عربي
Monday 28th of September 2020
  41
  0
  0

حرمة المسكن وحمايته في القانون الداخلي والدولي

إن السكن كعنصر أساسي في حماية الحياة العائلية والفردية يمكن اختياره واستعماله بحرية من جهة، واعتباره حصيناً INVIOLALBLE من جهة أخرى، وفيه يرى الفقهاء مظهرين للحرية الفردية، ولها قيمة دستورية، طالما أن الحق في حصانة المسكن مقرر في معظم دساتير الدول. وأن كثيراً من الدول باستثناء الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تقرر جزاءات جنائية على انتهاك حرمة السكن. وفي فنويلا وجمهورية ألمانيا، والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وغيرها يقوم الحق في الحصول على تعويض عن الضرر العام (المعنوي) علاوة على التعويض عن الضرر المادي للشخص الذي سببه المعتدي أو حتى لو لم يكن ثمة ضرر مادي. وحرمة المسكن لم تحمها القوانين والدساتير فحسب، بل إن الاتفاقات الدولية وإعلانات حقوق الانسان قد أشارت لهذه الحماية.. ونتناول بحث هذه الحرمة بشيء من التفصيل حسب الترتيب التالي:
1 ـ فبالنسبة لحرية اختيار المسكن واستعماله، يبدو أنه من المسلم به في دول العالم أن لكل مواطن مطلق الحرية أن يختار منزله دون الحصول على إذن مسبق أو إجازة تالية. كما يمكنه ن يغير هذا المسكن بحرية، دون أن يكون ملزماً بالتصريح عن ذلك، وأخيراً فإن لكل انسان أن يختار حياة الترحال ولا يرتبط بمسكن خاص.
وقد تكون هنالك استثناءات محدودة وبمنية على الوضع القانوني لبعض مَن يعنيهم الأمر، وهكذا فإن بعض الموظفين قد يكونون ملزمين في الاقامة في مكان يمكنهم من ممارسة وظائفهم أو كما تشترطه بعض الأنظمة بالنسبة لممارسة بعض المهن.. ويشترط في كثير من البلدان بالنسبة لضباط الاحتياط إخبار السلطات العسكرية عن تغيير محل اقامتهم. وفي بعض البلدان ولاعتبارات أمنية يخضع اختيار منزل جديد شراء أو إيجاراً إلى تصريح لدى الشرطة يسجل في محضر تعريف بين المتعاقدين (سورية). كذلك الأمر فإن لكل واحد أن يستعمل بحرية منزله كما يشاء. ويصح هذا بصورة خاصة بالنسبة للمالكين ولكن ذك بشرط احترام الأنظمة المختلفة المتعلقة بأنظمة البلدية والتأجير والملكية المشتركة الخ.. كذلك الأمر بالنسبة للمستأجرين والقيود المفروضة عليهم قانوناً أو بعقود الإيجار. وعلى كل حال فإن الحرية بالاختيار والاستعمال واسعة جداً، شريطة ان لا يتعسف صاحب المنزل باستعماله لحريته التي يمارسها بحيث تنعكس بالأذى على غيره. وهكذا فإن من المتعارف عليه والمالوف أنه يمكن للسلطات الضبطية أن تملى أنظمة تهدف لضمان الهدوء والأمن والصحة العامة حيث يكون ممكناً منع إحداث ضجيج (أدوات ضجة أو حيوانات) أو أن يحتفظ شاغل المنزل بمواد مؤذية أو خطيرة حيث يمكن للسلطة الإدارية التدخل وفقاً للأشكال القانونية المرسومة من أجل احترام النظام العام.
إن هذه المبادئ المشار إليها تكاد أن تكون متشابهة في بلدان العالم وعلى سبيل المثال فإن مقدمة دستور (1789) الفرنسي قد اعتبرت أن الملكية الخاصة مصونة ومقدسة، وقد استخلص المجلس الدستوري الفرنسي أن هذه المقدمة ترقى لمرتبة جزء من لادستور ولا تزال نافذة وبذلك أقفل باب الجدل حول قيمها القانونية.
2 ـ وبالنسبة لحرمة المسكن وحصانته، فإن ذلك أمر متفق عليه في أنظمة الدول بصورة عامة تقريباً ففي ألمانيا ينص الدستور في المادة (13) منه على حرمة المسكن وتعتبر أن دخول المساكن أو فرض قيود على استعمالها غير جائز إلا لدرء خطر عن الجمهور أو إنقاذ أشخاص من خطر الموت أو منع خطر حال على النظام العام أو لعلاج أزمة الإسكان أو لمكافحة الأوبئة أو لحماية الأحداث المعرضين للخطر.
وفي الولايات المتحدة يحمي التعديل الدستوري الرابع حرمة المسكن حيث ينص على أنه لا يجوز انتهاك حق أفراد الشعب في أن يكونوا آمنين على أشخاصهم ومنازلهم وأوراقهم وحاجاتهم من أي تفتيش أو ضبط غير معقول أو إجرائه بدون ترخيص، إلا بناء على سبب محتمل وبتأييد معزز بقسم أو بصفة خاصة مع إيضاح المكان الذي يجري تفتيشه والأشخاص أو الأشياء التي يجري ضبطها.
ووفقاً لهذا التعديل يجب الحصول على حلف اليمين وإقرار أمر كتابي بالتفتيش يبين على وجه خاص المكان محل التفتيش والأشخاص محل القبض والأشياء محل الضبط ومع ذلك يجوز للفرد أن يتنازل عن الضمانات الدستورية التي قررها التعديل وذلك بأن يرضى بالتفتيش أو القبض أو الضبط غير الشرعي.
وكان دستور الاتحاد السوفياتي يضمن حرمة المسكن لمواطني الاتحاد ولا يحق لأحد أن يدخل بدون مبرر شرعي مسكناً خلافاً لارادة الساكنين فيه.
وفي سورية ومصر ينص الدستور على أن للمساكن حرمة مصونة، فلا يجوز دخولها ولا تفتيشها إلا بأمر قضائي وفقاً للقانون وكذلك دساتير وأنظمة البلدان العربية الأخرى. وترد مثل هذه النصوص في كافة دساتير العالم تقريباً. وإلى جانب الدستور تتضمن أغلب النظم القانونية نصوصاً في هذا الشأن وبخاصة في قوانين العقوبات وإجراءاتها والقوانين الخاصة لحماية مسكن الفرد وممتلكاته الأخرى من التطفل عليها. ويبقى السؤال عن مدى ما توفره النصوص من حماية فعالة وكل ذلك مرتبط بمفهوم سيادة القانون ومدى احترام السلطة الحاكمة لهذه السيادة.
هذا ويمكن القول: إن الاجتهاد الذي اعتمده القضاء بشأن حماية حصانة المسكن واسع نسبياً. فعبارة المسكن لا تعني فقط المكان الذي يخصصه الفرد لاقامته ومعيشته وسكنه وإنما أيضاً المكان الذي يسكن فيه أو لا يسكن، حيث أنه كيفما كان عنوان إشغاله القانوني وتخصيصه لهذا الإشغال يعتبر محمياً من الانتهاك.
وهكذا اعتبر الاجتهاد أن المساكن ليست الشقق السكنية في بيوت خاصة فحسب، وإنما أيضاً، العربات المتنقلة والمقطورات CARAVANE (وليس السيارات) وتوابع المنزل المباشرة، مثل الشرفات، والأرصفة، والباصات، والحدائق حتى ولو كانت محاطة بجدران أو مسيجة في حالة سيئة. ولا يهم أن يكون المكان مسكوناً أو غير مسكون انطلاقاً من الحالة التي يكون فيها ممكناً السكن فيه ولا يهم كذلك نوع الإشغال. وحتى أن الغرف في الفنادق تعتبر بمثابة السكن وقد أعطى نفس التوصيف أحياناً لمحل العمل ضمن بعض الشروط ويخرج عن ذلك المحلات العامة كالمقاهي والمطاعم، والأماكن التجارية خلال الساعات المحددة لافتتاحها.
ومن البداهة بمكان أن هذه الحماية الواسعة تتعرض لاستثناءات، ويختلف التعبير عنها من بلد لآخر، وتعالج قوانين العقوبات في هذه البلدان مسألة انتهاك حرمة المسكن أو الدخول إليها. مما لا حاجة للتفصيل فيه هنا.
3 ـ واضافة إلى النصوص الدستورية والقانونية التي أشرنا إليها، فإن المواثيق والتفاقيات الدولية قد أشارت إلى حماية حرمة المسكن.. فالمادة (12) من الإعلان العالمي لحقوق الانسان لعام (1948) نصت على أنه (لا ينبغي أن يتعرض أحد للتدخل التحكمي في شؤون عائلته أو منزله، وكل فرد له الحق في حماية القانون). كما أن اتفاقية الحقوق المدنية والسياسية التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة تتضمن نصاً مشابهاً (م17) وقد قرر مؤتمر (استكهولم) المنعقد لمناقشة الحق في الحرمة الشخصية باعتبارها حقاً أساسياً للانسان تحميه من تدخل السلطات العامة والجمهور والأفراد وأن حق الحرمة الشخصية، هو أن يترك المرء وشأنه وأن يحيا وفق ما يشاء وبأقل قدر من التدخل، وأشار إلى حق الشخص في أن يحيا حياة محمية من التدخل في حياتها الخاصة أو العائلية أو المنزلية، ومن التفتيش والدخول إلى الأماكن والملكيات الأخرى. وأشارت الاتفاقية الأوروبية لحقوق الانسان في المادة (18) بأن كل شخص يملك الحق في احترام حياته الخاصة وعائلته ومسكنه.
وأكد المؤتمر الدولي لرجال القانون في اجتماعهم الدولي الأول الذي عقد في أثينا عام (1955) على أن حكم القضاء يتطلب أن يكون لحياة الأفراد الخاصة حرمتها. كما نصت الاتفاقية الأميركية لحقوق الانسان على حماية الأفراد من التعرض للتدخل في حياتهم الشخصية عن طريق استخدام السلطة التحكمية بالنسبة لشخصه أو عائلته أو منزله وأن لكل فرد الحق في حماية القانون ضد التدخل أو التعدي.


source : البلاغ
  41
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

دور الإمام المهدي(عج) في تربية الشخصية الإسلامية
عبقات.. من الأنوار الرضويّة (1)
الانتظار و الرفض
المعالم الاجتماعية في حكومة الامام المهدي (عج) / انتهاء ...
الايه التي ذكرت فيها مصيبة الحسين عليه السلام
الفرق بين القضاء والقدر
الإمامة و الحروب
وصية أخرى إلى أمير المؤمنين ع مختصرة
زكاة الفطرة
مما یدعی فی ربیع الاول

 
user comment