عربي
Saturday 19th of September 2020
  727
  0
  0

باب سياق حديث معمر المغربي أبي الدنيا علي بن عثمان بن الخطاب بن مرة بن مؤيد.

50- 

 1-  حدثنا أبو سعيد عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بن نصر السجزي قال حدثنا أبو بكر محمد بن الفتح الرقي وأبو الحسن علي بن الحسن بن الأشكي ختن أبي بكر قالا لقينا بمكة رجلا من أهل المغرب فدخلنا عليه مع جماعة من أصحاب الحديث ممن كان حضر الموسم في تلك السنة وهي سنة تسع وثلاثمائة فرأينا رجلا أسود الرأس واللحية كأنه شن بال وحوله جماعة هم أولاده وأولاد أولاده ومشايخ من أهل بلده وذكروا أنهم من أقصى بلاد المغرب بقرب باهرت العليا وشهدوا هؤلاء المشايخ أنا سمعنا آباءنا حكوا عن آبائهم وأجدادهم أنا عهدنا هذا الشيخ المعروف بأبي الدنيا معمر واسمه علي بن عثمان بن خطاب بن مرة بن مؤيد وذكروا أنه همداني وأن أصله من صنعاء اليمن فقلنا له أنت رأيت علي بن أبي طالب عليه السلام فقال بيده ففتح عينيه وقد كان وقع حاجباه عليهما ففتحهما كأنهما سراجان فقال رأيته بعيني هاتين وكنت خادما له وكنت معه في وقعة صفين وهذه الشجة من دابة علي عليه السلام وأرانا أثرها على حاجبه الأيمن وشهد الجماعة الذين كانوا حوله من المشايخ ومن حفدته وأسباطه بطول العمر وأنهم منذ ولدوا عهدوه على هذه الحالة وكذا سمعنا من آبائنا وأجدادنا ثم إنا فاتحناه وساءلناه عن قصته وحاله وسبب طول عمره فوجدناه ثابت العقل يفهم ما يقال له ويجيب عنه بلب وعقل فذكر أنه كان له والد قد نظر في كتب الأوائل وقرأها وقد كان وجد فيها ذكر نهر الحيوان وأنها تجري في الظلمات وأنه من شرب منها طال عمره فحمله الحرص على دخول الظلمات فتحمل وتزود حسب ما قدر أنه يكتفي به في مسيره وأخرجني معه وأخرج معنا خادمين باذلين وعدة جمال لبون عليها روايا وزاد وأنا يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة فسار بنا إلى أن وافينا طرف الظلمات ثم دخلنا الظلمات فسرنا فيها نحو ستة أيام ولياليها وكنا نميز بين الليل والنهار بأن النهار كان يكون أضوأ قليلا وأقل ظلمة من الليل فنزلنا بين جبال وأودية ودكوات وقد كان والدي رضي الله عنه يطوف في تلك البقعة في طلب النهر لأنه وجد في الكتب التي قرأها أن مجرى نهر الحيوان في ذلك الموضع فأقمنا في تلك البقعة أياما حتى فنى الماء الذي كان معنا واستقيناه جمالنا ولو لا أن جمالنا كانت لبونا لهلكنا وتلفنا عطشا وكان والدي يطوف في تلك البقعة في طلب النهر ويأمرنا أن نوقد نارا ليهتدى بضوئها إذا أراد الرجوع إلينا فمكثنا في تلك البقعة نحو خمسة أيام ووالدي يطلب النهر فلا يجده وبعد الإياس عزم على الانصراف حذرا على التلف لفناء الزاد والماء والخدم الذين كانوا معنا ضجروا فأوجسوا التلف على أنفسهم وألحوا على والدي بالخروج من الظلمات فقمت يوما من الرحل لحاجتي فتباعدت من الرحل قدر رمية سهم فعثرت بنهر ماء أبيض اللون عذب لذيذ لا بالصغير من الأنهار ولا بالكبير ويجري جريانا لينا فدنوت منه وغرفت منه بيدي غرفتين أو ثلاثة فوجدته عذبا باردا لذيذا فبادرت مسرعا إلى الرحل وبشرت الخدم بأني قد وجدت الماء فحملوا ما كان معنا من القرب والأدوات لنملأها ولم أعلم أن والدي في طلب ذلك النهر وكان سروري بوجود الماء لما كنا عدمنا الماء وفنى ما كان معنا وكان والدي في ذلك الوقت غائبا عن الرحل مشغولا بالطلب فجهدنا وطفنا ساعة هوية على أن نجد النهر فلم نهتدي إليه حتى أن الخدم كذبوني وقالوا لي لم تصدق فلما انصرفت إلى الرحل وانصرف والدي أخبرته بالقصة فقال لي يا بني الذي أخرجني إلى هذا المكان وتحمل الخطر كان لذلك النهر ولم أرزق أنا وأنت رزقته وسوف يطول عمرك حتى تمل الحياة ورحلنا منصرفين وعدنا إلى أوطاننا وبلدنا وعاش والدي بعد ذلك سنيات ثم توفي رضي الله عنه  فلما بلغ سني قريبا من ثلاثين سنة وكان قد اتصل بنا وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووفاة الخليفتين بعده خرجت حاجا فلحقت آخر أيام عثمان فمال قلبي من بين جماعة أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فأقمت معه أخدمه وشهدت معه وقائع وفي وقعة صفين أصابتني هذه الشجة من دابته فما زلت مقيما معه إلى أن مضى لسبيله عليه السلام فألح علي أولاده وحرمه أن أقيم عندهم فلم أقم وانصرفت إلى بلدي وخرجت أيام بني مروان حاجا وانصرفت مع أهل بلدي إلى هذه الغاية ما خرجت في سفر إلا ما كان إلى الملوك في بلاد المغرب يبلغهم خبري وطول عمري فيشخصوني إلى حضرتهم ليروني ويسألوني عن سبب طول عمري وعما شاهدت وكنت أتمنى وأشتهي أن أحج حجة أخرى فحملني هؤلاء حفدتي وأسباطي الذين ترونهم حولي وذكر أنه قد سقطت أسنانه مرتين أو ثلاثة فسألناه أن يحدثنا بما سمعه من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فذكر أنه لم يكن له حرص ولا همة في العلم في وقت صحبته لعلي بن أبي طالب عليه السلام والصحابة أيضا كانوا متوافرين فمن فرط ميلي إلى علي بن أبي طالب عليه السلام ومحبتي له لم أشتغل بشي ء سوى خدمته وصحبته والذي كنت أتذكره مما كنت سمعته منه قد سمعه مني عالم كثير من الناس ببلاد المغرب ومصر والحجاز وقد انقرضوا وتفانوا وهؤلاء أهل بيتي وحفدتي قد دونوه فأخرجوا إلينا النسخة فأخذ يملي علينا من حفظه.

2-  حدثنا أبو الحسن علي بن عثمان بن خطاب بن مرة بن مؤيد الهمداني المعروف بأبي الدنيا معمر المغربي رضي الله عنه حيا وميتا قال حدثنا علي بن أبي طالب عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أحب أهل اليمن فقد أحبني ومن أبغض أهل اليمن فقد أبغضني.

3-  وحدثنا أبو الدنيا معمر المغربي قال حدثنا علي بن أبي طالب عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أعان ملهوفا كتب الله له عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات ثم قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سعى في حاجة أخيه المؤمن لله عز وجل فيها رضاء وله فيها صلاح فكأنما خدم الله عز وجل ألف سنة لم يقع في معصيته طرفة عين.

4-  وحدثنا أبو الدنيا معمر المغربي قال سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول أصاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم جوع شديد وهو في منزل فاطمة عليها السلام قال علي عليه السلام فقال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم يا علي هات المائدة فقدمت المائدة وعليها خبز ولحم مشوي.

5-  وحدثنا أبو الدنيا معمر المغربي قال سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول جرحت في وقعة خيبر خمسا وعشرين جراحة فجئت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما رأى ما بي من الجراحة بكى وأخذ من دموع عينيه فجعلها على الجراحات فاسترحت من ساعتي.

6-  وحدثنا أبو الدنيا معمر المغربي قال حدثني علي بن أبي طالب عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قرأ قل هو الله أحد مرة فكأنما قرأ ثلث القرآن ومن قرأها مرتين فكأنما قرأ ثلثي القرآن ومن قرأها ثلاث مرات فكأنما قرأ القرآن كله.

7-  وحدثنا أبو الدنيا معمر المغربي قال سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كنت أرعى الغنم فإذا أنا بذئب على قارعة الطريق فقلت له ما تصنع هاهنا فقال لي وأنت ما تصنع هاهنا قلت أرعى الغنم قال لي مر أو قال ذا الطريق قال فسقت الغنم فلما توسط الذئب الغنم إذا أنا بالذئب قد شد على شاة فقتلها قال فجئت حتى أخذت بقفاه فذبحته وجعلته على يدي وجعلت أسوق الغنم فما سرت غير بعيد إذا أنا بثلاثة أملاك جبرئيل وميكائيل وملك الموت عليه السلام فلما رأوني قالوا هذا محمد بارك الله فيه فاحتملوني وأضجعوني وشقوا جوفي بسكين كان معهم وأخرجوا قلبي من موضعه وغسلوا جوفي بماء بارد كان معهم في قارورة حتى نقي من الدم ثم ردوا قلبي إلى موضعه وأمروا أيديهم إلى جوفي فالتحم الشق بإذن الله عز وجل فما أحسست بسكين ولا وجع قال وخرجت أعدو إلى أمي يعني حليمة داية النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت لي أين الغنم فخبرتها بالخبر فقالت سوف يكون لك في الجنة منزلة عظيمة.

8-  وحدثنا أبو سعيد عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب قال ذكر أبو بكر محمد بن الفتح الرقي وأبو الحسن علي بن الحسين الأشكي أن السلطان بمكة لما بلغه خبر أبي الدنيا تعرض له وقال لا بد أن أخرجك معي إلى بغداد إلى حضرة أمير المؤمنين المقتدر فإني أخشى أن يعتب علي إن لم أخرجك فسأله الحاج من أهل المغرب وأهل المصر والشام أن يعفيه ولا يشخصه فإنه شيخ ضعيف ولا يؤمن ما يحدث عليه فأعفاه قال أبو سعيد ولو أني حضرت الموسم في تلك السنة لشاهدته وخبره كان مستفيضا شائعا في الأمصار وكتب عنه هذه الأحاديث المصريون والشاميون والبغداديون ومن سائر الأمصار ممن حضر الموسم وبلغه خبر هذا الشيخ وأحب أن يلقاه ويكتب عنه هذه الأحاديث نفعنا الله وإياهم بها.

9-  وأخبرني أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام فيما أجازه لي مما صح عندي من حديثه وصح عندي هذا الحديث برواية الشريف أبي عبد الله محمد بن الحسن بن إسحاق بن الحسين بن إسحاق بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال حججت في سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة وفيها حج نصر القشوري صاحب المقتدر بالله ومعه عبد الله بن حمدان المكنى بأبي الهيجاء فدخلت مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في ذي القعدة فأصبت قافلة المصريين وفيها أبو بكر محمد بن علي الماذرائي ومعه رجل من أهل المغرب وذكر أنه رأى رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاجتمع عليه الناس وازدحموا وجعلوا يتمسحون به وكادوا يأتون على نفسه فأمر عمي أبو القاسم طاهر بن يحيى رضي الله عنه فتيانه وغلمانه فقال أفرجوا عنه الناس ففعلوا وأخذوه فأدخلوه إلى دار ابن أبي سهل الطفي وكان عمي نازلها فأدخل وأذن للناس فدخلوا وكان معه خمسة نفر وذكروا أنهم أولاد أولاده فيهم شيخ له نيف وثمانون سنة فسألناه عنه فقال هذا ابن ابني وآخر له سبعون سنة فقال هذا ابن ابني واثنان لهما ستون سنة أو خمسون سنة أو نحوها وآخر له سبع عشرة سنة فقال هذا ابن ابن ابني ولم يكن معه فيهم أصغر منه وكان إذا رأيته قلت هذا ابن ثلاثين سنة أو أربعين سنة أسود الرأس واللحية شاب نحيف الجسم أدم ربع من الرجال خفيف العارضين هو إلى القصر أقرب قال أبو محمد العلوي فحدثنا هذا الرجل واسمه علي بن عثمان بن الخطاب بن مرة بن مؤيد بجميع ما كتبناه عنه وسمعنا من لفظه وما رأيناه من بياض عنفقته بعد اسودادها ورجوع سوادها بعد بياضها عند شبعه من الطعام وقال أبو محمد العلوي رضي الله عنه ولو لا أنه حدث جماعة من أهل المدينة من الأشراف والحاج من أهل مدينة السلام وغيرهم من جميع الآفاق ما حدثت عنه بما سمعت وسماعي منه بالمدينة وبمكة في دار السهميين في الدار المعروفة بالمكبرية وهي دار علي بن عيسى بن الجراح وسمعت منه في مضرب القشوري ومضرب الماذرائي عند باب الصفا وأراد القشوري أن يحمله وولده إلى مدينة السلام إلى المقتدر فجاءه أهل مكة فقالوا أيد الله الأستاذ إنا روينا في الأخبار المأثورة عن السلف أن المعمر المغربي إذ دخل مدينة السلام فنيت وخربت وزال الملك فلا تحمله ورده إلى المغرب فسألنا مشايخ أهل المغرب ومصر فقالوا لم نزل نسمع به من آبائنا ومشايخنا يذكرون اسم هذا الرجل واسم البلدة التي هو مقيم فيها طنجة وذكروا أنهم كان يحدثهم بأحاديث قد ذكرنا بعضها في كتابنا هذا قال أبو محمد العلوي رضي الله عنه فحدثنا هذا الشيخ أعني علي بن عثمان المغربي ببدء خروجه من بلدة حضرموت وذكر أن أباه خرج هو وعمه محمد وخرجا به معهما يريدون الحج وزيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخرجوا من بلادهم من حضرموت وساروا أياما ثم أخطئوا الطريق وتاهوا في المحجة فأقاموا تائهين ثلاثة أيام وثلاث ليال على غير محجة فبينا هم كذلك إذا وقعوا على جبال رمل يقال لها رمل عالج متصل برمل إرم ذات العماد قال فبينما نحن كذلك إذا نظرنا إلى أثر قدم طويل فجعلنا نسير على أثرها فأشرفنا على واد وإذا برجلين قاعدين على بئر أو على عين قال فلما نظرا إلينا قام أحدهما فأخذ دلوا فأدلاه فاستقى فيه من تلك العين أو البئر واستقبلنا وجاء إلى أبي فناوله الدلو فقال أبي قد أمسينا ننيخ على هذا الماء ونفطر إن شاء الله فصار إلى عمي وقال له اشرب فرد عليه كما رد عليه أبي فناولني وقال لي اشرب فشربت فقال لي هنيئا لك إنك ستلقى علي بن أبي طالب عليه السلام فأخبره أيها الغلام بخبرنا وقل له الخضر وإلياس يقرئانك السلام وستعمر حتى تلقى المهدي وعيسى ابن مريم عليهما السلام فإذا لقيتهما فأقرئهما منا السلام ثم قالا ما يكونان هذان منك فقلت أبي وعمي فقالا أما عمك فلا يبلغ مكة وأما أنت وأبوك فستبلغان ويموت أبوك وتعمر أنت ولستم تلحقون النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه قد قرب أجله ثم مرا فو الله ما أدري أين مرا في السماء أو في الأرض فنظرنا فإذا لا بئر ولا عين ولا ماء فسرنا متعجبين من ذلك إلى أن رجعنا إلى نجران فاعتل عمي ومات بها وأتممت أنا وأبي حجنا ووصلنا إلى المدينة فاعتل أبي ومات وأوصى بي إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فأخذني وكنت معه أيام أبي بكر وعمر وعثمان وأيام خلافته حتى قتله ابن ملجم لعنه الله وذكر أنه لما حوصر عثمان بن عفان في داره دعاني فدفع إلي كتابا ونجيبا وأمرني بالخروج إلى علي بن أبي طالب عليه السلام وكان غائبا بينبع في ضياعه وأمواله فأخذت الكتاب وسرت حتى إذ كنت بموضع يقال له جدار أبي عباية فسمعت قرآنا فإذا أنا بعلي بن أبي طالب عليه السلام يسير مقبلا من ينبع وهو يقول (أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) فلما نظر إلي قال يا أبا الدنيا ما وراءك قلت هذا كتاب أمير المؤمنين عثمان فأخذه فقرأه فإذا فيه فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلي وإلا فأدركني ولما أمزق فإذا قرأه قال بر سر فدخل إلى المدينة ساعة قتل عثمان بن عفان فمال ع إلى حديقة بني النجار وعلم الناس بمكانه فجاءوا إليه ركضا وقد كانوا عازمين على أن يبايعوا طلحة بن عبيد الله فلما نظروا إليه أرفضوا إليه ارفضاض الغنم يشد عليها السبع فبايعه طلحة ثم الزبير ثم بايع المهاجرون والأنصار فأقمت معه أخدمه فحضرت معه الجمل وصفين فكنت بين الصفين واقفا عن يمينه إذا سقط سوطه من يده فأكببت آخذه وأدفعه إليه وكان لجام دابته حديدا مزججا فرفع الفرس رأسه فشجني هذه الشجة التي في صدغي فدعاني امير المؤمنين عليه السلام فتفل فيها وأخذ حفنة من تراب فتركه عليها فو الله ما وجدت لها ألما ولا وجعا ثم أقمت معه ع وصحبت الحسن بن علي عليه السلام حتى ضرب بساباط المدائن ثم بقيت معه بالمدينة أخدمه وأخدم الحسين عليه السلام حتى مات الحسن عليه السلام مسموما سمته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي لعنها الله دسا من معاوية ثم خرجت مع الحسين بن علي عليه السلام حتى حضرت كربلاء وقتل ع وخرجت هاربا من بني أمية وأنا مقيم بالمغرب أنتظر خروج المهدي وعيسى ابن مريم عليهما السلام قال أبو محمد العلوي رضي الله عنه ومن عجيب ما رأيت من هذا الشيخ علي بن عثمان وهو في دار عمي طاهر بن يحيى رضي الله عنه وهو يحدث بهذه الأعاجيب وبدء خروجه فنظرت عنفقته قد احمرت ثم ابيضت فجعلت أنظر إلى ذلك لأنه لم يكن في لحيته ولا في رأسه ولا في عنفقته بياض قال فنظر إلى نظري إلى لحيته وإلى عنفقته وقال أ ما ترون أن هذا يصيبني إذا جعت وإذا شبعت رجعت إلى سوادها فدعا عمي بطعام فأخرج من داره ثلاث موائد فوضعت واحدة بين يدي الشيخ وكنت أنا أحد من جلس عليها فجلست معه ووضعت المائدتان في وسط الدار وقال عمي للجماعة بحقي عليكم إلا أكلتم وتحرمتم بطعامنا فأكل قوم وامتنع قوم وجلس عمي عن يمين الشيخ يأكل ويلقي بين يديه فأكل أكل شاب وعمي يحلف عليه وأنا أنظر إلى عنفقته تسود حتى عادت إلى سوادها وشبع.

10-  فحدثنا علي بن عثمان بن الخطاب قال حدثني علي بن أبي طالب عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أحب أهل اليمن فقد أحبني ومن أبغضهم فقد أبغضني.

51-  باب حديث عبيد بن شرية الجرهمي.

 1-  وحدثنا أبو سعيد عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب السجزي قال وجدت في كتاب لأخي أبي الحسن بخطه يقول سمعت بعض أهل العلم وممن قرأ الكتب وسمع الأخبار أن عبيد بن شرية الجرهمي وهو معروف عاش ثلاثمائة سنة وخمسين سنة فأدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحسن إسلامه وعمر بعد ما قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى قدم على معاوية في أيام تغلبه وملكه فقال له معاوية أخبرني يا عبيد عما رأيت وسمعت ومن أدركت وكيف رأيت الدهر فقال أما الدهر فرأيت ليلا يشبه ليلا ونهارا يشبه نهارا ومولودا يولد وميتا يموت ولم أدرك أهل زمان إلا وهم يذمون زمانهم وأدركت من قد عاش ألف سنة فحدثني عمن كان قبله قد عاش ألفي سنة وأما ما سمعت فإنه حدثني ملك من ملوك حمير أن بعض الملوك التبابعة ممن قد دانت له البلاد وكان يقال له ذو سرح كان أعطي الملك في عنفوان شبابه وكان حسن السيرة في أهل مملكته سخيا فيهم مطاعا فملكهم سبعمائة سنة وكان كثيرا يخرج في خاصته إلى الصيد والنزهة فخرج يوما في بعض متنزهه فأتى على حيتين إحداهما بيضاء كأنها سبيكة فضة والأخرى سوداء كأنها حممة وهما تقتتلان وقد غلبت السوداء على البيضاء فكادت تأتي على نفسها فأمر الملك بالسوداء فقتلت وأمر بالبيضاء فاحتملت حتى انتهى بها إلى عين من ماء نقى عليها شجرة فأمر فصب الماء عليها وسقيت حتى رجعت إليها نفسها فأفاقت فخلى سبيلها فانسابت الحية فمضت لسبيلها ومكث الملك يومئذ في متصيده ونزهته فلما أمسى رجع إلى منزله وجلس على سريره في موضع لا يصل إليه حاجب ولا أحد فبينا هو كذلك إذ رأى شابا أخذ بعضادتي الباب وبه من الشباب والجمال شي ء لا يوصف فسلم عليه فذعر منه الملك فقال له من أنت ومن أذن لك في الدخول إلي في هذا الموضع الذي لا يصل إلي فيه حاجب ولا غيره فقال له الفتى لا ترع أيها الملك إني لست بأنسي ولكني فتى من الجن أتيتك لأجازيك ببلائك الحسن الجميل عندي قال الملك وما بلائي عندك قال أنا الحية التي أحييتني في يومك هذا والأسود الذي قتلته وخلصتني منه كان غلاما لنا تمرد علينا وقد قتل من أهل بيتي عدة كان إذا خلا بواحد منا قتله فقتلت عدوي وأحييتني فجئتك لأكافيك ببلائك عندي ونحن أيها الملك الجن لا الجن قال له الملك وما الفرق بين الجن والجن ثم انقطع الحديث من الأصل الذي كتبته فلم يكن هناك تمامه.

52-  باب حديث الربيع بن الضبع الفزاري.

 1-  حدثنا أحمد بن يحيى المكتب قال حدثنا أبو الطيب أحمد بن محمد الوراق قال حدثنا محمد بن الحسن بن دريد الأزدي العماني بجميع أخباره وكتبه التي صنفها ووجدنا في أخباره أنه قال لما وفد الناس على عبد الملك بن مروان قدم فيمن قدم عليه الربيع بن ضبع الفزاري وكان أحد المعمرين ومعه ابن ابنه وهب بن عبد الله بن الربيع شيخا فانيا قد سقط حاجباه على عينيه وقد عصبهما فلما رآه الآذن وكانوا يأذنون الناس على أسنانهم قال له ادخل أيها الشيخ فدخل يدب على العصا يقيم بها صلبه وكشحيه على ركبتيه فلما رآه عبد الملك رق له وقال له اجلس أيها الشيخ فقال يا أمير المؤمنين أ يجلس الشيخ وجده على الباب قال فأنت إذن من ولد الربيع بن ضبع قال نعم أنا وهب بن عبد الله بن الربيع فقال للآذن ارجع فأدخل الربيع فخرج الآذن فلم يعرفه حتى نادى أين الربيع قال ها أنا ذا فقام يهرول في مشيته فلما دخل على عبد الملك سلم فقال عبد الملك لجلسائه ويلكم إنه لأشب الرجلين يا ربيع أخبرني عما أدركت من العمر والذي رأيت من الخطوب الماضية قال أنا الذي أقول ها أنا ذا آمل الخلود وقد أدرك عمري ومولدي حجراأنا إمرؤ القيس قد سمعت به هيهات هيهات طال ذا عمرا فقال عبد الملك قد رويت هذا من شعرك وأنا صبي قال وأنا أقول إذا عاش الفتى مائتين عام فقد ذهب اللذاذة والفتاء قال عبد الملك وقد رويت هذا أيضا وأنا غلام يا ربيع لقد طلبك جد غير عاثر ففصل لي عمرك فقال عشت مائتي سنة في الفترة بين عيسى ومحمد عليه السلام ومائة وعشرين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام قال أخبرني عن الفتية في قريش المتواطئي الأسماء قال سل عن أيهم شئت قال أخبرني عن عبد الله بن عباس قال فهم وعلم وعطاء وحلم ومقري ضخم قال فأخبرني عن عبد الله بن عمر قال حلم وعلم وطول وكظم وبعد من الظلم قال فأخبرني عن عبد الله بن جعفر قال ريحانة طيب ريحها لين مسها قليل على المسلمين ضررها قال فأخبرني عن عبد الله بن الزبير قال جبل وعر ينحدر منه الصخر قال لله درك ما أخبرك بهم قال قرب جواري وكثر استخباري.

53-  باب حديث شق الكاهن

 1-  حدثنا أحمد بن يحيى المكتب رضي الله عنه قال حدثنا أبو الطيب أحمد بن محمد الوراق قال حدثنا محمد بن الحسن بن دريد الأزدي العماني قال حدثنا أحمد بن عيسى أبو بشير العقيلي عن أبي حاتم عن أبي قبيصة عن ابن الكلبي عن أبيه قال سمعت شيوخا من بجيلة ما رأيت على سروهم ولا حسن هيئتهم يخبرون أنه عاش شق الكاهن ثلاثمائة سنة فلما حضرته الوفاة اجتمع إليه قومه فقالوا أوصنا فقد آن أن يفوتنا بك الدهر فقال تواصلوا ولا تقاطعوا وتقابلوا ولا تدابروا وبلوا الأرحام واحفظوا الذمام وسودوا الحليم وأجلوا الكريم ووقروا ذا الشيبة وأذلوا اللئيم وتجنبوا الهزل في مواضع الجد ولا تكدروا الإنعام بالمن واعفوا إذا قدرتم وهادنوا إذا عجزتم وأحسنوا إذا كويدتم واسمعوا من مشايخكم واستبقوا دواعي الصلاح عند إحن العداوة فإن بلوغ الغاية في النكاية جرح بطي ء الاندمال وإياكم والطعن في الأنساب لا تفحصوا عن مساوئكم ولا تودعوا عقائلكم غير مساويكم فإنها وصمة فادحة وقضاة فاضحة الرفق الرفق لا الخرق فإن الخرق مندمة في العواقب مكسبة للعواتب الصبر أنفذ عتاب والقناعة خير مال والناس أتباع الطمع وقرائن الهلع ومطايا الجزع وروح الذل التخاذل ولا تزالون ناظرين بعيون نائمة ما اتصل الرجاء بأموالكم والخوف بمحالكم ثم قال يا لها نصيحة زلت عن عذبة فصيحة إذا كان وعاؤها وكيعا ومعدنها منيعا ثم مات. قال مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه إن مخالفينا يروون مثل هذه الأحاديث ويصدقونها ويروون حديث شداد بن عاد بن إرم وأنه عمر تسعمائة سنة ويروون صفة الجنة وأنها مغيبة عن الناس فلا ترى وأنها في الأرض ولا يصدقون بقائم آل محمد عليه السلام ويكذبون بالأخبار التي رويت فيه جحودا للحق وعنادا لأهله.

54 ـ باب حديث شداد بن عاد بن إرم وصفة إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد.

 1-  أخبرنا محمد بن هارون الزنجاني فيما كتب إلي قال حدثنا معاذ أبو المثنى العنبري قال حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء قال حدثنا جويرية عن سفيان عن منصور عن أبي وائل قال إن رجلا يقال له عبد الله بن قلابة خرج في طلب إبل له قد شردت فبينا هو في صحاري عدن في تلك الفلوات إذ هو وقع على مدينة عليها حصن حول ذلك الحصن قصور كثيرة وأعلام طوال فلما دنا منها ظن أن فيها من يسأله عن إبله فلم ير داخلا ولا خارجا فنزل عن ناقته وعقلها وسل سيفه ودخل من باب الحصن فإذا هو ببابين عظيمين لم ير في الدنيا بناء أعظم منهما ولا أطول وإذا خشبها من أطيب عود وعليها نجوم من ياقوت أصفر وياقوت أحمر ضوؤها قد ملأ المكان فلما رأى ذلك أعجبه ففتح أحد البابين ودخل فإذا هو بمدينة لم ير الراءون مثلها قط وإذا هو بقصور كل قصر منها معلق تحته أعمدة من زبرجد وياقوت وفوق كل قصر منها غرف وفوق الغرف غرف مبنية بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت والزبرجد وعلى كل باب من أبواب تلك القصور مصاريع مثل مصاريع باب المدينة من عود طيب قد نضدت عليه اليواقيت وقد فرشت تلك القصور باللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران فلما رأى ذلك أعجبه ولم ير هناك أحدا فأفزعه ذلك ثم نظر إلى الأزقة فإذا في كل زقاق منها أشجار قد أثمرت تحتها أنهار تجري فقال هذه الجنة التي وصف الله عز وجل لعباده في الدنيا والحمد لله الذي أدخلني الجنة فحمل من لؤلئها ومن بنادق المسك والزعفران ولم يستطع أن يقلع من زبرجدها ومن ياقوتها لأنه كان مثبتا في أبوابها وجدرانها وكان اللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران منثورا بمنزلة الرمل في تلك القصور والغرف كلها فأخذ منها ما أراد وخرج حتى أتى ناقته وركبها ثم سار يقفو أثر ناقته حتى رجع إلى اليمن وأظهر ما كان معه وأعلم الناس أمره وباع بعض ذلك اللؤلؤ وكان قد اصفار وتغير من طول ما مر عليه من الليالي والأيام فشاع خبره وبلغ معاوية بن أبي سفيان فأرسل رسولا إلى صاحب صنعاء وكتب بإشخاصه فشخص حتى قدم على معاوية فخلا به وسأله عما عاين فقص عليه أمر المدينة وما رأى فيها وعرض عليه ما حمله منها من اللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران فقال والله ما أعطي سليمان بن داود مثل هذه المدينة فبعث معاوية إلى كعب الأحبار فدعاه وقال له يا أبا إسحاق هل بلغك أن في الدنيا مدينة مبنية بالذهب والفضة وعمدها من الزبرجد والياقوت وحصى قصورها وغرفها اللؤلؤ وأنهارها في الأزقة تجري تحت الأشجار قال كعب أما هذه المدينة فصاحبها شداد بن عاد الذي بناها وأما المدينة فهي إرم ذات العماد وهي التي وصف الله عز وجل في كتابه المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذكر أنه لم يخلق مثلها في البلاد قال معاوية حدثنا بحديثها فقال إن عادا الأولى وليس بعاد قوم هود عليه السلام كان له ابنان سمى أحدهما شديدا والآخر شدادا فهلك عاد وبقيا وملكا وتجبرا وأطاعهما الناس في الشرق والغرب فمات شديد وبقي شداد فملك وحده ولم ينازعه أحد وكان مولعا بقراءة الكتب وكان كلما سمع بذكر الجنة وما فيها من البنيان والياقوت والزبرجد واللؤلؤ رغب أن يفعل مثل ذلك في الدنيا عتوا على الله عز وجل فجعل على صنعتها مائة رجل تحت كل واحد منهم ألف من الأعوان فقال انطلقوا إلى أطيب فلاة في الأرض وأوسعها فاعملوا لي فيها مدينة من ذهب وفضة وياقوت وزبرجد ولؤلؤ واصنعوا تحت تلك المدينة أعمدة من زبرجد وعلى المدينة قصورا وعلى القصور غرفا وفوق الغرف غرفا واغرسوا تحت القصور في أزقتها أصناف الثمار كلها وأجروا فيها الأنهار حتى يكون تحت أشجارها فإني قرأت في الكتب صفة الجنة وأنا أحب أن أجعل مثلها في الدنيا قالوا له كيف نقدر على ما وصفت لنا من الجواهر والذهب والفضة حتى يمكننا أن نبني مدينة كما وصفت قال شداد أ لا تعلمون أن ملك الدنيا بيدي قالوا بلى قال فانطلقوا إلى كل معدن من معادن الجواهر والذهب والفضة فوكلوا بها حتى تجمعوا ما تحتاجون إليه وخذوا ما تجدونه في أيدي الناس من الذهب والفضة فكتبوا إلى كل ملك في الشرق والغرب فجعلوا يجمعون أنواع الجواهر عشر سنين فبنوا له هذه المدينة في مدة ثلاثمائة سنة وعمر شداد تسعمائة سنة فلما أتوه وأخبروه بفراغهم منها قال انطلقوا فاجعلوا عليها حصنا واجعلوا حول الحصن ألف قصر عند كل قصر ألف علم يكون في كل قصر من تلك القصور وزير من وزرائي فرجعوا وعملوا ذلك كله له ثم أتوه فأخبروه بالفراغ منها كما أمرهم به فأمر الناس بالتجهيز إلى إرم ذات العماد فأقاموا في جهازهم إليها عشر سنين ثم سار الملك يريد إرم فلما كان من المدينة على مسيرة يوم وليلة بعث الله عز وجل عليه وعلى جميع من كان معه صيحة من السماء فأهلكتهم جميعا وما دخل إرم ولا أحد ممن كان معه فهذه صفة إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وإني لأجد في الكتب أن رجلا يدخلها ويرى ما فيها ثم يخرج ويحدث الناس بما يرى فلا يصدق وسيدخلها أهل الدين في آخر الزمان. قال مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه إذا جاز أن يكون في الأرض جنة مغيبة عن أعين الناس لا يهتدي إلى مكانها أحد من الناس ولا يعلمون بها ويعتقدون صحة كونها من طريق الأخبار فكيف لا يقبلون من طريق الأخبار كون القائم عليه السلام الآن في غيبته وإذا جاز أن يعمر شداد بن عاد تسعمائة سنة فكيف لا يجوز أن يعمر القائم عليه السلام مثلها أو أكثر منها. والخبر في شداد بن عاد عن أبي وائل والأخبار في القائم عليه السلام عن النبي والأئمة صلى الله عليه وآله وسلم فهل ذلك إلا مكابرة في جحود الحق. ووجدت في كتاب المعمرين أنه حكي عن هشام بن سعيد الرحال قال إنا وجدنا حجرا بالإسكندرية مكتوبا فيه أنا شداد بن عاد وأنا الذي شيدت العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وجندت الأجناد وشددت بساعدي الواد فبنيتهن إذ لا شيب ولا موت وإذ الحجارة في اللين مثل الطين وكنزت كنزا في البحر على اثني عشر منزلا لم يخرجه أحد حتى تخرجه أمة محمد وعاش أوس بن ربيعة بن كعب بن أمية الأسلمي مائتين وأربع عشرة سنة وقال في ذلك لقد عمرت حتى مل أهلي ثوائي عندهم وسئمت عمري و حق لمن أتى مائتا عام عليه وأربع من بعد عشريمل من الثواء وصبح يوم يغاديه وليل بعد يسري فأبلى جدتي وتركت شلوا وباح بما أجن ضمير صدري وعاش أبو زبيد واسمه البدر بن حرملة الطائي وكان نصرانيا خمسين ومائة سنة. وعاش نصر بن دهمان بن بصار بن بكر بن سليم بن أشجع بن الريث بن غطفان مائة وتسعين سنة حتى سقطت أسنانه وخرف عقله وابيض رأسه فحزب قومه أمر فاحتاجوا فيه إلى رأيه ودعوا الله عز وجل أن يرد إليه عقله وشبابه فعاد إليه عقله وشبابه واسود شعره. فقال فيه سلمة بن الخرشب الأنماري من أنمار بن بغيض ويقال بل عياض مرداس السلمي لنصر بن دهمان الهنيدة عاشها وتسعين حولا ثم قوم فانصاتاو عاد سواد الرأس بعد بياضه وراجعة شرخ الشباب الذي فاتاو راجع عقلا عند ما فات عقله ولكنه من بعد ذا كله ماتا وعاش سويد بن حذاق العبدي مائتي سنة. وعاش الجعشم بن عوف بن حذيمة دهرا طويلا فقال حتى متى الجعشم في الأحياء ليس بذي أيد ولا غناء هيهات ما للموت من دواء وعاش ثعلبة بن كعب بن زيد بن عبد الأشهل الأوسي مائتي سنة فقال لقد صاحبت أقواما فأمسوا خفاتا ما يجاب لهم دعاء مضوا قصد السبيل وخلفوني فطال علي بعدهم الثواء فأصبحت الغداة رهين بيتي وأخلفني من الموت الرجاء وعاش رداءة بن كعب بن ذهل بن قيس النخعي ثلاثمائة سنة وقال لم يبق يا خذلة من لداتي أبو بنين لا ولا بنات و لا عقيم غير ذي سبات إلا يعد اليوم في الأموات هل مشتر أبيعه حياتي وعاش عدي بن حاتم طي ء عشرين ومائة سنة وعاش أماباة بن قيس بن الحارث بن شيبان الكندي ستين ومائة سنة. وعاش عميرة بن هاجر بن عمير بن عبد العزى بن قمير سبعين ومائة سنة وقال بليت وأفناني الزمان وأصبحت هنيدة قد أبقيت من بعدها عشراو أصبحت مثل الفرخ لا أنا ميت فأسلى ولا حي فأصدر لي أمراو قد عشت دهرا ما تجن عشيرتي لها ميتا حتى أخط به قبرا وعاش العرام بن منذر بن زبيد بن قيس بن حارثة بن لام دهرا طويلا في الجاهلية وأدرك عمر بن عبد العزيز وأدخل عليه وقد اختلفت ترقوتاه وسقط حاجباه فقيل له ما أدركت فقال وو الله ما أدري أ أدركت أمة على عهد ذي القرنين أم كنت أقدمامتى تخلعا مني القميص تبينا جآجئ لم يكسين لحما ولا دما وعاش سيف بن وهب بن جذيمة الطائي مائتي سنة وقال ألا إنني عاجلا ذاهب فلا تحسبوا أنني كاذب لبست شبابي فأفنيته وأدركني القدر الغالب و خصم دفعت ومولى نفعت حتى يثوب له ثائب وعاش أرطاة بن دشهبة المزني عشرين ومائة سنة فكان يكنى أبا الوليد فقال له عبد الملك بن مروان ما بقي من شعرك يا أرطاة قال يا أمير المؤمنين إني لا أشرب ولا أطرب ولا أغضب ولا يجيئني الشعراء إلا على أحد هذه الخصال على أني أقول رأيت المرء تأكله الليالي كأكل الأرض ساقطة الحديدو ما تبقي المنية حين تأتي على نفس ابن آدم من مزيدو أعلم أنها ستكر حتى توفى نذرها بأبي الوليد فارتاع عبد الملك فقال يا أرطاة فقال أرطاة يا أمير المؤمنين إني أكنى أبا الوليد. وعاش عبيد بن الأبرص ثلاثمائة سنة فقال فنيت وأفناني الزمان وأصبحت لداتي بنو نعش وزهر الفراقد ثم أخذه النعمان بن المنذر يوم بؤسه فقتله. وعاش شريح بن هانئ عشرين ومائة سنة حتى قتل في زمن الحجاج بن يوسف فقال في كبره وضعفه أصبحت ذا بث أقاسي الكبرا قد عشت بين المشركين أعصراثمت أدركت النبي المنذرا وبعده صديقه وعمرا ويوم مهران ويوم تسترا والجمع في صفينهم والنهراهيهات ما أطول هذا عمرا وعاش رجل من بني ضبة يقال له المسجاح بن سباع الضبي دهرا طويلا فقال لقد طوفت في الآفاق حتى بليت وقد أنى لي لو أبيدو أفناني ولو يفنى نهار وليل كلما يمضي يعودو شهر مستهل بعد شهر وحول بعده حول جديد وعاش لقمان العادي الكبير خمسمائة وستين سنة وعاش عمر سبعة أنسر عاش كل نسر منها ثمانين عاما وكان من بقية عاد الأولى. وروي أنه عاش ثلاثة آلاف سنة وخمسمائة سنة وكان من وفد عاد الذين بعثهم قومهم إلى الحرم ليستسقوا لهم وكان أعطي عمر سبعة أنسر وكان يأخذ فرخ النسر الذكر فيجعله في الجبل الذي هو في أصله فيعيش النسر منها ما عاش فإذا مات أخذ آخر فرباه حتى كان آخرها لبد وكان أطولها عمرا فقيل فيه طال الأبد على لبد.

وقد قيل فيه أشعار معروفة وأعطي من القوة والسمع والبصر على قدر ذلك وله أحاديث كثيرة. وعاش زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد الله بن رفيدة بن ثور بن كلب الكلبي ثلاثمائة سنة. وعاش مزيقيا واسمه عمر بن عامر وهو ماء السماء لأنه كان حياة أينما نزل كمثل ماء السماء وإنما سمي مزيقيا لأنه عاش ثمانمائة سنة أربعمائة سوقة وأربعمائة ملكا وكان يلبس كل يوم حلتين ثم يأمر بهما فتمزقان حتى لا يلبسهما أحد غيره. وعاش هبل بن عبد الله بن كنانة ستمائة سنة. وعاش أبو الطحمان القيني مائة وخمسين سنة.

وعاش مستوغر بن ربيعة بن كعب بن زيد مناة بن تميم ثلاثمائة وثلاثين سنة ثم أدرك الإسلام فلم يسلم وله شعر معروف. وعاش دويد بن زيد بن نهد أربعمائة سنة وخمسين سنة فقال في ذلك ألقى علي الدهر رجلا ويدا والدهر ما أصلح يوما أفسدايفسد ما أصلحه اليوم غدا وجمع بنيه حين حضرته الوفاة فقال يا بني أوصيكم بالناس شرا لا تقبلوا لهم معذرة ولا تقيلوا لهم عثرة. وعاش تيم الله بن ثعلبة بن عكاية مائتي سنة. وعاش ربيع بن ضبع بن وهب بن بغيض بن مالك بن سعد بن عدي بن فزارة مائتي وأربعين سنة وأدرك الإسلام فلم يسلم.

وعاش معديكرب الحميري من آل ذي يزن مائتي وخمسين سنة. وعاش شرية بن عبد الله الجعفي ثلاثمائة سنة فقدم على عمر بن الخطاب بالمدينة فقال لقد رأيت هذا الوادي الذي أنتم فيه وما به قطرة ولا هضبة ولا شجرة ولقد أدركت أخريات قومي يشهدون شهادتكم هذه يعني لا إله إلا الله ومعه ابن له يهادي قد خرف فقيل له يا شرية هذا ابنك قد خرف وبك بقية فقال والله ما تزوجت أمه حتى أتت علي سبعون سنة ولكني تزوجتها عفيفة ستيرة إن رضيت رأيت ما تقر به عيني وإن سخطت تأتت لي حتى أرضى وإن ابني هذا تزوج امرأة بذية فاحشة إن رأى ما تقر به عينه تعرضت له حتى يسخط وإن سخط تلغبته حتى يهلك. حدثنا أبو سعيد عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بن نصر السجزي قال سمعت أبا الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن حمزة بن زيد الشعراني من ولد عمار بن ياسر رضي الله عنه يقول حكى لي أبو القاسم محمد بن القاسم المصري أن أبا الجيش حمادويه بن أحمد بن طولون كان قد فتح الله عليه من كنوز مصر ما لم يرزق أحد قبله فغزى بالهرمين فأشار إليه جلساؤه وحاشيته وبطانته بأن لا يتعرض لهدم الأهرام فإنه ما تعرض لهذه أحد فطال عمره فألح في ذلك وأمر ألفا من الفعلة أن يطلبوا الباب فكانوا يعملون سنة حواليه حتى ضجروا وكلوا فلما هموا بالانصراف بعد الإياس منه وترك العمل وجدوا سربا فقدروا أنه الباب الذي يطلبونه فلما بلغوا آخره وجدوا بلاطة قائمة من مرمر فقدروا أنها الباب فاحتالوا فيها إلى أن قلعوها وأخرجوها قال محمد بن المظفر وجدوا من ورائها بناء منضما لا يقدروا عليه فأخرجوها ثم نظفوها فإذا عليها كتابة باليونانية فجمعوا حكماء مصر وعلماءها من سائر الأديان فلم يهتدوا لها. وكان في القوم رجل يعرف بأبي عبد الله المديني أحد حفاظ الدنيا وعلمائها فقال لأبي الجيش حمادويه بن أحمد أعرف في بلد الحبشة أسقفا قد عمر وأتى عليه ثلاثمائة وستون سنة يعرف هذا الخط وقد كان عزم على أن يعلمنيه فلحرصي على علم العرب لم أقم عنده وهو باق فكتب أبو الجيش إلى ملك الحبشة يسأله أن يحمل هذا الأسقف إليه فأجابه أن هذا شيخ قد طعن في السن وقد حطمه الزمان وإنما يحفظه هذا الهواء وهذا الإقليم ويخاف عليه إن نقل إلى هواء آخر وإقليم آخر ولحقته حركة وتعب ومشقة السفر أن يتلف وفي بقائه لنا شرف وفرح وسكينة فإن كان لكم شي ء يقرؤه أو يفسره أو مسألة تسألونه فاكتب لي بذلك فحملت البلاطة في قارب إلى بلد أسوان من الصعيد الأعلى وحملت من أسوان على العجلة إلى بلد الحبشة وهي قريبة من الأسوان فلما وصلت قرأها الأسقف وفسر ما كان فيها بالحبشية ثم نقلت إلى العربية فإذا فيها مكتوب أنا الريان بن دومغ فسئل أبو عبد الله المديني عن الريان من كان فقال هو والد العزيز الملك الذي كان في زمان يوسف النبي عليه السلام واسمه الوليد بن الريان بن دومغ وكان عمر العزيز سبعمائة سنة وعمر الريان والده ألف وسبعمائة سنة وعمر دومغ ثلاثة آلاف سنة. فإذا فيها أنا الريان بن دومغ خرجت في طلب علم النيل الأعظم لأعلم فيضه ومنبعه إذ كنت أرى مفيضه فخرجت ومعي من صحبني أربعة آلاف رجل فسرت ثمانين سنة إلى أن انتهيت إلى الظلمات والبحر المحيط بالدنيا فرأيت النيل يقطع البحر المحيط ويعبر فيه ولم يكن لي منفذ وتماوت أصحابي وبقيت في أربعة آلاف رجل فخشيت على ملكي فرجعت إلى مصر وبنيت الأهرام والبراني وبنيت الهرمين وأودعتهما كنوزي وذخائري وقلت في ذلك وأدرك علمي بعض ما هو كائن ولا علم لي بالغيب والله أعلم وأتقنت ما حاولت إتقان صنعه وأحكمته والله أقوى وأحكم وحاولت علم النيل من بدء فيضه فأعجزني والمرء بالعجز ملجم ثمانين شاهورا قطعت مسايحا وحولي بني حجر وجيش عرموم إلى أن قطعت الإنس والجن كلهم وعارضني لج من البحر مظلم فأيقنت أن لا منفذ بعد منزلي لذي همة بعدي ولا متقدم فأبت إلى ملكي وأرسيت ثاويا بمصر وللأيام بؤس وأنعم أنا صاحب الأهرام في مصر كلها وباني برانيها بها والمقدم تركت بها آثار كفي وحكمتي على الدهر لا تبلى ولا تتهدم و فيها كنوز جمة وعجائب وللدهر أمر مرة وتجهم سيفتح أقفالي ويبدي عجائبي ولي لربي آخر الدهر ينجم بأكناف بيت الله تبدو أموره فلا بد أن يعلو ويسمو به السم ثمان وتسع واثنتان وأربع وتسعون أخرى من قتيل وملجم و من بعد هذا كر تسعون تسعة وتلك البراني تستخر وتهدم وتبدي كنوزي كلها غير أنني أرى كل هذا أن يفرقها الدم زبرت مقالي في صخور قطعتها ستبقى وأفنى بعدها ثم أعدم فحينئذ قال أبو الجيش حمادويه بن أحمد هذا شي ء ليس لأحد فيه حيلة إلا القائم من آل محمد عليه السلام وردت البلاطة كما كانت مكانها. ثم إن أبا الجيش بعد ذلك بسنة قتله طاهر الخادم ذبحه على فراشه وهو سكران ومن ذلك الوقت عرف خبر الهرمين ومن بناهما فهذا أصح ما يقال من خبر النيل والهرمين وعاش ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم القرشي مائة وثمانين سنة وأدرك الإسلام فهلك فجأة وعاش لبيد بن ربيعة الجعفري مائة وأربعين سنة وأدرك الإسلام فأسلم فلما بلغ سبعون سنة من عمره أنشأ يقول في ذلك كأني وقد جاوزت سبعين حجة خلعت بها عن منكبي ردائيافلما بلغ سبعا وسبعين سنة أنشأ يقول باتت تشكي إلي النفس مجهشة وقد حملتك سبعا بعد سبعينافإن تزيدي ثلاثا تبلغي أملا وفي الثلاث وفاء للثمانينا فلما بلغ تسعين سنة أنشأ يقول كأني وقد جاوزت تسعين حجة خلعت بها عني عذار لثامي رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى وكيف بمن يرمى وليس برام فلو أنني أرمى بنبل رأيتها ولكنني أرمى بغير سهام فلما بلغ مائة وعشر سنين أنشأ يقول أ ليس في مائة قد عاشها رجل وفي تكامل عشر بعدها عمر فلما بلغ مائة وعشرين سنة أنشأ يقول قد عشت دهرا قبل مجرى داحس لو كان للنفس اللجوج خلود فلما بلغ مائة وأربعين سنة أنشأ يقول ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس كيف لبيد غلب الرجال وكان غير مغلب دهر طويل دائم ممدود يوما إذا يأتي علي وليلة وكلاهما بعد المضي يعود فلما حضرته الوفاة قال لابنه يا بني إن أباك لم يمت ولكنه فني فإذا قبض أبوك فأغمضه وأقبل به القبلة وسجه بثوبه ولا أعلمن ما صرخت عليه صارخة أو بكت عليه باكية وانظر جفنتي التي كنت أضيف بها فأجد صنعتها ثم احملها إلى مسجدك وإلى من كان يغشاني عليها فإذا قال الإمام سلام عليكم فقدمها إليهم يأكلوا منها فإذا فرغوا فقل احضروا جنازة أخيكم لبيد بن ربيعة فقد قبضه الله عز وجل ثم أنشأ يقول وإذا دفنت أباك فاجعل فوقه خشبا وطيناو صفائح صما رواشنها تسددن الغصون اليقين حر الوجه سفساف التراب ولن يقينا وقد ورد في الخبر في حديث لبيد بن ربيعة في أمر الجفنة غير هذا ذكروا أن لبيد بن ربيعة جعل على نفسه أن كلما هبت الشمال أن ينحر جزورا فيملأ الجفنة التي حكوا عنها في أول حديثه. فلما ولي الوليد بن عقبة بن أبي معيط الكوفة خطب الناس فحمد الله عز وجل وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال أيها الناس قد علمتم حال لبيد بن ربيعة الجعفري وشرفه ومروءته وما جعل على نفسه كلما هبت الشمال أن ينحر جزورا فأعينوا أبا عقيل على مروءته ثم نزل وبعث إليه بخمسة من الجزر ثم أنشأ يقول فيها أرى الجزار يشحذ شفرتيه إذا هبت رياح أبي عقيل طويل الباع أبلج جعفري كريم الجد كالسيف الصقيل و في ابن الجعفري بما لديه على العلات والمال القليل وقد ذكروا أن الجزر كانت عشرين فلما أتته قال جزى الله الأمير خيرا قد عرف أني لا أقول الشعر ولكن اخرجي يا بنية فخرجت إليه بنية له خماسية فقال لها أجيبي الأمير فأقبلت وأدبرت ثم قالت نعم وأنشأت تقول إذا هبت رياح أبي عقيل دعونا عند هبتها الوليداطويل الباع أبلج عبشميا أعان على مروءته لبيدابأمثال الهضاب كأن ركبا عليها من بني حام قعودا أبا وهب جزاك الله خيرا نحرناها وأطعمنا الثريدافعد إن الكريم له معاد وعهدي بابن أروى أن تعودا فقال لها أحسنت يا بنية لو لا أنك سألت قالت إن الملوك لا يستحيا من مسألتهم قال وأنت يا بنية أشعر. وعاش ذو الإصبع العدواني واسمه حرثان بن الحارث بن محرث بن ربيعة بن هبيرة بن ثعلبة بن الظرب بن عثمان ثلاثمائة سنة. وعاش جعفر بن قبط ثلاثمائة سنة وأدرك الإسلام وعاش عامر بن الظرب العدواني ثلاثمائة سنة. وعاش محصن بن عتبان بن ظالم بن عمرو بن قطيعة بن الحارث بن سلمة بن مازن الزبيدي مائتين وخمسين سنة وقال في ذلك ألا يا سلم إني لست منكم ولكني امرؤ قوتي سغوب دعاني الداعيان فقلت هيا فقالا كل من يدعى يجيب ألا يا سلم أعياني قيامي وأعيتني المكاسب والذهوب و صرت رذية في البيت كلا تأذى بي الأباعد والقريب كذاك الدهر والأيام خون لها في كل سائمة نصيب وعاش عوف بن كنانة الكلبي ثلاثمائة سنة فلما حضرته الوفاة جمع بنيه فأوصاهم وهو عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد بن ثور بن كلب فقال يا بني احفظوا وصيتي فإنكم إن حفظتموها سدتم قومكم من بعدي إلهكم فاتقوه ولا تحزنوا ولا تخونوا ولا تثيروا السباع من مرابضها فتندموا وجاوزوا الناس بالكف عن مساوئهم فتسلموا وتصلحوا وعفوا عن الطلب إليهم ولا تستقلوا والزموا الصمت إلا من حق تحمدوا وابذلوا لهم المحبة تسلم لكم الصدور ولا تحرموهم المنافع فيظهروا الشكاة وتكونوا منهم في ستر ينعم بالكم ولا تكثروا مجالستهم فيستخف بكم وإذا نزلت بكم معضلة فاصبروا لها والبسوا للدهر أثوابه فإن لسان الصدق مع المسكنة خير من سوء الذكر مع الميسرة ووطنوا أنفسكم على المذلة لمن تذلل لكم فإن أقرب الوسائل المودة وإن أتعبت النشب البغضة وعليكم بالوفاء وتنكبوا العذر يأمن سربكم وأصيخوا للعدل وأحيوا الحسب بترك الكذب فإن آفة المروءة الكذب والخلف لا تعلموا الناس إقتاركم فتهونوا عليهم وتخملوا وإياكم والغربة فإنها ذلة ولا تضعوا الكرائم إلا عند الأكفاء وابتغوا لأنفسكم المعالي ولا يختلجنكم جمال النساء عن الصحة فإن نكاح الكرائم مدارج الشرف واخضعوا لقومكم ولا تبغوا عليهم لتنالوا المنافس ولا تخالفوهم فيما اجتمعوا عليه فإن الخلاف يزري بالرئيس المطاع وليكن معروفكم لغير قومكم من بعدهم ولا توحشوا أفنيتكم من أهلها فإن إيحاشها إخماد النار ودفع الحقوق وارفضوا النائم بينكم تسلموا وكونوا أعوانا عند الملمات تغلبوا واحذروا النجعة إلا في منفعة لا تصابوا وأكرموا الجار يخصب جنابكم وآثروا حق الضعيف على أنفسكم والزموا مع السفهاء الحلم تقل همومكم وإياكم والفرقة فإنها ذلة ولا تكلفوا أنفسكم فوق طاقتها إلا المضطر فإنكم لن تلاموا عند اتضاح العذر وبكم قوة خير من أن تعاونوا في الاضطرار منكم إليهم بالمعذرة وجدوا ولا تفرطوا فإن الجد مانع الضيم ولتكن كلمتكم واحدة تعزوا ويرهف حدكم ولا تبذلوا الوجوه لغير مكرميها فتكلجوها ولا تجشموها أهل الدناءة فتقصروا بها ولا تحاسدوا فتبوروا واجتنبوا البخل فإنه داء وابنوا المعالي بالجود والأدب ومصافاة أهل الفضل والحباء وابتاعوا المحبة بالبذل ووقروا أهل الفضل وخذوا عن أهل التجارب ولا يمنعكم من معروف صغره فإن له ثوابا ولا تحقروا الرجال فتزدروا فإنما المرء بأصغريه ذكاء قلبه ولسان يعبر عنه وإذا خوفتم داهية فعليكم بالتثبت قبل العجلة والتمسوا بالتودد المنزلة عند الملوك فإنهم من وضعوه اتضع ومن رفعوه ارتفع وتنبلوا تسم إليكم الأبصار وتواضعوا بالوقار ليحبكم ربكم ثم قال وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ولا كل مؤت نصحه بلبيب و لكن إذا ما استجمعا عند واحد فحق له من طاعة بنصيب وعاش صيفي بن رياح بن أكثم أحد بني أسد بن عمر بن تميم مائتين وسبعين سنة وكان يقول لك على أخيك سلطان في كل حال إلا في القتال فإذا أخذ الرجل السلاح فلا سلطان لك عليه وكفى بالمشرفية واعظا وترك الفخر أبقى للثناء وأسرع الجرم عقوبة البغي وشر النصرة التعدي وألأم الأخلاق أضيقها ومن سوء الأدب كثرة العتاب وأقرع الأرض بالعصا فذهبت مثلا لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا وما علم الإنسان إلا ليعلما وعاش أكثم بن صيفي أحد بني أسد بن عمرو بن تميم ثلاثمائة وستين سنة وقال بعضهم مائة وتسعين سنة وأدرك الإسلام فاختلف في إسلامه إلا أن أكثرهم لا يشك في أنه لم يسلم فقال في ذلك إن امرأ قد عاش تسعين حجة إلى مائة لم يسأم العيش جاهل خلت مائتان غير ست وأربع وذلك من عد الليالي قلائل وقال محمد بن سلمة أقبل أكثم بن صيفي يريد الإسلام فقتله ابنه عطشا فسمعت أن هذه الآية نزلت فيه (ومَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) ولم تكن العرب تقدم عليه أحدا في الحكمة وإنه لما سمع برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث ابنه حليسا فقال يا بني إني أعظك بكلمات فخذ بهن من حين تخرج من عندي إلى أن ترجع إلي ائت نصيبك في شهر رجب فلا تستحله فيستحل منك فإن الحرام ليس يحرم نفسه وإنما يحرمه أهله ولا تمرن بقوم إلا نزلت عند أعزهم وأحدث عقدا مع شريفهم وإياك والذليل فإنه أذل نفسه ولو أعزها لأعزه قومه فإذا قدمت على هذا الرجل فإني قد عرفته وعرفت نسبه وهو في بيت قريش وأعز العرب وهو أحد رجلين إما ذو نفس أراد ملكا فخرج للملك بعزة فوقره وشرفه وقم بين يديه ولا تجلس إلا بإذنه حيث يأمرك ويشير إليك فإنه إن كان ذلك كان أدفع لشره عنك وأقرب لخيره منك فإن كان نبيا فإن الله لا يحس فيتوهم ولا ينظر فيتجسم وإنما يأخذ الخيرة حيث يعلم لا يخطئ فيستعتب إنما أمره على ما يحب وإن كان نبيا فستجد أمره كله صالحا وخبره كله صادقا وستجده متواضعا في نفسه متذللا لربه فذل له فلا تحدثن أمرا دوني فإن الرسول إذا أحدث الأمر من عنده خرج من يدي الذي أرسله واحفظ ما يقول لك إذا ردك إلي فإنك لو توهمت أو نسيت جشمتني رسولا غيرك. وكتب معه باسمك اللهم من العبد إلى العبد أما بعد فأبلغنا ما بلغك فقد أتانا عنك خبر لا ندري ما أصله فإن كنت أريت فأرنا وإن كنت علمت فعلمنا وأشركنا في كنزك والسلام.

 فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما ذكروا من محمد رسول الله إلى أكثم بن صيفي أحمد الله إليك إن الله تعالى أمرني أن أقول لا إله إلا الله وآمر الناس بقولها والخلق خلق الله عز وجل والأمر كله لله خلقهم وإماتتهم وهو ينشرهم وإليه المصير أدبتكم بآداب المرسلين ولتسألن عن النبأ العظيم ولتعلمن نبأه بعد حين فلما جاءه كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لابنه يا بني ما ذا رأيت قال رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها فجمع أكثم بن صيفي إليه بني تميم ثم قال يا بني تميم لا تحضروني سفيها فإن من يسمع يخل ولكل إنسان رأي في نفسه وإن السفيه واهن الرأي وإن كان قوى البدن ولا خير فيمن لا عقل له. يا بني تميم كبرت سني ودخلتني ذلة الكبر فإذا رأيتم مني حسنا فأتوه وإذا أنكرتم مني شيئا فقوموني بالحق أستقم له إن ابني قد جاءني وقد شافه هذا الرجل فرآه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأخذ بمحاسن الأخلاق وينهى عن ملائمها ويدعو إلى أن يعبد الله وحده وتخلع الأوثان ويترك الحلف بالنيران ويذكر أنه رسول الله وأن قبله رسلا لهم كتب وقد علمت رسولا قبله كان يأمر بعبادة الله عز وجل وحده إن أحق الناس بمعاونة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومساعدته على أمره أنتم فإن يكن الذي يدعو إليه حقا فهو لكم وأن يك باطلا كنتم أحق من كف عنه وستر عليه. وقد كان أسقف نجران يحدث بصفته ولقد كان سفيان بن مجاشع قبله يحدث به وسمى ابنه محمدا وقد علم ذوو الرأي منكم أن الفضل فيما يدعو إليه ويأمر به فكونوا في أمره أولا ولا تكونوا أخيرا اتبعوه تشرفوا وتكونوا سنام العرب وائتوه طائعين من قبل أن تأتوه كارهين فإني أرى أمرا ما هو بالهوينا لا يترك مصعدا إلا صعده ولا منصوبا إلا بلغه إن هذا الذي يدعو إليه لو لم يكن دينا لكان في الأخلاق حسنا أطيعوني واتبعوا أمري أسأل لكم ما لا ينزع منكم أبدا إنكم أصبحتم أكثر العرب عددا وأوسعهم بلدا وإني لأرى أمرا لا يتبعه ذليل إلا عز ولا يتركه عزيز إلا ذل اتبعوه مع عزكم تزدادوا عزا ولا يكن أحد مثلكم إن الأول لم يدع للآخر شيئا وإن هذا أمر لما هو بعده من سبق إليه فهو الباقي واقتدى به الثاني فأصرموا أمركم فإن الصريمة قوة والاحتياط عجز. فقال مالك بن نويرة خرف شيخكم فقال أكثم ويل للشجي من الخلي أراكم سكوتا وإن آفة الموعظة الإعراض عنها. ويلك يا مالك إنك هالك إن الحق إذا قام وقع القائم معه وجعل الصرعى قياما فإياك أن تكون منهم أما إذا سبقتموني بأمركم فقربوا بعيري أركبه فدعا براحلته فركبها فتبعوه بنوه وبنو أخيه فقال لهفي على أمر لن أدركه ولم يسبقني. وكتبت طي ء إلى أكثم فكانوا أخواله وقال آخرون كتبت بنو مرة وهم أخواله أن أحدث إلينا ما نعيش به فكتب. أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم فإنها تثبت أصلها وتنبت فرعها وأنهاكم عن معصية الله وقطيعة الرحم فإنها لا يثبت لها أصل ولا ينبت لها فرع وإياكم ونكاح الحمقاء فإن مباضعتها قذر وولدها ضياع وعليكم بالإبل فأكرموها فإنها حصون العرب ولا تضعوا رقابها إلا في حقها فإن فيها مهر الكريمة ورقوء الدم وبألبانها يتحف الكبير ويغذى الصغير ولو كلفت الإبل الطحن لطحنت ولن يهلك امرؤ عرف قدره والعدم عدم العقل والمرء الصالح لا يعدم من المال ورب رجل خير من مائة ورب فئة أحب إلي من قبيلتين ومن عتب على الزمان طالت معتبته ومن رضي بالقسم طابت معيشته آفة الرأي الهوى والعادة أملك بالأدب والحاجة مع المحبة خير من الغنى مع البغضة والدنيا دول فما كان لك منها أتاك على ضعفك وإن قصرت في طلبه وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك وسوء حمل الفاقة تضع الشرف والحسد داء ليس له دواء والشماتة تعقب ومن بر يوما بر به واللومة مع السفاهة ودعامة العقل الحلم وجماع الأمر الصبر وخير الأمور مغبة العفو وأبقى المودة حسن التعاهد ومن يزر غبا يزدد حبا. وصية أكثم بن صيفي عند موته جمع أكثم بنيه عند موته فقال يا بني إنه قد أتى على دهر طويل وأنا مزودكم من نفسي قبل الممات أوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم وعليكم بالبر فإنه ينمي عليه العدد ولا يبيد عليه أصل ولا يهتصر فرع فأنهاكم عن معصية الله وقطيعة الرحم فإنه لا يثبت عليها أصل ولا ينبت عليها فرع كفوا ألسنتكم فإن مقتل الرجل بين فكيه إن قول الحق لم يدع لي صديقا انظروا أعناق الإبل ولا تضعوها إلا في حقها فإن فيها مهر الكريمة ورقوء الدم وإياكم ونكاح الحمقاء فإن نكاحها قذر وولدها ضياع الاقتصاد في السفر أبقى للجمام من لم يأس على ما فاته ودع بدنه من قنع بما هو فيه قرت عينه التقدم قبل التندم أن أصبح عند رأس الأمر أحب إلي من أن أصبح عند ذنبه لم يهلك امرؤ عرف قدره العجز عند البلاء آفة التجمل لم يهلك من مالك ما وعظك ويل لعالم أمن من جهله الوحشة ذهاب الأعلام يتشابه الأمر إذا أقبل فإذا أدبر عرفه الكيس والأحمق البطر عند الرخاء حمق وفي طلب المعالي يكون العز ولا تغضبوا من اليسير فإنه يجني الكثير لا تجيبوا فيما لم تسألوا عنه ولا تضحكوا مما لا يضحك منه تباروا في الدنيا ولا تباغضوا الحسد في القرب فإنه من يجتمع يتقعقع عمده يتقرب بعضكم من بعض في المودة لا تتكلوا على القرابة فتقاطعوا فإن القريب من قرب نفسه وعليكم بالمال فأصلحوه فإنه لا يصلح الأموال إلا بإصلاحكم ولا يتكلن أحدكم على مال أخيه يرى فيه قضاء حاجته فإنه من فعل ذلك كالقابض على الماء ومن استغنى كرم على أهله وأكرموا الخيل نعم لهو الحرة المغزل وحيلة من لا حيلة له الصبر وعاش قردة بن ثعلبة بن نفاثة السلولي مائة وثلاثين سنة في الجاهلية ثم أدرك الإسلام فأسلم. وعاش مصاد بن جناب بن مرارة من بني عمرو بن يربوع بن حنظلة بن زيد بن مناة أربعين ومائة سنة. وعاش قس بن ساعدة الأيادي ستمائة سنة وهو الذي يقول هل الغيث معطي الأمن عند نزوله بحال مسي ء في الأمور ومحسن و ما قد تولى وهو قد فات ذاهبا فهل ينفعني ليتني ولو أنني وكذلك يقول لبيد وأخلف قسا ليتني ولو أنني واعيا على لقمان حكم التدبر وعاش الحارث بن كعب المذحجي ستين ومائة سنة قال مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه هذه الأخبار التي ذكرتها في المعمرين قد رواها مخالفونا أيضا من طريق محمد بن السائب الكلبي ومحمد بن إسحاق بن بشار وعوانة بن الحكم وعيسى بن زيد بن آب والهيثم بن عدي الطائي.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال كلما كان في الأمم السالفة يكون في هذه الأمة مثله حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة وقد صح هذا التعمير فيمن تقدم وصحت الغيبات الواقعة بحجج الله عليه السلام فيما مضى من القرون. فكيف السبيل إلى إنكار القائم عليه السلام لغيبته وطول عمره مع الأخبار الواردة فيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن الائمة عليهم السلام وهي التي قد ذكرناها في هذا الكتاب بأسانيدها.

 حدثنا علي بن أحمد الدقاق رضي الله عنه قال حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي عن موسى بن عمران النخعي عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي عن غياث بن إبراهيم عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلما كان في الأمم السالفة فإنه يكون في هذه الأمة مثله حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة.

حدثنا أحمد بن الحسن القطان قال حدثنا الحسن بن علي السكري قال حدثنا محمد بن زكريا عن جعفر بن محمد بن عمارة عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والذي بعثني بالحق نبيا وبشيرا لتركبن أمتي سنن من كان قبلها حذو النعل بالنعل حتى لو أن حية من بني إسرائيل دخلت في جحر لدخلت في هذه الأمة حية مثلها  حدثنا الشريف أبو الحسن علي بن موسى بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن عبيد الله رضي الله عنه قال حدثنا أبو علي الحسن بن ركام قال حدثنا أحمد بن محمد النوفلي قال حدثني أحمد بن هلال عن عثمان بن عيسى الكلابي عن خالد بن نجيح عن حمزة بن حمران عن أبيه عن سعيد بن جبير قال سمعت سيد العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام يقول في القائم منا سنن من الانبياء عليهم السلام سنة من نوح وسنة من إبراهيم وسنة من موسى وسنة من عيسى وسنة من أيوب وسنة من محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأما من نوح عليه السلام فطول العمر وأما من إبراهيم فخفاء الولادة واعتزال الناس وأما من موسى فالخوف والغيبة وأما من عيسى فاختلاف الناس فيه وأما من أيوب عليه السلام فالفرج بعد البلوى وأما من محمد صلى الله عليه وآله وسلم فالخروج بالسيف فمتى صح التعمير لمن تقدم عصرنا وصح الخبر بأن السنة بذلك جارية في القائم عليه السلام الثاني عشر من الائمة عليهم السلام لم يجز إلا أن يعتقد أنه لو بقي في غيبته ما بقي لم يكن القائم غيره وأنه لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملأها قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن الائمة عليهم السلام بعده. ولا يحصل لنا الإسلام إلا بالتسليم لهم فيما يرد ويصح عنهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وما في الأزمنة المتقدمة من أهل الدين والزهد والورع إلا مغيبين لأشخاصهم مستترين لأمرهم يظهرون عند الإمكان والأمن ويغيبون عند العجز والخوف وهذا سبيل الدنيا من ابتدائها إلى وقتنا هذا فكيف صار أمر القائم عليه السلام في غيبته من دون جميع الأمور منكرا إلا لما في نفوس الجاحدين من الكفر والضلال وعداوة الدين وأهله وبغض النبي والأئمة بعده ع. حدثنا أحمد بن الحسن القطان قال حدثنا الحسن بن علي السكري قال حدثنا محمد بن زكريا قال فقد بلغني أن ملكا من ملوك الهند كان كثير الجند واسع المملكة مهيبا في أنفس الناس مظفرا على الأعداء وكان مع ذلك عظيم النهمة في شهوات الدنيا ولذاتها وملاهيها مؤثرا لهواه مطيعا له وكان أحب الناس إليه وأنصحهم له في نفسه من زين له حاله وحسن رأيه وأبغض الناس إليه وأغشهم له في نفسه من أمره بغيرها وترك أمره فيها وكان قد أصاب الملك فيها في حداثة سنه وعنفوان شبابه وكان له رأي أصيل ولسان بليغ ومعرفة بتدبير الناس وضبطهم فعرف الناس ذلك منه فانقادوا له وخضع له كل صعب وذلول واجتمع له سكر الشباب وسكر السلطان والشهوة والعجب ثم قوى ذلك ما أصاب من الظفر على من ناصبه والقهر لأهل مملكته وانقياد الناس له فاستطال على الناس واحتقرهم ثم ازداد عجبا برأيه ونفسه لما مدحه الناس وزينوا أمره عنده فكان لا همة له إلا الدنيا وكانت الدنيا له مؤاتية لا يريد منها شيئا إلا ناله غير أنه كان مئناثا لا يولد له ذكر وقد كان الدين فشا في أرضه قبل ملكه وكثر أهله فزين له الشيطان عداوة الدين وأهله وأضر بأهل الدين فأقصاهم مخافة على ملكه وقرب أهل الأوثان وصنع لهم أصناما من ذهب وفضة وفضلهم وشرفهم وسجد لأصنامهم. فلما رأى الناس ذلك منه سارعوا إلى عبادة الأوثان والاستخفاف بأهل الدين ثم إن الملك سأل يوما عن رجل من أهل بلاده كانت له منه منزلة حسنة ومكانة رفيعة وكان أراد ليستعين به على بعض أموره ويحبه ويكرمه فقيل له أيها الملك إنه قد خلع الدنيا وخلا منها ولحق بالنساك فثقل ذلك على الملك وشق عليه ثم إنه أرسل إليه فأتي به فلما نظر إليه في زي النساك وتخشعهم زبره وشتمه وقال له بينا أنت من عبيدي وعيون أهل مملكتي ووجههم وأشرافهم إذ فضحت نفسك وضيعت أهلك ومالك واتبعت أهل البطالة والخسارة حتى صرت ضحكة ومثلا وقد كنت أعددتك لمهم أموري والاستعانة بك على ما ينوبني فقال له أيها الملك إنه إن لم يكن لي عليك حق فلعقلك عليك حق فاستمع قولي بغير غضب ثم أمر بما بدا لك بعد الفهم والتثبيت فأن الغضب عدو العقل ولذلك يحول بين صاحبه وبين الفهم قال له الملك قل ما بدا لك. قال الناسك فإني أسألك أيها الملك أ في ذنبي على نفسي عتبت علي أم في ذنب مني إليك سالف. قال الملك إن ذنبك إلى نفسك أعظم الذنوب عندي وليس كلما أراد رجل من رعيتي أن يهلك نفسه أخلي بينه وبين ذلك ولكني أعد إهلاكه نفسه كإهلاكه لغيره ممن أنا وليه والحاكم عليه وله فأنا أحكم عليك لنفسك وآخذ لها منك إذ ضيعت أنت ذلك فقال له الناسك أراك أيها الملك لا تأخذني إلا بحجة ولا نفاذ لحجة إلا عند قاض وليس عليك من الناس قاض لكن عندك قضاة وأنت لأحكامهم منفذ وأنا ببعضهم راض ومن بعضهم مشفق. قال الملك وما أولئك القضاة قال أما الذي أرضى قضاءه فعقلك وأما الذي أنا مشفق منه فهواك قال الملك قل ما بدا لك وأصدقني خبرك ومتى كان هذا رأيك ومن أغواك قال أما خبري فإني كنت سمعت كلمة في حداثة سني وقعت في قلبي فصارت كالحبة المزروعة ثم لم تزل تنمي حتى صارت شجرة إلى ما ترى وذلك أني كنت قد سمعت قائلا يقول يحسب الجاهل الأمر الذي هو لا شي ء شيئا والأمر الذي هو الشي ء لا شي ء ومن لم يرفض الأمر الذي هو لا شي ء لم ينل الأمر الذي هو الشي ء ومن لم يبصر الأمر الذي هو الشي ء لم تطب نفسه برفض الأمر الذي هو لا شي ء والشي ء هو الآخرة واللاشي ء هو الدنيا فكان لهذه الكلمة عندي قرار لأني وجدت الدنيا حياتها موتا وغناها فقرا وفرحها ترحا وصحتها سقما وقوتها ضعفا وعزها ذلا وكيف لا تكون حياتها موتا وإنما يحيا فيها صاحبها ليموت وهو من الموت على يقين ومن الحياة على قلعة وكيف لا يكون غناؤها فقرا وليس يصيب أحد منها شيئا إلا احتاج لذلك الشي ء إلى شي ء آخر يصلحه وإلى أشياء لا بد له منها ومثل ذلك أن الرجل ربما يحتاج إلى دابة فإذا أصابها احتاج إلى علفها وقيمها ومربطها وأدواتها ثم احتاج لكل شي ء من ذلك إلى شي ء آخر يصلحه وإلى أشياء لا بد له منها فمتى تنقضي حاجة من هو كذلك وفاقته وكيف لا يكون فرحها ترحا وهي مرصدة لكل من أصاب منها قرة عين أن يرى من ذلك الأمر بعينه أضعافه من الحزن إن رأى سرورا في ولده فما ينتظر من الأحزان في موته وسقمه وجائحة إن أصابته أعظم من سروره به وإن رأى السرور في مال فما يتخوف من التلف أن يدخل عليه أعظم من سروره بالمال فإذا كان الأمر كذلك فأحق الناس بأن لا يتلبس بشي ء منها لمن عرف هذا منها وكيف لا يكون صحتها سقما وإنما صحتها من أخلاطها وأصح أخلاطها وأقربها من الحياة الدم وأظهر ما يكون الإنسان دما أخلق ما يكون صاحبه بموت الفجأة والذبحة والطاعون والآكلة والبرسام وكيف لا يكون قوتها ضعفا وإنما تجمع القوى فيها ما يضره ويوبقه وكيف لا يكون عزها ذلا ولم ير فيها عز قط إلا أورث أهله ذلا طويلا غير أن أيام العز قصيرة وأيام الذل طويلة فأحق الناس بذم الدنيا لمن بسطت له الدنيا فأصاب حاجته منها فهو يتوقع كل يوم وليلة وساعة وطرفة عين أن يعدى على ماله فيجتاح وعلى حميمه فيختطف وعلى جمعه فينهب وأن يؤتى بنيانه من القواعد فيهدم وأن يدب الموت إلى حشده فيستأصل ويفجع بكل ما هو به ضنين. فأذم إليك أيها الملك الدنيا الآخذة ما تعطي والمورثة بعد ذلك التبعة السلابة لمن تكسو والمورثة بعد ذلك العري المواضعة لمن ترفع والمورثة بعد ذلك الجزع التاركة لمن يعشقها والمورثة بعد ذلك الشقوة المغوية لمن أطاعها واغتر بها الغدارة بمن ائتمنها وركن إليها هي المركب القموص والصاحب الخئون والطريق الزلق والمهبط المهوي هي المكرمة التي لا تكرم أحدا إلا أهانته المحبوبة التي لا تحب أحدا الملزومة التي لا تلزم أحدا يوفى لها وتغدر ويصدق لها وتكذب وينجز لها وتخلف هي المعوجة لمن استقام بها المتلاعبة بمن استمكنت منه بينا هي تطعمه إذ حولته مأكولا وبينا هي تخدمه إذ جعلته خادما وبينا هي تضحكه إذ ضحكت منه وبينا هي تشمته إذ شمتت منه وبينا هي تبكيه إذ بكت عليه وبينا هي قد بسطت يده بالعطية إذ بسطتها بالمسألة وبينا هو فيها عزيز إذ أذلته وبينا هو فيها مكرم إذ أهانته وبينا هو فيها معظم إذ صار محقورا وبينا هو رفيع إذ وضعته وبينا هي له مطيعة إذ عصته وبينا هو فيها مسرور إذ أحزنته وبينا هو فيها شبعان إذ أجاعته وبينا هو فيها حي إذ أماتته. فأف لها من دار إذ كان هذا فعالها وهذه صفتها تضع التاج على رأسه غدوة وتعفر خده بالتراب عشية وتحلي الأيدي بأسورة الذهب عشية وتجعلها في الأغلال غدوة وتقعد الرجل على السرير غدوة وترمي به في السجن عشية تفرش له الديباج عشية وتفرش له التراب غدوة وتجمع له الملاهي والمعازف غدوة وتجمع عليه النوائح والنوادب عشية تحبب إلى أهله قربه عشية وتحبب إليهم بعده غدوة تطيب ريحه غدوة وتنتن ريحه عشية فهو متوقع لسطواتها غير ناج من فتنتها وبلائها تمتع نفسه من أحاديثها وعينه من أعاجيبها ويده مملوءة من جمعها ثم تصبح الكف صفرا والعين هامدة ذهب ما ذهب وهوى ما هوى وباد ما باد وهلك ما هلك تجد في كل من كل خلفا وترضى بكل من كل بدلا تسكن دار كل قرن قرنا وتطعم سؤر كل قوم قوما تقعد الأراذل مكان الأفاضل والعجزة مكان الحزمة تنقل أقواما من الجدب إلى الخصب ومن الرجلة إلى المركب ومن البؤس إلى النعمة ومن الشدة إلى الرخاء ومن الشقاء إلى الخفض والدعة حتى إذا غمستهم في ذلك انقلبت بهم فسلبتهم الخصب ونزعت منهم القوة فعادوا إلى أبأس البؤس وأفقر الفقر وأجدب الجدب. فأما قولك أيها الملك في إضاعة الأهل وتركهم فإني لم أضيعهم ولم أتركهم بل وصلتهم وانقطعت إليهم ولكني كنت وأنا أنظر بعين مسحورة لا أعرف بها الأهل من الغرباء ولا الأعداء من الأولياء فلما انجلى عني السحر استبدلت بالعين المسحورة عينا صحيحة واستبنت الأعداء من الأولياء والأقرباء من الغرباء فإذا الذين كنت أعدهم أهلين وأصدقاء إخوانا وخلطاء إنما هم سباع ضارية لا همة لهم إلا أن تأكلني وتأكل بي غير أن اختلاف منازلهم في ذلك على قدر القوة فمنهم كالأسد في شدة السورة ومنهم كالذئب في الغارة والنهبة ومنهم كالكلب في الهرير والبصبصة ومنهم كالثعلب في الحيلة والسرقة فالطرق واحدة والقلوب مختلفة. فلو أنك أيها الملك في عظيم ما أنت فيه من ملكك وكثرة من تبعك من أهلك وجنودك وحاشيتك وأهل طاعتك نظرت في أمرك عرفت أنك فريد وحيد ليس معك أحد من جميع أهل الأرض وذلك أنك قد عرفت أن عامة الأمم عدو لك وأن هذه الأمة التي أوتيت الملك عليها كثيرة الحسد من أهل العداوة والغش لك الذين هم أشد عداوة لك من السباع الضارية وأشد حنقا عليك من كل الأمم الغريبة وإذا صرت إلى أهل طاعتك ومعونتك وقرابتك وجدت لهم قوما يعملون عملا بأجر معلوم يحرصون مع ذلك أن ينقصوك من العمل فيزدادوك من الأجر وإذا صرت إلى أهل خاصتك وقرابتك صرت إلى قوم جعلت كدك وكدحك ومهنأك وكسبك لهم فأنت تؤدي إليهم كل يوم الضريبة وليس كلهم وإن وزعت بينهم جميع كدك عنك براض فإن أنت حبست عنهم ذلك فليس منهم البتة راض أ فلا ترى أنك أيها الملك وحيد لا أهل لك ولا مال. فأما أنا فإن لي أهلا ومالا وإخوانا وأخوات وأولياء لا يأكلوني ولا يأكلون بي يحبوني وأحبهم فلا يفقد الحب بيننا ينصحوني وأنصحهم فلا غش بيننا ويصدقوني وأصدقهم فلا تكاذب بيننا ويوالوني وأواليهم فلا عداوة بيننا ينصروني وأنصرهم فلا تخاذل بيننا يطلبون الخير الذي إن طلبته معهم لم يخافوا أن أغلبهم عليه أو أستأثر به دونهم فلا فساد بيننا ولا تحاسد يعملون لي وأعمل لهم بأجور لا تنفد ولا يزال العمل قائما بيننا هم هداتي إن ظللت ونور بصري إن عميت وحصني إن أتيت ومجني إن رميت وأعواني إذا فزعت وقد تنزهنا عن البيوت والمخاني فلا نريدها وتركنا الذخائر والمكاسب لأهل الدنيا فلا تكاثر بيننا ولا تباغي ولا تباغض ولا تفاسد ولا تحاسد ولا تقاطع فهؤلاء أهلي أيها الملك وإخواني وأقربائي وأحبائي أحببتهم وانقطعت إليهم وتركت الذين كنت أنظر إليهم بالعين المسحورة لما عرفتهم والتمست السلامة منهم. فهذه الدنيا أيها الملك التي أخبرتك أنها لا شي ء فهذا نسبها وحسبها ومصيرها إلى ما قد سمعت وقد رفضتها لما عرفتها وأبصرت الأمر الذي هو الشي ء فإن كنت تحب أيها الملك أن أصف لك ما أعرف عن أمر الآخرة التي هي الشي ء فاستعد إلى السماع تسمع غير ما كنت تسمع به الأشياء.

فلم يزد الملك عليه إلا أن قال له كذبت لم تصب شيئا ولم تظفر إلا بالشقاء والعناء فاخرج ولا تقيمن في شي ء من مملكتي فإنك فاسد مفسد. وولد للملك في تلك الأيام بعد إياسه من الذكور غلام لم ير الناس مولودا مثله قط حسنا وجمالا وضياء فبلغ السرور من الملك مبلغا عظيما كاد أن يشرف منه على هلاك نفسه من الفرح وزعم أن الأوثان التي كان يعبدها هي التي وهبت له الغلام فقسم عامة ما كان في بيوت أمواله على بيوت أوثانه وأمر الناس بالأكل والشرب سنة وسمى الغلام يوذاسف وجمع العلماء والمنجمين لتقويم ميلاده فرفع المنجمون إليه أنهم يجدون الغلام يبلغ من الشرف والمنزلة ما لا يبلغه أحد قط في أرض الهند واتفقوا على ذلك جميعا غير أن رجلا قال ما أظن الشرف والمنزلة والفضل الذي وجدناه يبلغه هذا الغلام إلا شرف الآخرة ولا أحسبه إلا أن يكون إماما في الدين والنسك وذا فضيلة في درجات الآخرة لأني أرى الشرف الذي تبلغه ليس يشبه شيئا من شرف الدنيا وهو شبيه بشرف الآخرة فوقع ذلك القول من الملك موقعا كاد أن ينغصه سروره بالغلام وكان المنجم الذي أخبره بذلك من أوثق المنجمين في نفسه وأعلمهم وأصدقهم عنده وأمر الملك للغلام بمدينة فأخلاها وتخير له من الظئورة والخدم كل ثقة وتقدم إليهم أن لا يذكر فيما بينهم موت ولا آخرة ولا حزن ولا مرض ولا فناء حتى تعتاد ذلك ألسنتهم وتنساه قلوبهم وأمرهم إذا بلغ الغلام أن لا ينطقوا عنده بذكر شي ء مما يتخوفونه عليه خشية أن يقع في قلبه منه شي ء فيكون ذلك داعية إلى اهتمامه بالدين والنسك وأن يتحفظوا ويتحرزوا من ذلك ويتفقد بعضهم من بعض. وازداد الملك عند ذلك حنقا على النساك مخافة على ابنه. وكان لذلك الملك وزير قد كفل أمره وحمل عنه مئونة سلطانه وكان لا يخونه ولا يكذبه ولا يكتمه ولا يؤثر عليه ولا يتوانى في شي ء من عمله ولا يضيعه وكان الوزير مع ذلك رجلا لطيفا طلقا معروفا بالخير يحبه الناس ويرضون به إلا أن أحباء الملك وأقرباءه كانوا يحسدونه ويبغون عليه ويستقلون بمكانه. ثم إن الملك خرج ذات يوم إلى الصيد ومعه ذلك الوزير فأتى به في شعب من الشعاب على رجل قد أصابته زمانة شديدة في رجليه ملقى في أصل شجرة لا يستطيع براحا فسأله الوزير عن شأنه فأخبره أن السباع أصابته فرق له الوزير فقال له الرجل ضمني إليك واحملني إلى منزلك فإنك تجد عندي منفعة فقال الوزير إني لفاعل وإن لم أجد عندك منفعة ولكن يا هذا ما المنفعة التي تعدنيها هل تعمل عملا أو تحسن شيئا فقال الرجل نعم أنا أرتق الكلام فقال وكيف ترتق الكلام قال إذا كان فيه فتق أرتقه حتى لا يجي ء من قبله فساد فلم ير الوزير قوله شيئا وأمر بحمله إلى منزله وأمر له بما يصلحه حتى إذ كان بعد ذلك احتال أحباء الملك للوزير وضربوا له الأمور ظهرا وبطنا فأجمع رأيهم على أن دسوا رجلا منهم إلى الملك فقال له أيها الملك إن هذا الوزير يطمع في ملكك أن يغلب عليه من بعدك فهو يصانع الناس على ذلك ويعمل عليه دائبا فإن أردت أن تعلم صدق ذلك فأخبره أنه قد بدا لك أن ترفض الملك وتلحق بالنساك فإنك سترى من فرحه بذلك ما تعرف به أمره وكان القوم قد عرفوا من الوزير رقة عند ذكر فناء الدنيا والموت ولينا للنساك وحبا لهم فعملوا فيه من الوجه الذي ظنوا أنهم يظفرون بحاجتهم منه فقال الملك لئن أنا هجمت منه على هذا لم أسأل عما سواه فلما أن دخل عليه الوزير قال له الملك إنك قد عرفت حرصي على الدنيا وطلب الملك وإني قد ذكرت ما مضى من ذلك فلم أجد معي منه طائلا وقد عرفت أن الذي بقي منه كالذي مضى فإنه يوشك أن ينقضي ذلك كله بأجمعه فلا يصير في يدي منه شي ء وأنا أريد أن أعمل في حال الآخرة عملا قويا على قدر ما كان من عملي في الدنيا وقد بدا لي أن ألحق بالنساك وأخلي هذا العمل لأهله فما رأيك قال فرق الوزير لذلك رقة شديدة حتى عرف الملك ذلك منه ثم قال أيها الملك إن الباقي وإن كان عزيزا لأهل أن يطلب وإن الفاني وإن استمكنت منه لأهل أن يرفض ونعم الرأي رأيت وإني لأرجو أن يجمع الله لك مع الدنيا شرف الآخرة قال فكبر ذلك على الملك ووقع منه كل موقع ولم يبدله شيئا غير أن الوزير عرف الثقل في وجهه فانصرف إلى أهله كئيبا حزينا لا يدري من أين أتي ولا من دهاه ولا يدري ما دواء الملك فيما استنكر عليه فسهر لذلك عامة الليل ثم ذكر الرجل الذي زعم أنه يرتق الكلام فأرسل إليه فأتي به فقال له إنك كنت ذكرت لي ذكرا من رتق الكلام فقال الرجل أجل فهل احتجت إلى شي ء من ذلك فقال الوزير نعم أخبرك أني صحبت هذا الملك قبل ملكه ومنذ صار ملكا فلم أستنكره فيما بيني وبينه قط لما يعرفه من نصيحتي وشفقتي وإيثاري إياه على نفسي وعلى جميع الناس حتى إذا كان هذا اليوم استنكرته استنكارا شديدا لا أظن لي خيرا عنده بعده فقال له الراتق هل لذلك سبب أو علة قال الوزير نعم دعاني أمس وقال لي كذا وكذا فقلت له كذا وكذا فقال من هاهنا جاء الفتق وأنا أرتقه إن شاء الله اعلم أن الملك قد ظن أنك تحب أن يتخلى هو عن ملكه وتخلفه أنت فيه فإذا كان عند الصبح فاطرح عنك ثيابك وحليتك والبس أوضع ما تجده من ذي النساك وأشهره ثم احلق رأسك وامض على وجهك إلى باب الملك فإن الملك سيدعو بك ويسألك عن الذي صنعت فقل له هذا الذي دعوتني إليه ولا ينبغي لأحد أن يشير على صاحبه بشي ء إلا واساه فيه وصبر عليه وما أظن الذي دعوتني إليه إلا خيرا مما نحن فيه فقم إذا بدا لك ففعل الوزير ذلك فتخلى عن نفس الملك ما كان فيها عليه. ثم أمر الملك بنفي النساك من جميع بلاده وتوعدهم بالقتل فجدوا في الهرب والاستخفاء ثم إن الملك خرج ذات يوم متصيدا فوقع بصره على شخصين من بعيد فأرسل إليهما فأتي بهما فإذا هما ناسكان فقال لهما ما بالكما لن تخرجا من بلادي قالا قد أتتنا رسلك ونحن على سبيل الخروج قال ولم خرجتما راجلين قالا لأنا قوم ضعفاء ليس لنا دواب ولا زاد ولا نستطيع الخروج إلا التقصير قال الملك إن من خاف الموت أسرع بغير دابة ولا زاد فقالا له إنا لا نخاف الموت بل لا ننظر قرة عين في شي ء من الأشياء إلا فيه. قال الملك وكيف لا تخافان الموت وقد زعمتما أن رسلنا لما أتتكم وأنتم على سبيل الخروج أ فليس هذا هو الهرب من الموت قالا إن الهرب من الموت ليس من الفرق فلا تظن أنا فرقناك ولكنا هربنا من أن نعينك على أنفسنا فأسف الملك وأمر بهما أن يحرقا بالنار وأذن في أهل مملكته بأخذ النساك وتحريقهم بالنار فتجرد رؤساء عبدة الأوثان في طلبهم وأخذوا منهم بشرا كثيرا وأحرقوهم بالنار فمن ثم صار التحريق سنة باقية في أرض الهند وبقي في جميع تلك الأرض قوم قليل من النساك كرهوا الخروج من البلاد واختاروا الغيبة والاستخفاء ليكونوا دعاة وهداة لمن وصلوا إلى كلامهم. فنبت ابن الملك أحسن نبات في جسمه وعقله وعلمه ورأيه ولكنه لم يؤخذ بشي ء من الآداب إلا بما يحتاج إليه الملوك مما ليس فيه ذكر موت ولا زوال ولا فناء وأوتي الغلام من العلم والحفظ شيئا كان عند الناس من العجائب وكان أبوه لا يدري أ يفرح بما أوتي ابنه من ذلك أو يحزن له لما يتخوف عليه أن يدعوه ذلك إلى ما قيل فيه.


فلما فطن الغلام بحصرهم إياه في المدينة ومنعهم إياه من الخروج والنظر والاستماع وتحفظهم عليه ارتاب لذلك وسكت عنه وقال في نفسه هؤلاء أعلم بما يصلحني مني حتى إذا ازداد بالسن والتجربة علما قال ما أرى لهؤلاء علي فضلا وما أنا بحقيق أن أقلدهم أمري فأراد أن يكلم أباه إذا دخل عليه ويسأله عن سبب حصره إياه ثم قال ما هذا الأمر إلا من قبله وما كان ليطلعني عليه ولكني حقيق أن ألتمس علم ذلك من حيث أرجو إدراكه وكان في خدمه رجل كان ألطفهم به وأرأفهم به وكان الغلام إليه مستأنسا فطمع الغلام في إصابة الخبر من قبل ذلك الرجل فازداد له ملاطفة وبه استيناسا ثم إن الغلام واضعه الكلام في بعض الليل باللين وأخبره أنه بمنزلة والده وأولى الناس به ثم أخذه بالترغيب والترهيب وقال له إني لأظن هذا الملك صائر لي بعد والدي وأنت فيه صائر أحد رجلين إما أعظم الناس منه منزلة وإما أسوأ الناس حالا قال له الحاضن وبأي شي ء أتخوف في ملكك سوء الحال قال بأن تكتمني اليوم أمرا أفهمه غدا من غيرك فأنتقم منك بأشد ما أقدر عليك فعرف الحاضن منه الصدق وطمع منه في الوفاء فأفشى إليه خبره والذي قال المنجمون لأبيه والذي حذر أبوه من ذلك فشكر له الغلام ذلك وأطبق عليه حتى إذا دخل عليه أبوه. قال يا أبة إني وإن كنت صبيا فقد رأيت في نفسي واختلاف حالي أذكر من ذلك ما أذكر وأعرف بما لا أذكر منه ما أعرف وأنا أعرف أني لم أكن على هذا المثال وأنك لم تكن على هذه الحال ولا أنت كائن عليها إلى الأبد وسيغيرك الدهر عن حالك هذه فلئن كنت أردت أن تخفي عني أمر الزوال فما خفي علي ذلك ولئن كنت حبستني عن الخروج وحلت بيني وبين الناس لكي لا تتوق نفسي إلى غير ما أنا فيه لقد تركتني بحصرك إياي وإن نفسي لقلقة مما تحول بيني وبينه حتى ما لي هم غيره ولا أردت سواه حتى لا يطمئن قلبي إلى شي ء مما أنا فيه ولا أنتفع به ولا آلفه فخل عني وأعلمني بما تكره من ذلك وتحذره حتى أجتنبه وأوثر موافقتك ورضاك على ما سواهما. فلما سمع الملك ذلك من ابنه علم أنه قد علم ما الذي يكرهه وأنه من حبسه وحصره لا يزيده إلا إغراء وحرصا على ما يحال بينه وبينه فقال يا بني ما أردت بحصري إياك إلا أن أنحي عنك الأذى فلا ترى إلا ما يوافقك ولا تسمع إلا ما يسرك فأما إذا كان هواك في غير ذلك فإن آثر الأشياء عندي ما رضيت وهويت. ثم أمر الملك أصحابه أن يركبوه في أحسن زينة وأن ينحوا عن طريقه كل منظر قبيح وأن يعدوا له المعازف والملاهي ففعلوا ذلك فجعل بعد ركبته تلك يكثر الركوب فمر ذات يوم على طريق قد غفلوا عنه فأتى على رجلين من السؤال أحدهما قد تورم وذهب لحمه واصفر جلده وذهب ماء وجهه وسمج منظره والآخر أعمى يقوده قائد فلما رأى ذلك اقشعر منهما وسأل عنهما فقيل له إن هذا المورم من سقم باطن وهذا الأعمى من زمانة فقال ابن الملك وإن هذا البلاء ليصيب غير واحد قالوا نعم فقال هل يأمن أحد من نفسه أن يصيبه مثل هذا قالوا لا وانصرف يومئذ مهموما ثقيلا محزونا باكيا مستخفا بما هو فيه من ملكه وملك أبيه فلبث بذلك أياما. ثم ركب ركبة فأتى في مسيره على شيخ كبير قد انحنى من الكبر وتبدل خلقه وابيض شعره واسود لونه وتقلص جلده وقصر خطوه فعجب منه وسأل عنه فقالوا هذا الهرم فقال وفي كم تبلغ الرجل ما أرى قالوا في مائة سنة أو نحو ذلك وقال فما وراء ذلك قالوا الموت قال فما يخلي بين الرجل وبين ما يريد من المدة قالوا لا وليصيرن إلى هذا في قليل من الأيام فقال الشهر ثلاثون يوما والسنة اثنا عشر شهرا وانقضاء العمر مائة سنة فما أسرع اليوم في الشهر وما أسرع الشهر في السنة وما أسرع السنة في العمر فانصرف الغلام وهذا كلامه يبدؤه ويعيده مكررا له. ثم سهر ليلته كلها وكان له قلب حي ذكي وعقل لا يستطيع معه نسيانا ولا غفلة فعلاه الحزن والاهتمام فانصرف نفسه عن الدنيا وشهواتها وكان في ذلك يداري أباه ويتلطف عنده وهو مع ذلك قد أصغى بسمعه إلى كل متكلم بكلمة طمع أن يسمع شيئا يدله على غير ما هو فيه وخلا بحاضنه الذي كان أفضى إليه بسره فقال له هل تعرف من الناس أحدا شأنه غير شأننا هذا قال نعم قد كان قوم يقال لهم النساك رفضوا الدنيا وطلبوا الآخرة ولهم كلام وعلم لا يدرى ما هو غير أن الناس عادوهم وأبغضوهم وحرقوهم ونفاهم الملك عن هذه الأرض فلا يعلم اليوم ببلادنا منهم أحد فإنهم قد غيبوا أشخاصهم ينتظرون الفرج وهذه سنة في أولياء الله قديمة يتعاطونها في دول الباطل فاغتص لذلك الخبر فؤاده وطال به اهتمامه وصار كالرجل الملتمس ضالته التي لا بد له منها وذاع خبره في آفاق الأرض وشهر بتفكره وجماله وكماله وفهمه وعقله وزهادته في الدنيا وهوانها عليه فبلغ ذلك رجلا من النساك يقال له بلوهر بأرض يقال لها سرنديب كان رجلا ناسكا حكيما فركب البحر حتى أتى أرض سولابط ثم عمد إلى باب ابن الملك فلزمه وطرح عنه زي النساك ولبس زي التجار وتردد إلى باب ابن الملك حتى عرف الأهل والأحباء والداخلين إليه فلما استبان له لطف الحاضن بابن الملك وحسن منزلته منه أطاف به بلوهر حتى أصاب منه خلوة فقال له إني رجل من تجار سرنديب قدمت منذ أيام ومعي سلعة عظيمة نفيسة الثمن عظيمة القدر فأردت الثقة لنفسي فعليك وقع اختياري وسلعتي خير من الكبريت الأحمر وهي تبصر العميان وتسمع الصم وتداوي الأسقام وتقوي من الضعف وتعصم من الجنون وتنصر على العدو ولم أر بهذا أحدا هو أحق بها من هذا الفتى فإن رأيت أن تذكر له ذلك ذكرته فإن كان له فيها حاجة أدخلتني عليه فإنه لم يخف عنه فضل سلعتي لو قد نظر إليها قال الحاضن للحكيم إنك لتقول شيئا ما سمعنا به من أحد قبلك ولا أرى بك بأسا وما مثلي يذكر ما لا يدري ما هو فأعرض علي سلعتك أنظر إليها فإن رأيت شيئا ينبغي لي أن أذكره ذكرته قال له بلوهر إني رجل طبيب وإني لأرى في بصرك ضعفا فأخاف إن نظرت إلى سلعتي أن يلتمع بصرك ولكن ابن الملك صحيح البصر حدث السن ولست أخاف عليه أن ينظر إلى سلعتي فإن رأى ما يعجبه كانت له مبذولة على ما يحب وإن كان غير ذلك لم تدخل عليه مئونة ولا منقصة وهذا أمر عظيم لا يسعك أن تحرمه إياه أو تطويه دونه فانطلق الحاضن إلى ابن الملك فأخبره خبر الرجل فحس قلب ابن الملك بأنه قد وجد حاجته فقال عجل إدخال الرجل علي ليلا وليكن ذلك في سر وكتمان فإن مثل هذا لا يتهاون به. فأمر الحاضن بلوهر بالتهيؤ للدخول عليه فحمل معه سفطا فيه كتب له فقال الحاضن ما هذا السفط قال بلوهر في هذا السفط سلعتي فإذا شئت فأدخلني عليه فانطلق به حتى أدخله عليه فلما دخل عليه بلوهر سلم عليه وحياه وأحسن ابن الملك إجابته وانصرف الحاضن وقعد الحكيم عند الملك فأول ما قال له بلوهر رأيتك يا ابن الملك زدتني في التحية على ما تصنع بغلمانك وأشراف أهل بلادك قال ابن الملك ذلك لعظيم ما رجوت عندك قال بلوهر لئن فعلت ذلك بي فقد كان رجلا من الملوك في بعض الآفاق يعرف بالخير ويرجى فبينا هو يسير يوما في موكبه إذ عرض له في مسيره رجلان ماشيان لباسهما الخلقان وعليهما أثر البؤس والضر فلما نظر إليهما الملك لم يتمالك أن وقع على الأرض فحياهما وصافحهما فلما رأى ذلك وزراؤه اشتد جزعهم مما صنع الملك فأتوا أخا له وكان جريا عليه فقالوا له إن الملك أزرى بنفسه وفضح أهل مملكته وخر عن دابته لإنسانين دنيين فعاتبه على ذلك كي لا يعود ولمه على ما صنع ففعل ذلك أخ الملك فأجابه الملك بجواب لا يدري ما حاله فيه أ ساخط عليه الملك أم راض عنه فانصرف إلى منزله حتى إذا كان بعد أيام أمر الملك مناديا وكان يسمى منادي الموت فنادى في فناء داره وكانت تلك سنتهم فيمن أرادوا قتله فقامت النوائح والنوادب في دار أخ الملك ولبس ثياب الموتى وانتهى.

إلى باب الملك وهو يبكي بكاء شديدا ونتف شعره فلما بلغ ذلك الملك دعا به فلما أذن له الملك دخل عليه ووقع على الأرض ونادى بالويل والثبور ورفع يده بالتضرع فقال له الملك اقترب أيها السفيه أنت تجزع من مناد نادى على بابك بأمر مخلوق وليس بأمر خالق وأنا أخوك وقد تعلم أنه ليس لك إلي ذنب أقتلك عليه ثم أنتم تلومونني على وقوعي إلى الأرض حين نظرت إلى منادي ربي إلي وأنا أعرف منكم بذنوبي فاذهب فإني قد علمت أنه إنما استفزك وزرائي وسيعلمون خطأهم. ثم أمر الملك بأربعة توابيت فصنعت له من خشب فطلى تابوتين منها بالذهب وتابوتين بالقار فلما فرغ منها ملأ تابوتي القار ذهبا وياقوتا وزبرجدا وملأ تابوتي الذهب جيفا ودما وعذرة وشعرا ثم جمع الوزراء والأشراف الذين ظن أنهم أنكروا صنيعه بالرجلين الضعيفين الناسكين فعرض عليهم التوابيت الأربعة وأمرهم بتقويمها فقالوا أما في ظاهر الأمر وما رأينا ومبلغ علمنا فإن تابوتي الذهب لا ثمن لهما لفضلهما وتابوتي القار لا ثمن لهما لرذالتهما فقال الملك أجل هذا لعلمكم بالأشياء ومبلغ رأيكم فيها ثم أمر بتابوتي القار فنزعت عنهما صفائحهما فأضاء البيت بما فيهما من الجواهر فقال هذان مثل الرجلين الذين ازدريتم لباسهما وظاهرهما وهما مملوءان علما وحكمة وصدقا وبرا وسائر مناقب الخير الذي هو أفضل من الياقوت واللؤلؤ والجوهر والذهب ثم أمر بتابوتي الذهب فنزع عنهما أثوابهما فاقشعر القوم من سوء منظرهما وتأذوا بريحهما ونتنهما فقال الملك وهذان مثل القوم المتزينين بظاهر الكسوة واللباس وأجوافهما مملوءة جهالة وعمى وكذب وجورا وسائر أنواع الشر التي هي أفظع وأشنع وأقذر من الجيف. قال القوم للملك قد فقهنا واتعظنا أيها الملك. ثم قال بلوهر هذا مثلك يا ابن الملك فيما تلقيتني به من التحية والبشر فانتصب يوذاسف ابن الملك وكان متكئا ثم قال زدني مثلا قال الحكيم إن الزارع خرج ببذره الطيب ليبذره فلما ملأ كفيه ونثره وقع بعضه على حافة الطريق فلم يلبث أن التقطه الطير ووقع بعضه على صفاة قد أصابها ندى وطين فمكث حتى اهتز فلما صارت عروقه إلى يبس الصفاة مات ويبس ووقع بعضه بأرض ذات شوك فنبت حتى سنبل وكاد أن يثمر فغمه الشوك فأبطله وأما ما كان منه وقع في الأرض الطيبة وإن كان قليلا فإنه سلم وطاب وزكى فالزارع حامل الحكمة وأما البذر ففنون الكلام وأما ما وقع منه على حافة الطريق فالتقته الطير فما لا يجاوز السمع منه حتى يمر صفحا وأما ما وقع على الصخرة في الندى فيبس حين بلغت عروقه الصفاة فما استحلاه صاحبه حتى سمعه بفراغ قلبه وعرفه بفهمه ولم يفقه بحصافة ولا نية وأما ما نبت منه وكاد أن يثمر فغمه الشوك فأهلكه فما وعاه صاحبه حتى إذا كان عند العمل به حفته الشهوات فأهلكته وأما ما زكى وطاب وسلم منه وانتفع به فما رآه البصر ووعاه الحفظ وأنفذه العزم بقمع الشهوات وتطهير القلوب من دنسها. قال ابن الملك إني أرجو أن يكون ما تبذره أيها الحكيم ما يزكو ويسلم ويطيب فاضرب لي مثل الدنيا وغرور أهلها بها. قال بلوهر بلغنا أن رجلا حمل عليه فيل مغتلم فانطلق موليا هاربا واتبعه الفيل حتى غشيه فاضطره إلى بئر فتدلى فيها وتعلق بغصنين نابتين على شفير البئر ووقعت قدماه على رءوس حيات فلما تبين له أنه متعلق بالغصنين فإذا في أصلهما جرذان يقرضان الغصنين أحدهما أبيض والآخر أسود فلما نظر إلى تحت قدميه فإذا رءوس أربع أفاع قد طلعن من جحرهن فلما نظر إلى قعر البئر إذا بتنين فاغر فاه نحوه يريد التقامه فلما رفع رأسه إلى أعلى الغصنين إذا عليهما شي ء من عسل النحل فيطعم من ذلك العسل فألهاه ما طعم منه وما نال من لذة العسل وحلاوته عن التفكر في أمر الأفاعي اللواتي لا يدري متى يبادرنه وألهاه عن التنين الذي لا يدري كيف مصيره بعد وقوعه في لهواته. أما البئر فالدنيا مملوءة آفات وبلايا وشرورا وأما الغصنان فالعمر وأما الجرذان فالليل والنهار يسرعان في الأجل وأما الأفاعي الأربعة فالأخلاط الأربعة التي هي السموم القاتلة من المرة والبلغم والريح والدم التي لا يدري صاحبها متى تهيج به وأما التنين الفاغر فاه ليلتقمه فالموت الراصد الطالب وأما العسل الذي اغتر به المغرور فما ينال الناس من لذة الدنيا وشهواتها ونعيمها ودعتها من لذة المطعم والمشرب والشم واللمس والسمع والبصر. قال ابن الملك إن هذا المثل عجيب وإن هذا التشبيه حق فزدني مثلا للدنيا وصاحبها المغرور بها المتهاون بما ينفعه فيها. قال بلوهر زعموا أن رجلا كان له ثلاثة قرناء وكان قد آثر أحدهم على الناس جميعا ويركب الأهوال والأخطار بسببه ويغرر بنفسه له ويشغل ليله ونهاره في حاجته وكان القرين الثاني دون الأول منزلة وهو على ذلك حبيب إليه أمير عنده يكرمه ويلاطفه ويخدمه ويطيعه ويبذل له ولا يغفل عنه وكان القرين الثالث مجفوا محقورا مستثقلا ليس له من وده وماله إلا أقله حتى إذا نزل بالرجل الأمر الذي يحتاج فيه إلى قرنائه الثلاثة فأتاه زبانية الملك ليذهبوا به ففزع إلى قرينه الأول فقال له قد عرفت إيثاري إياك وبذل نفسي لك وهذا اليوم يوم حاجتي إليك فما ذا عندك قال ما أنا لك بصاحب وإن لي أصحابا يشغلوني عنك هم اليوم أولى بي منك ولكن لعلي أزودك ثوبين لتنتفع بهما. ثم فزع إلى قرينه الثاني ذي المحبة واللطف فقال له قد عرفت كرامتي إياك ولطفي بك وحرصي على مسرتك وهذا يوم حاجتي إليك فما ذا عندك فقال إن أمر نفسي يشغلني عنك وعن أمرك فاعمد لشأنك واعلم أنه قد انقطع الذي بيني وبينك وأن طريقي غير طريقك إلا أني لعلي أخطو معك خطوات يسيرة لا تنتفع بها ثم أنصرف إلى ما هو أهم إلي منك.

ثم فزع إلى قرينه الثالث الذي كان يحقره ويعصيه ولا يلتفت إليه أيام رخائه فقال له إني منك لمستح ولكن الحاجة اضطرتني إليك فما ذا لي عندك قال لك عندي المواساة والمحافظة عليك وقلة الغفلة عنك فأبشر وقر عينا فإني صاحبك الذي لا يخذلك ولا يسلمك فلا يهمنك قلة ما أسلفتني واصطنعت إلي فإني قد كنت أحفظ لك ذلك وأوفره عليك كله ثم لم أرض لك بعد ذلك حتى اتجرت لك به فربحت أرباحا كثيرة فلك اليوم عندي من ذلك أضعاف ما وضعت عندي منه فأبشر وإني أرجو أن يكون في ذلك رضا الملك عنك اليوم وفرجا مما أنت فيه فقال الرجل عند ذلك ما أدري على أي الأمرين أنا أشد حسرة عليه على ما فرطت في القرين الصالح أم على ما اجتهدت فيه من المحبة لقرين السوء. قال بلوهر فالقرين الأول هو المال والقرين الثاني هو الأهل والولد والقرين الثالث هو العمل الصالح. قال ابن الملك إن هذا هو الحق المبين فزدني مثلا للدنيا وغرورها وصاحبها المغرور بها المطمئن إليها. قال بلوهر كان أهل مدينة يأتون الرجل الغريب الجاهل بأمرهم فيملكونه عليهم سنة فلا يشك أن ملكه دائم عليهم لجهالته بهم فإذا انقضت السنة أخرجوه من مدينتهم عريانا مجردا سليبا فيقع في بلاء وشقاء لم يحدث به نفسه فصار ما مضى عليه من ملكه وبالا وخزيا ومصيبة وأذى ثم إن أهل تلك المدينة أخذوا رجلا آخر فملكوه عليهم فلما رأى الرجل غربته فيهم لم يستأنس بهم وطلب رجلا من أهل أرضه خبيرا بأمرهم حتى وجده فأفضى إليه بسر القوم وأشار إليه أن ينظر إلى الأموال التي في يديه فيخرج منها ما استطاع الأول فالأول حتى يحرزه في المكان الذي يخرجونه إليه فإذا أخرجه القوم صار إلى الكفاية والسعة بما قدم وأحرز ففعل ما قال له الرجل ولم يضيع وصيته. قال بلوهر وإني لأرجو أن تكون أنت ذلك الرجل يا ابن الملك الذي لم يستأنس بالغرباء ولم يغتر بالسلطان وأنا الرجل الذي طلبت ولك عندي الدلالة والمعرفة والمعونة. قال ابن الملك صدقت أيها الحكيم أنا ذلك الرجل وأنت طلبتي التي كنت طلبتها فصف لي أمر الآخرة تاما فأما الدنيا فلعمري لقد صدقت ولقد رأيت منها ما يدلني على فنائها ويزهدني فيها ولم يزل أمرها حقيرا عندي. قال بلوهر إن الزهادة في الدنيا يا ابن الملك مفتاح الرغبة في الآخرة ومن طلب الآخرة فأصاب بابها دخل ملكوتها وكيف لا تزهد في الدنيا يا ابن الملك وقد آتاك الله من العقل ما آتاك وقد ترى أن الدنيا كلها وإن كثرت إنما يجمعها أهلها لهذه الأجساد الفانية والجسد لا قوام له ولا امتناع به فالحر يذيبه والبرد يجمده والسموم تتخلله والماء يغرقه والشمس تحرقه والهواء يسقمه والسباع تفترسه والطير تنقره والحديد يقطعه والصدام يحطمه ثم هو معجون بطينة من ألوان الأسقام والأوجاع والأمراض فهو مرتهن بها مترقب لها وجل منها غير طامع في السلامة منها ثم هو مقارن الآفات السبع التي لا يتخلص منها ذو جسد وهي الجوع والظمأ والحر والبرد والوجع والخوف والموت. فأما ما سألت عنه من أمر الآخرة فإني أرجو أن تجد ما تحسبه بعيدا قريبا وما كنت تحسبه عسيرا يسيرا وما كنت تحسبه قليلا كثيرا. قال ابن الملك أيها الحكيم أ رأيت القوم الذين كان والدي حرقهم بالنار ونفاهم أ هم أصحابك قال بلوهر نعم قال فإنه بلغني أن الناس اجتمعوا على عداوتهم وسوء الثناء عليهم قال بلوهر نعم قد كان ذلك قال فما سبب ذلك أيها الحكيم قال بلوهر أما قولك يا ابن الملك في سوء الثناء عليهم فما عسى أن يقولوا فيمن يصدق ولا يكذب ويعلم ولا يجهل ويكف ولا يؤذي ويصلي ولا ينام ويصوم ولا يفطر ويبتلى فيصبر ويتفكر فيعتبر ويطيب نفسه عن الأموال والأهلين ولا يخافهم الناس على أموالهم وأهليهم. قال ابن الملك فكيف اتفق الناس على عداوتهم وهم فيما بينهم مختلفون قال بلوهر مثلهم في ذلك مثل كلاب اجتمعوا على جيفة تنهشها ويهار بعضها بعضا مختلفة الألوان والأجناس فبينا هي تقبل على الجيفة إذ دنا رجل منهم فترك بعضهن بعضا وأقبلن على الرجل فيهرن عليه جميعا متعاويات عليه وليس للرجل في جيفتهن حاجة ولا أراد أن ينازعهن فيها ولكنهن عرفن غربته منهن فاستوحشن منه واستأنس بعضهن ببعض وإن كن مختلفات متعاديات فيما بينهن من قبل أن يرد الرجل عليهن قال بلوهر فمثل الجيفة متاع الدنيا ومثل صنوف الكلاب ضروب الرجال الذين يقتتلون على الدنيا ويهرقون دماءهم وينفقون لها أموالهم ومثل الرجل الذي اجتمعت عليه الكلاب ولا حاجة له في جيفهن كمثل صاحب الدين الذي رفض الدنيا وخرج منها فليس ينازع فيها أهلها ولا يمنع ذلك الناس من أن يعادونه لغربته عندهم فإن عجبت فأعجب من الناس أنهم لا همة لهم إلا الدنيا وجمعها والتكاثر والتفاخر والتغالب عليها حتى إذا رأوا من قد تركها في أيديهم وتخلى عنها كانوا له أشد حنقا منهم للذي يشاحهم عليها فأي حجة يا ابن الملك أدحض من تعاون المختلفين على من لا حجة لهم عليه قال ابن الملك أعمد لحاجتي قال بلوهر إن الطبيب الرفيق إذ رأى الجسد قد أهلكته الأخلاط الفاسدة فأراد أن يقويه ويسمنه لم يغذه بالطعام الذي يكون منه اللحم والدم والقوة لأنه يعلم أنه متى أدخل الطعام على الأخلاط الفاسدة أضر بالجسد ولم ينفعه ولم يقوه ولكن يبدأ بالأدوية والحمية من الطعام فإذا أذهب من جسده الأخلاط الفاسدة أقبل عليه بما يصلحه من الطعام فحينئذ يجد طعم الطعام ويسمن ويقوى ويحمل الثقل بمشيئة الله عز وجل. وقال ابن الملك أيها الحكيم أخبرني ما ذا تصيب من الطعام والشراب قال الحكيم زعموا أن ملكا من الملوك كان عظيم الملك كثير الجند والأموال وأنه بدا له أن يغزو ملكا آخر ليزداد ملكا إلى ملكه ومالا إلى ماله فسار إليه بالجنود والعدد والعدة والنساء والأولاد والأثقال فأقبلوا نحوه فظهروا عليه واستباحوا عسكره فهرب وساق امرأته وأولاده صغارا فألجأه الطلب عند المساء إلى أجمة على شاطئ النهر فدخلها مع أهله وولده وسيب دوابه مخافة أن تدل عليه بصهيلها فباتوا في الأجمة وهم يسمعون وقع حوافر الخيل من كل جانب فأصبح الرجل لا يطيق براحا وأما النهر فلا يستطيع عبوره وأما الفضاء فلا يستطيع الخروج إليه لمكان العدو فهم في مكان ضيق قد آذاهم البرد وأهجرهم الخوف وطواهم الجوع وليس لهم طعام ولا معهم زاد ولا إدام وأولاده صغار جياع يبكون من الضر الذي قد أصابهم فمكث بذلك يومين ثم إن أحد بنيه مات فألقوه في النهر فمكث بعد ذلك يوما آخر فقال الرجل لامرأته إنا مشرفون على الهلاك جميعا وإن بقي بعضنا وهلك بعضنا كان خيرا من أن نهلك جميعا وقد رأيت أن أعجل ذبح صبي من هؤلاء الصبيان فنجعله قوتا لنا ولأولادنا إلى أن يأتي الله عز وجل بالفرج فإن أخرنا ذلك هزل الصبيان حتى لا يشبع لحومهم ونضعف حتى لا نستطيع الحركة إن وجدنا إلى ذلك سبيلا وطاوعته امرأته فذبح بعض أولاده ووضعوه بينهم ينهشونه فما ظنك يا ابن الملك بذلك المضطر أكل الكلب المستكثر يأكل أم أكل المضطر المستقل قال ابن الملك بل أكل المستقل قال الحكيم كذلك أكلي وشربي يا ابن الملك في الدنيا. فقال له ابن الملك أ رأيت هذا الذي تدعوني إليه أيها الحكيم أ هو شي ء نظر الناس فيه بعقولهم وألبابهم حتى اختاروه على ما سواه لأنفسهم أم دعاهم الله إليه فأجابوا قال الحكيم علا هذا الأمر ولطف عن أن يكون من أهل الأرض أو برأيهم دبروه ولو كان من أهل الأرض لدعوا إلى عملها وزينتها وحفظها ودعتها ونعيمها ولذتها ولهوها ولعبها وشهواتها ولكنه أمر غريب ودعوة من الله عز وجل ساطعة وهدى مستقيم ناقض على أهل الدنيا أعمالهم مخالف لهم عائب عليهم وطاعن ناقل لهم عن أهوائهم داع لهم إلى طاعة ربهم وإن ذلك لبين لمن تنبه مكتوم عنده عن غير أهله حتى يظهر الله الحق بعد خفائه ويجعل كلمته العليا وكلمة الذين جهلوا السفلى.

قال ابن الملك صدقت أيها الحكيم ثم قال الحكيم إن من الناس من تفكر قبل مجي ء الرسل عليهم السلام فأصاب ومنهم من دعته الرسل بعد مجيئها فأجاب وأنت يا ابن الملك ممن تفكر بعقله فأصاب. قال ابن الملك فهل تعلم أحدا من الناس يدعو إلى التزهيد في الدنيا غيركم قال الحكيم أما في بلادكم هذه فلا وأما في سائر الأمم ففيهم قوم ينتحلون الدين بألسنتهم ولم يستحقوه بأعمالهم فاختلف سبيلنا وسبيلهم قال ابن الملك كيف صرتم أولى بالحق منهم وإنما أتاكم هذا الأمر الغريب من حيث أتاهم قال الحكيم الحق كله جاء من عند الله عز وجل وإنه تبارك وتعالى دعا العباد إليه فقبله قوم بحقه وشروطه حتى أدوه إلى أهله كما أمروا لم يظلموا ولم يخطئوا ولم يضيعوا وقبله آخرون فلم يقوموا بحقه وشروطه ولم يؤدوه إلى أهله ولم يكن لهم فيه عزيمة ولا على العمل به نية ضمير فضيعوه واستثقلوه فالمضيع لا يكون مثل الحافظ والمفسد لا يكون كالمصلح والصابر لا يكون كالجازع فمن هاهنا كنا نحن أحق به منهم وأولى. ثم قال الحكيم إنه ليس يجري على لسان أحد منهم من الدين والتزهيد والدعاء إلى الآخرة إلا وقد أخذ ذلك عن أصل الحق الذي عنه أخذنا ولكنه فرق بيننا وبينهم أحداثهم التي أحدثوا وابتغاؤهم الدنيا وإخلادهم إليها وذلك أن هذه الدعوة لم تزل تأتي وتظهر في الأرض مع أنبياء الله ورسله صلى الله عليه وآله وسلم في القرون الماضية على ألسنة مختلفة متفرقة وكان أهل دعوة الحق أمرهم مستقيم وطريقهم واضح ودعوتهم بينة لا فرقة بينهم ولا اختلاف فكانت الرسل عليهم السلام إذا بلغوا رسالات ربهم واحتجوا لله تبارك وتعالى على عباده بحجته وإقامة معالم الدين وأحكامه قبضهم الله عز وجل إليه عند انقضاء آجالهم ومنتهى مدتهم ومكثت الأمة من الأمم بعد نبيها برهة من دهرها لا تغير ولا تبدل ثم صار الناس بعد ذلك يحدثون الأحداث ويتبعون الشهوات ويضيعون العلم فكان العالم البالغ المستبصر منهم يخفي شخصه ولا يظهر علمه فيعرفونه باسمه ولا يهتدون إلى مكانه ولا يبقى منهم إلا الخسيس من أهل العلم يستخف به أهل الجهل والباطل فيخمل العلم ويظهر الجهل ويتناسل القرون فلا يعرفون إلا الجهل والباطل ويزداد الجهال استعلاء وكثرة والعلماء خمولا وقلة فحولوا معالم الله تبارك وتعالى عن وجوهها وتركوا قصد سبيلها وهم مع ذلك مقرون بتنزيله متبعون شبهه ابتغاء تأويله متعلقون بصفته تاركون لحقيقته نابذون لأحكامه فكل صفة جاءت الرسل تدعوا إليها فنحن لهم موافقون في تلك الصفة مخالفون لهم في أحكامهم وسيرتهم ولسنا نخالفهم في شي ء إلا ولنا عليهم الحجة الواضحة والبينة العادلة من نعت ما في أيديهم من الكتب المنزلة من الله عز وجل فكل متكلم منهم يتكلم بشي ء من الحكمة فهي لنا وهي بيننا وبينهم تشهد لنا عليهم بأنها توافق صفتنا وسيرتنا وحكمنا وتشهد عليهم بأنها مخالفة لسنتهم وأعمالهم فليسوا يعرفون من الكتاب إلا وصفه ولا من الدين إلا اسمه فليسوا بأهل الكتاب حقيقة حتى يقيموه. قال ابن الملك فما بال الأنبياء والرسل عليهم السلام يأتون في زمان دون زمان قال الحكيم إنما مثل ذلك كمثل ملك كانت له أرض موات لا عمران فيها فلما أراد أن يقبل عليها بعمارته أرسل إليها رجلا جلدا أمينا ناصحا ثم أمره أن يعمر تلك الأرض وأن يغرس فيها صنوف الشجر وأنواع الزرع ثم سمى له الملك ألوانا من الغرس معلومة وأنواعا من الزرع معروفة ثم أمره أن لا يعدو ما سمى له وأن لا يحدث فيها من قبله شيئا لم يكن أمره به سيده وأمره أن يخرج لها نهرا ويسد عليها حائطا ويمنعها من أن يفسدها مفسد فجاء الرسول الذي أرسله الملك إلى تلك الأرض فأحياها بعد موتها وعمرها بعد خرابها وغرس فيها وزرع من الصنوف التي أمره بها ثم ساق الماء إليها حتى نبت الغرس واتصل الزرع ثم لم يلبث قليلا حتى مات قيمها وأقام بعده من يقوم مقامه وخلف من بعده خلف خالفوا من أقامه القيم بعده وغلبوه على أمره فأخربوا العمران وطموا الأنهار فيبس الغرس وهلك الزرع فلما بلغ الملك خلافهم على القيم بعد رسوله وخراب أرضه أرسل إليها رسولا آخر يحييها ويعيدها ويصلحها كما كانت في منزلتها الأولى وكذلك الأنبياء والرسل عليهم السلام يبعث الله عز وجل منهم الواحد بعد الواحد فيصلح أمر الناس بعد فساده. قال ابن الملك أ يخص الأنبياء والرسل عليهم السلام إذا جاءت بما يبعث به أم تعم قال بلوهر إن الأنبياء والرسل إذا جاءت تدعوا عامة الناس فمن أطاعهم كان منهم ومن عصاهم لم يكن منهم وما تخلو الأرض قط من أن يكون لله عز وجل فيها مطاع من أنبيائه ورسله ومن أوصيائه وإنما مثل ذلك مثل طائر كان في ساحل البحر يقال له قدم يبيض بيضا كثيرا وكان شديد الحب للفراخ وكثرتها وكان يأتي عليه زمان يتعذر عليه فيه ما يريده من ذلك فلا يجد بدا من اتخاذ أرض أخرى حتى يذهب ذلك الزمان فيأخذ بيضه مخافة عليه من أن يهلك من شفقته فيفرقه في أعشاش الطير فتحضن الطير بيضه مع بيضها وتخرج فراخه مع فراخها فإذا طال مكث فراخ قدم مع فراخ الطير ألفها بعض فراخ الطير واستأنس بها فإذا كان الزمان الذي ينصرف فيه قدم إلى مكانه مر بأعشاش الطير وأوكارها بالليل فأسمع فراخه وغيرها صوته فإذا سمعت فراخه صوته تبعته وتبع فراخه ما كان ألفها من فراخ سائر الطير ولم يجبه ما لم يكن من فراخه ولا ما لم يكن ألف فراخه وكان قد يضم إليه من أجابه من فراخه حبا للفراخ وكذلك الأنبياء إنما يستعرضون الناس جميعا بدعائهم فيجيبهم أهل الحكمة والعقل لمعرفتهم بفضل الحكمة فمثل الطير الذي دعا بصوته مثل الأنبياء والرسل التي تعم الناس بدعائهم ومثل البيض المتفرق في أعشاش الطير مثل الحكمة ومثل سائر فراخ الطير التي ألفت مع فراخ قدم مثل من أجاب الحكماء قبل مجي ء الرسل لأن الله عز وجل جعل لأنبيائه ورسله من الفضل والرأي ما لم يجعل لغيرهم من الناس وأعطاهم من الحجج والنور والضياء ما لم يعط غيرهم وذلك لما يريد من بلوغ رسالته ومواقع حججه وكانت الرسل إذا جاءت وأظهرت دعوتها أجابهم من الناس أيضا من لم يكن أجاب الحكماء وذلك لما جعل الله عز وجل على دعوتهم من الضياء والبرهان. قال ابن الملك أ فرأيت ما يأتي به الرسل والأنبياء إذ زعمت أنه ليس بكلام الناس وكلام الله عز وجل هو كلام وكلام ملائكته كلام قال الحكيم أ ما رأيت الناس لما أرادوا أن يفهموا بعض الدواب والطير ما يريدون من تقدمها وتأخرها وإقبالها وإدبارها لم يجدوا الدواب والطير تحمل كلامهم الذي هو كلامهم فوضعوا من النقر والصفير والزجر ما يبلغوا به حاجتهم وما عرفوا أنها تطيق حمله وكذلك العباد يعجزوا أن يعلموا كلام الله عز وجل وكلام ملائكته على كنهه وكماله ولطفه وصفته فصار ما تراجع الناس بينهم من الأصوات التي سمعوا بها الحكمة شبيها بما وضع الناس للدواب والطير ولم يمنع ذلك الصوت مكان الحكمة المخبرة في تلك الأصوات من أن تكون الحكمة واضحة بينهم قوية منيرة شريفة عظيمة ولم يمنعها من وقوع معانيها على مواقعها وبلوغ ما احتج به الله عز وجل على العباد فيها وكان الصوت للحكمة جسدا ومسكنا وكانت الحكمة للصوت نفسا وروحا ولا طاقة للناس أن ينفذوا غور كلام الحكمة ولا يحيطوا به بعقولهم فمن قبل ذلك تفاضلت العلماء في علمهم فلا يزال عالم يأخذ علمه من عالم حتى يرجع العلم إلى الله عز وجل الذي جاء من عنده وكذلك العلماء قد يصيبون من الحكمة والعلم ما ينجيهم من الجهل ولكن لكل ذي فضل فضله كما أن الناس ينالون من ضوء الشمس ما ينتفعون به في معايشهم وأبدانهم ولا يقدرون أن ينفذوها بأبصارهم فهي كالعين الغزيرة الظاهر مجراها المكنون عنصرها فالناس قد يجيبون بما ظهر لهم من مائها ولا يدركون غورها وهي كالنجوم الزاهرة التي يهتدي بها الناس ولا يعلمون مساقطها فالحكمة أشرف وأرفع وأعظم مما وصفناها به كله هي مفتاح باب كل خير يرتجى والنجاة من كل شر يتقى وهي شراب الحياة التي من شرب منه لم يمت أبدا والشفاء للسقم الذي من استشفى به لم يسقم أبدا والطريق المستقيم الذي من سلكه لم يضل أبدا هي حبل الله المتين الذي لا يخلقه طول التكرار من تمسك به انجلى عنه العمى ومن اعتصم به فاز واهتدى وأخذ بالعروة الوثقى قال ابن الملك فما بال هذه الحكمة التي وصفت بما وصفت من الفضل والشرف والارتفاع والقوة والمنفعة والكمال والبرهان لا ينتفع بها الناس كلهم جميعا. قال الحكيم إنما مثل الحكمة كمثل الشمس الطالعة على جميع الناس الأبيض والأسود منهم والصغير والكبير فمن أراد الانتفاع بها لم تمنعه ولم يحل بينه وبينها من أقربهم وأبعدهم ومن لم يرد الانتفاع بها فلا حجة له عليها ولا تمنع الشمس على الناس جميعا ولا يحول بين الناس وبين الانتفاع بها وكذلك الحكمة وحالها بين الناس إلى يوم القيامة والحكمة قد عمت الناس جميعا إلا أن الناس يتفاضلون في ذلك والشمس ظاهرة إذ طلعت على الأبصار الناظرة فرقت بين الناس على ثلاثة منازل فمنهم الصحيح البصر الذي ينفعه الضوء ويقوى على النظر ومنهم الأعمى القريب من الضوء الذي لو طلعت عليه شمس أو شموس لم تغن عنه شيئا ومنهم المريض البصر الذي لا يعد في العميان ولا في أصحاب البصر كذلك الحكمة هي شمس القلوب إذا طلعت تفرق على ثلاث منازل منزل لأهل البصر الذين يعقلون الحكمة فيكونون من أهلها ويعملون بها ومنزل لأهل العمى الذين تنبو الحكمة عن قلوبهم لإنكارهم الحكمة وتركهم قبولها كما ينبو ضوء الشمس عن العميان ومنزل لأهل مرض القلوب الذين يقصر علمهم ويضعف عملهم ويستوي فيهم السيئ والحسن والحق والباطل وإن أكثر من تطلع عليه الشمس وهي الحكمة ممن يعمى عنها. قال ابن الملك فهل يسع الرجل الحكمة فلا يجيب إليها حتى يلبث زمانا ناكبا عنها ثم يجيب ويراجعها قال بلوهر نعم هذا أكثر حالات الناس في الحكمة قال ابن الملك ترى والدي سمع شيئا من هذا الكلام قط قال بلوهر لا أراه سمع سماعا صحيحا رسخ في قلبه ولا كلمه فيه ناصح شفيق. قال ابن الملك وكيف ترك ذلك الحكماء منه طول دهرهم قال بلوهر تركوه لعلمهم بمواضع كلامهم فربما تركوا ذلك ممن هو أحسن إنصافا وألين عريكة وأحسن استماعا من أبيك حتى أن الرجل ليعاش الرجل طول عمره وبينهما الاستيناس والمودة والمفاوضة ولا يفرق بينهما شي ء إلا الدين والحكمة وهو متفجع عليه متوجع له ثم لا يفضي إليه أسرار الحكمة إذ لم يره لها موضعا. وقد بلغنا أن ملكا من الملوك كان عاقلا قريبا من الناس مصلحا لأمورهم حسن النظر والإنصاف لهم وكان له وزير صدق صالح يعينه على الإصلاح ويكفيه مئونته ويشاوره في أموره وكان الوزير أديبا عاقلا له دين وورع ونزاهة على الدنيا وكان قد لقي أهل الدين وسمع كلامهم وعرف فضلهم فأجابهم وانقطع إليهم بإخائه ووده وكانت له من الملك منزلة حسنة وخاصة وكان الملك لا يكتمه شيئا من أمره وكان الوزير أيضا له بتلك المنزلة إلا أنه لم يكن ليطلعه على أمر الدين ولا يفاوضه أسرار الحكمة فعاشا بذلك زمانا طويلا وكان الوزير كلما دخل على الملك سجد للأصنام وعظمها وأخذ شيئا في طريق الجهالة والضلالة تقية له فأشفق الوزير على الملك من ذلك واهتم به واستشار في ذلك أصحابه وإخوانه فقالوا له انظر لنفسك وأصحابك فإن رأيته موضعا للكلام فكلمه وفاوضه وإلا فإنك إنما تعينه على نفسك وتهيجه على أهل دينك فإن السلطان لا يغتر به ولا تؤمن سطوته فلم يزل الوزير على اهتمامه به مصافيا له رفيقا به رجاء أن يجد فرصة فينصحه أو يجد للكلام موضعا فيفاوضه وكان الملك مع ضلالته متواضعا سهلا قريبا حسن السيرة في رعيته حريصا على إصلاحهم متفقدا لأمورهم فاصطحب الوزير مع الملك على هذا برهة من زمانه. ثم إن الملك قال للوزير ذات ليلة من الليالي بعد ما هدأت العيون هل لك أن تركب فنسير في المدينة فننظر إلى حال الناس وآثار الأمطار التي أصابتهم في هذه الأيام فقال الوزير نعم فركبا جميعا يجولان في نواحي المدينة فمرا في بعض الطريق على مزبلة تشبه الجبل فنظر الملك إلى ضوء النار تبدو في ناحية المزبلة فقال للوزير إن لهذه لقصة فانزل بنا نمشي حتى ندنو منها فنعلم خبرها ففعلا ذلك فلما انتهيا إلى مخرج الضوء وجدا نقبا شبيها بالغار وفيه مسكين من المساكين ثم نظرا في الغار من حيث لا يراهما الرجل فإذا الرجل مشوه الخلق عليه ثياب خلقان من خلقان المزبلة متكئ على متكإ قد هيأه من الزبل وبين يديه إبريق فخار فيه شراب وفي يده طنبور يضرب بيده وامرأته في مثل خلقه ولباسه قائمة بين يديه تسقيه إذا استسقى منها وترقص له إذا ضرب وتحييه بتحية الملوك كلما شرب وهو يسميها سيدة النساء وهما يصفان أنفسهما بالحسن والجمال وبينهما من السرور والضحك والطرب ما لا يوصف فقام الملك على رجليه مليا والوزير ينظر كذلك ويتعجبان من لذتهما وإعجابهما بما هما فيه ثم انصرف الملك والوزير فقال الملك ما أعلمني وإياك أصابنا الدهر من اللذة والسرور والفرح مثل ما أصاب هذين الليلة مع أني أظنهما يصنعان كل ليلة مثل هذا فاغتنم الوزير ذلك منه ووجد فرصة فقال له أخاف أيها الملك أن يكون دنيانا هذه من الغرور ويكون ملكك وما نحن فيه من البهجة والسرور في أعين من يعرف الملكوت الدائم مثل هذه المزبلة ومثل هذين الشخصين اللذين رأيناهما وتكون مساكننا وما شيدنا منها عند من يرجو مساكن السعادة وثواب الآخرة مثل هذا الغار في أعيننا وتكون أجسادنا عند من يعرف الطهارة والنضارة والحسن والصحة مثل جسد هذا المشوه الخلق في أعيننا ويكون تعجبهم عن إعجابنا بما نحن فيه كتعجبنا من إعجاب هذين الشخصين بما هما فيه. قال الملك وهل تعرف لهذه الصفة أهلا قال الوزير نعم قال الملك من هم قال الوزير أهل الدين الذين عرفوا ملك الآخرة ونعيمها فطلبوه قال الملك وما ملك الآخرة قال الوزير هو النعيم الذي لا بؤس بعده والغنى الذي لا فقر بعده والفرح الذي لا ترح بعده والصحة التي لا سقم بعدها والرضا الذي لا سخط بعده والأمن الذي لا خوف بعده والحياة التي لا موت بعدها والملك الذي لا زوال له هي دار البقاء ودار الحيوان التي لا انقطاع لها ولا تغير فيها رفع الله عز وجل عن ساكنيها فيها السقم والهرم والشقاء والنصب والمرض والجوع والظمأ والموت فهذه صفة ملك الآخرة وخبرها أيها الملك. قال الملك وهل تدركون إلى هذه الدار مطلبا وإلى دخولها سبيلا قال الوزير نعم هي مهيأة لمن طلبها من وجه مطلبها ومن أتاها من بابها ظفر بها قال الملك ما منعك أن تخبرني بهذا قبل اليوم قال الوزير منعني من ذلك إجلالك والهيبة لسلطانك قال الملك لئن كان هذا الأمر الذي وصفت يقينا فلا ينبغي لنا أن نضيعه ولا نترك العمل به في إصابته ولكنا نجتهد حتى يصح لنا خبره قال الوزير أ فتأمرني أيها الملك أن أواظب عليك في ذكره والتكرير له قال الملك بل آمرك أن لا تقطع عني ذكره ليلا ولا نهارا ولا تريحني ولا تمسك عني ذكره فإن هذا أمر عجيب لا يتهاون به ولا يغفل عن مثله وكان سبيل ذلك الملك والوزير إلى النجاة. قال ابن الملك ما أنا بشاغل نفسي بشي ء من هذه الأمور عن هذا السبيل ولقد حدثت نفسي بالهرب معك في جوف الليل حيث بدا لك أن تذهب. قال بلوهر وكيف تستطيع الذهاب معي والصبر على صحبتي وليس لي جحر يأويني ولا دابة تحملني ولا أملك ذهبا ولا فضة ولا أدخر غذاء العشاء ولا يكون عندي فضل ثوب ولا أستقر ببلدة إلا قليلا حتى أتحول عنها ولا أتزود من أرض إلى أرض أخرى رغيفا أبدا. قال ابن الملك إني أرجو أن يقويني الذي قواك قال بلوهر أما إنك إن أبيت إلا صحبتي كنت خليقا أن تكون كالغني الذي صاهر الفقير. قال يوذاسف وكيف كان ذلك قال بلوهر زعموا أن فتى كان من أولاد الأغنياء فأراد أبوه أن يزوجه ابنة عم له ذات جمال ومال فلم يوافق ذلك الفتى ولم يطلع أباه على كراهته حتى خرج من عنده متوجها إلى أرض أخرى فمر في طريقه على جارية عليها ثياب خلقان لها قائمة على باب بيت من بيوت المساكين فأعجبته الجارية فقال لها من أنت أيتها الجارية قالت أنا ابنة شيخ كبير في هذا البيت فنادى الفتى الشيخ فخرج إليه فقال له هل تزوجني ابنتك هذه قال ما أنت بمتزوج لبنات الفقراء وأنت فتى من الأغنياء قال أعجبتني هذه الجارية ولقد خرجت هاربا من امرأة ذات حسب ومال أرادوا مني تزويجها فكرهتها فزوجني ابنتك فإنك واجد عندي خيرا إن شاء الله. قال الشيخ كيف أزوجك ابنتي ونحن لا تطيب أنفسنا أن تنقلها عنا ولا أحسب مع ذلك أن أهلك يرضون أن تنقلها إليهم قال الفتى فنحن معكم في منزلكم هذا قال الشيخ إن صدقت فيما تقول فاطرح عنك زيك وحليتك هذه قال ففعل الفتى ذلك وأخذ أطمارا رثة من أطمارهم فلبسها وقعد معهم فسأله الشيخ عن شأنه وعرض له بالحديث حتى فتش عقله فعرف أنه صحيح العقل وأنه لم يحمله على ما صنع السفه فقال له الشيخ أما إذا اخترتنا ورضيت بنا فقم معي إلى هذا السرب فأدخله فإذا خلف منزله بيوت ومساكن لم ير مثلها قط سعة وحسنا وله خزائن من كل ما يحتاج إليه ثم دفع إليه مفاتيحه وقال له إن كل ما هاهنا لك فاصنع به ما أحببت فنعم الفتى أنت وأصاب الفتى ما كان يريده. قال يوذاسف إني لأرجو أن أكون أنا صاحب هذا المثل إن الشيخ فتش عقل هذا الغلام حتى وثق به فلعلك تطول بي على تفتيش عقلي فأعلمني ما عندك في ذلك قال الحكيم لو كان هذا الأمر إلي لاكتفيت منك بأدنى المشافهة ولكن فوق رأسي سنة قد سنها أئمة الهدى في بلوغ الغاية في التوفيق وعلم ما في الصدور فأنا أخاف إن خالفت السنة أن أكون قد أحدثت بدعة وأنا منصرف عنك الليلة وحاضر بابك في كل ليلة ففكر في نفسك بهذا واتعظ به وليحضرك فهمك تثبت ولا تعجل بالتصديق لما يورده عليك همك حتى تعلمه بعد التؤدة والأناة وعليك بالاحتراس في ذلك أن يغلبك الهوى والميل إلى الشبهة والعمى واجتهد في المسائل التي تظن أن فيها شبهة ثم كلمني فيها وأعلمني رأيك في الخروج إذا أردت وافترقا على هذا تلك الليلة ثم عاد الحكيم إليه فسلم عليه ودعا له ثم جلس فكان من دعائه أن قال أسأل الله الأول الذي لم يكن قبله شي ء والآخر الذي لا يبقى معه شي ء والباقي الذي لا منتهى له والواحد الفرد الصمد الذي ليس معه غيره والقاهر الذي لا شريك له البديع الذي لا خالق معه القادر الذي ليس له ضد الصمد الذي ليس له ند الملك الذي ليس معه أحد أن يجعلك ملكا عدلا إماما في الهدى قائدا إلى التقوى ومبصرا من العمى وزاهدا في الدنيا ومحبا لذوي النهى ومبغضا لأهل الردى حتى يفضي بنا وبك إلى ما وعد الله أولياءه على ألسنة أنبيائه من جنته ورضوانه فإن رغبتنا إلى الله في ذلك ساطعة ورهبتنا منه باطنة وأبصارنا إليه شاخصة وأعناقنا له خاضعة وأمورنا إليه صائرة. فرق ابن الملك لذلك الدعاء رقة شديدة وازداد في الخير رغبة وقال متعجبا من قوله أيها الحكيم أعلمني كم أتى لك من العمر فقال اثنتا عشرة سنة فارتاع لذلك وقال ابن اثنتي عشرة سنة طفل وأنت مع ما أرى من التكهل لابن ستين سنة قال الحكيم أما المولد فقد راهق الستين سنة ولكنك سألتني عن العمر وإنما العمر الحياة ولا حياة إلا في الدين والعمل به والتخلي من الدنيا ولم يكن ذلك لي إلا من اثنتي عشرة سنة فأما قبل ذلك فإني كنت ميتا ولست أعتد في عمري بأيام الموت قال ابن الملك كيف تجعل الآكل والشارب والمتقلب ميتا قال الحكيم لأنه شارك الموتى في العمى والصم والبكم وضعف الحياة وقلة الغنى فلما شاركهم في الصفة وافقهم في الاسم. قال ابن الملك لئن كنت لا تعد حياة ولا غبطة ما ينبغي لك أن تعد ما يتوقع من الموت موتا ولا تراه مكروها قال الحكيم تغريري في الدخول عليك بنفسي يا ابن الملك مع علمي لسطوة أبيك على أهل ديني يدلك على أني لا أرى الموت موتا ولا أرى هذه الحياة حياة ولا ما أتوقع من الموت مكروها فكيف يرغب في الحياة من قد ترك حظه منها أو يهرب من الموت من قد أمات نفسه بيده أ ولا ترى يا ابن الملك أن صاحب الدين قد رفض في الدنيا من أهله وماله وما لا يرغب في الحياة إلا له واحتمل من نصب العبادة ما لا يريحه منه إلا الموت فما حاجة من لا يتمتع بلذة الحياة إلى الحياة أو مهرب من لا راحة له إلا في الموت من الموت. قال ابن الملك صدقت أيها الحكيم فهل يسرك أن ينزل بك الموت من غد قال الحكيم بل يسرني أن ينزل بي الليلة دون غد فإنه من عرف السيئ والحسن وعرف ثوابهما من الله عز وجل ترك السيئ مخافة عقابه وعمل بالحسن رجاء ثوابه ومن كان موقنا بالله وحده مصدقا بوعده فإنه يحب الموت لما يرجو بعد الموت من الرخاء ويزهد في الحياة لما يخاف على نفسه من شهوات الدنيا والمعصية لله فيها فهو يحب الموت مبادرة من ذلك فقال ابن الملك إن هذا لخليق أن يبادر الهلكة لما يرجو في ذلك من النجاة فاضرب لي مثل أمتنا هذه وعكوفها على أصنامها. قال الحكيم إن رجلا كان له بستان يعمره ويحسن القيام عليه إذ رأى في بستانه ذات يوم عصفورا واقعا على شجرة من شجر البستان يصيب من ثمرها فغاضه ذلك فنصب فخا فصاده فلما هم بذبحه أنطقه الله عز وجل بقدرته فقال لصاحب البستان إنك تهتم بذبحي وليس في ما يشبعك من جوع ولا يقويك من ضعف فهل لك في خير مما هممت به قال الرجل ما هو قال العصفور تخلي سبيلي وأعلمك ثلاث كلمات إن أنت حفظتهن كن خيرا لك من أهل ومال هو لك قال قد فعلت فأخبرني بهن قال العصفور احفظ عني ما أقول لك لا تأس على ما فاتك ولا تصدقن بما لا يكون ولا تطلبن ما لا تطيق فلما قضى الكلمات خلى سبيله فطار فوقع على بعض الأشجار ثم قال للرجل لو تعلم ما فاتك مني لعلمت أنك قد فاتك مني عظيم جسيم من الأمر فقال الرجل وما ذاك قال العصفور لو كنت مضيت على ما هممت به من ذبحي لاستخرجت من حوصلتي درة كبيضة الوزة فكان لك في ذلك غنى الدهر فلما سمع الرجل منه ذلك أسر في نفسه ندما على ما فاته وقال دع عنك ما مضى وهلم أنطلق بك إلى منزلي فأحسن صحبتك وأكرم مثواك فقال له العصفور أيها الجاهل ما أراك حفظتني إذا ظفرت بي ولا انتفعت بالكلمات التي افتديت بها منك نفسي أ لم أعهد إليك ألا تأس على ما فاتك ولا تصدق ما لا يكون ولا تطلب ما لا يدرك أما أنت متفجع على ما فاتك وتلتمس مني رجعتي إليك وتطلب ما لا تدرك وتصدق أن في حوصلتي درة كبيضة الوزة وجميعي أصغر من بيضها وقد كنت عهدت إليك أن لا تصدق بما لا يكون وأن أمتكم صنعوا أصنامهم بأيديهم ثم زعموا أنها هي التي خلقتهم وحفظوها من أن تسرق مخافة عليها وزعموا أنها هي التي تحفظهم وأنفقوا عليها من مكاسبهم وأموالهم وزعموا أنها هي التي ترزقهم فطلبوا من ذلك ما لا يدرك وصدقوا بما لا يكون فلزمهم منه ما لزم صاحب البستان. قال ابن الملك صدقت أما الأصنام فإني لم أزل عارفا بأمرها زاهدا فيها آيسا من خيرها فأخبرني بالذي تدعوني إليه والذي ارتضيته لنفسك ما هو قال بلوهر جماع الدين أمران أحدهما معرفة الله عز وجل والآخر العمل برضوانه قال ابن الملك وكيف معرفة الله عز وجل. قال الحكيم أدعوك إلى أن تعلم أن الله واحد ليس له شريك لم يزل فردا ربا وما سواه مربوب وأنه خالق وما سواه مخلوق وأنه قديم وما سواه محدث وأنه صانع وما سواه مصنوع وأنه مدبر وما سواه مدبر وأنه باق وما سواه فان وأنه عزيز وما سواه ذليل وأنه لا ينام ولا يغفل ولا يأكل ولا يشرب ولا يضعف ولا يغلب ولا يضجر ولا يعجزه شي ء لم تمتنع منه السماوات والأرض والهواء والبر والبحر وأنه كون الأشياء لا من شي ء وأنه لم يزل ولا يزال ولا تحدث فيه الحوادث ولا تغيره الأحوال ولا تبدله الأزمان ولا يتغير من حال إلى حال ولا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان ولا يكون من مكان أقرب منه إلى مكان ولا يغيب عنه شي ء عالم لا يخفى عليه شي ء قدير لا يفوته شي ء وأن تعرفه بالرأفة والرحمة والعدل وأن له ثوابا أعده لمن أطاعه وعذابا أعده لمن عصاه وأن تعمل لله برضاه وتجتنب سخطه. قال ابن الملك فما رضا الواحد الخالق من الأعمال قال الحكيم يا ابن الملك رضاه أن تطيعه ولا تعصيه وأن تأتي إلى غيرك ما تحب أن يؤتى إليك وتكف عن غيرك ما تحب أن يكف عنك في مثله فإن ذلك عدل وفي العدل رضاه وفي اتباع آثار أنبياء الله ورسله بأن لا تعدو سنتهم. قال ابن الملك زدني أيها الحكيم تزهيدا في الدنيا وأخبرني بحالها. قال الحكيم إني لما رأيت الدنيا دار تصرف وزوال وتقلب من حال إلى حال ورأيت أهلها فيها أغراضا للمصائب ورهائن للمتالف ورأيت صحة بعدها سقما وشبابا بعده هرما وغنى بعده فقرا وفرحا بعده حزنا وعزا بعده ذلا ورخاء بعده شدة وأمنا بعده خوفا وحياة بعدها ممات ورأيت أعمارا قصيرة وحتوفا راصدة وسهاما قاصدة وأبدانا ضعيفة مستسلمة غير ممتنعة ولا حصينة عرفت أن الدنيا منقطعة بالية فانية وعرفت بما ظهر لي منها ما غاب عني منها وعرفت بظاهرها باطنها وغامضها بواضحها وسرها بعلانيتها وصدورها بورودها فحذرتها لما عرفتها وفررت منها لما أبصرتها بينا ترى المرء فيها مغتبطا محبورا وملكا مسرورا في خفض ودعة ونعمة وسعة في بهجة من شبابه وحداثة من سنه وغبطة من ملكه وبهاء من سلطانه وصحة من بدنه إذا انقلبت الدنيا به أسر ما كان فيها نفسا وأقر ما كان فيها عينا فأخرجته من ملكها وغبطتها وخفضها ودعتها وبهجتها فأبدلته بالعز ذلا وبالفرح ترحا وبالسرور حزنا وبالنعمة بؤسا وبالغنى فقرا وبالسعة ضيقا وبالشباب هرما وبالشرف ضعة وبالحياة موتا فدلته في حفرة ضيقة شديدة الوحشة وحيدا فريدا غريبا قد فارق الأحبة وفارقوه وخذله إخوانه فلم يجد عندهم منعا وغره أعداؤه فلم يجد عندهم دفعا وصار عزه وملكه وأهله وماله نهبة من بعده كأن لم يكن في الدنيا ولم يذكر فيها ساعة قط ولم يكن له فيها خطر ولم يملك من الأرض حظا قط فلا تتخذها يا ابن الملك دارا ولا تتخذن فيها عقدة ولا عقارا فأف لها وتف. قال ابن الملك أف لها ولمن يغتر بها إذا كان هذا حالها ورق ابن الملك وقال زدني أيها الحكيم من حديثك فإنه شفاء لما في صدري. قال الحكيم إن العمر قصير والليل والنهار يسرعان فيه والارتحال من الدنيا حثيث قريب وإنه وإن طال العمر فيها فإن الموت نازل والظاعن لا محالة راحل فيصير ما جمع فيها مفرقا وما عمل فيها متبرا وما شيد فيها خرابا ويصير اسمه مجهولا وذكره منسيا وحسبه خاملا وجسده باليا وشرفه وضيعا ونعمته وبالا وكسبه خسارا ويورث سلطانه ويستذل عقبه ويستباح حريمه وتنقض عهوده وتخفر ذمته وتدرس آثاره ويوزع ماله ويطوى رحله ويفرح عدوه ويبيد ملكه ويورث تاجه ويخلف على سريره ويخرج من مساكنه مسلوبا مخذولا فيذهب به إلى قبره فيدلى في حفرته في وحدة وغربة وظلمة ووحشة ومسكنة وذلة قد فارق الأحبة وأسلمته العصبة فلا تؤنس وحشته أبدا ولا ترد غربته أبدا واعلم أنها يحق على المرء اللبيب من سياسة نفسه خاصة كسياسة الإمام العادل الحازم الذي يؤدب العامة ويستصلح الرعية ويأمرهم بما يصلحهم وينهاهم عما يفسدهم ثم يعاقب من عصاه منهم ويكرم من أطاعه منهم فكذلك للرجل اللبيب أن يؤدب نفسه في جميع أخلاقها وأهوائها وشهواتها وأن تحملها وإن كرهت على لزوم منافعها فيما أحبت وكرهت وعلى اجتناب مضارها وأن يجعل لنفسه عن نفسه ثوابا وعقابا من مكانها من السرور إذا أحسنت ومن مكانها من الغم إذا أساءت ومما يحق على ذي العقل النظر فيما ورد عليه من أموره والأخذ بصوابها وينهى نفسه عن خطائها وأن يحتقر عمله ونفسه في رأيه لكي لا يدخله عجب فإن الله عز وجل قد مدح أهل العقل وذم أهل العجب ومن لا عقل له وبالعقل يدرك كل خير بإذن الله تبارك وتعالى وبالجهل تهلك النفوس وإن من أوثق الثقات عند ذوي الألباب ما أدركته عقولهم وبلغته تجاربهم ونالته أبصارهم في الترك للأهواء والشهوات وليس ذو العقل بجدير أن يرفض ما قوي على حفظه من العمل احتقارا له إذا لم يقدر على ما هو أكثر منه وإنما هذا من أسلحة الشيطان الغامضة التي لا يبصرها إلا من تدبرها ولا يسلم منها إلا من عصمه الله منها ومن رأس أسلحته سلاحان أحدهما إنكار العقل أن يوقع في قلب الإنسان العاقل أنه لا عقل له ولا بصر ولا منفعة له في عقله وبصره ويريد أن يصده عن محبة العلم وطلبه ويزين له الاشتغال بغيره من ملاهي الدنيا فإن اتبعه الإنسان من هذا الوجه فهو ظفره وإن عصاه وغلبه فزع إلى السلاح الآخر وهو أن يجعل الإنسان إذا عمل شيئا وأبصر عرض له بأشياء لا يبصرها ليغمه ويضجره بما لا يعلم حتى يبغض إليه ما هو فيه بتضعيف عقله عنده وبما يأتيه من الشبهة ويقول أ لست ترى أنك لا تستكمل هذا الأمر ولا تطيقه أبدا فبم تعني نفسك وتشقيها فيما لا طاقة لك به فبهذا السلاح صرع كثيرا من الناس فاحترس من أن تدع اكتساب علم ما تعلمه وأن تخدع عما اكتسبت منه فإنك في دار قد استحوذ على أكثر أهلها الشيطان بألوان حيله ووجوه ضلالته ومنهم من قد ضرب على سمعه وعقله وقلبه فتركه لا يعلم شيئا ولا يسأل عن علم ما يجهل منه كالبهيمة وإن لعامتهم أديانا مختلفة فمنهم المجتهدون في الضلالة حتى أن بعضهم ليستحل دم بعض وأموالهم ويموه ضلالتهم بأشياء من الحق ليلبس عليهم دينهم ويزينه لضعيفهم ويصدهم عن الدين القيم فالشيطان وجنوده دائبون في إهلاك الناس وتضليلهم لا يسأمون ولا يفترون ولا يحصي عددهم إلا الله ولا يستطاع دفع مكايدهم إلا بعون من الله عز وجل والاعتصام بدينه فنسأل الله توفيقا لطاعته ونصرا على عدونا فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله قال ابن الملك صف لي الله سبحانه وتعالى حتى كأني أراه قال إن الله تقدس ذكره لا يوصف بالرؤية ولا يبلغ بالعقول كنه صفته ولا تبلغ الألسن كنه مدحته ولا يحيط العباد من علمه إلا بما علمهم منه على ألسنة أنبيائه عليهم السلام بما وصف به نفسه ولا تدرك الأوهام عظم ربوبيته هو أعلى من ذلك وأجل وأعز وأعظم وأمنع وألطف فباح للعباد من علمه بما أحب وأظهرهم من صفته على ما أراد ودلهم على معرفته ومعرفة ربوبيته بإحداث ما لم يكن وإعدام ما أحدث. قال ابن الملك وما الحجة قال إذا رأيت شيئا مصنوعا غاب عنك صانعه علمت بعقلك أن له صانعا فكذلك السماء والأرض وما بينهما فأي حجة أقوى من ذلك. قال ابن الملك فأخبرني أيها الحكيم أ بقدر من الله عز وجل يصيب الناس ما يصيبهم من الأسقام والأوجاع والفقر والمكاره أو بغير قدر. قال بلوهر لا بل بقدر قال فأخبرني عن أعمالهم السيئة قال إن الله عز وجل من سيئ أعمالهم بري ء ولكنه عز وجل أوجب الثواب العظيم لمن أطاعه والعقاب الشديد لمن عصاه. قال فأخبرني من أعدل الناس ومن أجورهم ومن أكيسهم ومن أحمقهم ومن أشقاهم ومن أسعدهم قال أعدلهم أنصفهم من نفسه وأجورهم من كان جوره عنده عدلا وعدل أهل العدل عنده جورا وأما أكيسهم فمن أخذ لآخرته أهبتها وأحمقهم من كانت الدنيا همه والخطايا عمله وأسعدهم من ختم عاقبة عمله بخير وأشقاهم من ختم له بما يسخط الله عز وجل. ثم قال من دان الناس بما إن دين بمثله هلك فذلك المسخط لله المخالف لما يحب ومن دانهم بما إن دين بمثله صلح فذلك المطيع لله الموافق لما يحب المجتنب لسخطه ثم قال لا تستقبحن الحسن وإن كان في الفجار ولا تستحسنن القبيح وإن كان في الأبرار. ثم قال له أخبرني أي الناس أولى بالسعادة وأيهم أولى بالشقاوة. قال بلوهر أولاهم بالسعادة المطيع لله عز وجل في أوامره والمجتنب لنواهيه وأولاهم بالشقاوة العامل بمعصية الله التارك لطاعته المؤثر لشهوته على رضا الله عز وجل قال فأي الناس أطوعهم لله عز وجل قال أتبعهم لأمره وأقواهم في دينه وأبعدهم من العمل بالسيئات قال فما الحسنات والسيئات قال الحسنات صدق النية والعمل والقول الطيب والعمل الصالح والسيئات سوء النية وسوء العمل والقول السيئ قال فما صدق النية قال الاقتصاد في الهمة قال فما سوء القول قال الكذب قال فما سوء العمل قال معصية الله عز وجل قال أخبرني كيف الاقتصاد في الهمة قال التذكر لزوال الدنيا وانقطاع أمرها والكف عن الأمور التي فيها النقمة والتبعة في الآخرة. قال فما السخاء قال إعطاء المال في سبيل الله عز وجل قال فما الكرم قال التقوى قال فما البخل قال منع الحقوق عن أهلها وأخذها من غير وجهها قال فما الحرص قال الإخلاد إلى الدنيا والطماح إلى الأمور التي فيها الفساد وثمرتها عقوبة الآخرة قال فما الصدق قال الطريقة في الدين بأن لا يخادع المرء نفسه ولا يكذبها قال فما الحمق قال الطمأنينة إلى الدنيا وترك ما يدوم ويبقى قال فما الكذب قال أن يكذب المرء نفسه فلا يزال بهواه شغفا ولدينه مسوفا قال أي الرجال أكملهم في الصلاح قال أكملهم في العقل وأبصرهم بعواقب الأمور وأعلمهم بخصومه وأشدهم منهم احتراسا قال أخبرني ما تلك العاقبة وما أولئك الخصماء الذين يعرفهم العاقل فيحترس منهم قال العاقبة الآخرة والفناء الدنيا قال فما الخصماء قال الحرص والغضب والحسد والحمية والشهوة والرياء واللجاجة.


قال أي هؤلاء الذين عددت أقوى وأجدر أن يسلم منه قال الحرص أقل رضا وأفحش غضبا والغضب أجور سلطانا وأقل شكرا وأكسب للبغضاء والحسد أسوأ الخيبة للنية وأخلف للظن والحمية أشد لجاجة وأفظع معصية والحقد أطول توقدا وأقل رحمة وأشد سطوة والرياء أشد خديعة وأخفى اكتتاما وأكذب واللجاجة أعيا خصومة وأقطع معذرة. قال أي مكايد الشيطان للناس في هلاكهم أبلغ قال تعميته عليهم البر والإثم والثواب والعقاب وعواقب الأمور في ارتكاب الشهوات قال أخبرني بالقوة التي قوى الله عز وجل بها العباد في تغالب تلك الأمور السيئة والأهواء المردية قال العلم والعقل والعمل بهما وصبر النفس عن شهواتها والرجاء للثواب في الدين وكثرة الذكر لفناء الدنيا وقرب الأجل والاحتفاظ من أن ينقض ما يبقى بما يفنى فاعتبار ماضي الأمور بعاقبتها والاحتفاظ بما لا يعرف إلا عند ذوي العقول وكف النفس عن العادة السيئة وحملها على العادة الحسنة والخلق المحمود وأن يكون أمل المرء بقدر عيشه حتى يبلغ غايته فإن ذلك هو القنوع وعمل الصبر والرضا بالكفاف واللزوم للقضاء والمعرفة بما فيه في الشدة من التعب وما في الإفراط من الاقتراف وحسن العزاء عما فات وطيب النفس عنه وترك معالجة ما لا يتم والصبر بالأمور التي إليها يرد واختيار سبيل الرشد على سبيل الغي وتوطين النفس على أنه إن عمل خيرا أجزي به وإن عمل شرا أجزي به والمعرفة بالحقوق والحدود في التقوى وعمل النصيحة وكف النفس عن اتباع الهوى وركوب الشهوات وحمل الأمور على الرأي والأخذ بالحزم والقوة فإن أتاه البلاء أتاه وهو معذور غير ملوم. قال ابن الملك أي الأخلاق أكرم وأعز قال التواضع ولين الكلمة للإخوان في الله عز وجل قال أي العبادة أحسن قال الوقار والمودة قال فأخبرني أي الشيم أفضل قال حب الصالحين قال أي الذكر أفضل قال ما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال فأي الخصوم ألد قال ارتكاب الذنوب قال ابن االملك أخبرني أي الفضل أفضل قال الرضا بالكفاف قال أخبرني أي الأدب أحسن قال أدب الدين قال أي الشي ء أجفى قال السلطان العاتي والقلب القاسي قال أي شي ء أبعد غاية قال عين الحريص التي لا تشبع من الدنيا قال أي الأمور أخبث عاقبة قال التماس رضا الناس في سخط الرب عز وجل قال أي شي ء أسرع تقلبا قال قلوب الملوك الذين يعملون للدنيا قال فأخبرني أي الفجور أفحش قال إعطاء عهد الله والغدر فيه قال فأي شي ء أسرع انقطاعا قال مودة الفاسق قال فأي شي ء أخون قال لسان الكاذب قال فأي شي ء أشد اكتتاما قال شر المرائي المخادع قال فأي شي ء أشبه بأحوال الدنيا قال أحلام النائم قال أي الرجال أفضل رضا قال أحسنهم ظنا بالله عز وجل وأتقاهم وأقلهم غفلة عن ذكر الله وذكر الموت وانقطاع المدة قال أي شي ء من الدنيا أقر للعين قال الولد الأديب والزوجة الموافقة المؤاتية المعينة على أمر الآخرة قال أي الداء ألزم في الدنيا قال الولد السوء والزوجة السوء اللذين لا يجد منهما بدا قال أي الخفض أخفض قال رضا المرء بحظه واستيناسه بالصالحين. ثم قال ابن الملك للحكيم فرغ لي ذهنك فقد أردت مساءلتك عن أهم الأشياء إلي بعد إذ بصرني الله عز وجل من أمري ما كنت به جاهلا ورزقني من الدين ما كنت منه آيسا. قال الحكيم سل عما بدا لك قال ابن الملك أ رأيت من أوتي الملك طفلا ودينه عبادة الأوثان وقد غذي بلذات الدنيا واعتادها ونشأ فيها إلى أن كان رجلا وكهلا لا ينتقل من حالته تلك في جهالته بالله تعالى ذكره وإعطائه نفسه شهواتها متجردا لبلوغ الغاية فيما زين له من تلك الشهوات مشتغلا بها مؤثرا لها جريا عليها لا يرى الرشد إلا فيها ولا تزيده الأيام إلا حبا لها واغترارا بها وعجبا وحبا لأهل ملته ورأيه. وقد دعته بصيرته في ذلك إلى أن جهل أمر آخرته وأغفلها فاستخف بها وسها عنها قساوة قلب وخبث نية وسوء رأي واشتدت عداوته لمن خالفه من أهل الدين والاستخفاء بالحق والمغيبين لأشخاصهم انتظارا للفرج من ظلمه وعداوته هل يطمع له إن طال عمره في النزوع عما هو عليه والخروج منه إلى ما الفضل فيه بين والحجة فيه واضحة والحظ جزيل من لزوم ما أبصر من الدين فيأتي ما يرجى له به مغفرة لما قد سلف من ذنوبه وحسن الثواب في مآبه. قال الحكيم قد عرفت هذه الصفة وما دعاك إلى هذه المسألة. قال ابن الملك ما ذاك منك بمستنكر لفضل ما أوتيت من الفهم وخصصت به من العلم. قال الحكيم أما صاحب هذه الصفة فالملك والذي دعاك إليه العناية بما سألت عنه والاهتمام به من أمره والشفقة عليه من عذاب ما أوعد الله عز وجل من كان على مثل رأيه وطبعه وهواه مع ما نويت من ثواب الله تعالى ذكره في أداء حق ما أوجب الله عليك له وأحسبك تريد بلوغ غاية العذر في التلطف لإنقاذه وإخراجه عن عظيم الهول ودائم البلاء الذي لا انقطاع له من عذاب الله إلى السلامة وراحة الأبد في ملكوت السماء. قال ابن الملك لم تجرم حرفا عما أردت فأعلمني رأيك فيما عنيت من أمر الملك وحاله التي أتخوف أن يدركه الموت عليها فتصيبه الحسرة والندامة حين لا أغني عنه شيئا فاجعلني منه على يقين وفرج عما أنا به مغموم شديد الاهتمام به فإني قليل الحيلة فيه. قال الحكيم أما رأينا فإنا لا نبعد مخلوقا من رحمة الله خالقه عز وجل ولا نأيس له منها ما دام فيه الروح وإن كان عاتيا طاغيا ضالا لما قد وصف ربنا تبارك وتعالى به نفسه من التحنن والرأفة والرحمة ودل عليه من الإيمان وما أمر به من الاستغفار والتوبة وفي هذا فضل الطمع لك في حاجتك إن شاء الله وزعموا أنه كان في زمن من الأزمان ملك عظيم الصوت في العلم رفيق سائس يحب العدل في أمته والإصلاح لرعيته عاش بذلك زمانا بخير حال ثم هلك فجزعت عليه أمته وكان بامرأة له حمل فذكر المنجمون والكهنة أنه غلام وكان يدبر ملكهم من كان يلي ذلك في زمان ملكهم فاتفق الأمر كما ذكره المنجمون والكهنة وولد من ذلك الحمل غلام فأقاموا عند ميلاده سنة بالمعازف والملاهي والأشربة والأطعمة ثم إن أهل العلم منهم والفقه والربانيين قالوا لعامتهم إن هذا المولود إنما هو هبة من الله تعالى وقد جعلتم الشكر لغيره وإن كان هبة من غير الله عز وجل فقد أديتم الحق إلى من أعطاكموه واجتهدتم في الشكر لمن رزقكموه فقال لهم العامة ما وهبه لنا إلا الله تبارك وتعالى ولا امتن به علينا غيره قال العلماء فإن كان الله عز وجل هو الذي وهبه لكم فقد أرضيتم غير الذي أعطاكم وأسخطتم الله الذي وهبه لكم فقالت لهم الرعية فأشيروا لنا أيها الحكماء وأخبرونا أيها العلماء فنتبع قولكم ونتقبل نصيحتكم ومرونا بأمركم قالت العلماء فإنا نرى لكم أن تعدلوا عن اتباع مرضاة الشيطان بالمعازف والملاهي والمسكر إلى ابتغاء مرضاة الله عز وجل وشكره على ما أنعم به عليكم أضعاف شكركم للشيطان حتى يغفر لكم ما كان منكم قالت الرعية لا تحمل أجسادنا كل الذي قلتم وأمرتم به قالت العلماء يا أولي الجهل كيف أطعتم من لا حق له عليكم وتعصون من له الحق الواجب عليكم وكيف قويتم على ما لا ينبغي وتضعفون عما ينبغي قالوا لهم يا أئمة الحكماء عظمت فينا الشهوات وكثرت فينا اللذات فقوينا بما عظم فينا منها على العظيم من شكلها وضعفت منا النيات فعجزنا عن حمل المثقلات فارضوا منا في الرجوع عن ذلك يوما فيوما ولا تكلفونا كل هذا الثقل قالوا لهم يا معشر السفهاء أ لستم أبناء الجهل وإخوان الضلال حين خفت عليكم الشقوة وثقلت عليكم السعادة قالوا لهم أيها السادة الحكماء والقادة العلماء إنا نستجير من تعنيفكم إيانا بمغفرة الله عز وجل ونستتر من تعييركم لنا بعفوه فلا تؤنبونا ولا تعيرونا بضعفنا ولا تعيبوا الجهالة علينا فإنا إن أطعنا الله مع عفوه وحلمه وتضعيفه الحسنات واجتهدنا في عبادته مثل الذي بذلنا لهوانا من الباطل بلغنا حاجتنا وبلغ الله عز وجل بنا غايتنا ورحمنا كما خلقنا فلما قالوا ذلك أقر لهم علماؤهم ورضوا قولهم فصلوا وصاموا وتعبدوا وأعظموا الصدقات سنة كاملة فلما انقضى ذلك منهم قالت الكهنة إن الذي صنعت هذه الأمة على هذا المولود يخبر أن هذا الملك يكون فاجرا ويكون بارا ويكون متجبرا ويكون متواضعا ويكون مسيئا ويكون محسنا وقال المنجمون مثل ذلك فقيل لهم كيف قلتم ذلك قال الكهنة قلنا هذا من قبل اللهو والمعازف والباطل الذي صنع عليه وما صنع عليه من ضده بعد ذلك وقال المنجمون قلنا ذلك من قبل استقامة الزهرة والمشتري فنشأ الغلام بكبر لا توصف عظمته ومرح لا ينعت وعدوان لا يطاق فعسف وجار وظلم في الحكم وغشم وكان أحب الناس إليه من وافقه على ذلك وأبغض الناس إليه من خالفه في شي ء من ذلك واغتر بالشباب والصحة والقدرة والظفر والنظر فامتلأ سرورا وإعجابا بما هو فيه ورأى كلما يحب وسمع كلما اشتهى حتى بلغ اثنتين وثلاثين سنة ثم جمع نساء من بنات الملوك وصبيانا والجواري والمخدرات وخيله المطهمات العناق وألوان مراكبه الفاخرة ووصائفه وخدامه الذين يكونون في خدمته فأمرهم أن يلبسوا أجد ثيابهم ويتزينوا بأحسن زينتهم وأمر ببناء مجلس مقابل مطلع الشمس صفائح أرضه الذهب مفضضا بأنواع الجواهر طوله مائة وعشرون ذراعا وعرضه ستون ذراعا مزخرفا سقفه وحيطانه قد زين بكرائم الحلي وصنوف الجوهر واللؤلؤ النظيم وفاخره وأمر بضروب الأموال فأخرجت من الخزائن ونضدت سماطين أمام مجلسه وأمر جنوده وأصحابه وقواده وكتابه وحجابه وعظماء أهل بلاده وعلماءهم فحضروا في أحسن هيئتهم وأجمل جمالهم وتسلح فرسانه وركبت خيوله في عدتهم ثم وقفوا على مراكزهم ومراتبهم صفوفا وكراديس وإنما أراد بزعمه أن ينظر إلى منظر رفيع حسن تسر به نفسه وتقر به عينه ثم خرج فصعد إلى مجلسه فأشرف على مملكته فخروا له سجدا فقال لبعض غلمانه قد نظرت في أهل مملكتي إلى منظر حسن وبقي أن أنظر إلى صورة وجهي فدعا بمرآة فنظر إلى وجهه فبينا هو يقلب طرفه فيها إذ لاحت له شعرة بيضاء من لحيته كغراب أبيض بين غربان سود واشتد منها ذعره وفزعه وتغير في عينه حاله وظهرت الكآبة والحزن في وجهه وتولى السرور عنه. ثم قال في نفسه هذا حين نعي إلي شبابي وبين لي أن ملكي في ذهاب وأوذنت بالنزول عن سرير ملكي ثم قال هذه مقدمة الموت ورسول البلى لم يحجبه عني حاجب ولم يمنعه عني حارس فنعي إلي نفسي وآذنني بزوال ملكي فما أسرع هذا في تبديل بهجتي وذهاب سروري وهدم قوتي لم يمنعه مني الحصون ولم تدفعه عني الجنود هذا سالب الشباب والقوة وماحق العز والثروة ومفرق الشمل وقاسم التراث بين الأولياء والأعداء مفسد المعاش ومنغص اللذات ومخرب العمارات ومشتت الجمع وواضع الرفيع ومذل المنيع قد أناخت بي أثقاله ونصب لي حباله. ثم نزل عن مجلسه حافيا ماشيا وقد صعد إليه محمولا ثم جمع إليه جنوده ودعا إليه ثقاته فقال أيها الملأ ما ذا صنعت فيكم وما ذا أتيت إليكم منذ ملكتكم ووليت أموركم قالوا له أيها الملك المحمود عظم بلاؤك عندنا وهذه أنفسنا مبذولة في طاعتك فمرنا بأمرك قال طرقني عدو مخيف لم تمنعوني منه حتى نزل بي وكنتم عدتي وثقاتي قالوا أيها الملك أين هذا العدو أ يرى أم لا يرى قال يرى بأثر ولا يرى عينه قالوا أيها الملك هذه عدتنا كما ترى وعندنا سكن وفينا ذوو الحجى والنهى فأرناه نكفك ما مثله يكفى قال قد عظم الاغترار مني بكم ووضعت الثقة في غير موضعها حين اتخذتكم وجعلتكم لنفسي جنة وإنما بذلت لكم الأموال ورفعت شرفكم وجعلتكم البطانة دون غيركم لتحفظوني من الأعداء وتحرسوني منهم ثم أيدتكم على ذلك بتشييد البلدان وتحصين المدائن والثقة من السلاح ونحيت عنكم الهموم وفرغتكم للنجدة والاحتفاظ ولم أكن أخشى أن أراع معكم ولا أتخوف المنون على بنياني وأنتم عكوف مطيفون به فطرقت وأنتم حولي وأتيت وأنتم معي فلئن كان هذا ضعف منكم فما أخذت أمري بثقة وإن كانت غفلة منكم فما أنتم بأهل النصيحة ولا علي بأهل الشفقة قالوا أيها الملك أما شي ء نطيق دفعه بالخيل والقوة فليس بواصل إليك إن شاء الله ونحن أحياء وأما ما لا يرى فقد غيب عنا علمه وعجزت قوتنا عنه. قال أ ليس اتخذتكم لتمنعوني من عدوي قالوا بلى قال فمن أي عدو تحفظوني من الذي يضرني أو من الذي لا يضرني قالوا من الذي يضرك قال أ فمن كل ضار لي أو من بعضهم قالوا من كل ضار قال فإن رسول البلى قد أتاني ينعى إلي نفسي وملكي ويزعم أنه يريد خراب ما عمرت وهدم ما بنيت وتفريق ما جمعت وفساد ما أصلحت وتبذير ما أحرزت وتبديل ما عملت وتوهين ما وثقت وزعم أن معه الشماتة من الأعداء وقد قرت بي أعينهم فإنه يريد أن يعطيهم مني شفاء صدورهم وذكر أنه سيهزم جيشي ويوحش أنسي ويذهب عزي ويؤتم ولدي ويفرق جموعي يفجع بي إخواني وأهلي وقرابتي ويقطع أوصالي ويسكن مساكني أعدائي قالوا أيها الملك إنما نمنعك من الناس والسباع والهوام ودواب الأرض فأما البلى فلا طاقة لنا به ولا قوة لنا عليه ولا امتناع لنا منه فقال فهل من حيلة في دفع ذلك عني قالوا لا قال فشي ء دون ذلك تطيقونه قالوا وما هو قال الأوجاع والأحزان والهموم قالوا أيها الملك إنما قد قدر هذه الأشياء قوي لطيف وذلك يثور من الجسم والنفس وهو يصل إليك إذا لم يوصل ولا يحجب عنك وإن حجب قال فأمر دون ذلك قالوا وما هو قال ما قد سبق من القضاء قالوا أيها الملك ومن ذا غالب القضاء فلم يغلب ومن ذا كابره فلم يقهر قال فما ذا عندكم قالوا ما نقدر على دفع القضاء وقد أصبت التوفيق والتسديد فما ذا الذي تريد قال أريد أصحابا يدوم عهدهم ويفوا لي وتبقى لي إخوتهم ولا يحجبهم عني الموت ولا يمنعهم البلى عن صحبتي ولا يستحيل بهم الامتناع عن صحبتي ولا يفردوني إن مت ولا يسلموني إن عشت ويدفعون عني ما عجزتم عنه من أمر الموت. قالوا أيها الملك ومن هؤلاء الذين وصفت قال هم الذين أفسدتهم باستصلاحكم قالوا أيها الملك أ فلا تصطنع عندنا وعندهم معروفا فإن أخلاقك تامة ورأفتك عظيمة قال إن في صحبتكم إياي السم القاتل والصمم والعمى في طاعتكم والبكم من موافقتكم قالوا كيف ذاك أيها الملك قال صارت صحبتكم إياي في الاستكثار وموافقتكم على الجمع وطاعتكم إياي في الاغتفال فبطأتموني عن المعاد وزينتم لي الدنيا ولو نصحتموني ذكرتموني الموت ولو أشفقتم علي ذكرتموني البلى وجمعتم لي ما يبقى ولم تستكثروا لي ما يفنى فإن تلك المنفعة التي ادعيتموها ضرر وتلك المودة عداوة وقد رددتها عليكم لا حاجة لي فيها منكم.

قالوا أيها الملك الحكيم المحمود قد فهمنا مقالتك وفي أنفسنا إجابتك وليس لنا أن نحتج عليك فقد رأينا مكان الحجة فسكوتنا عن حجتنا فساد لملكنا وهلاك لدنيانا وشماتة لعدونا وقد نزل بنا أمر عظيم بالذي تبدل من رأيك وأجمع عليه أمرك قال قولوا آمنين واذكروا ما بدا لكم غير مرعوبين فإني كنت إلى اليوم مغلوبا بالحمية والأنفة وأنا اليوم غالب لهما وكنت إلى اليوم مقهورا لهما وأنا اليوم قاهر لهما وكنت إلى اليوم ملكا عليكم فقد صرت عليكم مملوكا وأنا اليوم عتيق وأنتم من مملكتي طلقاء قالوا أيها الملك ما الذي كنت له مملوكا إذ كنت علينا ملكا قال كنت مملوكا لهواي مقهورا بالجهل مستعبدا لشهواتي فقد قطعت تلك الطاعة عني ونبذتها خلف ظهري قالوا فقل ما أجمعت عليه أيها الملك قال القنوع والتخلي لآخرتي وترك هذا الغرور ونبذ هذا الثقل عن ظهري والاستعداد للموت والتأهب للبلاء فإن رسوله عندي قد ذكر أنه قد أمر بملازمتي والإقامة معي حتى يأتيني الموت فقالوا أيها الملك ومن هذا الرسول الذي قد أتاك ولم نره وهو مقدمة الموت الذي لا نعرفه قال أما الرسول فهذا البياض الذي يلوح بين السواد وقد صاح في جميعه بالزوال فأجابوا وأذعنوا وأما مقدمة الموت فالبلى الذي هذا البياض طرقه. قالوا أيها الملك أ فتدع مملكتك وتهمل رعيتك وكيف لا تخاف الإثم في تعطيل أمتك أ لست تعلم أن أعظم الأجر في استصلاح الناس وأن رأس الصلاح الطاعة للأمة والجماعة فكيف لا تخاف من الإثم وفي هلاك العامة من الإثم فوق الذي ترجو من الأجر في صلاح الخاصة أ لست تعلم أن أفضل العبادة العمل وأن أشد العمل السياسة فإنك أيها الملك ما في يديك عدل على رعيتك مستصلح لها بتدبيرك فإن لك من الأجر بقدر ما استصلحت أ لست أيها الملك إذا خليت ما في يديك من صلاح أمتك فقد أردت فسادهم فقد حملت من الإثم فيهم أعظم مما أنت مصيب من الأجر في خاصة يديك. أ لست أيها الملك قد علمت أن العلماء قالوا من أتلف نفسا فقد استوجب لنفسه الفساد ومن أصلحها فقد استوجب الصلاح لبدنه وأي فساد أعظم من رفض هذه الرعية التي أنت إمامها والإقامة في هذه الأمة التي أنت نظامها حاشا لك أيها الملك أن تخلع عنك لباس الملك الذي هو الوسيلة إلى شرف الدنيا والآخرة قال قد فهمت الذي ذكرتم وعقلت الذي وصفتم فإن كنت إنما أطلب الملك عليكم للعدل فيكم والأجر من الله تعالى ذكره في استصلاحكم بغير أعوان يرفدونني ووزراء يكفونني فما عسيت أن أبلغ بالوحدة فيكم أ لستم جميعا نزعا إلى الدنيا وشهواتها ولذاتها ولا آمن أن أخلد إلى الحال التي أرجو أن أدعها وأرفضها فإن فعلت ذلك أتاني الموت على غرة فأنزلني عن سرير ملكي إلى بطن الأرض وكساني التراب بعد الديباج والمنسوج بالذهب ونفيس الجوهر وضمني إلى الضيق بعد السعة وألبسني الهوان بعد الكرامة فأصير فريدا بنفسي ليس معي أحد منكم في الوحدة قد أخرجتموني من العمران وأسلمتموني إلى الخراب وخليتم بين لحمي وبين سباع الطير وحشرات الأرض فأكلت مني النملة فما فوقها من الهوام وصار جسدي دودا وجيفة قذرة الذل لي حليف والعز مني غريب أشدكم حبا لي أسرعكم إلى دفني والتخلية بيني وبين ما قدمت من عملي وأسلفت من ذنوبي فيورثني ذلك الحسرة ويعقبني الندامة وقد كنتم وعدتموني أن تمنعوني من عدوي الضار فإذا أنتم لا منع عندكم ولا قوة على ذلك لكم ولا سبيل أيها الملأ إني محتال لنفسي إذ جئتم بالخداع ونصبتم لي شراك الغرور. فقالوا أيها الملك المحمود لسنا الذي كنا كما أنك لست الذي كنت وقد أبدلنا الذي أبدلك وغيرنا الذي غيرك فلا ترد علينا توبتنا وبذل نصيحتنا قال أنا مقيم فيكم ما فعلتم ذلك ومفارقكم إذا خالفتموه فأقام ذلك الملك في ملكه وأخذ جنوده بسيرته واجتهدوا في العبادة فخصب بلادهم وغلبوا عدوهم وازداد ملكهم حتى هلك ذلك الملك وقد صار فيهم بهذه السيرة اثنتين وثلاثين سنة وكان جميع ما عاش أربعا وستين سنة.

قال يوذاسف قد سررت بهذا الحديث جدا فزدني من نحوه أزدد سرورا ولربي شكرا. قال الحكيم زعموا أنه كان ملك من الملوك الصالحين وكان له جنود يخشون الله عز وجل ويعبدونه وكان في ملك أبيه شدة من زمانهم والتفرق فيما بينهم وينقص العدو من بلادهم وكان يحثهم على تقوى الله عز وجل وخشيته والاستعانة به ومراقبته والفزع إليه فلما ملك ذلك الملك قهر عدوه واستجمعت رعيته وصلحت بلاده وانتظم له الملك فلما رأى ما فضل الله عز وجل به أترفه ذلك وأبطره وأطغاه حتى ترك عبادة الله عز وجل وكفر نعمه وأسرع في قتل من عبد الله ودام ملكه وطالت مدته حتى ذهل الناس عما كانوا عليه من الحق قبل ملكه ونشوه وأطاعوه فيما أمرهم به وأسرعوا إلى الضلالة فلم يزل على ذلك فنشأ فيه الأولاد وصار لا يعبد الله عز وجل فيهم ولا يذكر بينهم اسمه ولا يحسبون أن لهم إلها غير الملك وكان ابن الملك قد عاهد الله عز وجل في حياة أبيه إن هو ملك يوما أن يعمل بطاعة الله عز وجل بأمر لم يكن من قبله من الملوك يعملون به ولا يستطيعونه فلما ملك أنساه الملك رأيه الأول ونيته التي كان عليها وسكر سكر صاحب الخمر فلم يكن يصحو ويفيق وكان من أهل لطف الملك رجل صالح أفضل أصحابه منزلة عنده فتوجع له مما رأى من ضلالته في دينه ونسيانه ما عاهد الله عليه وكان كلما أراد أن يعظه ذكر عتوه وجبروته ولم يكن بقي من تلك الأمة غيره وغير رجل آخر في ناحية أرض الملك لا يعرف مكانه ولا يدعى باسمه فدخل ذات يوم على الملك بجمجمة قد لفها في ثيابه فلما جلس عن يمين الملك انتزعها عن ثيابه فوضعها بين يديه ثم وطئها برجله فلم يزل يفركها بين يدي الملك وعلى بساطه حتى دنس مجلس الملك بما تحات من تلك الجمجمة فلما رأى الملك ما صنع غضب من ذلك غضبا شديدا وشخصت إليه أبصار جلسائه واستعدت الحرس بأسيافهم انتظارا لأمره إياهم بقتله والملك في ذلك مالك لغضبه وقد كانت الملوك في ذلك الزمان على جبروتهم وكفرهم ذوي أناة وتؤدة استصلاحا للرعية على عمارة أرضهم ليكون ذلك أعون للجلب وأدى للخراج فلم يزل الملك ساكتا على ذلك حتى قام من عنده فلف تلك الجمجمة ثم فعل ذلك في اليوم الثاني والثالث فلما رأى أن الملك لا يسأله عن تلك الجمجمة ولا يستنطقه عن شي ء من شأنها أدخل مع تلك الجمجمة ميزانا وقليلا من تراب فلما صنع بالجمجمة ما كان يصنع أخذ الميزان وجعل في إحدى كفتيه درهما وفي الأخرى بوزنه ترابا ثم جعل ذلك التراب في عين تلك الجمجمة ثم أخذ قبضة من التراب فوضعها في موضع الفم من تلك الجمجمة. فلما رأى الملك ما صنع قل صبره وبلغ مجهوده فقال لذلك الرجل قد علمت أنك إنما اجترأت على ما صنعت لمكانك مني وإدلالك علي وفضل منزلتك عندي ولعلك تريد بما صنعت أمرا فخر الرجل للملك ساجدا وقبل قدميه وقال أيها الملك أقبل علي بعقلك كله فإن مثل الكلمة مثل السهم إذا رمي به في أرض لينة ثبت فيها وإذا رمي به في الصفا لم يثبت ومثل الكلمة كمثل المطر إذا أصاب أرضا طيبة مزروعة نبت فيها وإذا أصاب السباخ لم ينبت وإن أهواء الناس متفرقة والعقل والهوى يصطرعان في القلب فإن غلب هوى العقل عمل الرجل بالطيش والسفه وإن كان الهوى هو المغلوب لم يوجد في أمر الرجل سقطة فإني لم أزل منذ كنت غلاما أحب العلم وأرغب فيه وأوثره على الأمور كلها فلم أدع علما إلا بلغت منه أفضل مبلغ فبينا أنا ذات يوم أطوف بين القبور إذ قد بصرت بهذه الجمجمة بارزة من قبور الملوك فغاظني موقعها وفراقها جسدها غضبا للملوك فضممتها إلي وحملتها إلى منزلي فألبستها الديباج ونضحتها بماء الورد والطيب ووضعتها على الفرش وقلت إن كانت من جماجم الملوك فسيؤثر فيها إكرامي إياها وترجع إلى جمالها وبهائها وإن كانت من جماجم المساكين فإن الكرامة لا تزيدها شيئا ففعلت ذلك بها أياما فلم أستنكر من هيئتها شيئا فلما رأيت ذلك دعوت عبدا هو أهون عبيدي عندي فأهانها فإذا هي على حالة واحدة عند الإهانة والإكرام فلما رأيت ذلك أتيت الحكماء فسألتهم عنها فلم أجد عندهم علما بها ثم علمت أن الملك منتهى العلم ومأوى الحلم فأتيتك خائفا على نفسي ولم يكن لي أن أسألك عن شي ء حتى تبدأني به وأحب أن تخبرني أيها الملك أ جمجمة ملك هي أم جمجمة مسكين فإنها لما أعياني أمرها تفكرت في أمرها وفي عينها التي كانت لا يملؤها شي ء حتى لو قدرت على ما دون السماء من شي ء تطلعت إلى أن تتناول ما فوق السماء فذهبت أنظر ما الذي يسدها ويملؤها فإذا وزن درهم من تراب قد سدها وملأها ونظرت إلى فيها الذي لم يكن يملؤه شي ء فملأته قبضة من تراب فإن أخبرتني أيها الملك أنها جمجمة مسكين احتججت عليك بأني قد وجدتها وسط قبور الملوك ثم اجمع جماجم ملوك وجماجم مساكين فإن كان لجماجمكم عليها فضل فهو كما قلت وإن أخبرتني بأنها من جماجم الملوك أنبأتك أن ذلك الملك الذي كانت هذه جمجمته قد كان من بهاء الملك وجماله وعزته في مثل ما أنت فيه اليوم فحاشاك أيها الملك أن تصير إلى حال هذه الجمجمة فتوطأ بالأقدام وتخلط بالتراب ويأكلك الدود وتصبح بعد الكثرة قليلا وبعد العزة ذليلا وتسعك حفرة طولها أدنى من أربعة أذرع ويورث ملكك وينقطع ذكرك ويفسد صنائعك ويهان من أكرمت ويكرم من أهنت وتستبشر أعداؤك ويضل أعوانك ويحول التراب دونك فإن دعوناك لم تسمع وإن أكرمناك لم تقبل وإن أهناك لم تغضب فيصير بنوك يتامى ونساؤك أيامى وأهلك يوشك أن يستبدلن أزواجا غيرك. فلما سمع الملك ذلك فزع قلبه وانسكبت عيناه يبكي ويعول ويدعو بالويل فلما رأى الرجل ذلك علم أن قوله قد استمكن من الملك وقوله قد أنجع فيه زاده ذلك جرأة عليه وتكريرا لما قال فقال له الملك جزاك الله عني خيرا وجزى من حولي من العظماء شرا لعمري لقد علمت ما أردت بمقالتك هذه وقد أبصرت أمري فسمع الناس خبره فتوجهوا أهل الفضل نحوه وختم له بالخير وبقي عليه إلى أن فارق الدنيا. قال ابن الملك زدني من هذا المثل قال الحكيم زعموا أن ملكا كان في أول الزمان وكان حريصا على أن يولد له وكان لا يدع شيئا مما يعالج به الناس أنفسهم إلا أتاه وصنعه فلما طال ذلك من أمره حملت امرأة له من نسائه فولدت له غلاما فلما نشأ وترعرع خطا ذات يوم خطوة فقال معادكم تجفون ثم خطا أخرى فقال تهرمون ثم خطا الثالثة فقال ثم تموتون ثم عاد كهيئته يفعل كما يفعل الصبي. فدعا الملك العلماء والمنجمين فقال أخبروني خبر ابني هذا فنظروا في شأنه وأمره فأعياهم أمره فلم يكن عندهم فيه علم فلما رأى الملك أنه ليس عندهم فيه علم دفعه إلى المرضعات فأخذن في إرضاعه إلا أن منجما منهم قال إنه سيكون إماما وجعل عليه حراسا لا يفارقونه حتى إذا شب انسل يوما من عند مرضعيه والحرس فأتى السوق فإذا هو بجنازة فقال ما هذا قالوا إنسانا مات قال ما أماته قالوا كبر وفنيت أيامه ودنا أجله فمات قال وكان صحيحا حيا يمشي ويأكل ويشرب قالوا نعم ثم مضى فإذا هو برجل شيخ كبير فقام ينظر إليه متعجبا منه فقال ما هذا قالوا رجل شيخ كبير قد فنى شبابه وكبر قال وكان صغيرا ثم شاب قالوا نعم ثم مضى فإذا هو برجل مريض مستلقى على ظهره فقام ينظر إليه ويتعجب منه فسألهم ما هذا قالوا رجل مريض فقال أ وكان هذا صحيحا ثم مرض قالوا نعم قال والله لئن كنتم صادقين فإن الناس لمجنونون. فافتقد الغلام عند ذلك فطلب فإذا هو بالسوق فأتوه فأخذوه وذهبوا به فأدخلوه البيت فلما دخل البيت استلقى على قفاه ينظر إلى خشب سقف البيت ويقول كيف كان هذا قالوا كانت شجرة ثم صارت خشبا ثم قطع ثم بني هذا البيت ثم جعل هذا الخشب عليه فبينا هو في كلامه إذ أرسل الملك إلى الموكلين به انظروا هل يتكلم أو يقول شيئا قالوا نعم وقد وقع في كلام ما نظنه إلا وسواسا فلما رأى الملك ذلك وسمع جميع ما لفظ به الغلام دعا العلماء فسألهم فلم يجد فيه عندهم علما إلا الرجل الأول فأنكر قوله فقال بعضهم أيها الملك لو زوجته ذهب عنه الذي ترى وأقبل وعقل وأبصر فبعث الملك في الأرض يطلب ويلتمس له امرأة فوجدت له امرأة من أحسن الناس وأجملهم فزوجها منه فلما أخذوا في وليمة عرسه أخذ اللاعبون يلعبون والزمارون يزمرون فلما سمع الغلام جلبتهم وأصواتهم قال ما هذا قالوا هؤلاء لعابون وزمارون جمعوا لعرسك فسكت الغلام فلما فرغوا من العرس وأمسوا دعا الملك امرأة ابنه فقال لها إنه لم يكن لي ولد غير هذا الغلام فإذا دخلت عليه فالطفي به واقربي منه وتحببي إليه فلما دخلت المرأة عليه أخذت تدنو منه وتتقرب إليه فقال الغلام على رسلك فإن الليل طويل بارك الله فيك واصبري حتى نأكل ونشرب فدعا بالطعام فجعل يأكل فلما فرغ جعلت المرأة تشرب فلما أخذ الشراب منها نامت. فقام الغلام فخرج من البيت وانسل من الحرس والبوابين حتى خرج وتردد في المدينة فلقيه غلام مثله من أهل المدينة فاتبعه وألقى ابن الملك عنه تلك الثياب التي كانت عليه ولبس ثياب الغلام وتنكر جهده وخرجا جميعا من المدينة فسارا ليلتهما حتى إذا قرب الصبح خشيا الطلب فكمنا فأتيت الجارية عند الصبح فوجدوها نائمة فسألوها أين زوجك قالت كان عندي الساعة فطلب الغلام فلم يقدر عليه فلما أمسى الغلام وصاحبه سارا ثم جعلا يسيران الليل ويكمنان النهار حتى خرجا من سلطان أبيه ووقعا في ملك سلطان آخر. وقد كان لذلك الملك الذي صارا إلى سلطانه ابنة قد جعل لها أن لا يزوجها أحدا إلا من هويته ورضيته وبنى لها غرفة عالية مشرفة على الطريق فهي فيها جالسة تنظر إلى كل من أقبل وأدبر فبينما هي كذلك إذ نظرت إلى الغلام يطوف في السوق وصاحبه معه في خلقانه فأرسلت إلى أبيها إني قد هويت رجلا فإن كنت مزوجي أحدا من الناس فزوجني منه وأتيت أم الجارية فقيل لها إن ابنتك قد هويت رجلا وهي تقول كذا وكذا فأقبلت إليها فرحة حتى تنظر إلى الغلام فأروها إياه فنزلت أمها مسرعة حتى دخلت على الملك فقالت إن ابنتك قد هويت رجلا فأقبل الملك ينظر إليه ثم قال أرونيه فأروه من بعد فأمر أن يلبس ثيابا أخرى ونزل فسأله واستنطقه وقال من أنت ومن أين أنت قال الغلام وما سؤالك عني أنا رجل من مساكين الناس فقال إنك لغريب وما يشبه لونك ألوان أهل هذه المدينة فقال الغلام ما أنا بغريب فعالجه الملك أن يصدقه قصته فأبى فأمر الملك أناسا أن يحرسوه وينظروا أين يأخذ ولا يعلم بهم ثم رجع الملك إلى أهله فقال رأيت رجلا كأنه ابن ملك وما له حاجة فيما تراودونه عليه فبعث إليه فقيل له إن الملك يدعوك فقال الغلام وما أنا والملك يدعوني وما لي إليه حاجة وما يدري من أنا فانطلق به على كره منه حتى دخل على الملك فأمر بكرسي فوضع له فجلس عليه ودعي الملك امرأته وابنته فأجلسهما من وراء الحجاب خلفه فقال له الملك دعوتك لخير إن لي ابنة قد رغبت فيك أريد أن أزوجها منك فإن كنت مسكينا فأغنيناك ورفعناك وشرفناك قال الغلام ما لي فيما تدعوني إليه حاجة فإن شئت ضربت لك مثلا أيها الملك قال فافعل. قال الغلام زعموا أن ملكا من الملوك كان له ابن وكان لابنه أصدقاء صنعوا له طعاما ودعوه إليه فخرج معهم فأكلوا وشربوا حتى سكروا فناموا فاستيقظ ابن الملك في وسط الليل فذكر أهله فخرج عامدا إلى منزله ولم يوقظ أحدا منهم فبينا هو في مسيره إذ بلغ منه الشراب فبصر بقبر على الطريق فظن أنه مدخل بيته فدخله فإذا هو بريح الموتى فحسب ذلك لما كان به السكر أنه رياح طيبة فإذا هو بعظام لا يحسبها إلا فرشه الممهدة فإذا هو بجسد قد مات حديثا وقد أروح فحسبه أهله فقام إلى جانبه فاعتنقه وقبله وجعل يعبث به عامة ليله فأفاق حين أفاق ونظر حين نظر فإذا هو على جسد ميت وريح منتنة قد دنس ثيابه وجلده ونظر إلى القبر وما فيه من الموتى فخرج وبه من السوء ما يختفى به من الناس أن ينظروا إليه متوجها إلى باب المدينة فوجده مفتوحا فدخله حتى أتى أهله فرأى أنه قد أنعم عليه حيث لم يلقه أحد فألقى عنه ثيابه تلك واغتسل ولبس لباسا أخرى وتطيب. عمرك الله أيها الملك أ تراه راجعا إلى ما كان فيه وهو يستطيع قال لا قال فإني أنا هو فالتفت الملك إلى امرأته وابنته وقال لهما قد أخبرتكما أنه ليس له فيما تدعونه رغبة قالت أمها لقد قصرت في النعت لابنتي والوصف لها أيها الملك ولكني خارجة إليه ومكلمة له فقال الملك للغلام إن امرأتي تريد أن تكلمك وتخرج إليك ولم تخرج إلى أحد قبلك فقال الغلام لتخرج إن أحبت فخرجت وجلست فقالت للغلام تعال إلى ما قد ساق الله إليك من الخير والرزق فأزوجك ابنتي فإنك لو قد رأيتها وما قسم الله عز وجل لها من الجمال والهيئة لاغتبطت فنظر الغلام إلى الملك فقال أ فلا أضرب لك مثلا قال بلى. قال إن سراقا تواعدوا أن يدخلوا خزانة الملك ليسرقوا فنقبوا حائط الخزانة فدخلوها فنظروا إلى متاع لم يروا مثله قط وإذا هم بقلة من ذهب مختومة بالذهب فقالوا لا نجد شيئا أعلى من هذه القلة هي ذهب مختومة بالذهب والذي فيها أفضل من الذي رأينا فاحتملوها ومضوا بها حتى دخلوا غيضة لا يأمن بعضهم بعضا عليها ففتحوها فإذا في وسطها أفاع فوثبن في وجوههم فقتلتهم أجمعين. عمرك الله أيها الملك أ فترى أحدا علم بما أصابهم وما لقوه يدخل يده في تلك القلة وفيها من الأفاعي قال لا قال فإني أنا هو فقالت الجارية لأبيها ائذن لي فأخرج إليه بنفسي وأكلمه فإنه لو قد نظر إلي وإلى جمالي وحسني وهيئتي وما قسم الله عز وجل لي من الجمال لم يتمالك أن يجيب فقال الملك للغلام إن ابنتي تريد أن تخرج إليك ولم تخرج إلى رجل قط قال لتخرج إن أحبت فخرجت عليه وهي أحسن الناس وجها وقدا وطرفا وهيكلا فسلمت على الغلام وقالت للغلام هل رأيت مثلي قط أو أتم أو أجمل أو أكمل أو أحسن وقد هويتك وأحببتك فنظر الغلام إلى الملك فقال أ فلا أضرب لها مثلا قال بلى قال الغلام زعموا أيها الملك أن ملكا له ابنان فأسر أحدهما ملك آخر فحبسه في بيت وأمر أن لا يمر عليه أحد إلا رماه بحجر فمكث على ذلك حينا ثم إن أخاه قال لأبيه ائذن لي فأنطلق إلى أخي فأفديه وأحتال له قال الملك فانطلق وخذ معك ما شئت من مال ومتاع ودواب فاحتمل معه الزاد والراحلة وانطلق معه المغنيات والنوائح فلما دنا من مدينة ذلك الملك أخبر الملك بقدومه فأمر الناس بالخروج إليه وأمر له بمنزل خارج من المدينة فنزل الغلام في ذلك المنزل فلما جلس فيه ونشر متاعه وأمر غلمانه أن يبيعوا الناس ويساهلوهم في بيعهم ويسامحوهم ففعلوا ذلك فلما رأى الناس قد شغلوا بالبيع انسل ودخل المدينة وقد علم أين سجن أخيه ثم أتى السجن فأخذ حصاة فرمى بها لينظر ما بقي من نفس أخيه فصاح حين أصابته الحصاة وقال قتلتني ففزع الحرس عند ذلك وخرجوا إليه وسألوه لم صحت وما شأنك وما بدا لك وما رأيناك تكلمت ونحن نعذبك منذ حين ويضربك ويرميك كل من يمر بك بحجر ورماك هذا الرجل بحصاة فصحت منها فقال إن الناس كانوا من أمري على جهالة ورماني هذا على علم فانصرف أخوه راجعا إلى منزله ومتاعه وقال للناس إذا كان غدا فأتوني أنشر عليكم بزا ومتاعا لم تروا مثله قط فانصرفوا يومئذ حتى إذا كان من الغد غدوا عليه بأجمعهم فأمر بالبز فنشروا وأمر بالمغنيات والنائحات وكل صنف معه مما يلهي به الناس فأخذوا في شأنهم فاشتغل الناس فأتى أخاه فقطع عنه أغلاله وقال أنا أداويك فاختلسه وأخرجه من المدينة فجعل على جراحاته دواء كان معه حتى إذا وجد راحة أقامه على الطريق ثم قال له انطلق فإنك ستجد سفينة قد سيرت لك في البحر فانطلق سائرا فوقع في جب فيه تنين وعلى الجب شجرة نابتة فنظر إلى الشجرة فإذا على رأسها اثنا عشر غولا وفي أسفلها اثنا عشر سيفا وتلك السيوف مسلولة معلقة فلم يزل يتحمل ويحتال حتى أخذ بغصن من الشجرة فتعلق به وتخلص وسار حتى أتى البحر فوجد سفينة قد أعدت له إلى جانب الساحل فركب فيها حتى أتوا به أهله. عمرك الله أيها الملك أ تراه عائدا إلى ما قد عاين ولقي قال لا قال فإني أنا هو فيئسوا منه فجاء الغلام الذي صحبه من المدينة فساره وقال اذكرني لها وأنكحنيها فقال الغلام للملك إن هذا يقول إني أحب الملك أن ينكحنيها فقال لا أفعل قال أ فلا أضرب لك مثلا قال بلى. قال إن رجلا كان في قوم فركبوا سفينة فساروا في البحر ليالي وأياما ثم انكسرت سفينتهم بقرب جزيرة في البحر فيها الغيلان فغرقوا كلهم سواه وألقاه البحر إلى الجزيرة وكانت الغيلان يشرفن من الجزيرة إلى البحر فأتى غولا فهويها ونكحها حتى إذا كان مع الصبح قتلته وقسمت أعضاءه بين صواحباتها واتفق مثل ذلك لرجل آخر فأخذته ابنة ملك الغيلان فانطلقت به فبات معها ينكحها وقد علم الرجل ما لقي من كان قبله فليس ينام حذرا حتى إذا كان مع الصبح نامت الغول فانسل الرجل حتى أتى الساحل فإذا هو بسفينة فنادى أهلها واستغاث بهم فحملوه حتى أتوا به أهله فأصبحت الغيلان فأتوا الغولة التي باتت معه فقالوا لها أين الرجل الذي بات معك قالت إنه قد فر مني فكذبوها وقالوا أكلتيه واستأثرتي به علينا فلنقتلنك إن لم تأتنا به فمرت في الماء حتى أتته في منزله ورحله فدخلت عليه وجلست عنده وقالت له ما لقيت في سفرك هذا قال لقيت بلاء خلصني الله منه وقص عليها ذلك فقالت وقد تخلصت قال نعم فقالت أنا الغولة وجئت لآخذك فقال لها أنشدك الله أن تهلكيني فإني أدلك على مكان رجل قالت إني أرحمك فانطلقا حتى إذا دخلا على الملك قالت اسمع منا أصلح الله الملك إني تزوجت بهذا الرجل وهو من أحب الناس إلي ثم إنه كرهني وكره صحبتي فانظر في أمرنا فلما رآها الملك أعجبه جمالها فخلا بالرجل فساره وقال له إني قد أحببت أن تتركها فأتزوجها قال نعم أصلح الله الملك ما تصلح إلا لك فتزوج بها الملك وبات معها حتى إذا كانت مع السحر ذبحته وقطعت أعضاءه وحملته إلى صواحباتها أ فترى أيها الملك أحدا يعلم بهذا ثم ينطلق إليه قال لا قال الخاطب للغلام فإني لا أفارقك ولا حاجة لي فيما أردت. فخرجا من عند الملك يعبدان الله جل جلاله ويسيحان في الأرض فهدى الله عز وجل بهما أناسا كثيرا وبلغ شأن الغلام وارتفع ذكره في الآفاق فذكر والده وقال لو بعثت إليه فاستنقذته مما هو فيه فبعث إليه رسولا فأتاه فقال له إن ابنك يقرئك السلام وقص عليه خبره وأمره فأتاه والده وأهله فاستنقذهم مما كانوا فيه. ثم إن بلوهر رجع إلى منزله واختلف إلى يوذاسف أياما حتى عرف أنه قد فتح له الباب ودله على سبيل الصواب ثم تحول من تلك البلاد إلى غيرها وبقي يوذاسف حزينا مغتما فمكث بذلك حتى بلغ وقت خروجه إلى النساك لينادي بالحق ويدعو إليه أرسل الله عز وجل ملكا من الملائكة فلما رأى منه خلوة ظهر له وقام بين يديه ثم قال له لك الخير والسلامة أنت إنسان بين البهائم الظالمين الفاسقين من الجهال أتيتك بالتحية من الحق وإله الخلق بعثني إليك لأبشرك وأذكر لك ما غاب عنك من أمور دنياك وآخرتك فاقبل بشارتي ومشورتي ولا تغفل عن قولي اخلع عنك الدنيا وانبذ عنك شهواتها وازهد في الملك الزائل والسلطان الفاني الذي لا يدوم وعاقبته الندم والحسرة واطلب الملك الذي لا يزول والفرح الذي لا ينقضي والراحة التي لا يتغير وكن صديقا مقسطا فإنك تكون إمام الناس تدعوهم إلى الجنة. فلما سمع يوذاسف كلامه خر بين يدي الله عز وجل ساجدا وقال إني لأمر الله تعالى مطيع وإلى وصيته منته فمرني بأمرك فإني لك حامد ولمن بعثك إلي شاكر فإنه رحمني ورءوف بي ولم يرفضني بين الأعداء فإني كنت بالذي أتيتني به مهتما قال الملك إني أرجع إليك بعد أيام ثم أخرجك فتهيأ لذلك ولا تغفل عنه فوطن يوذاسف نفسه على الخروج وجعل همته كله فيه ولم يطلع على ذلك أحدا حتى إذا جاء وقت خروجه أتاه الملك في جوف الليل والناس نيام فقال له قم فاخرج ولا تؤخر ذلك فقام ولم يفش سره إلى أحد من الناس غير وزيره فبينا هو يريد الركوب إذا أتاه رجل شاب جميل كان قد ملكهم بلاده فسجد له. وقال أين تذهب يا ابن الملك وقد أصابنا العسر أيها المصلح الحكيم الكامل وتتركنا له وتترك ملكك وبلادك أقم عندنا فإنا كنا منذ ولدت في رخاء وكرامة ولم تنزل بنا عاهة ولا مكروه فسكته يوذاسف وقال له امكث أنت في بلادك ودار أهل مملكتك فأما أنا فذاهب حيث بعثت وعامل ما أمرت به فإن أنت أعنتني كان لك في عملي نصيبا. ثم إنه ركب فسار ما قضى الله له أن يسير ثم إنه نزل عن فرسه ووزيره يقود فرسه ويبكي أشد البكاء ويقول ليوذاسف بأي وجه أستقبل أبويك وبما أجيبهما عنك وبأي عذاب أو موت يقتلاني وأنت كيف تطيق العسر والأذى الذي لم تتعوده وكيف لا تستوحش وأنت لم تكن وحدك يوما قط وجسدك كيف تحمل الجوع والظمأ والتقلب على الأرض والتراب فسكته وعزاه ووهب له فرسه والمنطقة فجعل يقبل قدميه ويقول لا تدعني وراءك يا سيدي اذهب بي معك حيث خرجت فإنه لا كرامة لي بعدك وإنك إن تركتني ولم تذهب بي معك أخرج في الصحراء ولم أدخل مسكنا فيه إنسان أبدا فسكته أيضا وعزاه وقال لا تجعل في نفسك إلا خيرا فإني باعث إلى الملك وموصيه فيك أن يكرمك ويحسن إليك. ثم نزع عنه لباس الملك ودفعه إلى وزيره وقال له البس ثيابي وأعطاه الياقوتة التي كان يجعلها في رأسه وقال له انطلق بها معك وفرسي وإذا أتيته فاسجد له وأعطه هذه الياقوتة وأقرئه السلام ثم الأشراف وقل لهم إني لما نظرت فيما بين الباقي والزائل رغبت في الباقي وزهدت في الزائل ولما استبان لي أصلي وحسبي وفصلت بينهما وبين الأعداء والأقرباء رفضت الأعداء والأقرباء وانقطعت إلى أصلي وحسبي فأما والدي فإنه إذا أبصر الياقوتة طابت نفسه فإذا أبصر كسوتي عليك ذكرني وذكر حبي لك ومودتي إياك فمنعه ذلك أن يأتي إليك مكروها. ثم رجع وزيره وتقدم يوذاسف أمامه يمشي حتى بلغ فضاء واسعا فرفع رأسه فرأى شجرة عظيمة على عين من ماء أحسن ما يكون من الشجر وأكثرها فرعا وغصنا وأحلاها ثمرا وقد اجتمع إليها من الطير ما لا يعد كثرة فسر بذلك المنظر وفرح به وتقدم إليه حتى دنا منه وجعل يعبره في نفسه ويفسره فشبه الشجر بالبشرى التي دعا إليها وعين الماء بالحكمة والعلم والطير بالناس الذين يجتمعون إليه ويقبلون منه الدين فبينا هو قائم إذا أتاه أربعة من الملائكة عليهم السلام يمشون بين يديه فاتبع آثارهم حتى رفعوه في جو السماء وأوتي من العلم والحكمة ما عرف به الأولى والوسطى والأخرى والذي هو كائن ثم أنزلوه إلى الأرض وقرنوا معه قرينا من الملائكة الأربعة فمكث في تلك البلاد حينا ثم إنه أتى أرض سولابط فلما بلغ والده قدومه خرج يسير هو والأشراف فأكرموه وقربوه واجتمع إليه أهل بلده مع ذوي قرابته وحشمه وقعدوا بين يديه وسلموا عليه وكلمهم الكلام الكثير وفرش لهم الأساس وقال لهم اسمعوا إلي بأسماعكم وفرغوا إلي قلوبكم لاستماع حكمة الله عز وجل التي هي نور الأنفس وثقوا بالعلم الذي هو الدليل على سبيل الرشاد وأيقظوا عقولكم وافهموا الفصل الذي بين الحق والباطل والضلال والهدى واعلموا أن هذا هو دين الحق الذي أنزله الله عز وجل على الأنبياء والرسل عليهم السلام والقرون الأولى فخصنا الله عز وجل به في هذا القرن برحمته بنا ورأفته ورحمته وتحننه علينا وفيه خلاص من نار جهنم إلا أنه لا ينال الإنسان ملكوت السماوات ولا يدخلها أحد إلا بالإيمان وعمل الخير فاجتهدوا فيه لتدركوا به الراحة الدائمة والحياة التي لا تنقطع أبدا ومن آمن منكم بالدين فلا يكونن إيمانه طمعا في الحياة ورجاء لملك الأرض وطلب مواهب الدنيا وليكن إيمانكم بالدين طمعا في ملكوت السماوات ورجاء للخلاص وطلب النجاة من الضلالة وبلوغ الراحة والفرج في الآخرة فإن ملك الأرض وسلطانها زائل ولذاتها منقطعة فمن اغتر بها هلك وافتضح لو قد وقف على ديان الدين الذي لا يدين إلا بالحق فإن الموت مقرون مع أجسادكم وهو يتراصد أرواحكم أن يكبكبها مع الأجساد. واعلموا أنه كما أن الطير لا يقدر على الحياة والنجاة من الأعداء من اليوم إلى غد إلا بقوة من البصر والجناحين والرجلين فكذلك الإنسان لا يقدر على الحياة والنجاة إلا بالعمل والإيمان والعمل الصالح وأفعال الخير الكاملة فتفكر أيها الملك أنت والأشراف فيما تسمعون وافهموا واعتبروا واعبروا البحر ما دامت السفينة واقطعوا المفازة ما دام الدليل والظهر والزاد واسلكوا سبيلكم ما دام المصباح وأكثروا من كنوز البر مع النساك وشاركوهم في الخير والعمل الصالح وأصلحوا التبع وكونوا لهم أعوانا ومروهم بأعمالكم لينزلوا معكم ملكوت النور واقبلوا النور واحتفظوا بفرائضكم وإياكم أن تتوثقوا إلى أماني الدنيا وشرب الخمور وشهوة النساء من كل ذميمة وقبيحة مهلكة للروح والجسد واتقوا الحمية والغضب والعداوة والنميمة وما لم ترضوه أن يؤتى إليكم فلا تأتوه إلى أحد وكونوا طاهري القلوب صادقي النيات لتكونوا على المنهاج إذا أتاكم الأجل. ثم انتقل من أرض سولابط وسار في بلاد ومدائن كثيرة حتى أتى أرضا تسمى قشمير فسار فيها وأحيا ميتها ومكث حتى أتاه الأجل الذي خلع الجسد وارتفع إلى النور ودعا قبل موته تلميذا له اسمه أيابذ الذي كان يخدمه ويقوم عليه وكان رجلا كاملا في الأمور كلها وأوصى إليه وقال إنه قد دنا ارتفاعي عن الدنيا واحتفظوا بفرائضكم ولا تزيغوا عن الحق وخذوا بالتنسك ثم أمر أيابذ أن يبني له مكانا فبسط هو رجليه وهيأ رأسه إلى المغرب ووجهه إلى المشرق ثم قضى نحبه. قال مصنف هذا الكتاب ليس هذا الحديث وما شاكله من أخبار المعمرين وغيرهم مما أعتمده في أمر الغيبة ووقوعها لأن الغيبة إنما صحت لي بما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والائمة عليهم السلام من ذلك بالأخبار التي بمثلها صح الإسلام وشرائعه وأحكامه ولكني أرى الغيبة لكثير من أنبياء الله ورسله صلى الله عليه وآله وسلم ولكثير من الحجج بعدهم عليهم السلام ولكثير من الملوك الصالحين من قبل الله تبارك وتعالى ولا أجد لها منكرا من مخالفينا وجميعها في الصحة من طريق الرواية دون ما قد صح بالأخبار الكثيرة الواردة الصحيحة عن النبي والأئمة صلى الله عليه وآله وسلم في أمر القائم الثاني عشر من الائمة عليهم السلام وغيبته حتى يطول الأمد وتقسو القلوب ويقع اليأس من ظهوره ثم يطلعه الله وتشرق الأرض بنوره ويرتفع الظلم والجور بعدله فليس في التكذيب بذلك مع الإقرار بنظائره إلا القصد إلى إطفاء نور الله وإبطال دينه ويأبى الله إلا أن يتم نوره ويعلي كلمته ويحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المخالفون المكذبون بما وعد الله الصالحين على لسان خير النبيين صلوات الله عليه وعلى آله الطاهرين. ولإيرادي هذا الحديث وما يشاكله في هذا الكتاب معنى آخر وهو أن جميع أهل الوفاق والخلاف يميلون إلى مثله من الأحاديث فإذا ظفروا به من هذا الكتاب حرصوا على الوقوف على سائر ما فيه فهم بالوقوف عليه من بين منكر وناظر وشاك ومقر فالمقر يزداد به بصيرة والمنكر تتأكد عليه من الله الحجة والواقف الشاك يدعوه وقوفه بين الإقرار والإنكار إلى البحث والتنقيب إلى أمر الغائب وغيبته فترجى له الهداية لأن الصحيح من الأمور لا يزيده البحث والتنقيب إلا تأكيدا كالذهب الذي كلما دخل النار ازداد صفاء وجودة. وقد غيب الله تبارك وتعالى اسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى في أوائل سور من القرآن.

فقال عز وجل الم والمر والر والمص وكهيعص وحم عسق وطسم وطس ويس وما أشبه ذلك لعلتين إحداهما أن الكفار والمشركين كانت أعينهم في غطاء عن ذكر الله وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدليل قوله عز وجل (أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا) وكانوا لا يستطيعون للقرآن سمعا فأنزل الله عز وجل أوائل سور منه اسم الأعظم بحروف مقطوعة هي من حروف كلامهم ولغتهم ولم تجر عادتهم بذكرها مقطوعة فلما سمعوها تعجبوا منها وقالوا نسمع ما بعدها تعجبا فاستمعوا إلى ما بعدها فتأكدت الحجة على المنكرين وازداد أهل الإقرار به بصيرة وتوقف الباقون شكاكا لا همة لهم إلا البحث عما شكوا فيه وفي البحث الوصول إلى الحق والعلة الأخرى في إنزال أوائل هذه السور بالحروف المقطوعة ليخص بمعرفتها أهل العصمة والطهارة فيقيمون بها الدلائل ويظهرون بها المعجزات ولو عم الله تعالى بمعرفتها جميع الناس لكان في ذلك ضد الحكمة وفساد التدبير وكان لا يؤمن من غير المعصوم أن يدعو بها على نبي مرسل أو مؤمن ممتحن ثم لا يجوز أن يقع الإجابة بها مع وعده واتصافه بأنه لا يخلف الميعاد على أنه يجوز أن يعطي المعرفة ببعضها من يجعله عبرة لخلقه متى تعدى فيها حده كبلعم بن باعوراء حين أراد أن يدعو على كليم الله موسى بن عمران عليه السلام فأنسي ما كان أوتي من الاسم فانسلخ منها وذلك قول الله عز وجل في كتابه (واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ) وإنما فعل عز وجل ذلك ليعلم الناس أنه ما اختص بالفضل إلا من علم أنه مستحق للفضل وأنه لو عم لجاز منهم وقوع ما وقع من بلعم.

وإذا جاز أن يغيب الله عز وجل اسمه الأعظم في الحروف المقطوعة في كتابه الذي هو حجته وكلامه فكذلك جائز أن يغيب حجته في الناس عن عباده المؤمنين وغيرهم لعلمه عز وجل أنه متى أظهره وقع من أكثر الناس التعدي لحدود الله في شأنه فيستحقون بذلك القتل فإن قتلهم لم يجز وفي أصلابهم مؤمنون وإن لم يقتلهم لم يجز وقد استحقوا القتل. فالحكمة للغيبة في مثل هذه الحالة موجبة فإذا تزيلوا ولم يبق في أصلابهم مؤمن أظهره الله عز وجل فخسف بأعدائه وأبادهم أ لا ترى المحصنة إذا زنت وهي حبلى لم ترجم حتى تضع ولدها وترضعه إلا أن يتكفل برضاعه رجل من المسلمين فهذا سبيل من في صلبه مؤمن إذا وجب عليه القتل لم يقتل حتى يزايله ولا يعلم ذلك إلا من يكون حجة من قبل علام الغيوب ولهذا لا يقيم الحدود إلا هو وهذه هي العلة التي من أجلها ترك امير المؤمنين عليه السلام مجاهدة أهل الخلاف خمسا وعشرين سنة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

حدثنا جعفر بن محمد بن مسرور رضي الله عنه قال حدثنا الحسين بن محمد بن عامر عن عمه عبد الله بن عامر عن محمد بن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال قلت له ما بال أمير المؤمنين عليه السلام لم يقاتل مخالفيه في الأول قال لآية في كتاب الله تعالى (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً) قال قلت وما يعني بتزايلهم قال ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين وكذلك القائم عليه السلام لم يظهر أبدا حتى تخرج ودائع الله عز وجل فإذا خرجت ظهر على من ظهر من أعداء الله عز وجل فقتلهم حدثنا المظفر بن جعفر بن المظفر العلوي رضي الله عنه قال حدثنا جعفر بن محمد بن مسعود عن أبيه عن علي بن محمد عن أحمد بن محمد عن الحسن بن محبوب عن إبراهيم الكرخي قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام أو قال له رجل أصلحك الله أ لم يكن علي عليه السلام قويا في دين الله عز وجل قال بلى قال فكيف ظهر عليه القوم وكيف لم يدفعهم وما يمنعه من ذلك قال آية في كتاب الله عز وجل منعته قال قلت وأية آية هي قال قوله عز وجل (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً) إنه كان لله عز وجل ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين ومنافقين فلم يكن علي عليه السلام ليقتل الآباء حتى يخرج الودائع فلما خرجت الودائع ظهر على من ظهر فقاتله وكذلك قائمنا أهل البيت لن يظهر أبدا حتى تظهر ودائع الله عز وجل فإذا ظهرت ظهر على من يظهر فقتله.

حدثنا المظفر بن جعفر بن المظفر السمرقندي العلوي رضي الله عنه قال حدثنا جعفر بن محمد بن مسعود عن أبيه قال حدثنا جبرئيل بن أحمد قال حدثني محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس بن عبد الرحمن عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً) لو أخرج الله عز وجل ما في أصلاب المؤمنين من الكافرين وما في أصلاب الكافرين من المؤمنين لعذب الذين كفروا.

وحدثنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن أحمد الفقيه الأسواري بإيلاق قال حدثنا مكي بن أحمد البرذعي قال سمعت إسحاق بن إبراهيم الطرسوسي يقول وكان قد أتى عليه سبع وتسعون سنة على باب يحيى بن منصور قال رأيت سربانك ملك الهند في بلدة تسمى قنوج فسألناه كم أتى عليك من السنين فقال تسعمائة سنة وخمس وعشرون سنة وهو مسلم وزعم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنفذ إليه عشرة من أصحابه فيهم حذيفة بن اليمان وعمرو بن العاص وأسامة بن زيد وأبو موسى الأشعري وصهيب الرومي وسفينة وغيرهم يدعونه إلى الإسلام فأجاب وأسلم وقبل كتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت له كيف تصلي مع هذا الضعف فقال لي قال الله تعالى (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وقُعُوداً وعَلى جُنُوبِهِمْ) فقلت له وما طعامك فقال آكل ماء اللحم والكراث وسألته هل يخرج منك شي ء فقال في كل أسبوع مرة شي ء يسير قال وسألته عن أسنانه فقال أبدلتها عشرين مرة ورأيت له في إصطبله شيئا من الدواب أكبر من الفيل يقال له زند فيل فقلت له وما تصنع بهذا قال يحمل بها ثياب الخدم إلى القصار ومملكته مسيرة أربع سنين في مثلها ومدينته طولها خمسون فرسخا في مثلها وعلى كل باب منها عسكر في مائة ألف وعشرين ألفا إذا وقع في أحد من تلك الأبواب حدث خرجت تلك الفرقة إلى الحرب لا يستعان بغيرها وهو في وسط المدينة وسمعته يقول دخلت المغرب فبلغت إلى الرمل رمل العالج وصرت إلى قوم موسى عليه السلام فرأيت سطوح بيوتهم مستوية وبيدر الطعام خارج القرية يأخذون منه القوت والباقي يتركونه هناك وقبورهم في دورهم وبساتينهم من المدينة على فرسخين ليس فيهم شيخ ولا شيخة ولم أر فيهم علة ولا يعتلون إلى أن يموتوا ولهم أسواق إذا أراد إنسان منهم شراء شي ء صار إلى السوق فوزن لنفسه وأخذ ما يصيبه وصاحبه غير حاضر وإذا أرادوا الصلاة حضروا فصلوا وانصرفوا لا يكون بينهم خصومة أبدا ولا كلام يكره إلا ذكر الله عز وجل والصلاة وذكر الموت. قال مصنف هذا الكتاب رحمه الله فإذا كان جاز عند مخالفينا مثل هذه الحال لسربانك ملك الهند فينبغي أن لا يحيلوا مثل ذلك في حجة الله في التعمير ولا قوة إلا بالله.

 


source : أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق
  727
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

التباكي على سيِّد الشهداء (عليه السلام)
اليوم السابع من محرم..يوم مخصص للعباس بن علي (ع)
عوذات الأيام
الانتظار و الرفض
البكاء على أهل البيت‏
دعاء وداع الامام الرضا عليه السلام
الإسلام والنظام
مقام السيدة زينب الكبرى في كتب المؤلفين
حد الفقر الذی یجوز معه اخذ الزکاة
خدمة الناس واحترام كرامتهم الانسانية

 
user comment