهم. وأما العالم فبالشام يصيبهم خوف وجوع ما أصابهم قط. أما الجوع فقبل قيام القائم. وأما الخوف فبعد قيام القائم). البحار:52/229.

ولا أجد وجهاً لأن يكون الجوع خاصاً بأعداء اهل البيت عليهم السلام  إلا أن يكون أزمة اقتصادية تعاني منها حكومة الجبابرة في العراق.

وهذا الخوف المذكور في بلاد الشام بعد ظهور المهدي عليه السلام،لا ينفي وجوده قبل ظهوره، وقد نصت الرواية التالية على أنه يكون شديداً في العراق قبل الظهور، فعن الإمام الباقر عليه السلام  قال: (يزجر الناس قبل قيام القائم عن معاصيهم بنار تظهر لهم في السماء، وحمرة تجلل السماء، وخسف ببغداد، وخسف ببلدة البصرة، ودماء تسفك بها، وخراب دورها، وفناء يقع في أهلها. وشمول أهل العراق خوف لا يكون معه قرار)  (البحار:52/221)، وليس من الضروري أن تكون هذه العلامات متسلسلة حسب ما وردت في الرواية، بل قد يكون الخوف والخسف قبل الآيات السماوية.

والظاهر أن نار السماء وحمرتها آية ربانية وليست نار انفجارات مثلاً.

وتذكر الرواية التالية عن أمير المؤمنين عليه السلام  عدة أحداث في العراق في مرحلة حكم الجبابرة قبل السفياني وظهور المهدي عليه السلام.

فعن أنس بن مالك قال: (لما رجع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام   من قتال أهل النهروان نزل براثا وكان بها راهب في قلايته وكان اسمه الحباب فلما سمع الراهب الصيحة والعسكر أشرف من قلايته إلى الأرض فنظر إلى عسكر أمير المؤمنين فاستفظع ذلك ونزل مبادراً فقال: من هذا، ومن رئيس هذا العسكر؟ فقيل له: هذا أمير المؤمنين وقد رجع من قتال أهل النهروان. فجاء الحباب مبادراً يتخطى الناس حتى وقف على أمير المؤمنين فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين حقاً حقاً. فقال له: وما علمك بأني أمير المؤمنين حقاً حقاً؟ قال له: بذلك أخبرنا علماؤنا وأحبارنا. فقال له: يا حباب! فقال الراهب: وما علمك باسمي؟! فقال: أعلمني بذلك حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له الحباب: مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأنك علي بن أبي طالب وصيه. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام   وأين تأوي؟ فقال: أكون في قلاية لي هاهنا. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: بعد يومك هذا لا تسكن فيها، ولكن ابن هاهنا مسجداً وسمه باسم بانيه (فبناه رجل اسمه براثا فسمي المسجد ببراثا باسم الباني له)  ثم قال: ومن أين تشرب يا حباب؟ فقال: يا أمير المؤمنين من دجلة هاهنا. قال: فلم لا تحفر عيناً أو بئراً؟ فقال له: يا أمير المؤمنين كلما حفرنا بئراً وجدناها مالحة غير عذبة. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إحفر هاهنا بئراً فحفر فخرجت عليهم صخرة لم يستطيعوا قلعها، فقلعها أمير المؤمنين عليه السلام  فانقلعت عن عين أحلى من الشهد، وألذ من الزبد. فقال له: يا حباب يكون شربك من هذه العين. أما إنه يا حباب ستبنى إلى جنب مسجدك هذا مدينة وتكثر الجبابرة فيها، ويعظم البلاء، حتى أنه ليركب فيها كل ليلة جمعة سبعون ألف فرج حرام، فإذا عظم بلاؤهم شدوا على مسجدك بفطوة ثم- وابنه بنين ثم وابنه لايهدمه إلا كافر ثم بيتاً- فإذا فعلوا ذلك منعوا الحج ثلاث سنين، واحترقت خضرهم وسلط الله عليهم رجلاً من أهل السفح لا يدخل بلداً إلا أهلكه وأهلك أهله، ثم ليعد عليهم مرة أخرى، ثم يأخذهم القحط والغلا ثلاث سنين حتى يبلغ بهم الجهد، ثم يعود عليهم، ثم يدخل البصرة فلا يدع فيها قائمة إلا سخطها وأهلكها وأسخط أهلها. وذلك إذا عمرت الخربة وبني فيها مسجد جامع، فعند ذلك هلاك البصرة، ثم يدخل مدينة بناها الحجاج يقال لها واسط، فيفعل مثل ذلك، ويتوجه نحو بغداد فيدخلها عفواً، ثم يلتجئ الناس إلى الكوفة. ولا يكون بلد من الكوفة تشوش الأمر له. ثم يحرج هو والذي أدخله بغداد نحو قبري لينبشه فيتلقاهما السفياني فيهزمهما ثم يقتلهما، ويوجه جيشاً نحو الكوفة فيستعبد بعض أهلها. ويجئ رجل من أهل الكوفة فيلجؤهم إلى سور فمن لجأ إليها أمن. ويدخل جيش السفياني إلى الكوفة فلا يدعون أحداً إلا قتلوه، وإن الرجل منهم ليمر بالدرة المطروحة العظيمة فلا يتعرض لها، ويرى الصبي الصغير فيلحقه فيقتله.

فعند ذلك يا حباب يتوقع بعدها هيهات هيهات وأمور عظام، وفتن كقطع الليل المظلم. فاحفظ عني ما أقول لك يا حباب). (البحار:52/217).

والتشويش في نص الرواية ظاهر، وقد قال المجلسي(ره)  بعد نقلها: (إعلم أن النسخة كانت سقيمة فأوردت الخبر كما وجدته).

وأمر سندها ومتنها قابل للمناقشة، ولكن مهما يكن أمر صحتها فهي تتضمن أموراً عما يعانيه أهل العراق من حكم الجبابرة وبطشهم وردت في روايات أخرى بعضها صحيح، وقد يكون الأحداث المذكورة فيها من هدم مسجد براثا، وتفاقم الفساد في بغداد، وتسلط قادة عسكريين عليها من جبال كردستان أو إيران وغيرها.. قد مرت وحدثت في القرون السابقة، ولكن الأحداث المتعلقة بالسفياني لم تحدث.

قال الشيخ المفيد قدس سره: (قد جاءت الآثار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي  عليه السلام، وحوادث تكون أمام قيامه، وآيات ودلالات: فمنها خروج السفياني، وقتل الحسني، واختلاف بني العباس في الملك الدنياوي، وكسوف الشمس في النصف من رمضان، وخسوف القمر في آخره على خلاف العادات، وخسف بالبيداء، وخسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وركود الشمس من عند الزوال إلى أوسط أوقات العصر، وطلوعها من المغرب، وقتل نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين، وذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام، وهدم حائط مسجد الكوفة، وإقبال رايات سود من قبل خراسان، وخروج اليماني، وظهور المغربي بمصر وتملكه الشامات، ونزول الترك الجزيرة، ونزول الروم الرملة، وطلوع نجم بالمشرق يضئ كما يضئ القمر، ثم ينعطف حتى يكاد يلتقي طرفاه، وحمرة تظهر في السماء وتنتشر في آفاقها، ونار تظهر بالمشرق طويلاً وتبقى في الجو ثلاثة أيام أو سبعة أيام، وخلع العرب أعنتها وتملكها البلاد، وخروجها عن سلطان العجم، وقتل أهل مصر أميرهم، وخراب الشام، واختلاف ثلاث رايات فيه. ودخول رايات قيس والعرب إلى مصر، ورايات كندة إلى خراسان، وورود خيل من قبل الغرب حتى تربط بفناء الحيرة، وإقبال رايات سود من المشرق نحوها، وبثق في الفرات حتى يدخل الماء أزقة الكوفة، وخروج ستين كذاباً كلهم يدعي النبوة، وخروج اثني عشر من آل أبي طالب كلهم يدعي الإمامة لنفسه، وإحراق رجل عظيم القدر من بني العباس بين جلولاء وخانقين، وعقد الجسر مما يلي الكرخ بمدينة السلام، وارتفاع ريح سوداء بها في أول النهار، وزلزلة حتى ينخسف كثير منها، وخوف يشمل أهل العراق وبغداد، وموت ذريع فيه ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وجراد يظهر في أوانه وفي غير أوانه حتى يأتي على الزرع والغلات، وقلة ريع لما يزرعه الناس، واختلاف صنفين من العجم وسفك دماء كثيرة فيما بينهم، وخروج العبيد عن طاعات ساداتهم وقتلهم مواليهم، ومسخ لقوم من أهل البدع حتى يصيروا قردة وخنازير، وغلبة العبيد على بلاد السادات، ونداء من السماء حتى يسمعه أهل الأرض، كل أهل لغة بلغتهم، ووجه وصدر يظهران للناس في عين الشمس، وأموات ينشرون من القبور حتى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون ويتزاورون.

ثم يختم ذلك بأربع وعشرين مطرة، تتصل فتحيا بها الأرض بعد موتها، وتعرف بركاتها، ويزول بعد ذلك كل عاهة عن معتقدي الحق من شيعة المهدي عليه السلام ، فيعرفون عند ذلك ظهوره بمكة فيتوجهون نحوه لنصرته، كما جاءت بذلك الأخبار.

وجملة من هذه الأحداث محتومة، ومنها مشروطة. والله أعلم بما يكون، وإنما ذكرناها على حسب ما ثبت في الأصول، وتضمنها الأثر المنقول. وبالله نستعين. (الإرشاد للمفيد ص 336 والبحار:52/219-221)  

وما ذكره المفيد+تعدادٌ مجملٌ لعلامات الظهور البعيدة والقريبة، ولايقصد أنها متسلسلة حسب ما عددها، فمنها علامات قريبة لايفصلها عن ظهوره عليه السلام  أكثر من أسبوعين، مثل قتل النفس الزكية بين الركن والمقام. بل هو في الحقيقة جزء من حركة الظهور لأنه رسول المهدي عليه السلام .

ومنها ما يفصله عن ظهور المهدي عليه السلام  قرون عديدة مثل اختلاف بني العباس فيما بينهم، وظهور المغربي في مصر وتملكه الشامات في حركة الفاطميين.

وقصده(ره) بالمحتوم والمشروط من هذه العلامات أن منها حتمي الوقوع على كل حال، كما ورد في عدة علامات النص على حتميتها، مثل السفياني واليماني وقتل النفس الزكية والنداء السماوي والخسف بجيش السفياني وغيرها. ومنها مشروط بأحداث أخرى في علم الله سبحانه ومقاديره، والله الأمر من قبل ومن بعد فيها وفي غيرها.

ويبدو أن المقصود بالحسني النفس الزكية في مكة، أو الغلام الذي يقتله جيش السفياني في المدينة قرب ظهور المهدي عليه السلام ، وإن كان يحتمل أنه سيد حسني صاحب حركة الإسلامية في العراق، فقد ورد في بعض الروايات (وتحرك الحسني).

أما (قتل نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين) فيحتمل بعضهم أن ينطبق على الشهيد الصدر+والذين استشهدوا معه حيث كان عددهم نحو سبعين رضوان الله عليهم. وظهر الكوفة هو النجف، وتسمى أيضاً نجف الكوفة، ونجفة الكوفة أي مرتفعها وجبلها.

وقد وردت روايات في خيل المغرب التي تنزل في فناء الحيرة، أي تستقر قرب الكوفة، وأن هذا الحدث يكون في أيام السفياني أو قربه. ولكن الملفت في نص المفيد(ره) قوله: (وورود خيل من قبل الغرب حتى تربط بفناء الحيرة)، فيحتمل أن تكون هذه القوات غربية تدخل العراق لمعاونة السفياني، أو تكون قبل السفياني.

والمقصود برايات المشرق: الرايات السود الخراسانية التي تدخل مع قوات اليماني لمواجهة السفياني عندما يغزو العراق.

أما بثق الفرات وفيضانه في الكوفة، فقد ورد في الأحاديث أنه يكون في سنة الظهور، فعن الإمام الصادق عليه السلام  قال: (عام- أو سنة- الفتح ينبثق الفرات حتى يدخل أزفة الكوفة)  ( البحار:52/217).

وشهادة الشيخ المفيد بأن هذه العلامات والأحداث ثبتت في الأصول الحديثية، تعطي رواياتها قيمة كبيرة لدقته وجلالة قدره، ولأنه أقرب إلى المصادر والتابعين والائمة عليهم السلام   فقد توفي(ره) سنة 413 هجرية.

كما تتحدث روايات أخرى عن العراق في فترة ما قبل السفياني:

منها، ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام  التي تقول: ( ثم يقع التدابر والاختلاف بين أمراء العرب والعجم، فلا يزالون يختلفون إلى أن يصير الأمر إلى رجل من ولد أبي سفيان)  ( الزام الناصب: 2/160).

ومنها، رواية (تحرك الحسني)  الذي توجد قرائن على أنه يكون في العراق، والذي قد يكون قتله بعد حكمه.

ومنها، ما يفهم منها استمرار حكم الجبابرة في العراق إلى ظهور المهدي  عليه السلام ، فعن الإمام الصادق عليه السلام  قال: (إذا هدم حائط مسجد الكوفة مؤخره مما يلي دار عبد الله بن مسعود فعند ذلك زوال ملك القوم (بني فلان) وعند زواله خروج القائم عليه السلام)  (الإرشاد للمفيد ص360)  وفي رواية غيبة الطوسي ص271 (أما إن هادمه لا يبنيه) يعني أن هادمه يقتل أو يذهب قبل أن يعيد بناءه.

كما تشير بعض روايات غزو السفياني للعراق إلى أنه يقاتل حكومة عدوة للاسلام والإمام المهدي عليه السلام، كما ورد في رواية البحار:52/273: (وأمير الناس يومئذ جبار عنيد يقال له الكاهن الساحر).

الحسني والشيصباني وعوف السلمي

ورد ذكر الحسني في عدة أحاديث تشير إلى أنه يقوم بحركة ثم يقتل، ولكنها لاتنص على أنه في العراق، فبعضها يذكر حسني المدينة، وحسني مكة، وحسني العراق، والحسيني الخراساني الذي تسميه روايات مصادر السنة (الحسني)  والذي يدخل العراق بجيشه في سنة الظهور، فيحتمل أن يكون تحركه هو المقصود في روايات تحرك الحسني في العراق ويحتمل أن يكون حسني قبله.

أما الشيصباني فقد ورد فيه حديث في غيبة النعماني عن جابر بن يزيد الجعفي قال: (سألت أبا جعفر (الإمام الباقر عليه السلام) عن السفياني فقال: (وأنى لكم بالسفياني حتى يخرج قبله الشيصباني يخرج بأرض كوفان، ينبع كما ينبع الماء فيقتل وفدكم، فتوقعوا بعد ذلك السفياني وخروج القائم عليه السلام ). (البحار:52/250)


source : علي الكوراني العاملي
  518
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

احادیث عن الامام الرضا (ع)
سيرة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
اعتناق بولس للنصرانية
فى ليلة عاشوراء
الحقوق العامة
قم وأهلها فی روایات أهل البیت (علیهم السلام)
مناظرة الإمام الرضا(ع) مع علي بن الجهم
إبن الخيرتين
الشيخ الحسن بن علي المعروف بابن شعبة الحراني
في ذكر مصائب أهل البيت "علیهم السلام" في كربلاء و ...

 
user comment