عربي
Friday 18th of September 2020
  374
  0
  0

الترك ودورهم في عصر الظهور:

المرجح عندنا أن المقصود بالترك في أحاديث حركة الظهور الشريفة هم الروس ومن حولهم من شعوب أوربا الشرقية. فهم وإن كانوا مسيحيين تاريخياً، ومن شعوب مستعمرات الإمبراطورية الرومية، حتى أنهم ادعوا وراثتها وتسمى ملوكهم بالقياصرة، كما فعل الألمان وغيرهم.

إلا أنهم: أولاً، من قبائل منطقة الشرق الآسيوي الأوربي المتعددة، التي تسمى جميعاً في الأحاديث الشريفة وفي التاريخ الإسلامي (قبائل الترك، وأمم الترك)، فهذا الإسم يشمل بالإضافة إلى ترك تركيا وإيران، قبائل التتار والمغول والبلغار والروس، وغيرهم.

وثانياً، لأن المسيحية وصلتهم متأخرة ولم تتأصل فيهم، بل ظلت قشرة سطحية وأسوأ حالاً منها في شعوب أوربا الغربية، وظلت ماديتهم الوثنية الغالبة عليهم. ولعل هذا هو السبب في خضوعهم لأطروحة الشيوعية المادية الإلحادية، وعدم نهوضهم لمقاومتها.

وثالثاً، لأن الأحاديث الشريفة الواردة في تحرك الترك ضد المسلمين وإن كان بعضها ينطبق على تحرك الترك المغول وزحفهم المعروف على بلادنا في القرن السابع الهجري. إلا أن عدداً منها يصف تحركهم الذي تتصل أحداثه بظهور المهدي عليه السلام، وتعاونهم ضدنا مع الروم، واختلافهم معهم في نفس الوقت، وهو أمر لا ينطبق إلا على الروس، أو إذا طال الأمر، على ورثة دولتهم من الأقوام ذات الأصول التركية في روسيا وأوربا الشرقية.

وهذه نماذج من الأحاديث التي ورد فيها ذكر دورهم في عصر الظهور:

منها، أحاديث الفتنة الأخيرة على المسلمين على يدهم ويد الروم، التي تقدم ذكرها، والتي لا يمكن تفسيرها إلا بهجمة الغربيين والروس على بلاد المسلمين في مطلع هذا القرن، والتي هي مستمرة حتى يكشفها الله تعالى بحركة التمهيد للمهدي في الأمة، ثم بظهوره المبارك أرواحنا فداه.

ومنها، أحاديث حرب السفياني مع الترك، ولم أجد أحاديث عن قتال السفياني للترك في دمشق أو حولها، ولكن وردت أحاديث كثيرة عن معركته معهم في قرقيسيا على الحدود السورية العراقية التركية، وأن سببها صراع على كنز يكتشف في مجرى نهر الفرات أو قرب مجراه في تلك المنطقة.

على أنه يحتمل أن يكون المقصود بالترك في هذه المعركة ترك تركيا وليس الروس، ويحتمل أن تكون روسيا طرفاً في معركة الأتراك مع السفياني. وسيأتي ذكرها في أحداث بلاد الشام وحركة السفياني، إن شاء الله.

ومنها، أحاديث ثورة آذربيجان في مواجهة الترك.

فعن الإمام الصادق عليه السلام  قال: (لابد لنا من آذربيجان لا يقوم لها شيء، فإذا تحرك متحركنا فاسعوا إليه ولو حبواً على الثلج). (غيبة النعماني ص170).

وقد يفهم من قوله عليه السلام: (لابد لنا من آذربيجان لايقوم لها شيء)  أنها حركة هدى في آذربيجان أو من أهلها، وأنه يجب الإنتظار والتريث بعدها حتى تبدأ العلامات القريبة، وقد تكون في مواجهة الروس كما يفهم من الحديث التالي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (للترك خرجتان، خرجة فيها خراب آذربيجان، وخرجة يخرجون في الجزيرة يخيفون ذوات الحجال فينصر الله المسلمين. فيهم ذبح الله الأعظم). ( الملاحم والفتن ص 32).

وإذا نظرنا إلى هذا الحديث بمفرده فيحتمل أن يكون من أحاديث الإخبار النبوي بغزو الترك المغول للبلاد الإسلامية حيث وصلوا إلى آذربيجان في المرحلة الأولى وخربوها، ثم وصلوها إلى الفرات، وكان النصر عليهم للمسلمين، وكان فيهم الذبح الأعظم في عين جالوت وغيرها.

ولكن بالجمع بينه وبين الحديث المتقدم وغيره يحتمل أن يكون المقصود بالترك فيه الروس، وتكون خرجتهم الأولى قبل علامات الظهور القريبة في احتلالهم لآذربيجان قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها، والثانية خروجهم الى الجزيرة التي هي اسم لمنطقة بين العراق وسوريا قرب منطقة قرقيسيا، فيكون خروجهم إليها في وقت السفياني، ويكون معنى أن النصر للمسلمين فيها النصر غير المباشر بهلاك أعدائهم الجبارين، لأن معركة قرقيسيا ليس في أطرافها راية هدى أو راية يكون في انتصارها نصر للمسلمين، وإنما بشر بها النبي والأئمة صلى الله عليه وآله وسلم  لأن فيها هلاك الجبارين بسيوف بعضهم!

ومنها، أحاديث نزول الترك الجزيرة والفرات. ومن المرجح أن يكون المقصود بهم الروس، لأن الرواية تقارن نزولهم بنزول الروم الرملة بفلسطين والسواحل. وقد ذكرنا أن قرقيسيا على مقربة من الجزيرة التي تسمى ديار بكر وجزيرة ربيعة، وهذا هو المفهوم من لفظ الجزيرة عندما تطلق في كتب التاريخ، وليس جزيرة العرب، أو جزيرة أخرى.

ولا ينافي ذلك أن الترك المغول نزلوا الجزيرة في زحفهم في القرن السابع الهجري، وقد حسبها بعضهم يومذاك من علامات الظهور القريبة، فإن العلامة القريبة هي نزولهم ثم معركتهم مع السفياني في قرقيسيا.

وبالمناسبة فإن أحاديث فتنة الترك المغول وغزوهم لبلاد المسلمين هي من أحاديث الملاحم ومعاجز النبي صلى الله عليه وآله وسلم  التي كان يعرفها المسلمون ويتداولونها في صدر الإسلام، ثم كثرت روايتها وتداولها أثناء الغزو المغولي وبعده، ولكنها تذكر انجلاء فتنتهم وانتصار المسلمين، دون أن تذكر ظهور المهدي  عليه السلام  على أثرهم، كما في أحاديث الترك التي نحن بصددها.

وهذه نماذج من أخبار غزو المغول: فعن أمير المؤمنين عليه السلام  قال: كأني أراهم قوماً كأن وجوههم المجان المطرقة، يلبسون السرق والديباج، ويعتقبون الخيل العتاق، ويكون هناك استحرار قتل، حتى يمشي المجروح على المقتول، ويكون المفلت أقل من المأسور. فقال له بعض أصحابه: قد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب، فضحك عليه السلام   وقال للرجل، وكان كلبياً: يا أخا كلب، ليس هو بعلم غيب، وإنما هو تعلم من ذي علم. وإنما علم الغيب علم الساعة وما عده الله سبحانه بقوله: (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). فيعلم الله سبحانه ما في الأرحام من ذكر أو أنثى، وقبيح أو جميل، وسخي أو بخيل، وشقي أو سعيد، ومن يكون من النار حطباً، أو في الجنان للنبيين مرافقاً. فهذا علم الغيب الذي لايعلمه أحدٌ إلا الله، وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه فعلمنيه، ودعا لي بأن يعيه صدري، وتضطم عليه جوانحي). ( نهج البلاغة - الخطبة 128).

ومنها، أحاديث قتال المهدي عليه السلام  للترك، فعن الإمام الصادق عليه السلام  قال: (أول لواء يعقده المهدي يبعثه إلى الترك فيهزمهم، ويأخذ ما معهم من السبي والأموال، ثم يسير إلى الشام فيفتحها). (بشارة الإسلام ص 185).

والتعبير بأول لواء يعقده يعني أنه أول جيش يبعثه عليه السلام  ولا يشارك فيه شخصياً، وقد ورد في الأحاديث أنه يبعثه بعد خوله إلى العراق، وبعد أن يكون خاض عدة معارك لتحرير الحجاز والعراق.

ويحتمل أن يكون المقصود بالترك هنا ترك تركيا، ويحتمل أن يكونوا الروس الذين يحاربهم السفياني في معركة قرقيسيا، ثم لا يكون النصر لطرف منهم على الآخر، ثم يكون استئصالهم على يد المهدي عليه السلام.

ومنها، أحاديث أن خراب بلاد الترك بالصواعق، أي بالزلازل. ويحتمل أن يقصد بها وسائل الحرب التي تصعق وتزلزل كالصواريخ مثلاً.

ويبدو أن ذلك يكون على أثر حربهم للمهدي عليه السلام، وأنه يكون تدميراً واسعاً ينهي قوتهم، حيث لم يرد لهم ذكر بعدها في أخبار الظهور، بل وردت عبارة عنهم بعد خرجتهم الثانية تقول:(فلا ترك بعدها). وهذا مما يرجح أنهم الروس، حيث لم يرد تعبير من هذا النوع عن شعب مسلم في أخبار الظهور.

اليهود ودورهم في عصر الظهور:

لو لم يكن عندنا عن دور اليهود في آخر الزمان وعصر ظهور المهدي عليه السلام   إلا الآيات الشريفة في مطلع سورة الإسراء لكان فيها كفاية، لأنها على اختصارها وحيٌ إلهيٌَ بليغ، تكشف خلاصة تاريخهم، وتسلط الضوء على مستقبلهم، بدقة واعجاز!

على أنه يوجد بالإضافة إليها وإلى آيات القرآن الأخرى، عدة أحاديث شريفة، بعضها يتعلق بتفسير الآيات، وبعضها يتعلق بوضعهم في عصر ظهور المهدي عليه السلام  وحركته المقدسة.

وسوف نذكرها بعد تفسير الآيات الشريفة.

الوعد الإلهي بتدمير اليهود

قال الله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِى إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِى وَكِيلا. ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا).

(وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ فِى الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا. فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا).

(ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا. عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا). ( سورة الإسراء:1-8)

(وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِى الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا).

أي حكمنا في القضاء المبرم في التوراة الذي أنزلنا عليهم أنكم سوف تنحرفون عن الصراط المستقيم، وتفسدون في المجتمع مرتين، كما أنكم سوف تستكبرون على الآخرين وتعلون عليهم علواً كبيراً.

(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِى بَأْسٍ شَدِيدٍ..).

فإذا جاء وقت عقوبتكم على إفسادكم الأول، أرسلنا عليكم عباداً منسوبين إلينا، أصحاب بطش ومكروه ينزلونه بكم.

(فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا..).

وهو كناية عن سهولة الفتح الأول لفلسطين على يد المسلمين، وأن جنود المسلمين تجولوا خلال بيوتكم يتعقبون بقايا مقاتليكم، وكان ذلك وعداً قطعياً حاصلاً.

(ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرً).

ثم أعدنا لكم الغلبة على هؤلاء المسلمين الذين بعثناكم عليكم. وأعطيناكم أموالاً وأولاداً، وجعلناكم أكثر منهم أنصاراً في العالم يستنفرون لكم ضدهم.

(إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا..).

ثم يستمر وضعكم على هذه الحال فترة من الزمن، لابد ان تكون مستبطنة في الآية، فإن تبتم وعملتم خيراً بما أعطيناكم من أموال وأولاد فهو خير لأنفسكم، وإن أسأتم وطغيتم وعلوتم فهو لكم أيضاً.

(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا).

ولكنكم سوف تُسيؤون ولا تحسنون فنمهلكم، حتى إذا جاء وقت العقوبة على إفسادكم الثاني سلطنا عليكم نفس العباد المنسوبين إلينا بأشد من المرة الأولى، فأنزلوا بكم مكروهاً يسوء وجوهكم، ودخلوا المسجد الأقصى فاتحين كما دخلوه عندما جاسوا خلال دياركم في المرة الأولى. ثم يسحقون علوكم وإفسادكم سحقاً.

(عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَ إِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَ جَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا).

لعل الله أن يرحمكم بعد هذه العقوبة الثانية بالهداية. وإن عدتم إلى إفسادكم بعد العقوبة الثانية، عدنا إلى معاقبتكم، وحصرناكم عن ذلك في الدنيا، ثم جعلنا لكم جهنم حبساً وحصراً في الآخرة.

والنتيجة الأولى من الآيات الكريمة: أن تاريخ اليهود من بعد موسى عليه السلام  إلى آخر حياتهم يتلخص بأنهم يفسدون في المجتمع في المرة الأولى، حتى إذا جاء وقت عقوبتهم على ذلك بعث الله تعالى عليهم قوماً فيغلبونهم بسهولة.

ثم يجعل الله تعالى الغلبة لليهود على أولئك القوم لحِكَمٍ ومصالح، ويعطي اليهود أموالاً وأولاداً ويجعلهم أكثر أنصاراً منهم في العالم.

ولكن اليهود لا يستفيدون من أموالهم وأنصارهم بل يسيئون ويفسدون للمرة الثانية، وفي هذه المرة يضيفون إلى إفسادهم العلو، فيستكبرون ويعلون على الناس كثيراً.

فإذا جاء وعد عقوبتهم على ذلك سلط الله عليهم نفس أولئك القوم مرة ثانية فأنزلوا بهم عقاباً أشد من العقاب الأول على ثلاث مراحل.

والنتيجة الثانية: أن القوم الذين يبعثهم الله عليهم في المرة الأولى يغلبونهم بسهولة ويدخلون المسجد الأقصى، ويتعقبون مقاتليهم في بيوتهم (فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ)  ويُنهون قوتهم العسكرية.

ثم يرسلهم الله عليهم ثانيةً على رغم غلبة اليهود عليهم وكثرة أنصارهم ضدهم، فينزلون بهم العقوبة على ثلاث مراحل، حيث يوجهون إليهم أولاً ضربات تسوء وجوههم، ثم يدخلون المسجد فاتحين كما دخلوه أول مرة، ثم يسحقون علوهم على الشعوب سحقاً. كما تدل عليه اللام في قوله تعالى: (لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ)  وفي قوله تعالى: (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ....وَلِيُتَبِّرُوا..).

والسؤال الأساسي الذي طرحه المفسرون: هل أن هذين الإفسادين- اللذين يرافق أحدهما علو كبير- قد مضيا، ووقعت العقوبتان الموعودتان عليهما، أم لا؟

فقال بعضهم: إنهما مضيا ووقعت العقوبة على الإفساد الأول على يد نبوخذ نصر، وعلى الإفساد الثاني على يد تيطس الروماني.

وقال بعضهم: لم تقع العقوبتان بعد.

والرأي الصحيح: أن العقوبة الأولى على إفسادهم الأول وقعت في صدر الإسلام على يد المسلمين، ثم رد الله الكرة لليهود على المسلمين عندما ابتعد المسلمون عن الإسلام، وأن اليهود أفسدوا مرة ثانية وعلوا في الأرض، وستكون على أيدي المسلمين أيضاً، عندما يعودون إلى رشدهم مجدداً.

وبهذا التفسير وردت الأحاديث الشريفة عن الائمة عليهم السلام، فقد فسرت هؤلاء القوم الذين سيبعثهم الله تعالى على اليهود في المرة الثانية بأنهم المهدي عليه السلام   وأصحابه، وبأنهم أهل قم، وأنهم قوم يبعثهم الله تعالى قبل ظهور القائم عليه السلام.

ففي تفسير العياشي عن الإمام الباقر عليه السلام  أنه قال بعد أن قرأ قوله تعالى: (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ): هو القائم وأصحابه، أولو بأس شديد).

وفي تفسير نور الثقلين عن الإمام الصادق عليه السلام  أنه قال في تفسيرها: (قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم، فلا يدعون وتراً لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم  إلا قتلوه).

وفي بحار الأنوار:60/216عن الإمام الصادق عليه السلام (أنه قرأ هذه الآية.. فقلنا: جعلنا فداك من هؤلاء؟ فقال ثلاث مرات: هم والله أهل قم، هم والله أهل قم، هم والله أهل قم).

والروايات الثلاث متفقة في المقصود ولاتعارض بينها، لأن أهل قم بمعنى شيعة أنصار المهدي عليه السلام  من إيران الذين ورد أنهم ينهضون معه وينصرونه.

ويبدو أن مقاومة اليهود من أتباع المهدي عليه السلام  تكون على مراحل حتى يظهر المهدي عليه السلام  فيكون القضاء النهائي على اليهود بقيادته وعلى يده أرواحنا فداه.

ومما يدل على أن العقوبة الثانية الموعودة لليهود ستكون على أيدي المسلمين، أن القوم الذين وعد الله تعالى أن يبعثهم عليهم في المرتين أمة واحدة، والصفات التي ذكرت لهم، وصفات حربهم لليهود لا تنطبق إلا على المسلمين.

فملوك المصريين والبابليين واليونان والفرس والروم وغيرهم، ممن تسلط على اليهود لا يوصفون بأنهم(عباداً لنا)، ولا حدث أنْ غلبهم اليهود بعد العقوبة الأولى، كما ذكرت الآيات الشريفة.

بينما غلَبَ اليهودُ المسلمين بعد عقوبتهم بأيديهم في صدر الإسلام، وأمدَّ الله اليهود بأموال وبنين وجعلهم أكثر منا أنصاراً في العالم، ونفيراً بمساعدة الدول الكبرى. وهاهم يفسدون في الأرض ويستعلون علينا وعلى الشعوب. وهاهم مجاهدونا بدؤوا يوجهون إليهم ضربات تسئ وجوههم.

ومما يدل على ذلك أيضاً أن مراجعة تاريخ اليهود من بعد موسى عليه السلام  تدل على أنهم قد تحقق منهم الإفساد في تاريخهم وحاضرهم، ولكن علوهم الموعود لم يتحقق على أيِّ شعب إلا في عصرنا الحاضر، فهو العلو الوحيد الموعود، الذي تأتي على أثره العقوبة الموعودة بتتبيرهم!

وهو أمر واضح لكل ناظر في خلاصة تاريخهم التي سنذكرها.


source : علي الكوراني العاملي
  374
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

حد الفقر الذی یجوز معه اخذ الزکاة
خدمة الناس واحترام كرامتهم الانسانية
بيعة الغدير / القسم الأول
القيم الأخلاقية في النهضة الحسينية
الخطاب الديني عبر الأثيـــر
سطور حول الرسول الاعظم (ص)
وصول الامام الحسین(ع) الى کربلاء
حقوق الانسان فی نظر اهل البیت ( علیهم السلام )
أدلة وجود الإمام المهدي عليه السلام
من علي إلى معاوية بن صخر

 
user comment