عربي
Sunday 29th of November 2020
  425
  0
  0

تسوية الإسلام بين الرجل والمرأة

تسوية الإسلام بين الرجل والمرأة

في حق التعلم والثقافة
كمال هذه المساواة في الإسلام
أعطى الإسلام كل فرد الحق في أن ينال من العلم والثقافة ما يشاء وما تتيحه له إمكانياته وظروفه ويتيحه له استعداده. بل جعل ذلك فرضاً عليه في الحدود اللازمة لأمور دينه وشئون دنياه. وفي هذا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (تعلم العلم فريضة على كل مسلم).
ويشيد الله تعالى في كتابه الكريم بالعلم والعلماء فيقول:
(هَل يَستَوي الَّذين يَعلَمُونَ والَذينَ لايَعلَمُونَ) (سورة الزمر/5)
ويقول: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) (سورة فاطر/28)، وقد جاءت الآيات الأولى نفسها التي نزلت على الرسول عليه السلام من الكتاب الكريم منطوية على تعظيم للعلم ووضعه في المكانة الأولى من نعم الله تعالى على الإنسان، ومن دلائل عظمته وقدرته:
(إقرأ وَرَبُّكَ الأكرم. الَّذي عَلَّمَ بالقَلَمِ عَلَّمَ الإنسانَ مَالم يَعلم) (سورة العلق/3_5)
ويعزى إلى الرسول عليه السلام قوله: (العلماء ورثة الأنبياء).
ومع أن الإسلام يوجه قسطاً كبيراً من عنايته إلى علوم الدين وما يتصل بها، فإنه مع ذلك يحث على تحصيل العلوم والفنون والآداب بمختلف فروعها. وبفضل ذلك نبغ في مختلف هذه الفروع عدد كبير من علماء المسلمين، ولم يغادروا أي فرع منها إلاّ ألّفوا فيه كتباً قيمة لايزال كثير منها بعد من أمهات المراجع.
وعلى هذا الأساس نفسه يسوي الإسلام بين الرجل والمرأة في حق التعلم والثقافة، فقد أعطى المرأة الحق نفسه الذي أعطاه الرجل في هذه الشئون، فأباح لها أن تحصل على ماتشاء الحصول عليه من علم وأدب وثقافة وتهذيب، بل إنه ليوجب عليها ذلك في الحدود اللازمة لوقوفها على أمور دينها وحسن قيامها بوظائفها في الحياة. وقد حث الرسول عليه الصلاة والسلام النساء على طلب العلم، وجعله فريضة عليهن في هذه الحدود، فقال عليه الصلاة والسلام: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) أي على كل فرد مسلم، رجلاً كان أم امرأة.
ولا يفرق الإسلام في حق التعلم والثقافة بين الحرة والأمة، بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يحث على تعليم الحرة ولم يرغب في تثقيفها بمقدار ماحث على تعليم الأمة ورغب في تثقيفها وتأديبها. فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي برده عن أبيه قال: قال رسول الله (ص): (أيما رجل كانت عنده وليدة (أي جارية) فعلمها فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها، ثم اعتقها وتزوجها فله أجران).
وقد ضرب الرسول عليه السلام أروع مثل في تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في حق التعلم والثقافة وفي حرصه على تعليم المرأة وتثقيفها بما فعله مع زوجه حفصه أم المؤمنين .
وتدل شواهد كثيرة أن أبواب التعليم والثقافة بمختلف صنوفهما كانت مفتحة على مصاريعها للبنت العربية منذ عصر بني أمية وأنه قد نبغ بفضل ذلك عدد كبير من النساء العربيات، وبرزن في علوم القرآن والحديث والفقه واللغة وشتى أنواع المعارف والفنون، بل لقد كانت منهن معلمات فضليـات تخرج على أيديهن كثير من أعلام الإسلام. فقد ذكر ابن خلكان أن السيدة نفيسة بنت الحسن الأنور بن زيد الأبلج ابن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهي صاحبة المقام المعروف في مصر(1) كان لها بمصر مجلس علم حضره الإمام الشافعي نفسه، وسمع عليها فيه الحديث. وعد أبو حيان من بين أساتذته ثلاثاً من النساء هن: مؤنسة الأيوبية بنت الملك العادل أخي صلاح الدين الأيوبي، وشامية التيمية، وزينب بنت المؤرخ الرحالة الطبيب عبد اللطيف البغدادي صاحب كتاب: (الإفادة والإعتبار).
وينبئنا التاريخ الإسلامي أن فرص التعلم والثقافة كانت متاحة للجواري أنفسهن في أوسع نطاق في مختلف العصور الإسلامية، وأن هذه الفرص قد آتت ثمراتها الطيبة، فأنشأت آلافاً من الجواري المبرزات في علوم القرآن والحديث والفقه واللغة والأدب وشتى أنواع المعارف والفنون. وكتب التاريخ والأدب العربي مملوءة بأخبار هؤلاء الجواري وما بلغنه من شأو بعيد في ميادين العلوم والآداب، وما كان لهن من فضل في النهوض بالثقافة العربية والإسلامية. بل إن هذه الآثار لتدل على أنه قد نبغ من الجواري معلمات فضليات تخرج على أيديهن كثير من أعلام الإسلام. فمن ذلك مارواه المقَّري في كتابه: (نفح الطيب) أنه كان لابن المطرف اللغوي جارية أخذت عن مولاها النحو واللغة، ولكنها فاقته في ذلك. وبرعت في العروض على الأخص، ومن ثم سميت (بالعروضية) وأنها كانت تحفظ عن ظهر قلب كتابي: (الكامل) للمبرد (والأمالي) لآبي علي القالي، وتشرحهما، وعليها درس كثير من العلماء هذين الكتابين وعنها أخذوا العروض. وذكر ابن خلكان أن شهدة الكاتبة _وكانت جارية في الأصل_ كان لا يشق لها غبار في العلم والأدب والخط الجيد الجميل، وأنه قد سمع عليها وأخذ عنها خلق كثير. ويقول العلامة ابن حزم متحدثاً عن الجواري في قصر أبيه (كان أبوه وزيراً، وأسرته غنية وبيته قصر عظيم): (ربيت في حجورهن، ونشأت بين أيديهن. وهن علمنني القرآن، وروينني كثيراً من الأشعار، ودربنني على الخط).
***
ومن هذا يظهر أن الإسلام قد هيأ للنساء على العموم فرصاً للتربية الراقية من انتهزنها منهن بلغن أعلى المراتب التي قدر للرجال بلوغها، فلم يكن السبب في الجهل الذي كان فاشياً بين النساء المسلمات في الجيل الماضي راجعاً إلى النظم التربوية في الإسلام، وإنما كان السبب في ذلك إنحراف المسلمين عما سنه الإسلام من نظم في شئون التربية والتعليم. وإذا كانت الامم الإسلامية قد اتجهت في العصر الحاضر إلى تربية البنت وتثقيفها، فإنها بذلك لم تأت بدعاً من العمل في تاريخها. وإنما أحيت سنة صالحة سنها النبي (ص) وأخذ بها الخلفاء والأمراء من بعده.
_2_
موازنة بين ما يقرره الإسلام في هذا الصدد
وما تقرره الشرائع الأخرى
ويظهر سمو هذه المبادى الإسلامية بالموازنة بينها وبين ما تقرره الشرائع الأخرى في هذه الشئون.
فقوانين أثينا مثلاً، التي يعدها المؤرخون أكثر القوانين ديمقراطية في العصور القديمة. لاتتيح فرصة التعلم والثقافة إلا للأحرار من ذكور اليونان، بينما توصدها إيصاداً تاماً أمام النساء. وقد عبر عن وجهة نظرهم هذه أصدق تعبير، وصاغها في صورة نظرية علمية كبير فلاسفتهم أرسطو، إذ يقرر في كتابه (السياسة) أن الطبيعة لم تزود النساء بأي استعداد عقلي يعتد به، ولذلك يجب أن تقتصر تربيتهن على شئون تدبير المنزل والحضانة والأمومة. ولم يكن أرسطو في ذلك معبراً عن رأيه الشخصي، وإنما كان مسجلاً لما كان يجري عليه العمل في دولة أثينا التي يعدون نظامها أرقى نظام ديمقراطي في الأمم السابقة للإسلام. ولذلك حينما قرر أفلاطون في مدينته الخيالية (الجمهورية) مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في حق التعلم والثقافة والإضطلاع بمختلف الوظائف، كان آراؤه موضع تهكم وسخرية من مفكري أثينا فلاسفتها وشعرائها، حتى أن أرستوفان عميد شعراء الكوميديا في ذلك العصر وقف تمثيليتين اثنتين من تمثيلياته على السخرية بهذه الآراء، وهما (برلمان النساء) و (بلوتوس).
وقد ظلت الأمم الاوربية في العصور الحديثة نفسها تنكر على المرأة حق التعلم والثقافة حتى القرن التاسع عشر الميلادي.
وقد عبر عن ذلك أصدق تعبير في منتصف القرن السابع عشر الميلادي شاعر فرنسا موليير Moliere (1622_1673) إذ يقول في مسرحيته: (النساء المتحذلقات) Les Femmes Savantes على لسان أحد أبطالها: (إنه لا يليق بامرأة، لعدة اعتبارات، أن تضيع وقتها في التعلم والثقافة، فوظائفها الأساسية التي ينبغي أن تستأثر بكل جهودها وفلسفتها لا تتجاوز تربية الأولاد وشئون التدبير المنزلي، والسهر على حاجة أفراد الأسرة، والاقتصاد في نفقات البيت.
وفي أواخر القرن السابع عشر الميلادي ظهرت أصوات ضعيفة تنادي بتعليم المرأة في حدود ضيقة كل الضيق، وكان على رأس المنادين بذلك العلامة الفرنسي فينلون Fenelon (1651_1751) في كتابه الذي ظهر سنة 1680 تحت عنوان: (تربية البنات) L'Education des Filles ولكن هذه الأصوات _مع شدة تحفظها وتواضعها فيما نادت به_ لم تلق استجابة يعتد بها من معظم الأمم الاوربية في ذلك العهد.
بل لقد ظلت التيارات المعادية لتعليم المرأة مسيطرة على أوربا الحديثة حتى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. وإليكم مثلاً عاهل بروسيا بسمارك Bismarck (1815 _ 1889) الذي حدد للمرأة الألمانية ثلاث مجالات لنشاطها لاتخرج عنها، وهي: تربية أطفالها، وشئون مطبخها، وأداء شعائرها الدينية في الكنيسة. ويطلق الألمان على هذه الوظائف اسم (الكافات الثلاث) لأن كل وظيفة منها يبدأ اسمها في الألمانية بحرف (كاف) (drei K: Kinder, Kuch, Kirch) .
الفصل الثالث
تسوية الإسلام بين الرجل والمرأة
في حق العمل
وقد سوى الإسلام كذلك بين الرجل والمرأة في حق العمل فأباح للمرأة أن تضطلع بالوظائف والأعمال المشروعة التي تحسن أداءها ولا تتنافر مع طبيعتها. ولم يقيد هذا الحق إلا بما يحفظ للمرأة كرامتها، ويصونها عن التبذل، وينأى بها عن كل مايتنافى مع الخلق الكريم. فاشترط، إذا كان للمرأة عمل في خارج منزلها أن يؤديه في وقار وحشمة، وفي صورة بعيدة عن نطاق الفتنة، وألا يكون من شأن هذا العمل أن يؤدي إلى ضرر اجتماعي أو خلقي، أو يعوقها عن أداء واجباتها الأخرى نحو زوجها وبيتها وأولادها، أو يكلفها ما لاطاقة لها به، وألا تخرج في زيها وزينتها وسترها لأعضاء جسمها وأختلاطها بغيرها في أثناء أدائها لعملها في الخارج عما سنته الشريعة الإسلامية في هذه الشئون..
الفصل الرابع
تسوية الإسلام بين الرجل والمرأة
في شئون المسئولية والجزاء
قرر الإسلام أن يعامل الناس جميعاً على قدم المساواة في شئون المسئولية والجزاء بدون تفرقة بين صعلوك وأمير. ولا بين شريف ووضيع، ولا بين غني وفقير، ولا بين محبوب ومكروه، ولا بين قريب وبعيد. فالعدالة الإسلامية لها ميزان واحد يطبق على جميع الناس.
وفي هذا يقول الله تعالى:
(ياأيُّها الَّذين آمنوا كُونوا قَوّامين بِالقسطِ (أي العدل) شُهَداء للهِ ولو على أنفُسكُم أو الوالدينِ والأقربينَ، إن يَكُن غَنيَّاً أو فقيراً فالله أولى بِهِما، فَلا تتَّبعوا الهَوى أن تَعدِلُوا، وإن تَلوُوا أو تُعرِضوا فإنَّ الله كانَ بِما تَعمَلونَ خَبيراً) (النساء/35)
ويقول:
(ياأيُّها الَّذينَ آمنوا كونُوا قَوّامينَ للهِ شُهَداءَ بِالقسطِ، وَلا يَجرِمَنَّكُم شنآنَ قومٍ على ألا تَعدِلوا).
أي لا ينبغي أن تحملكم كراهيتكم لبعض الناس لسبب ما كمخالفتهم لكم في الدين، على مجانية العدل في أحكامكم معهم.
(اعدِلوا هوَ أقربُ للتقوى، واتَقُوا اللهَ إنَّ اللهَ خَبيرٌ بِما تَعمَلونَ) (المائدة/8)
ويقول:
(إنَّ اللهَ يأمُرُكُم أن تُؤدُّوا الأماناتِ إلى أهلِها، وإذا حَكَمتُم بينَ النَّاسِ أن تحكُموا بِالعدلِ، إنَّ اللهَ نِعِمّا يَعظكُم بِهِ) (النساء/ 58)
ويقول عليه الصلاة والسلام: (لاتفلح أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي). ويقول: (إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد. وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)...
وعلى هذا الأساس نفسه سوّى الإسلام بين الرجل والمرأة في جميع ما يتعلق بشئون المسئولية والجزاء في الدنيا والآخرة. وفي هذا يقول الله تعالى:
(مَن عَمِلَ صَالِحاً مِن ذَكَرٍ أو أُنثى وهوَ مُؤمنٌ فَلَنُحيينَّهُ حياةً طيبةً ولنجزينَّهم أجرهُم بأَحسنِ ما كانوا يَعمَلونَ) (النحل/ 97)
ويقول:
(وَمَن يَعمَل مِنَ الصَّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أو أُنثى وهُوَ مؤمنٌ فأولئك يَدخُلونَ الجنَّةَ ولا يُظلَمُونَ نقيرا) (النساء/ 124)
ويقول:
(لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكتسَبوا وللنساء نَصِيبٌ مِمَّا اكتسبنَ) (النساء/ 32)
ويقول:
(الزَّانيةُ والزّاني فاجلِدوا كلَّ واحدٍ منهُما مائَةَ جلدَة) (النور/2)
ويقول:
(والسَّارقُ والسَّارقَةُ فاقطَعوا أيديهُمَا جزاءً بِما كَسَبا نكالاً مِنَ اللهِ)
(المائدة/38)
وتقرر الشريعة الإسلامية المساواة بينهما في سائر أنواع العقوبات والحدود الاخرى، كحد الرجم الذي يوقع على المحصن والمحصنة إذا ارتكب أحدهما جريمة الزنا، وحد القذف، وحد شرب الخمر، وفي جميع مظاهر المسئولية عن الخروج على نظام مقرر...
الفصل الخامس
تسوية الإسلام بين الرجل والمرأة
في القيمة الإنسانية المشتركة
_1_
معنى المساواة بينهما
في القيمة الأنسانية المشتركة
تتمثل هذه المساواة في النظر إلى الجنسين على أنهما متساويان في طبيعتهما البشرية، وأنه ليس لأحدهما من مقومات الإنسانية أكثر مما للآخر، وأنه لا فضل لأحدهما على الآخر بحسب عنصره الإنساني وخلقه الأول، وأن المفاضلة بين أي رجل وأية امرأة إنما تقوم على أمور أخرى خارجة عن طبيعتهما، وهي الأمور المتعلقة بالكفاية والعلم والأخلاق... وما إلى ذلك، كما هو شأن المفاضلة بين الرجل أنفسهم بعضهم مع بعض.
_2_
تقرير الإسلام لمبدأ المساواة بين الجنسين
في القيمة الإنسانية المشتركة
حرص الإسلام على تقرير هذه المساواة بين جميع الناس في أكمل صورها، وجعلها من العقائد الأساسية التي يجب أن يدين بها كل مسلم، فقرر أن الناس سواسية بحسب خلقهم الأول وعناصرهم الأولى، وأن ليس ثم تفاضل في إنسانيتهم، وإنما يجري التفاضل بينهم على أسس خارجة عن الإنسانية نفسها: على أسس كفاياتهم وأعمالهم، وما يقدمه كل منهم لربه ونفسه ومجتمعه والإنسانية جمعاء.
وفي هذا يقول الله تعالى:
(يأيُّها النَّاسُ إنَّا خَلَقناكُم مِن ذَكَرٍ وأُنثى وجَعَلناكُم شُعُوباً وقَبائلَ لِتَعارفوا، إنَّ أكرمكُم عِندَ اللهِ أتقاكُم، إنَّ الله عليمٌ خَبير) (الحجرات/13)
أي إنكم جميعاً منحدرون من أب واحد وأم واحدة، فلا فضل لأحدكم على الآخر بحسب عنصره وطبيعته، وإذا كان الله قد جعلكم شعوباً وقبائل فإنه لم يجعلكم كذلك لتفضيل شعب على شعب أو قبيلة على قبيلة، وإنما قسمكم هذا التقسيم ليكون ذلك وسيلة للتعارف والتمييز والتسمية، كشأن الأفراد يحمل كل منهم اسماً ليعرف به ويتميز عمن سواه، والتفاضل بينكم في نظر الله إنما يجري على أساس أعمالكم ومبلغ محافظتكم على حدود دينكم، فأكرمكم عند الله أتقاكم. ويقول الله تعالى في آية أخرى:
(وَلَقَد كرَّمنا بني آدَمَ وَحَملناهُم في البرِّ والبحرِ ورزقناهُم من الطَّيِّباتِ وفضَّلناهم على كثيرٍ مِمَّن خَلَقنا تفضيلا) (الاسراء/ 70)
فالله تعالى قد كرم بني آدم على العموم، وفضلهم على كثير من خلقه، ولم يخص بذلك جماعة دون أخرى...
وعلى هذا الأساس نفسه ينظر الإسلام إلى جنس الرجال وجنس النساء، فكلاهما في نظره من جوهر واحد وعنصر واحد، وليس لأحدهما من مقومات الإنسانية أكثر مما للآخر.
وفي هذا يقول الله تعالى:
(يأيُّها النَّاس اتقوا رَبَّكُم الَّذي خَلَقَكُم مِن نفسٍ واحدة وخلقَ مِنها زَوجَهَا وَبَثَّ مِنهُما رجالاً كثيراً ونساءً) (النساء/ 1)
أي إن المرأة مخلوقة من الرجل ومن عنصره نفسه لا من عنصر آخر وقد انبث منها جميع الرجال والنساء. فالجنسان كلاهما يرجعان إلى أصل واحد ويقول: (فاستجابَ لهُم رَبُّهم أني لا أضيعُ عملَ عاملٍ منكم من ذكرٍ أو أنثى بعضُكم من بعض) (آل عمران/ 195) أي أن الذكور من الإناث والإناث من الذكور، وليس بينهما فرق في جوهر الطبيعة.
ــــــــــــ
1_ تزوجت من اسحاق بن جعفر الصادق، وكان يدعى اسحاق المؤتمن! وانجبت منه ولدين: القاسم وأم كلثوم. وقد ولدت السيدة نفيسة بمكة المكرمة سنة 145ه‍ وتوفيت بمصر سنة 208ه‍.
الحقل. المرأة
اسم الكتاب: المرأة المسلمة في مواجهة التحديات المعاصرة
اسم الكاتب: الدكتورة شذى سلمان الدركزلي
اسم الموضوع:
4_1 عمل المرأة
تعزى اسباب اتجاه المرأة للعمل خارج البيت الى ثلاثة عوامل هي: العامل الاقتصادي، أي الحاجة المادية أو التحرر من التبعية المادية للرجل، والعامل الاجتماعي، لبناء علاقات اجتماعية مختلفة عن تلك التي في محيط العائلة، والعامل النفسي، للحصول على ارضاء للذات من خلال اداء نوع العمل الذي تميل اليه. وعندما يقارن العمل خارج البيت مع ذلك الذي داخل البيت فلا مفر من الاعتراف بأن الكثير من الاعمال التي تقوم بها المرأة خارج البيت لا تخلو من الروتين والملل الذي يوصف به عادة العمل في البيت من تنظيف واعداد الطعام. كما ان رئيس العمل قد يكون مُتعباً بأوامره ومطالبه مما لا يمكن مقارنته مع ماتشكو منه المرأة من تسلط الزوج وكثرة مطالبه، أضافة الى عدم المساواة في الاجر والموقع مع الرجل، فإذا كانت المرأة غير مرتاحة في العمل خارج البيت انعكس ذلك على العائلة وأدى الى زيادة المشاكل داخل البيت، أضافة الى تضاعف مقدار العمل الذي يجب على المرأة ان تقوم به داخل البيت وخارجه.
يُملي العامل النفسي على المرأة نوع العمل الذي تختاره، وبالضرورة سيملي عليها اختيار نوع الدراسة قبل ذلك. وتوفر الاحصائيات المؤشر الحقيقي للاتجاهات والميول عند المرأة، حيث ترتفع نسبة العاملات في مهن التعليم والتمريض والوظائف الكتابية أو السكرتارية. إضافة الى ما سبق ذكره من قلة نسبة النساء في مجال البحوث العلمية والهندسية، يبين الجدول (4_1 )النسبة المئوية الضئيلة للنساء في مجال المقاعد الوزارية أو المناصب العليا في المحاكم وغيرها في أربع دول اوروبية (Chamberlayne 1993). حيث تتميز فرنسا بنسبة عالية في المناصب الوزارية والسلطة القضائية.
وفيما يلي الجدول (4_1): والذي يبين النسبة المئوية للنساء العاملات في المناصب العليا في الحكومة والمحاكم وغيرها في أربع دول اوروبية (Chamberlayne
.(1993
الدولة
المناصب‌الوزارية
السلطة التشريعية
السلطة القضائية
الوظائف‌المدنيةالعليا
المملكة المتحدة
5, 4
5, 3
1, 4
5, 4
فرنسا
14
9, 5
12
4, 5
ايطاليا
3, 3
9, 7
7, 8
8, 5
المانيا الغربية
9, 5
3, 9
5
5
وفيما يلي متابعة العامل الاقتصادي، وهو أهم العوامل، لنجد ما حققته المرأة في الغرب من انجازات فيه.
اولاً: العامل الاقتصادي
إن مصادر دخل المرأة في القرن العشرين هي الرجل، أي الزوج، أو العمل خارج البيت أو الدولة، أي الضمان الاجتماعي. لقد اعترضت الحركات النسوية على عمل المرأة في بيتها باعتباره عملاً دون اجر، لذلك تعتبر هذه الحركات بأن المرأة اكتسبت الحرية الاقتصادية عندما اعتمدت على الدولة كمصدر للدخل من الضمان الاجتماعي (Lewis 1992). وارتبطت ظاهرة خروج المرأة للعمل مع التغيرات الاقتصادية في مختلف دول العالم. ففي الاتحاد السوفييتي (سابقا) كانت نسبة النساء العاملات هي 49% من المجموع الكلي للعاملين، أما في السويد فتهبط النسبة الى 27% (فريد 1980). وتشير الاحصائيات التي توردها جين لويس في كتابها الى الارتفاع السريع لعدد العاملات في بريطانيا بصورة عامة خلال حوالي نصف قرن، حيث ارتفعت النسبة من 29% في عام 1931 الى 45% عام1987 من المجموع الكلي للعاملين، كما في الجدول (4_2). كما يتضح العالم الاقتصادي من ملاحظة النسبة المرتفعة للمتزوجات العاملات لتوفير مصدر مالي ثانٍ للاسرة مع وجود الاطفال. فقد تضاعفت نسبة العاملات المتزوجات من المجموع الكلي للمتزوجات ما بين عام 1961، حيث كانت النسبة 35% وعام 1981، حيث ارتفعت النسبة الى 62% وهي اسرع زيادة بين باقي الزيادات في الجدول. لقد وضع بعض أرباب العمل في البداية شرطاً للنساء العاملات في بعض المجالات إما عدم الزواج وإما الاستقالة، الا ان شحة الايدي العاملة الرجالية خلال الحرب العالمية الثانية أدت الى رفع ذلك الشرط عن النساء العاملات.
وفيما يلي الجدول (4_2): الذي يبين النسب المئوية للنساء العاملات في بريطانيا خلال حوالي نصف قرن (Lewis 1992) .
النسب المئوية 1931 1951 1961 197 1981 1987
من مجموع العاملين الكلي 29 31 33 37 40 45
من مجموع‌النساءبعمر مابين 36 42 52 61
20_64 سنة
للعاملات بوقت جزئي من 12 26 35 42
مجموع العالمين
للمتزوجات العاملات من 26 35 49 62
مجموع المتزوجات
في أمريكا صدر قرار مساواة الاجر بين الرجل والمرأة عام 1963 وتبعه عام 1964 قانون المساواة في التعيين والترقية، وتلاه عام 1972 تعديل ليشمل قطاعات اخرى مثل التعليم. من الغريب ان النساء كن يدفعن للتخصصات التقاعدية أكثر مما يدفع الرجال على اساس انهن يعشن اكثر من الرجال، وتم اصدار قرار من المحكمة في عام 1978 يلغي هذا الفرق على اعتبار ان التعامل مع النساء بشأن الإقتطاعات التقاعدية يجب أن يكون فردياً لا جماعياً (Hartmann 1989) إن زيادة عدد العاملات لم يرفع الحيف الاقتصادي عنهن، حيث لاتزال الاجور الممنوحة للمرأة تقل عن تلك لنظيرها من الرجال. فقد ذكرت مارغريت هولُواي بأن 25% من النساء في أمريكا لايزلن يتقاضين اجوراً تقل عما يتقاضاه الرجال في الموقع نفسه وبالمؤهلات نفسها، كما ان احتمال عدم الحصول على العمل بالنسبة للنساء هو ضعف ذلك للرجال، فبالرغم من تشريع الكثير من القوانين للمساواة فان التطبيق الصارم لها لم يجد له مكاناً بعد (Holloway 1993).
اما في بريطانيا فإن معدل اجور المرأة يقل بنسبة 38% عن معدل اجور الرجل في عام 1972، وبعد صدور قانون مساواة الاجر عام 1975 الذي لم يباشر بتطبيقه إلا عام 1980، هبط الفرق الى 30%، ولايزال الفرق في الاجر والموقع مؤشـراً الى الهوة الواضحـة بين النظريـة والتطبيق حتى يومنا هذا (Lewis 1992) وقد أوضحت الارقام المقارنة بين بعض دول اوروبا ان الاجور الشهرية للنساء العاملات في الصناعة، من غير الاعمال اليدوية خلال عام 1991 هي 55% من تلك التي للرجال في لوكسمبورغ و 58% في بريطانيا 67% في فرنسا (Berrington 1995).
ثانيا: المرأة المسلمة والعمل
بدأ دخول المرأة المسلمة الى ميدان العمل في مصر بعد تأسيس الدولة الحديثة في عهد محمد علي وانشاء مدرسة الممرضات عام 1830 (آدم 1982). ومن أمثلة عمل النساء في العالم الاسلامي نجد أن احصائيات عام 1976 لنسبة المسهمات في العمل في العراق هي كما هو واضح في الجدول (4_3) (Rassam 1993, Dearden).
وفيما يلي الجدول (4_3): والذي يبين النسبة المئوية للنساء العاملات في العراق في المجالات المختلفة (Dearden 1983, *Rassam 1992).
المهنة
النسبة المئوية
التعليم*
5 ,38
الطب والصيدلة
30
تدريس جامعي
33
موظفة حكومية
33
الصناعة
26
الحقول الزراعية
45
وتورد نانسي جبرا وجوزيف جبرا في الجدول (4_4) النسبة المئوية للنساء العاملات في العالم الاسلامي (Jabra & Jabra 1992).
وفيما يلي الجدول (4_4): والذي يبين النسبة المئوية للنساء العاملات في بعض الدول الاسلامية (Jabra & Jabra 1992).
الدولة
السنة
النسبة المئوية
تركيا
1980
8 ,36
العراق
1977
4, 17
لبنان
1970
2 ,17
المغرب
1971
15
ايران
1976
14
اليمن
1975
1 ,12
سوريا
1970
7 ,10
تونس
1975
5 ,8
مصر
1976
9 ,7
افغانستان
1976
8 ,7
السعودية
1974
6, 5
الجزائر
1975
3 ,4
الأردن
1979
2 ,3
وفيما يلي الجدول (4_5): والذي يبين النسبة المئوية للنساء العاملات من المجموع الكلي للعاملين في بعض الدول (Baffoun 1982).
الدول
المتقدمة
النامية
غرب‌افريقياايا
المغرب
تونس
الجزائر
السنة
1966
1966
1966
1976
1975
1977
النسبةالمئوية
8, 26
9, 22
38
25
5, 18
61, 2
من الجدير بالذكر ان معظم هذه الاحصائيات تأخذ نسب العاملات من خلال الارقام الرسمية لتلك الدول والتي تنتج من احصاء العاملات في وظائف الدولة، ولا تدخل فيها نسب النساء العاملات في الارياف حيث تعمل معظم النساء في الحقول الزراعية أو في الحياكة أو ممارسة الصناعات المحلية الخاصة. ففي مصر ترتفع هذه النسبة الى 48% بدلاً من 9, 7% وفي العراق 34% بدلاً من 4, 17% (Dearden 1983). أما في المغرب فان النساء يقمن بثلاثة ارباع العمل في الحقول القريبة من المدينة الساحلية الجديدة، فالرجال عليهم البدء بالعمل، أي حراثة الحقل، والعمل في نهاية الموسم أي عند الحصاد (Davis 1992)، وهما المرحلتان اللتان تحتاجان الى الطاقة العضلية العالية، ان عمل المرأة المسلمة لم يتبعه تمييز في الاجر أو إتاحة الفرصة للعمل كما يحدث في الغرب.
ثالثاً: العمل أم البيت؟
تواجهنا زيادة عدد المتزوجات العاملات بالسؤال التقليدي الاتي: هل ادى العمل الى تردي حالة الاسرة أم ان تردي حالة الاسرة هو الذي دفع المرأة الى الخروج للعمل؟: ان ما لايُختلف عليه ان الزيادة السريعة في الغرب لعدد النساء العاملات، متزوجات أو غير متزوجات، صاحبه زيادة في عدد حالات الطلاق والاجهاض والولادات غير الشرعية؟؟
لقد توفر الاستقلال الاقتصادي للمرأة في الغرب من خلال عملها خارج البيت، وأسهم ذلك بصورة لا تقبل الشك في اختلاف قيم العائلة واهميتها في حياة المرأة والمجتمع بصورة عامة. وهو ما اعترفت به آبوردين التي وصلت مبيعات كتبها الثلاثة الاولى مع نيزبت الى 14 مليون نسخة في جميع انحاء العالم. فاحتمالية طلاق المرأة العاملة أكثر من غيرها .(Lewis 1992) لقد اجرت صحيفة الجارديان البريطانية استفتاءً بين 11000 امرأة، ثلثاهن من عمر يقل عن 35 سنة، نُشرت نتائجه في العدد الصادر في 7 آذار (مارس) 1991 وتبين منه ان 68% من النساء يفضلن البيت على العمل. كما تشير أرقام عدد العاملات في أمريكا، لاول مرة منذ عام 1948، الى هبوط قليل يعزى بصورة اساسية الى الرغبة في توفير محيط أفضل للعائلة، حيث نشرت هذه النتائج في مجلة يو إس أي توداي (أمريكا اليوم) في عدد 10 مايس (مايو) 1991 بعنوان (الكثيرات يخترن البقاء مع الاطفال في البيت) (Aburdene & Naisbitt 1993). وتشير لويس الى ان استبيان العمل في عام 1943 للمرأة في بريطانيا يشير الى ان 58% من النساء لا يؤمن بعمل المرأة بعد الزواج، إلا أنه في عام 1965 كانت 89% من النساء يحبذن عمل المتزوجة التي ليس لها اطفال و 39% يوافقن على عمل الامهات. أما احصاء عام 1980 فيشير الى ان 11% من النساء يؤيدن بقاء الأم في البيت إذا كان اطفالها بعمر المدرسة، وترتفع النسبة الى 60% للام التي لديها اطفال بعمر اصغر من عمر المدرسة (Lewis 1992). وتربط جين لويس بين ازدياد نسبة العاملات مع كل من تدني معدل الولادات للمرأة الواحدة، وإزدياد معدلات الطلاق، وازدياد الولادات غير الشرعية (Lewis 1993) .
أما في عالم المرأة المسلمة، ففي دراسة شاملة لصراع الدور لدى المرأة العاملة في مصر يصل الباحث الدكتور محمد سلامة آدم الى تقرير "أن المرأة العاملة بكل فئاتها: عالية التعليم أو متوسطة التعليم، صغيرة السن، أو كبيرة السن، تعاني من صراع الدور في أدائها لدور الزوجة أو لدور الام" حيث "تعاني من احساس عميق بضيق الوقت، الناتج عن الادوار المتعددة التي تقوم بها، سواء أدوار العمل (خارج البيت) أو أدوار الزوجة والام (داخل البيت).. وكلما ازداد الشعور بضيق الوقت، ازداد معه الشعور بالضغوط النفسية.." وشعورها "بالعجز عن الوفاء بجميع التزاماتها" يؤدي الى معاناتها من "مشاعر الضيق والتوتر والصراع" (آدم 1982). (ولا مفر من تأثير ذلك على الاسرة من ناحيتي رعاية الاطفال والتكيف مع الزوج، فقد ثبت ان الاثار السلبية على الاطفال تزداد كلما طال وقت غياب الام خارج بيتها. كما تشير الاحصائيات الى ان عدد المشاجرات مع الزوج تتضاعف تقريباً عند المرأة العاملة الامريكية، فقد كانت النسبة المئوية من العدد الكلي للمجموعة تحت الدراسة للمشاجرات الزوجية مع الزوجات غير العاملات 6, 7% في حين كانت 6, 13% مع الزوجات العاملات (آدم 1982) وهذه نتيجة طبيعية لا تختلف فيها نساء الشرق عن نساء الغرب.
ومهما ارتقت المرأة في مستواها العلمي والثقافي ومهما كانت دوافعها النفسية أو الاقتصادية للخروج الى العمل، تبقى رغبة المشاركة في تكوين اسرة احدى أهم مكونات فطرتها الاصلية، كما يشير الاستبيان الذي اجري بين الفتيات في بعض الدول العربية (محيي 1958). والنسبة الغالبة منهن ستفضل ترك عملها والمحافظة على اسرتها ان حدث ما يمنع جمع الامرين معاً، وتشترك في هذا نساء الشـرق والغرب ولذلك اصبح التساؤل المشتـرك لاغلبية النسـاء في العالم يتمركز على التشكيك في إمكانية النجاح في الجمع بين البيت والعمل (Hartmann 1989).
علم الاجتماع: الاسلام وعلم الاجتماع
د. محمود البُستاني
مبدأ (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)
عندما يطرح علماء الاجتماع ظاهرة (الضبط الاجتماعي) الذي يعني الوسائل التي تتم من خلالها السيطرة على المجتمعات والحفاظ عليها من الفوضى والتفكك والانحراف، فإنهم يشيرون إلى وسائل متنوعة لعملية الضبط، منها: الوسيلة المباشرة متمثلة في صعيد (الجماعات الولية _ أسرة، مدرسة، الخ) حيث تتسم العلاقات فيما بينها بنحو مباشر أي الاتصال وجهاً لوجه، وحيث يمارس الآباء وأولياء الأمور والمعلمون.. الخ مهمة (الضبط الاجتماعي) لسلوك الأطفال والتلاميذ.. الخ من خلال الأوامر والنواهي المختلفة.
بيد أن هذه الوسيلة من (الضبط الاجتماعي) تبقى ذات فاعلية محددة حينما ينحصر الضبط داخل (الجماعات الأولية)، بخلاف ما إذا تجاوز الضبط جماعات المواجهة التي تحددها علاقات عائلية أو مدرسية، إلى مطلق الجماعات أو الأفراد، حيث تتسع فاعلية الضبط لتشمل كل (مواجهة) تتم بين الأشخاص والجماعات التي لا ترتبط بعلاقات الأسرة أو الجوار أو المدرسة أو الصداقة، وهذا ما يطبع (الاجتماع الإسلامي) الذي يقرر مبدأ عامّا ينبثق من مفهوم (المسؤولية الاجتماعية) التي تعد وظيفة إلزامية لكل الأفراد والجماعات كما أوضحنا،.. وهذا المبدأ هو (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وهو مبدأ يقرر فرض المسؤولية المشار إليها على جميع الأفراد أو الجماعات أو المة الإسلامية، حتى أن الآية القرآنية الكريمة (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) قرنت الدعوة إلى الخير بمبدأ (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ممّا يفصح عن أن أحدهما لا يكاد يفرق عن الآخر بصفة أن الأمر بالمعروف هو الأمر بالالتزام بمبادىء الله تعالى، وأن النهي عن المنكر هو النهي عن ممارسة ما يتنافى مع مبادىء الله تعالى،... بيد أن الأهم من ذلك هو (فرض) هذا المبدأ وليس مجرد الندب إليه، لأن (الندب) من الممكن ألا يمارسه الناس، بخلاف (الفرض) الذي يُلزمون بممارسته، وهو أمر يكشف عن مدى حرص المشرّع الإسلامي على تعميم مبدأ (المسؤولية الاجتماعية) بما يترتب على هذا التعميم من ضبط اجتماعي يتحقق من خلاله تماسك المجتمع الإسلامي وحجزه عن مختلف الانحرافات.
ويلاحظ أن المشرع الإسلامي يحاول تعميم هذا المبدأ على مختلف الصعد بحيث لا يدع مجالاً لتردد الناس في ممارسته، حيث يفرضه في مجالات ثلاثة هي استخدام القوة واستخدام اللسان وإلا فإنكاره _لا أقل_ داخليّاً (أي في القلب).
يقول الإمام علي (ع) في هذا الصدد (فمنهم المنكِر للمنكَر بقلبه ولسانه ويده، فلذلك المستكمل لخصال الخير، ومنهم المنكر بلسانه وقلبه، فذلك متمسك بخصلتين من خصال الخير، ومنهم المنكر بقلبه والتارك بيده ولسانه، فذلك الذي ضيّع أشرف الخصلتين). فالإمام (ع) يحدد هنا درجة المسؤولية من حيث التفاضل بينها، لكنه لا يسمح بتركها البتة بل يدمغ التارك لها بما يلي: (ومنهم تارك لإنكار المنكَر بلسانه وقلبه ويده فذلك ميت الأحياء) فهو يسم تارك النهي عن المنكر بأنه (ميت الأحياء) أي يلغيه من دائرة الاجتماع أساساً، مما يعني أنّ دلالة الاجتماع الإسلامي لا تنفصل عن (المسؤولية الاجتماعية) التي ينبغي أن تُمارس على نحو الفرض. لذلك نجد أن التوصيات الإسلامية تشدّد في هذا المبدأ إلى الدرجة التي تتوعد من خلاله بإنزال العقاب الاجتماعي (في نطاق الحياة الدنيا) على المجتمع الإسلامي في حالة عدم التزامه بممارسة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، متمثلاً في التهديد التالي:
(لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر أو ليستعملنّ عليكم شراركم)(1).
فالمشرّع الإسلامي يرتّب _على عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر_ قانوناً اجتماعيّاً جزائياً هو تسليط الأشرار على المجتمع الإسلامي، مما يفصح ذلك عن مدى أهمية هذا المبدأ في التصور الإسلامي، بحيث يُعاقَب الناس دنيويّاً على تركه، فضلاً عن العقاب الأخروي، مع ملاحظة أن تسليط الأشرار على المجتمع الإسلامي يعني تعريضهم لعمليات الاضطهاد والقتل والسجن، فضلاً عن فقدان الأمن والحرية الخ...
طبيعيّاً، من الممكن (وهذا ما يطبع غالبية مجتمعاتنا المنحرفة) عدم إتاحة الفرص في ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، طالما نواجه حكومات منحرفة أو دكتاتورية، أو نواجه بشراً منحرفاً وعدوانيّاً، أو نواجه حفنة من الجهلة الذين يصعب تعديل سلوكهم، من خلال مبدأ الأمر والنهي، كما لا يتورّعون من إلحاق الأذى بكل من يأمرهم بمعروف أو ينهاهم عن منكر، حينئذ فإن المشرّع الإسلامي يأخذ هذا الجانب بنظر الاعتبار، فيدخل تعديلاً على المبدأ المذكور، حيث يقرر في إحدى التوصيات ما يلي: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان إذا أمكن ولم يكن خيفة على النفس)(2)، كما يأخذ _في توصية أخرى_ طبيعة الظروف الاجتماعية التي تتفاوت من خلالها فرص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنظر الاعتبار، فيقرر (من رأى منكم منكراً فلينكر بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه...)(3)، لكن خارجاً عن الاستثناءات المذكورة يظل هذا المبدأ أمراً لايسمح بتركه البتة مهما كانت نتائجه، يقول الإمام (ع) في هذا الصدد (فأنكروا بقلوبكم، والفظوا بألسنتكم، وصكوا بها جباههم ولا تخافوا في الله لومة لائم) فهو يطالب بإنكار المنكر قلباً ولساناً ويداً بحيث (لايخاف في الله لومة لائم) حيث تشير العبارة الأخيرة إلى أنه لا ينبغي أن تحجز الشخص أية شدائد مترتبة على ممارسته للمسؤولية المشار إليها. والملاحظ أيضاً: أن التوصيات المذكورة لا تحصر مبدأ (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) في نطاق محدد بل تتجاوز ذلك إلى مطلق الأشخاص والجماعات سواء أكان ذلك في نطاق (الحكام) (من مشى إلى سلطان جائر فأمره بتقوى الله ووعظه وخوّفه كان له مثل أجر الثقلين(4)، أم كان في نطاق عامة الناس (كان أبو عبد الله (ع) إذا مرّ بجماعة يختصمون لا يجوزهم حتى يقول ثلاثاً (اتقو الله)(5)، أم كان في نطاق الجماعات الولية حيث ترسم التوصيات الإسلامية في النطاق الأخير مبادىء خاصة بأحد أشكال الجماعات الأولية وهم الأسرة عبر الآية الكريمة (قوا أنفسكم وأهليكم ناراً) حيث فسرها بقوله (تأمرهم بما أمر الله وتنهاهم عما نهاهم الله)(6) كما ترسم التوصيات الإسلامية مبادىء خاصة بنمط آخر من الجماعات الولية (وهم جماعة الأصدقاء) تأخذ من خلاله طبيعة العلاقات المباشرة التي تحكم الجماعات الأولية بنظر الاعتبار حيث تقرر إحدى التوصيات ما يلي (لو أنكم إذا بلغكم عن الرجل شيء، تمشيتم إليه فقلتم: يا هذا إمّا أن تعتزلنا وإما أن تكفّ عن هذا، فإن فعل وإلا فاجتنبوه)(7).
إن هذه التوصية لها خطورتها في ميدان الضبط الاجتماعي للسلوك، إنها واحدة من أشكال الضبط الجزائي الذي ألِفَتهُ مجتمعات الأرض في بعض مبادىء السلوك، إلا أن المشرّع الإسلامي يتجاوز المبادىء الخاصة التي ألِفتها مجتمعات الأرض إلى مطلق السلوك حيث يطالب (جماعة الأصدقاء) بأن ينبّهوا المخطىء (نهيه إياه عن المنكر) وأن يحذّروه من الاستمرارية في ممارسة الخطأ، وإلا فيقال بصراحة: ينبغي أن تعتزلنا... هذا النمط من ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (في نطاق الجماعات الأولية) يساهم بنحو فعال في تعديل السلوك، طالما نضع في الاعتبار، أن دوافع من نحو (الانتماء الاجتماعي) و (التقدير الاجتماعي) اللذين يتحسّس الشخص بالحاجة إلى إشباعهما تضطره إلى تعديل سلوكه حفاظاً على استمرارية (العلاقة) التي تفرضهما الحاجتان المشار إليهما.
وأيّاً كان، إن ما يعنينا تأكيده هو أن مبدأ (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) يظل _من حيث فاعليته الاجتماعية_ أهم مبدأ اجتماعي فرضه الإسلام على مجتمعه من حيث إنماؤه لحس (المسؤولية الاجتماعية) التي يمكن من خلالها حلّ المشكلة الملحّة التي يعرضها علماء الاجتماع ونعني بها مشكلة (اللامبالاة) و (الاغتراب) الذي يطبع المجتمعات الصناعية الحديثة.
إذن: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) تبدأ من أصغر وحدة اجتماعية، وتمتد إلى أكبر مؤسسة اجتماعية، كما تبدأ من الفرد وتمتد إلى الجماعة، وتتجه كذلك إلى أفراد أو جماعات، سواء أكانوا عاديين أو يحتلون مراكز ضخمة... الخ.
ـــــــــــــ
1_ الوسائل/ ب 1/ حديث 4، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
2_ الوسائل/ ب 2/ حديث 8.
3_ الوسائل/ ب 3/ حديث 12.
4_ الوسائل/ ب 3/ حديث11.
5_ الوسائل/ ب 3/ حديث3.
6_ الوسائل/ ب 9/ حديث 2.
7_ الوسائل/ ب 7/ حديث5.
تفسير ومفسرون
ابن عباس:
مدرستُه، منهجه في التفسير
* حياته
لازم (ابن عباس)، ومنذ نعومة اظفاره، النبي عليه الصلاة والسلام، لقرابته منه، ولأن خالته (ميمونة) كانت من أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وتوفي رسول الله (ص) وله من العمر ثلاث عشرة سنة، وقيل خمس عشرة، فلازم كبار الصحابة، وأخذ عنهم ما فاته من حديث رسول الله (ص)(1).
ولاّه الامام علي (ع) البصرة بعد حرب الجمل، واستمر والياً عليها الى أن صالح الحسن معاوية على شروط لم يفِ بها الأخير ويُقال: أنه شهد الصلح أيضاً.
كف بصره في آخر عمره، فسكن الطائف، وتوفي بها(2) سنة ثمان وستين.
*تواضعه
كان لابن عباس من العلم بأمور الدين والدنيا، ومن المكانة في بني هاشم خاصة، وفي قريش عامة، وفي نفوس المسلمين جميعاً(3) ما كان خليقاً ان يضعه في مصاف العظماء. وفي الوقت الذي كان فيه شديداً على المنحرفين، إذ لم يكن يخشى في الله لومة لائم.. نراه يتواضع _بالقدر نفسه_ أمام عباد الله الصالحين.
فهذا ابن عباس _وهو حبر الأمة وبحرها_ لم يكن يتوانى عن أن يمسك بركاب الحسنين عليهما السلام إذا ركبا(4). ولم يقتصر الأمر على تبجيله لسيدي شباب أهل الجنة وحسب، وانما تعداه الى غيرهما.
يقول الشعبي: ركب زيد بن ثابت، فأخذ عبد الله بن عباس بركابه، فقال له لاتفعل يابن عم رسول الله (ص). قال: هكذا اُمرنا أن نفعل بعلمائنا، فقال له زيد: أرني يدك، فأخرج اليه يده، فأخذها وقبّلها، وقال هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا(5).
* ثقافته
تضافرت عدّة عوامل _منها الموضوعية ومنها الذاتية_ على تكوينه الثقافي. حتى نستطيع القول أن ابن عباس كان مثقف عصره بلا منازع!.
وقد شهد بهذه الحقيقة معاصروه ومريدوه، إذ قال فيه ابن مسعود، رضي الله عنه: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. وقال فيه عطاء: ما رأيت أكرم من مجلس ابن عباس، أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، يصدرهم كلهم من واد واسع.
وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبه: كان ابن عباس قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبقه وفقه ما احتيج اليه من رأيه، وحلم ونسب، وتأويل، وما رأيت أحداً كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله (ص) منه، ولا بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه، ولا أفقه في رأي منه، ولا اثقب رأياً فيما احتيج اليه منه، ولقد كان يجالس يوماً ولا يذكر فيه إلاّ الفقه، ويوماً التأويل، ويوماً المغازي، ويوماً الشعر، ويوماً التأويل، ويوماً المغازي، ويوماً الشعر، ويوماً أيّام العرب، ولا رأيت عالماً قط جلس اليه إلاّ خضع له، وما رأيت سائلاً قط سأله إلاّ وجد عنده علماً(6).
وقيل لطاووس: لزمت هذا الغلام _يعني ابن عباس_ وتركت الأكابر من أصحاب رسول الله (ص)؟ قال: إني رأيت _________________.
وروى الأعمش عن أبي وائل قال: واستخلف علي عبد الله بن عباس على الموسم فقرأ في خطبته سورة البقرة وفي رواية سورة النور ففسرها تفسيراً لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا(7).
ومن هنا كان ابن عباس يلقب بالحبر والبحر لكثرة علمه، وكان على درجة عظيمة من الاجتهاد والمعرفة بمعاني كتاب الله، ولذا انتهت اليه الرياسة في الفتوى والتفسير(8) وقد أحرز ابن عباس منزلته بين كبار الصحابة على صغر سنه بعلمه وفهمه تحقيقاً لدعوة رسول الله (ص) ففي الصحيح عنه أنّ النبي (ص) ضمّه اليه وقال: (اللهم علّمه الكتاب والحكمة)... وفي رواية اخرى قال: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)(9).
وغني عن القول التأكيد على ان هناك اجماعاً حول منزلة ابن عباس. وقد قال فيه ابن مسعود (رض): (نعم ترجمان القرآن ابن عباس)، وكان عمر إذا أعضلت عليه قضية دعا ابن عباس وقال له: أنت لها ولامثالها، ثم يأخذ بقوله ولا يدعو لذلك أحداً سواه. وكان آية في الحفظ أنشده ابن أبي ربيعة قصيدته التي مطلعها:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر...
فحفظها في مرّة واحدة، وهي ثمانون بيتاً، وكان إذا سمع النوادب سدّ اُذنيه بأصابعه مخافة أن يحفظ أقوالهن(10).
* شهرته
ظل ابن عباس دوماً موضع الاعتبار والتقدير من صحابة الرسول (ص) ومن معاصريه، وممّن لحقه بعد، فما أكثر ما يدور اسمه في كتب التفسير على اختلاف مناهجها ومنازعها السياسية والمذهبية(11) وعلى الرغم من أن الفتنة قد ذرّت قرنها بين بعض الصحابة، في بعض المنعطفات السياسية الحادّة، غير أن سمعة ابن عباس ظلت بمنأى عن ذلك، كما وأن الصحابة اتفقوا على تعظيمه في العلم عموماً، وفي التفسير خصوصاً، وسموه البحر والحبر، وشاع ذلك فيهم من غير نكير، وظهرت اجابة الدعوة النبوية فيه، وقصة عمر (رض) معه مشهورة، في سبب تقديمه وتفضيله على من هو أكبر منه من الصحابة، وامتحانه في ذلك(12).
وقد شهد بحقه جيل من الصحابة والتابعين. فقد أخرج البيهقي في الدلائل عن ابن مسعود، قال: (نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس). وأخرج أبو نعيم عن مجاهد، قال: كان ابن عباس يُسمّى البحر لكثرة علمه. وأخرج عن ابن الحنفية، قال كان ابن عباس حبر هذه الأمة. وأخرج عن الحسن، قال: إن ابن عباس كان من القرآن بمنزل، كان عمر يقول: (ذاكم فتى الكهول، إن له لساناً سئولاً، وقلباً عقولا)(13).
* النبوغ المبكر
لقد قيل الكثير حول نبوغ ابن عباس، ومن وقت مبكر، من حياته. وقد أجمل أحد الباحثين أسباب هذا النبوغ فيما يلي:
أولاً: دعاء النبي (ص) له بقوله: اللهم علّمه الكتاب والحكمة، وفي رواية أخرى: (اللهم فقهه في الدين وعلّمه التأويل) والذي يرجع الى كتب التفسير بالمأثور يرى أثر هذه الدعوة النبوية يتجلى واضحاً فيما صحّ عن ابن عباس (رض).
ثانياً: نشأته في بيت النبوة، وملازمته لرسول الله (ص) من عهد التمييز، فكان يسمع منها الشيء الكثير، ويشهد كثيراً من الحوادث والظروف التي نزلت فيها بعض آيات القرآن.
ثالثاً: ملازمته لكابر الصحابة بعد وفاة النبي (ص) يأخذ عنهم ويروي لهم، ويعرف منهم مواطن نزول القرآن، وتواريخ التشريع وأسباب النزول، وبهذا استعاض عما فاته من العلم برحيل رسول الله (ص) وتحدث بهذا ابن عباس عن نفسه فقال (وجدت عامة حديث رسول الله (ص) عند الأنصار، فان كنت لآتي الرجل فأجده نائماً، لو شئت أن يوقظ لي لاوقظ، فأجلس على بابه تسفي على وجهي الريح حتى يستيقظ متى ما استيقظ، وأسأله عما أريد، ثم انصرف.
رابعاً: حفظه اللغة العربية، ومعرفته لغريبها، وأدبها، وخصائصها وأساليبها، وكثيراً ما كان يستشهد للمعنى الذي يفهمه من لفظ القرآن بالبيت والأكثر من الشعر العربي.
خامساً: جرأته وشجاعته في بيان ما يعتقد أنه الحق، دون أن يأبه لملامه لاثم ونقد ناقد، ما دام يثق بأن الحق في جانبه، وكثيراً ما انتقد عليه ابن عمر جرأته في تفسير القرآن، ولكن لم ترق اليه همةٌ نقده، بل مالبث أن رجع الى قوله، واعترف بمبلغ علمه، فقد روى أن رجلاً أتى ابن عمر يسأله عن معنى قوله تعالى (أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما) فقال اذهب الى ابن عباس ثم تعال اخبرني، فذهب فسأله فقال: كانت السموات رتقاً لاتمطر، وكانت الأرض رتقاً لاتنبت، ففتق هذه بالمطر، وهذه بالنبات، فرجع الرجل الى ابن عمر فأخبره فقال: قد كنت اقول: ما يعجبني جرأة ابن عباس على تفسير القرآن. فالآن قد علمت أنه أوتي علماً.
هذه هي أهم الأسباب التي ترجع اليها شهرة ابن عباس في التفسير، يضاف الى ذلك كونه من أهل بيت النبوّة، منبع الهداية، ومصدر النور، وما وهبه الله من قريحة وقادّة، وعقل راجح، ورأي صائب، وايمان راسخ، ودين متين.
* مدرسة ابن عباس في التفسير
من هنا تأتي صعبوة دراسة ملامح شخصية ابن عباس العلمية المتعددة الجوانب، وإن كانت هذه الجوانب منصهرة ومتداخلة بعضها في بعض في شخصيته التي يُطلق عليها بحق (حبر الأمة). إن ابن عباس امة في رجل. فهو إضافة الى كونه أحد شخصيات أهل البيت (ع) والمتمسكين بخطهم حتى الرمق الأخير، كان مفسراً فذاً تشرئب له العناق، ثم إنه عالم لغوي وأديب كبير، وعالم بالقراءات واختلافاتها، كما أنه فقيه ضليع، وسياسي شهد واحدة من أخطر مراحل الفتنة الكبرى، ناهيك عن أنه مصلح كبير نشد احقاق الحق ووقف بوجه تيار الباطل، ودفع ضريبة موقفه هذا..
ورغم تعدد ثقافته الموسوعية فان شخصيته كمفسر هي التي طغت على بقية الجوانب، والتي نستطيع القول أنه أفلح _وبشكل يدعو للأعجاب_ في توظيفها لخدمة مشروعه التفسيري الرائد. لهذا يستحق أن يُعد بحق الأب الأول لتفسير القرآن(14) وكان ابن عباس شيخ المفسرين بمكة، وصاحب مدرسة التفسير بها. قال ابن تيمية: (وأما التفسير فأعلم الناس به أهل مكة، لأنهم اصحاب ابن عباس كمجاهد وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس كطاووس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير، وأمثالهم(15).
وتأسيساً على ما تقدم فان مدرسة التفسير بمكة قامت على عبد الله بن عباس (رض) فكان يجلس لأصحابه من التابعين، يفسر لهم كتاب الله تعالى، ويوضح لهم ما أشكل من معانيه، وكان تلاميذه يعون عنه ما يقول، ويروون لمن بعدهم ما سمعوه عنه.
وقد اشتهر من تلاميذ ابن عباس بمكة، سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة وطاووس بن كيسان اليماني، وعطاء بن أبي رباح.
وهؤلاء كلهم كانوا من الموالي، وهم يختلفون في الرواية عن ابي عباس قلّة وكثرة، كما اختلف العلماء في مقدار الثقة بهم والركون اليهم(16).
وقد تتلمذ على ابن عباس رجال كثيرون استهواهم الاشتغال بهذا العمل العظيم، تفسير الكتاب الكريم، ولكن نبغ من هؤلاء التلاميذ وبرز على من سواهم(17) هؤلاء الذين تقدم ذكرهم.
* منهجه التفسيري:
تختلف مناهج التفسير باختلاف ما يستعين به المفسر من مصادر التفسير(18) وقد حدّد ابن عباس معالم منهجه التفسيري بقوله: (التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لايُعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لايعلمه إلاّ الله تعالى)(19).
وبخصوص علم التفسير يقول أهل العلم بالقرآن الكريم: إنه _أي التفسير_ يسير عسير، وعسره ظاهرة من وجوه. أظهرها: أن موضوع التفسير هو القرآن الكريم، وهو كلام متكلم لم يصل الناس الى مراده بالسماع منه. ولا إمكان للوصول اليه، بخلاف الأمثال والأشعار، فان الانسان يتمكن من معرفة مراد صاحب المثل أو الشعر، بأن يسمع منه، أو يسمع ممن سمع منه، أمّا القرآن الكريم فتفسيره على وجه الصحة لايعلم إلاّ بأن يُسمع من الرسول عليه الصلاة والسلام.. أو ممن سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..(20).
* معالم المنهج
في ضوء ما تقدم، بالامكان تحديد معالم منهج ابن عباس في التفسير، ومن أبرز هذه المعالم:
1_ تفسير القرآن بالقرآن:
لم يغفل ابن عباس النظر الى القرآن الكريم نفسه، في توضيح كثير من الآيات التي خفي المراد منها في موضع، ثم الآيات التي خفي المراد منها في موضع، ثم وردت بشيء من التوضيح في موضع آخر. شأنه في ذلك شأن سائر الصحابة الذين اهتدوا بهدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتزموا المنهج الذي سار عليه، ولفت أنظارهم نحوه.
فمن هذا القبيل ما روي عن ابن عباس في قوله تعالى: (ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين) (غافر/11).. قال كنتم تراباً قبل أن يخلقكم فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم، فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون الى القبور. فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة أُخرى: فهذه ميتتان وحياتان، فهو كقوله (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم) (البقرة/ 28)
2ـ اهتمامه بأسباب النزول:
اهتم ابن عباس كثيراً بأسباب النزول، واعتمد عليها في توضيح كثير من الآيات التي يتوقف الفهم الصحيح لها على معرفة أسبا نزولها(21) وهكذا نجد ابن عباس يسأل ويستقصي عن سبب النزول، أو فيمن نزلت الآي.. ولقد بلغ في ذلك الغاية حتى لنجد اسمه يدور كثيراً في أقدم مرجع بين أيدينا عن سبب النزول وهو سبرة ابن اسحق.. فمثلاً يقول: نزلت في النضر بن الحارث ثماني آيات من القرآن.. أو يسوق مناسبات نزول آي من سورة الكهف.. ونراه حين يعرض للآي يفسّرها يضيء المعنى ويوضحه ببيان سبب النزول(22).
وهناك أمثلة كثيرة من تفسير ابن عباس يظهر فيها جلياً مدى أهمية الاعتماد على سبب النزول في فهم الآيات القرآنية.
روي أن عمر استعمل قدامة بن مظعون على البحرين فقدم الجارود على عمر فقال: إن قدامه شرب فسكر، فقال عمر: من يشهد على ماتقول؟ قال الجارود: أبو هريرة يشهد على ما أقول. فقال عمر: يا قدامة إني جالدك. قال: والله لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدني. قال عمر: ولم؟ قال: لأن الله يقول: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا) (المائدة/ 73).. فانا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا، شهدت مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بدراً وأحداً والخندق والمشاهد.
فقال عمر: ألا تروون عليه قوله؟
فقال ابن عباس: إن هذه الآيات أُنزلن عذراً للماضين، وحجة على الباقين لآن الله يقول: (يأ أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والازلام رجس من عمل الشيطان) (المائدة/ 90).. قال عمر: صدقت(23).
فالملاحظ هنا أن سبب الالتباس في الاستشهاد بالآية، على ما ذكر، هو عمد الوقوف على سبب النزول وأن ابن عباس كان معتمداً في الكشف عن الوجه الصحيح الذي ينبغي أن تُفهم عليه الآية على سبب النزول.
فقد رُوي عن البراء بن عازب أنه قال: مات من أصحاب النبي (ص) وهم يشربون الخمر فلما حرمت قال أُناس: كيف لأصحابنا ماتوا وهم يشربونها؟ فنزلت هذه الآية (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا)(24).
ويتصل بمعرفة سبب النزول علم الناسخ والمنسوخ، وذلك أن أكثر المنسوخ يتقدّم على الناس نزولاً.. وقد استعان ابن عباس بهذه الأداة حين يفسّر(25).
3_ التوظيف اللغوي والأدبي:
اعتمد ابن عباس على اللغة في تفسير القرآن الكريم، لتفهّم معانيه والكشف عن أسراره، لأن اللغة هي الأساس في معرفة دلالات الألفاظ القرآنية والوقوف على سرا إعجاز التركيب القرآني. وقد اشتهر ابن عباس باستعانته بشعر العرب وكلامهم في تفسير غريب القرآن وايراده على سبيل الاستشهاد به على المعنى الذي يبينه، وقد ساعده على ذلك معرفته الواسعة بلغة العرب وقوة ذاكرته التي استطاع بها أن يحفظ كثيراً من الشعر العربي. فقد روي عنه أنه قال: ما سمعت شيئاً قط إلاّ رويته، وإني لأسمع صوت النائحة فاشد أذني كراهة أن احفظ ما تقول(26).
وقد بيّن لنا ابن عباس (رض) مبلغ الحاجة الى هذه الناحية في التفسير، وحض عليها من أراد أن يتعرف غريب القرآن، فقد روى ابو بكر الانباري عنه أنه قال: (الشعر ديوان العرب، فاذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب، رجعنا الى ديوانها فالتمسنا ذلك منه.
وروى ابن الانباري عنه أيضاً أنه قال: (إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فان الشعر ديوان العرب). ولعل أوسع ما رُوي عن ابن عباس في هذا الباب مسائل ابن الأزرق، وقد ذكر السيوطي في الاتقان بسنده مبدأ الحوار الذي كان بين نافع بن الأزرق وابن عباس، وسرد مسائل ابن الأزرق وأجوبة ابن عباس عنها، فقال: (بينا عبد اله ابن عباس جالس بفناء الكعبة قد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن، فقال نافع بن الأزرق لنجدة بن عويمر: قم بنا الى هذا الذي يجزى، على تفسير القرآن بما لاعلم له به. فقاما اليه فقالا: إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسرها لنا، وتأتينا بمصادقه من كلام العرب، فان الله تعالى إنما انزل القرآن بلسان عربي مبين فقال ابن عباس: سلاني عما بدا لكما، فقال نافع أخبرني عن قول الله تعالى (عن اليمين وعن الشمال عزين) (المعارج/ 37)، قال: العزون: حلق الرفاق، قال: هل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول:
فجاءوا يهرعون اليه حتى يكونوا حول منبره عزينا
قال: أخبرني عن قوله (وابتغوا اليه الوسيلة) (المائدة/ 35)، قال: الوسيلة: الحاجة، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت عنترة وهو يقول:
إن الرجال لهم اليك وسيلة إن يأخذوك تكحلي وتخضبي
4ـ التفسير في دائرة المأثور المروي:
اعتمد ابن عباس في تفسيره على المروي عن النبي (ص) وأهل بيته وأصحابه، ثم عندما لايسعفه المروي نجده يعتمد على أدواته الثقافية التي تعينه على استجلاء الغامض وتوضيح المشكل(27).
وبالرغم من أن ابن عباس كان يمتلك _وبجدارة_ أدوات الفهم والاستنباط التي يستعين بها على فهم كثير من الآيات الكريمة، وقدرته على كشف غوامشها وأسرارها وهو فارس القرآن كما وصفه الرسول (ص) بقول: لكل شيء فارس وفارس القرآن عبد الله بن عباس(28). _إلاّ أنه كان يخشى الرأي. وكان يردد (رض): إنما هو كتاب الله وسنة رسوله (ص) فمن قال بعد ذلك شيئاً برأيه فما أدري.. أفي حسناته يجده أم في سيئاته؟
ولهذا فان تفسيره لآي الصفات أو الآيات التي ظاهرها التجسيم نجده تفسيراً صافياً حلواً يجري مع الفطرة اللغوية. يقول ابن عباس في تفسيره للآية: (الله يستهزىء بهم) يسخر بهم للنقمة منهم، ويفسر الآية (والله غني حليم) الغني الذي كمل في غناه، والحليم الذي كمل في حلمه. وكان ابن عباس يتوقف في بعض الآي فلا يقةول فيها شيئاً(29) عندما لايجد في بيانها مستنداً من كتاب الله أو سنة رسول الله (ص) ولم يتعرض لها الصحابة ولا يغني فيها مجرد الرأي.
قال أبو عبيد حدثنا اسماعيل بن ابراهيم عن أيوب عن ابن أبي مليكة قال: سأل رجل ابن عباس عن يوم كان مقداره الف سنة وقوله (يوم كان مقداره خمسين الف سنة) فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه الله أعلم بهما(30).
5_ الرجوع الى أهل الكتاب:
كان ابن عباس كغيره من الصحابة الذين اشتهروا بالتفسير، يرجعون في فهم معاني القرآن الى ما سمعوه من رسول الله (ص). والى ما يفتح الله به عليهم من طريق النظر والاجتهاد، مع الاستعانة في ذلك بمعرفة أسباب النزول والظروف والملابسات التي نزل فيها القرآن. وكان رضي الله عنه يرجع الى أهل الكتاب ويأخذ عنهم، بحكم اتفاق القرآن مع التوراة والانجيل في كثير من المواضع التي أُجملت في القرآن وفصلت في التوراة والانجيل، ولكن كما قلنا فيما سبق أن الرجوع الى أهل الكتاب كان في دائرة محدودة ضيقة، تتفق مع القرآن وتشهد له، أما ما عدا ذلك مما يتنافى مع القرآن، ولايتفق مع الشريعة الاسلامية، فكان ابن عباس لايقبله ولا يأخذه(31).
بيد أن هذه الدائرة المحدودة الضيقة _والطبيعية أيضاً في مقياس أهل العلم_ حاول البعض أن يضعها خارج نطاقها الصحيح توظيفاً لها في خدمة أغراض معروفة، تتنافى وأبسط متطلبات المنهج العلمي.
فهذا المستشرق جلولدزيهر يحاول جاهداً إقناع الآخرين بأن اللون اليهودي قد صبغ مدارس التفسير القديمة، وبالخص مدرسة ابن عباس، بسبب اتصالهم بمن دخل في الإسلام من أهل الكتاب(32)، إذ يقول: وكثيراً ما ذكر أنه كان يرجع (كتابةً) في تفسير معاني الالفاظ الى مَن يُدعى أبا الجلد.. وكثيراً ما نجد بين مصادر العلم المفضلة لدى ابن عباس اليهوديين اللذين اعتنقا الاسلام: كعب الأحبار، وعبد الله بن سلام. ثم يقول: ومن الحق أن اعتناقهم للاسلام قد سما بهم على فطنة الكذب، ورفعهم الى مرتبة مصادر العلم التي لاتثير ارتياباً، ولم يعدُ (اونولوث) شاكلة الصواب إذ يتحدث عن مدرسة ابن عباس ذات المسحة اليهودية(33).
ولئن كانت غايات (جولدزيهر) البعيدة معروفة في سياق حركتي الاستشراق والتبشير.. فان مالانفهمه هو انخراط بعض المسلمين في هذا المنحى المشبوه اللهم إلاّ أن نقول: انها التبعية في المنهج..
وعلى سبيل المثال لا الحصر.. فان كلاً من أحمد أمين وأحمد خليل قد تابعا جولدزيهر في رأيه دون أن يكلفا فنسيهما بمناقشته أو حتى التشكيك باتهامه، فيما حشد الأول كتبه باتهام طائفة كبيرة من المسلمين(34)!!
ولسنا هنا بصدد الرد على تخرصات جولدزيهر ومعابره الفكرية من أمثال الكاتبين أحمد أمين وأحمد خليل.. وقد انبرى العلماء الى تفنيد هذه الآراء المتهافتة(35).
بل إن ابن عباس نفسه، قد كفانا مؤونة الد، إذ كان يؤيد على خطورة الرجوع الى أهل الكتاب بقوله: (كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيّه (ص) بين أظهركم أحدث الكتب بربه غضاً لم يشب.. ألم يخبركم الله في كتابه أنهم قد غيروا كتاب الله وبدلوه وكتبوا الكتاب بأيديهم فقالوا هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً. ألا ينهاكم العلم الذي جاءكم عن مسألتهم: والله ما رأينا رجلاً منهم قط يسألكم عمّا أنزل الله اليكم(36).
ولكن، أليس من حقنا أن نتساءل: كيف نوفق _إذن_ بين رجوع ابن عباس الى أهل الكتاب وبين دعوته الى عدم الرجوع اليهم؟.
الواقع أنه لاخلاف بين ما يقول ابن عباس وما فعل.. ذلك انه كان حين يرجع الى أهل الكتاب مستفسراً فانما يرجع رجوع العالم الذي يعير سمعه لما يُقال ثم يعمل فكره وعقله فيما سمع، ثم ينخله مبعداً عنه الزيف، وقد وضع أساس منهج الاختيار العلمي بقوله: العام أكثر من أن يُحاط به فخذوا منه أحسنه.
بل إن موقف ابن عباس من الكتابيين يصوره معتزاً بدينه كريماً على نفسه وثقافته، فيروى أن رجلاً أتى ابن عباس يبلغه زعم كعب الاحبار أنه يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في النار.. فغضب ابن عباس وقال: كذب كعب الاحبار. قالها ثلاثاً، بل هذه يهودية يريد ادخالها في الاسلام.. وقد اعتذر له كعب بعد وتعلل.
ومن هذا الوادي _أيضاً_ ما روى من أنه ذُكر الظلم في مجلس ابن عباس فقال كعب: إني لا اُجد في كتاب الله المنزل أن الظلم يخرِّب الديار. فقال ابن عباس: أنا اوجدكه في القرآن. قال الله عزوجل (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا).
ــــــــــــ
1_ التفسير والمفسرون 1:65.
2_ خير الدين الزركلي (الأعلام) 4: 95.
3_ الفتنة الكبرى 2: 131.
4_ أعيان الشيعة 8: 56.
5_ العقد الفريد 2: 127.
6_ التفسير والمفسرون 1: 66.
7_ المصدر السابق.
8_ المصدر السابق.
9_ منّاع القطان: (مباحث في علوم القرآن) منشورات العصر الحديث 1973، ص 383.
10_ الاعلام: 4: 95.
11_ مناهج في التفسير للدكتور مصطفى الصاوي الجويني (د.ت) الاسكندرية ص 41.
12_ تفسير القاسمي 1: 15.
13_ الاتقان في علوم القرآن 4: 235_236.
14_ جولد تسيهر: المذاهب الاسلامية في تفسير القرآن: 89.
15_ انظر مقدمة في اصول التفسير تحقيق د.عدنان زرزور، دار القرآن، الكويت 1971، ص61.
16_ التفسير والمفسرون 1: 101.
17_ عبد الله خورشيد البرى، القرآن وعلومه في مصر (20_ 358ه‍)، دار المعارف بمصر، القاهرة 1970، ص 278.
18_ محمد ابو زهرة: "المعجزة الكبرى، القرآن" (د.ت) ص 586.
19_ نقلاً عن كتاب اصول التفسير وقواعده للشيخ خالد عبد الرحمن العك، ص 46.
20_ م . س.
21_ د. عبد الجليل عبد الرحيم: (لغة القرآن الكريم)، عَمّان، 1981، ص 421.
22_ مناهج في التفسير: 25.
23_ لغة القرآن الكريم، نقلاً عن الموافقات للشاطبي، 3: 201.
24_ م . س، 422 وما بعدها.
25_ مناهج في التفسير: 28.
26_ لغة القرآن الكريم: 425.
27_ بشيء من التصرف. المرجع السابق: 431. (79) انظر: التفسير والمفسرون 1: 89.
28_ المحدث القمي: سفينة البحار 2: 150.
29_ مناهج في التفسير: 36.
30_ لغة القرآن الكريم: 432.
31_ التفسير والمفسرون 1: 70.
32_ م . س 1: 72.
33_ المذاهب الاسلامية في تفسير القرآن: 85_88، نقلاً عن لغة القرآن: 433.
34_ للمزيد من الاطلاع على رأيهما إنظر للأول كتابه: (فجر الاسلام) 1: 248، ط3، وللثاني كتابه: "نشأة التفسير في الكتب المقدسة والقرآن" ص 27_38، ط1، 1954.
35_ انظر: التفسير والمفسرون 1: 72 وما بعدها.
36_ ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله 2: 42، نقلاً عن مناهج التفسير: 37.
--------------------------


source : البلاغ
  425
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

تشبيه لطيف من صديق حقيقي‏
الطاعة والتقوى‌ في القرآن والحديث
دعاء الليلة التاسعة
الشیعة والمناجاة عند قبور الأئمة
آية المباهلة ودلالتها على إمامة أمير المؤمنين علي ...
شعر الإمام الحسين
البداء (يمحو اللّه ما يشاء و يثبت و عنده اءم الكتاب )
الامامة المنتظرة
أهمية المجالس الحسينية
أفضلية فاطمة الزهراء (ع) في کتب أهل السنة(القسم الثاني)

 
user comment