عربي
Monday 23rd of November 2020
  346
  0
  0

الحقوق المدنية في فكر الطهطاوي

لعله من النافل القول بأن رفاعة الطهطاوي يأتي في طليعة مَن تصدى، في مصر، لمسألة الحريات والحقوق المدنية. وتأسيساً على ذلك نستطيع أن نعتبره، عن حق، أبا الديمقراطية المصرية. ولعل رفاعة في تركيزه على هذه النقطة، أي الحريات والحقوق المدنية، كان ينطلق من فهم عميق لبنية الدولة الحديثة. فلن تكون الدولة الحديثة في متناول اليد، وفي متناول المصريين تحديداً، ما لم يطالبوا بدستور يحفظ حقوقهم المدنية وحرياتهم. فلا حداثة بغير حريات، ولا دولة على نمط ما هو سائد في أوروبا بغير حقوق مدنية تحفظ كرامة الانسان وترى إليه كقيمة قائمة بذاتها.
وإذا كان الطهطاوي قد تكلم على هذه المسألة في كتابه ((تخليص الإبريز)) ـ 1834م ـ تحت مصطلح (الحريات العامة)، فإنه تحدث عنها بعدما يقارب الأربعين سنة تحت مصطلح (الحقوق المدنية)، وذلك في كتابه ((مناهج الألباب)) ـ 1870م ـ . وهنا نجد أنفسنا وجهاً لوجه مع المشكلة التي واجهها الطهطاوي عندما رغب في نقل المفهوم الفرنسي إلى العربية وايجاد مصطلح ثابت ونهائي له. ولعلنا نستطيع أن نتمثل هذه المشكلة في كتابه ((تخليص الإبريز)). ففي هذا الكتاب لابد وأن نشعر بتلك الحيرة التي مر بها رفاعة وهو يفتش عن المصطلح العربي الذي يقابل المصطلح الفرنسي. فمصطلح (السلطة التشريعية) (La Puissance Legislative) نقله رفاعة إلى العربية بعنوان (تدبير أمور المعاملات أو تشريع القوانين التدريبية). أما السلطة التنفيذية، وقد وردت في الدستور الفرنسي تحت مصطلح (La Puissance executive)، فقد ترجمها في كتابه المذكور على الوجه التالي: ((لا يمكن أن يمضي (ينفّذ) حكم إلا إذا أنفَذَه أمرُ الملك)). والسلطة القضائية (Lordre Judiciaire) وجد لها مقابلاً عربياً هو: طائفة القضاة.
كان ذلك في العام 1834م، وفي كتابه ((تخليص الإبريز)). لكن المصطلح العربي سوف يستقيم أكثر عند رفاعة عام 1870م في كتابه ((مناهج الألباب)) حيث أصبحت ((القوة الأولى (أي السلطة التشريعية): قوة تقنين القوانين (أي سنّها) وتنظيمها وترجيح ما يجري عليه العمل من أحكام الشريعة أو السياسة الشرعية. والثانية (أي السلطة القضائية) قوة القضاء وفصل الحكم. والثالثة (السلطة التنفيذية) قوة التنفيذ للأحكام بعد حكم القضاء بها)).
على أي حال فإن رفاعة، بينما كان يحدث بحديث الحقوق المدنية، صدر في هذه المسألة عن فهمٍ متقدم. فهذه الحقوق لا يجوز النظر إليها على أنها هبة من السلطة، وإنما هي نوع من (الحقوق المتبادلة) فيما بين المواطنين، وهي إلى ذلك نوع من تعاهد تواضَع عليه المواطنون ((لحفظ أملاكهم وأموالهم ومنافعهم ونفوسهم وأعراضهم ومالهم وما عليهم محافظة ومدافعة)). وهي أيضاً ((حقوق العباد والأهالي الموجودين في مدينة بعضهم على بعض، فكأن الهيئة الاجتماعية المؤلفة من أهالي المملكة تضامنت وتواطأت على أداء حقوق بعضهم لبعض. وإن كل فرد من أفرادهم ضَمن للباقين أن يساعدهم على فعلهم كل شيء لا يخالف شريعة البلاد وأن لا يعارضوه وأن ينكروا جميعاً مَن يعارضه في إجراء حريته بشرط أن لا يتعدى حدود الأحكام)).
نفهم من كلام الطهطاوي، هنا، ن ثمة إطاراً يجمع فيما بين المواطنين كافة، ونستطيع أن طلق عليه تسمية (العقد الاجتماعي)، وهو نفسه العقد الذي قامت على أساسه الدولة الحديثة. أما الحقوق المدنية، بمفهوم الطهطاوي فتقوم على مدماكين رئيسين هما: المساواة والحرية.


source : البلاغ
  346
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

الراسخون وعلم التأویل
الإمام الحسن (عليه السلام) ومصلحة الإسلام العليا
الآداب الموضوعية للتفسير
امرأة.. اسمها زينب (رواية)
خصائص النبیّ فی القرآن الکریم
مناسبات شهر ربيع الأول
الرسول و مکارم الاخلاق
ولادة الإمام المهدي (عج)
الامام الحسین(ع) فی رؤیة دعبل الخزاعی و الشریف الرضی
الخدمة الاجتماعية للمرضى المشرفين على الموت

 
user comment