عربي
Sunday 20th of September 2020
  305
  0
  0

واجبات الدولة في مجال مستوى المعيشة

عندما تقوم الدولة على الصعيد الفردي بواجباتها فإنها ـ في الواقع ـ تضمن قسطاً كبيراً من قيامها بالواجب على الصعيد العام، وهو ما أسميناه: مجال (مستوى المعيشة)، أو مجال (ضمان الحد المطلوب للنسبة بين مستويات معيشة الأفراد في المجال الاقتصادي).
ويمكننا ـ هنا ـ أن نقول: إن هناك أساسين رئيسين تقوم عليها سياسة الدولة الاسلامية الاقتصادية، هما (التكافل والتعادل).
الأساس الأول: التكافل
ويتصور في مجالين أيضاً، هما التكافل الفردي والتكافل الاجتماعي.
ـ التكافل الفردي:
نعني بالتكافل الفردي، أن يكون كل فرد في المجتمع الاسلامي ضامناً لأمرين ضماناً واجباً لا تخلف فيه، وهما:
أ ـ الحاجات الأساس الضرورية الفورية لكل فرد في عرض المجتمع الاسلامي.
ب ـ الحاجات الأساس الضرورية لمجمل المجتمع الاسلامي والتي لا يمكن أن يتم قوامه بدونها.
ـ التكافل الاجتماعي:
نعني بالتكافل الاجتماعي، أن تكون الدولة ضامنة (نيابة عن المجتمع) لتحقيق الأمرين التالين:
أ ـ توفير الحاجات العرفية للأفراد حتى يصلوا إلى مستوى الغنى.
ب ـ تأمين أفضل الحالات الممكنة للحياة الاجتماعية.
ولا نجدنا بحاجة للاستدلال على هذين النمطين من التكافل، إذ هما يكادان أن يكونا من المسلّمات الفقهية، ولكن ـ لزيادة التأكد ـ نلاحظ النصوص التالية:
1 ـ عن أبي عبدالله الصادق (ع) قال: ((تعطيه من الزكاة حتى تغنيه)).
2 ـ وقال أبو جعفر الباقر (ع): ((إذا أعطيت فأغنه)).
3 ـ عن أبي عبدالله الصادق (ع) قال: ((إن من أشد ما افترض الله على خلقه ثلاثاً: انصاف المؤمن من نفسه حتى لا يرضى لأخيه من نفسه إلا بما يرضى لنفسه منه، ومواساة الأخ في المال ... )).
4 ـ عن أبي عبدالله الصادق (ع) قال، في معرض حديثه عن حق المؤمن على المؤمن: ((يا أبان، تقاسمه شطر مالك. ثم نظر إليّ فرأى ما دخلني، فقال: يا أبان، أما تعلم أن الله قد ذكر المؤثرين على أنفسهم؟ قلت: بلى جعلت فداك، فقال: إذا أنت قاسمته فلم تؤثره بعد، إنما أنت وهو سواء، إنما تؤثر إذا أنت أعطيته من النصف الآخر)).
5 ـ عن أمير المؤمنين (ع): ((مَن شكا الحاجة إلى مؤمن فكأنما شكاها إلى الله)).
6 ـ عن الصادق (ع) قال: ((يأتي على الناس زمان مَن سأل الناس عاش ومَن سكت مات، قلت: فما أصنع إن أدركت ذلك الزمان؟ قال: تعينهم بما عندك، فإن لم تجد، فبجاهك)).
7 ـ عن الصادق (ع) قال: ((إيما مؤمن منع مؤمناً شيئاً مما يحتاج إليه وهو يقدر عليه من عنده أو من عند غيره أقامه الله يوم القيامة مسوداً وجهه، مزرقة عيناه، مغلولة يداه إلى عنقه، فيقال: هذا الخائن الذي خان الله ورسوله، ثم يؤمر به إلى النار)).
ويعلق الشهيد الإمام الصدر على هذا الحديث، فيقول: ((والحاجة في هذا الحديث وإن جاءت مطلقة، ولكن المقصود منها هو الحاجة الشديدة ... لأن غير الحاجات الشديدة لا يجب على المسلمين كفالتها، وضمان اشباعها اجماعاً)).
8 ـ وكتاب الإمام علي (ع) إلى مالك الأشتر غني بهذه الإشعاعات.
9 ـ أجمع العلماء عن ضرورة توفير الكفاية من حاجات المسلمين، ولذا نجدهم يبحثون عن أسلوب تصحيح أخذ الأجرة على هذه الأمور باعتبارها من الواجبات.
10 ـ من الواجبات التي يجمع العلماء على لزوم قيام الدولة بها، الرقي بالحاجة العامة إلى ما يمكنها منه.
ومن الملاحظة هنا أمران:
أولهما: هو ان الدولة الاسلامية تحمل وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي تقتضي الزام الأفراد بالعمل بواجباتهم وهذا ـ بتعبير آخر ـ يعني ان الدولة تحمل مسؤولية تحميل الأفراد المسؤولية، ولا تترك الأمر لمجرد المواعظ الأخلاقية، وإن كان لهذه الدور الكبير في ايجاد الدافع المطلوب.
ثانيهما: ان ما ينتج من هذا الضمان الفردي والاجتماعي هو الضمان المؤكد لكل الحاجات الضرورية من جهة، والضمان الطبيعي للحياة الطبيعية لجميع الأفراد الذين يعيشون في المجتمع، وهذا يعني ضمان غير المسلمين أيضاً كما يرى بعض الفقهاء كالشيخ الحر العاملي، من أن ضمان الدولة لا يختص بالمسلم.
الأساس الثاني: التعادل
وهذا هو الركن الثاني المهم من واجبات الدولة في مجال مستوى المعيشة، وبه تتكامل السياسة الاقتصادية للدولة، وبدونه لن تتحقق هذه السياسة.
والمقصود بالتعادل، ليس التعادل الحدي، والتساوي بين مستويات المعيشة، وإنما المراد به هو التقارب الطبيعي بين هذه المستويات. ولكي يتوضح هذا الأمر، نقول: ان هناك حدين مسلّم بهما ـ فقهياً ـ لمستويات المعيشة الفردية، لا يمكن تجاوزهما، وهما الإسراف كحد أعلى والغنى كحد أدنى. والمقصود بالإسراف: هو الابتعاد الزائد عن الحد الطبيعي الوسط للمعيشة. كما ان المقصود بالغنى: هو امتلاك هذا الحد الطبيعي الذي يمكن الفرد من معيشة متوسطة عرفاً.
ولسنا نجد حاجة ملحة للاستدلال على هذين الحدين بملاحظة وضوح ذلك، وخصوصاً إذا لاحظنا الروايات التي مرت بنا قبل قليل، وإن كنا نجد ان أدنى تأمل في طبيعة أهداف الدولة الاسلامية الاقتصادية يكفي للدلالة على أن الحد الأدنى الذي يرتضيه الاسلام هو الغنى المذكور، ون الحد الأعلى هو حد عدم الإسراف ـ كما مر ـ ومن هنا نستطيع أن نقول بأن الدولة عليها أن تبذل كل امكاناتها المادية والتشريعية القانونية، ونفوذها المعنوي، في سبيل الارتفاع بمستوى الطبقات المحرومة في المجتمع، وتوفير كل الظروف الملائمة لتحقيق حد الغنى المطلوب، كما أن عليها أن تبذل كل طاقاتها للضغط بشدة على الطبقات المترفة المتجاوزة للحد الطبيعي حتى تصل إلى الحد الذي يرتضي فيه العرف العام صدق صفة عدم الإسراف عليه. وبهذا يتحقق التعادل المطلوب اسلامياً في المجتمع، وينمحي التفاوت غير الطبيعي بكل آثاره السلبية. إلا ان زوال المجتمع الطبقي لا يعني زوال الفوارق بين مستويات المعيشة كلية. كلا، بل يعني ان الفوارق سوف تبقى ولكن على مستوى فوارق الدرجة ـ كما يعبر الشهيد الكبير الصدر ـ لا على مستوى الطبقة. وليس هذا التفاوت عيباً، بل هو يشكل ـ حتماً ـ نقطة قوة إذا لاحظنا الأمرين التاليين:
أ ـ التفاوت في الامكانات الذهنية والعضلية للأفراد، وبالتالي تفاوت الأعمال من حيث القدرة على الإنتاج الجيد.
ب ـ قبول الاسلام بمبدأ أساس الملكية، مما يؤدي إلى التفاوت في ملكيات الأفراد وقدراتهم على تحقيق مستويات أفضل. فإذا ما فسحنا المجال للأفراد للعمل على رفع مستوياتهم، فقد وفرنا الدافع الانتاجي القوي، ولم نمت حسن الإبداع والسعي فيهم، إلا أن ذلك لن يبقى مطلقاً، وإنما هو مقيد بعدم تجاوز الحد الأعلى للمجتمع المتوازن العادل.
يجب أن لا نتصور أن توفير الحد الأدنى من قبل الدولة يؤدي إلى الكسل والتواكل، فذلك تصور باطل، لأن الدولة لن تلجأ إلى التوفير الكامل لهذا المستوى، إلا إذا انعدمت الأساليب الأخرى، كأسلوب توفير وسائل الإنتاج للقادرين على العمل، أو توفير السيولة النقدية الممكنة لبناء رساميل صغيرة، تعين الأفراد على بناء حياتهم المعيشية المتوسطة، وغير ذلك. ومن هنا فإن العكس هو الصحيح إذ سيكتسب الإنتاج عناصر جديدة، إذا كانت سياسة الدولة تتجه إلى هذا الهدف بكل متابعة وجد.
وهنا يجب أن نذكر بأن هذين الحدين لا يمكن تعيينهما بشكل جاد، وإنما هما يتبعان الظروف المتغيرة، كمستوى الإنتاج، وتوفر المعادن، وكثافة السكان، وانعدام الأزمات الاقتصادية، والمناخ الجغرافي، والظروف السياسية، والاجتماعية، وغير ذلك. ومن هنا يجب توفير جهاز خبير يتابع هذه المتغيرات ليكتشف ـ بالتالي ـ هوية هذين الحدين على ضوئها.
كما يجب التذكير ـ بعد هذا ـ بأن التعادل الذي ذكرناه لا يتناول المستوى الفردي بشكل مباشر، إذ ليست هناك علاقة حتمية بين مستوى الدخل ومستوى المعيشة، وإن كانت هذه العلاقة قائمة في الحالات الطبيعية، ولكنها قد تنفصم، مثلاً لعامل أخلاقي، كما في حالة الزهد، أو لعامل قانوني، كما في حالة المنع القانوني من الإسراف، أو لأي عامل آخر. وعليه، فالدخل لا محدودية له في الدولة الاسلامية كمبدأ ولكن هذا لا يعني أنها لا تستطيع السيطرة على نمو الدخل الفردي بشكل أهوج، فإذا رأت ان ذلك النمو الأهوج سوف يؤدي إلى تداول الثروة لدى فئة قليلة جداً، لها صفاتها غير الطبيعية، مما يسحب القدرة الاقتصادية في مجالات الانتاج والتبادل من الجماهير. أو رأت هذا النمو المتكاثر سوف يجعل من الصعب على الجهاز الاداري أن يحقق التوازن المطلوب، وأمثال ذلك فإنها تستطيع التحديد من الدخل عبر المنع من الدخول في بعض المجالات الاقتصادية، ومنع تلك المجالات لرؤوس الأموال التعاونية، أو للشركات المساهمة، أو للأفراد، أو للآخرين، أو تستطيع أن تفرض الضرائب التوازنية لتحقيق هذا الهدف. ولا مجال فعلاً للبحث عن الأسس التشريعية لذلك.


source : البلاغ
  305
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

المنهج الصوفي أو الباطني للتفسير
شرح خطبة السيدة زينب في مجلس يزيد
عداء الوهابيّة للإمام علي عليه‌السلام
من مناظرات الامام الصادق(عليه السلام)
الإمام الصادق (ع) خازن العلم وحافظ الشريعة
جابر بن عبد الله الانصاری
أدب الصلاة على النبي (ص)
قربان الحسين (عليه السلام)
حب أهل البيت (ع)
الحكمة من عصمة سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء (عليها ...

 
user comment