عربي
Sunday 29th of November 2020
  340
  0
  0

ولاية التأديب

للرجل رئاسة عامة في البيت، على زوجته وعلى أولاده، وهي رئاسة عليها واجبات، ولها سلطات، أما واجباته فهي كثيرة غير محصورة، متجددة ومتعددة، وأما سلطاته فهي محدودة في المجال، محددة في الامكانات، وإن كانت في مجال علاقته بأبنائه أوسع نطاقاً منها في علاقته بزوجته.
وأساس هذه الرئاسة ما جاء في قوله تعالى في سورة النساء: (الرجال قوامون على النساء بما فضَّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم).. فهذا الجزء من الآية يتحدث عن الرئاسة العامة للرجل في بيته، أما سلطاته على زوجته خاصة في ولاية التأديب فدل عليه قوله تعالى في نفس الآية: (فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً).
فالنساء نوعان في هذه الآية، الصالحات من النساء، أدّين حقوق الزوج، وقمن بواجبات الزواج، وهؤلاء لسن في حاجة إلى تأديب، بل لهن من التقدير والمكانة في الأسرة مثل ما للزوج من المكانة والتقدير.
والنوع الثاني غير الصالحات من النساء، الخروج على الزوج ديدنهن، والعصيان طبع فيهن، وهؤلاء في حاجة إلى تهذيب يصلح به حال الزوجة والأسرة معاً، فإذا تعذر الإصلاح فالفراق هو الملاذ الأخير.
فالتأديب في تطبيقه لا يتعلق بكل زوجة، وإنما الزوجة المشاكسة الناشزة، وإذا كان واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أسنده الشارع لكل أحد، فإن صلاح الأسرة يفرض واجبات عينية على الرجل ـ وهو رئيس الأسرة ـ تأتي في مقدمتها إصلاح شأن امرأته، لأن في صلاحها صلاح البيت كله، بل المجتمع كله.
1 ـ وسائل التأديب:
تتعدد وسائل التأديب وتتنوع، ولكن الشارع الحكيم حددها في وسائل ثلاثاً لا يتجاوزها الزوج، وإنما يختار منها ما يلائم حال الزوجة ونوع المعصية، وهناك إلزام على الزوج بأن يبدأ بالأخف ثم الأشد، فالتناسب بين الفعل ووسيلة التأديب لا يخل بالترتيب ـ كما يقول الكاساني ـ حيث ترجى فعالية التأديب، وبلوغ المقصد منه.
الموعظة الحسنة:
وهي من وسائل التأديب العامة، وفي مجال الأسرة تعد من أهم واجبات الزوج، لأنه مسؤول عن رعيته، فإذا رأى من زوجته شططاً في سلوك، أو خطأ في قول، فلينبه على الخطأ، وليأمر بالمعروف، وقد تكون الكلمة الحسنة، والتوجيه الرقيق، من أشد وسائل التأثير على المرأة، خاصة وأنها تريد أن تكون حسنة المخبر والمظهر أمام زوجها وأبنائها.
ب) الهجر في المضجع:
ويقصد به هجر الزوجة، لا مغادرة منزل الزوجية، والهجر لفظ يستوعب الخصوصيات التي بين الرجل والمرأة، من اتصال ونجوى وتبادل للعواطف والأفكار، وقد اختلف الفقهاء في صوره، فقيل يبيت الرجل في حجرة غير حجرتها، أو في فراش غير فراشها، والرأي عندي أن معنى الهجر يفهمه الزوجان، وللزوج أن يختار ما يراه أدعى إلى كبح جماح الزوجة، وردها إلى صوابها، ولا يحل أن يمتد الهجر إلى أربعة أشهر وهي مدة الإيلاء المقدرة شرعاً، لأن الهجر باعتباره وسيلة تأديب، لا ينبغي أن يشتد فيطغى على حق الزوجة في الاتصال بزوجها، هنا يزيد التأديب عن حده، وقد ينقلب إلى ضده.
ج) الضرب:
الضرب إحدى وسائل العلاج، هذا ما يقوله علماء نفس الطفل، وعلماء نفس المرأة، وأساتذة علم العقاب ورجال القانون، ومحاولة تشويه صورة الضرب، باعتباره ضد الحضارة والتقدم والرقي، تنكر للحقائق، وإغفال للواقع الذي يقوم عيه البناء التربوي، والبناء التشريعي في كل أمم العالم.
ولأن الزوج ليس حاكماً بل هو أشبه بالحكم في أسرته، فقد حدد الشارع سلطته في التأديب بالضرب بأمرين:
الأمر الأول: أن الضرب هو الملاذ الأخير لعلاج امرأة لم يعد يجدي في إصلاحها الوعظ والتوجيه والهجر.
الأمر الثاني: أن الضرب المسموح به للزوج هو الضرب غير المبرح وهذا تحديد في النوع، وألا يمتد إلى الوجه وهذا تحديد في المكان، والمقصود بذلك ألا يكون ضرب المرأة سبيلاً إلى الإهانة، أو طريقاً إلى الانتقام بضرب الوجه الذي يظهر للناس، فإذا كان الهجر ينبغي ألا يشيع ويعلن، فكذلك الضرب ينبغي ألا يشيع ويعلن، وإذا كان الهجر مكانه البيت، فالضرب أيضاً مكانه البيت، حتى لا تصبح أسرار البيوت حديث الناس، وحتى لا تشيع المنكرات في مجتمع المسلمين.
روي أن رسول الله (ص) سأله رجل: ما حق المرأة على الزوج؟ قال: تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت.
2 ـ تجاوز حق التأديب:
لا ينبغي للزوج أن يسيء استعمال حقه، فيؤدب بلا سبب، ويهجر ويضرب دون مبرر، ويتجاوز الحد المسموح به في الهجر أو الضرب، فيزيد الهجر عن أربعة أشهر، ويشتد في الضرب إلى المبرح منه، أو يؤذي الزوجة في وجهها أو أي عضو من أعضائها، فإذ زاد الزوج عن القدر اللازم كان متعدياً، وتواجه الزوجة تعديه بأمرين هما:
أ) الشكوى إلى القاضي:
للمرأة إذا تجاوز الزوج حق التأديب أو أساء استعماله أن تلجأ إلى القاضي تشكو زوجها وتشرح سوء ما أصابها، وللقاضي سلطة تقديرية في الصلح بين الزوجين، أو الحكم بعقاب الزوج، فالضرب باعتباره من صور التأديب سلطة استثنائية للزوج، فإذا تجاوز أو أساء عاد الأمر إلى أصله، وأصبح الضرب معاقباً عليه، وحق الزوجة وغيرها في ذلك سواء، وقد قضت محكمة تلا في 13/4/1930 بأنه إذا ضرب الزوج زوجته بغير حق وجب عليه التعزيز، وإن لم يكن الضرب فاحشاً، وليس في التعزير عقوبة مقررة، بل الأمر فيه للقاضي بما يراه زاجراً.
وقضت محكمة مصر الابتدائية الشرعية في 23/11/1931 بأن ضرب الزوج لزوجته ضرباً مبرحاً يجعله غير أمين عليها فلا تلزم طاعته.
ب) حق طلب التفريق للضرر:
أجاز القانون رقم 25 لسنة 1929 للزوجة حق طلب مفارقة الزوج وتطليقها منه، لما أصابها من ضرر، والضرب بغير حق شرعي من صور الإضرار التي تجيز التطليق.
وقد نص مشروع تقنين الأحوال الشخصية المصري في المادة 55 منه على أنه: إذا تعدى الزوج على زوجته بالقول أو بالفعل أو بما لا يليق بأمثالها جاز للمحكمة إسقاط حقه في متابعتها مدة لا تزيد عن ستة أشهر من تاريخ الإسقاط، وذلك دون الإخلال بحق الزوجة في النفقة وطلب التفريق.
وهذا اجتهاد محمود، وإن كنا نرى إنقاص المدة إلى أربعة أشهر بدلاً من ستة، قياساً على مدة الإيلاء.


source : البلاغ
  340
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

دعاء امام الحسين (ع) في يوم عرفة
فتن علامات الظهور
ما كان أمير المؤمنين ع يقوله في الاستعفار
الحجُّ في مبناه و معناه
الاستدراج
أن آل يس آل محمد ص
الأيام و الشهور
تشبيه لطيف من صديق حقيقي‏
الطاعة والتقوى‌ في القرآن والحديث
دعاء الليلة التاسعة

 
user comment