عربي
Thursday 24th of September 2020
  509
  0
  0

التاريخ الإسلامي بين الخطابين الديني والسياسي

لو غادرنا ساحات النظرة الروحية للإسلام وسحر طاقاته الإنسانية الخلاقة, وحاولنا أن نتقدم لرؤية هذه الحضارة الإسلامية في ضوء المعايير التاريخية لتوجب علينا أن نقول: إن الوهج الأول للرسالة النبوية, بكل ما ينطوي عليه هذا الوهج التاريخي من قيم أصيلة, ومن ممارسات نبيلة وخلاقة هو الذي أطبق على الكون حكم الحضارة الإسلامية ومهد لانتشار الرسالة في قلوب البشر ومكنها من عقولهم
لقد تأصلت الأسرار الحقيقية لحضارة الإسلام في قيم السلام والمحبة والإخاء والمساواة, واستطاعت هذه القيم أن تجد من يتمرس بها, ومن يحققها ويجسدها بصورة عيانية واقعية, لا تقبل الشك والجدل.
وإذا كانت العقيدة الإسلامية قد جاءت نموذجا حضاريا تسعى إليه الشعوب وتشد في طلبه الأمم وتناضل في أثره طلبا للحرية وللمساواة والعدالة الاجتماعية, فإن الحضارة العربية الإسلامية, قد ازدهرت مقاماتها على أساس هذه الخلفية التاريخية للممارسة الإسلامية الصادقة. وعندما بدأت الممارسة الحقيقية للقيم الإسلامية بالانحسار بدأت مرحلة التراجع الحضاري وعندما خبا وهج الممارسة الحقيقية لقيم الإسلام ولمباديء تشريعه العظيم سرعان ما بدأت مرحلة الانحسار التاريخي للوهج الحضاري الإسلام
غياب الحضارة
وما إن انتشرت المظالم الاجتماعية, وغابت قيم الشورى في الممارسة السياسية, وظهر الاستبداد السياسي, وغابت قيم العقل والاجتهاد, حتى تشتت طاقات المسلمين وبدأت شمس الحضارة العربية بالغروب, وانطلقت رحلة الظلام التي يؤرخ لها في النصف الأول من القرن الثاني عشر الميلادي, حيث ساد الظلم والقهر وتراجعت قيم الحب والسلام, التي نادى بها الإسلام.
فبدا أن التراجع الحضاري, والانحسار التاريخي للمد الثقافي الإنساني الإسلامي, قد ترافق بانحسار الحضور الحقيقي لحقوق الإنسان, التي تجسدت في القيم الإسلامية وفي مباديء الدين الحنيف. حيث حلت قيم الاستغلال والظلم والاستبداد والتعصب فغابت الحضارة لغياب الروح القيمية التي نادى بها الإسلام وعمل من أجلها نبي الإسلام وأفذاذ المسلمين وقادتهم.
بدأت شرارة حركة التراجع الحضاري منذ اللحظة التاريخية التي ثار فيها نفر من المسلمين على ولاية عثمان بن عفان رضي الله عنه, وتأججت نار الفتنة بمقتله فدارت رحى الحروب, وبدأ التاريخ الإسلامي يسجل المأساة تلو المأساة, والفاجعة بعد الفاجعة, ورغم هذه المحطات المأساوية في تاريخنا الإسلامي, نهض رجال عظماء أفذاذ حاولوا أن يعيدوا للرسالة الإسلامية وهجها وأن يعيدوا للعرب والمسلمين مفاخر وأمجاد العطاء الإسلامي والروح الإسلامية الخلاقة, مثل عمر بن عبدالعزيز, وهارون الرشيد, والأمين, والمأمون, والمعتصم, الذين حاولوا أن يعطوا دفعة حيوية للممارسات الإسلامية الصادقة.
وفي زحمة الصراع على السلطة ظهرت إلى الوجود فرق سياسية ودينية متنازعة فانتقل المسلمون من حالة التجانس المطلق, في الفكر والعقيدة والمذهب, إلى حالة التنوع والتعدد والاختلاف, ومن حال التوافق الكلي إلى حالة من الاصطراع في مختلف المجالات السياسية والمذهبية والدينية, حيث أهرقت دماء المسلمين, وأزهقت أرواحهم ظلما وعدوانا وقهرا. وبدأت الغيوم السوداء الكالحة تخيم بظلالها القاتمة على عالم المسلمين, حاجبة شمس الحضارة الإسلامية, مغيبة معاني الحرية والإخاء الإنسانية, فعاشت الأمم الإسلامية ولاسيما في العصر العباسي الثاني (عصر الضعف والقهر السياسي) حالة غياب كامل للقيم الحضارية وحقوق الإنسان التي وهبها الله للمسلمين والبشر. وبدأ الظلم يحل مكان العدل, والقهر مكان الرحمة, والتعصب مكان التسامح, وإزهاق الأرواح في كل مكان حصانتها.
لقد أثبت التاريخ أنه يمكن للإرادات الإنسانية الصادقة أن تأخذ دورا جوهريا في صنع الحضارة, وأن تحافظ على مقومات وجودها (حالة أبوبكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم) ولكن هذا التاريخ يؤكد أن المجتمعات الإنسانية تنطوي على قوى تاريخية واجتماعية, تسعى إلى ملذات الحياة الدنيا ومكاسبها, وتضحي بالمباديء والعقائد والقيم من أجل وضعية دنيوية تمتلك فيها القوة والمقدرة فتعيث في الأرض ظلما وجورا وفتكا.
وفي شخص علي بن أبي طالب الخليفة الرابع تتمثل مآسي الصراع بين الحق والباطل, بين إرادة الإسلام المتمثلة في طهارة الغاية وقيم الحب والخير والسلام, .. إرادة الحياة الدنيا المتمثلة في الظلم والفساد وزينة الحياة الدنيا, حيث حمل على تركة ثقيلة جدا, ودخل في سلسلة من الصراعات التاريخية المدمرة, صونا لحقوق المسلمين وحرياتهم, انتهت باغتياله, وباغتياله خرج المسلمون من دائرة الشرعية, التي تمثلت بالشورى والبيعة والحق, إلى دائرة الحكم العرفي الذي فرض بالقوة والدهاء. ولا يستطيع أحد أن يغض الطرف عن حمامات الدم, ومقاصل الموت, التي حصدت جموع المسلمين والمؤمنين, على مر المراحل التاريخية السابقة, وذلك في أتون حروب طاحنة من أجل السلطة, وحروب مذهبية, وحركات سياسية, أزهقت فيها أرواح المسلمين وأهدرت دماؤهم وسلبت حقوقهم وأهدرت إنسانيتهم.
ولكن ان المكاسب التاريخية للإسلام تبددت وتلاشت تدريجيا مع وصول قوى سياسية دنيوية متباينة بغاياتها وأصولها إلى سدة السلطة والحكم, وبدأت تقرر مصير الدولة والمسلمين, فعملت على توظيف العقيدة لخدمة مصالحها, بدلا من أن توظف وجودها لخدمة العقيدة أسوة بالسابقين من الخلفاء الراشدين.
وفي هذه المعادلة السياسية الجديدة, فقدت القيم الإسلامية جوهر أصالته (طبعا في مجال الممارسة), وتم تزييف كثير من مفاهيم وتصورات الإسلام لتنسجم مع مصالح الحكام وتعبر عنها وتجسد في الآن الواحد مصالح وأغراض طبقة اجتماعية سياسية وعسكرية رفعت مصلحتها فوق القيم وفوق كل عطاءات الإسلام الحقوقية والإنسانية.
وفي هذا التوجه الدنيوي تحولت العقيدة إلى خادم للسياسة (...) فحين يقول أبوجعفر المنصور عندما خاطب الناس بقوله: (أيها الناس لقد أصبحنا لكم قادة, وعنكم زاده, نحكمكم بحق الله الذي أولانا, وسلطانه الذي أعطانا, وإنما أنا سلطان الله في أرضه, وحارسه على ماله, جعلني عليكم قفلا, إن شاء أن يفتحني لإعطائكم وإن شاء يقفلني), فإن في هذا القول يتجسد مطلق الاستبداد السياسي والاجتماعي
الإيمان والعزيمة
لنقارن من جديد بين مفهومين للسلطة أحدهما في صدر الإسلام والثاني في عهد معاوية ولننظر بإمعان إلى الكيفية التي انقلب فيها الخطاب الديني السياسي من خدمة العقيدة إلى خدمة السلطان. يقول عمر رضي الله عنه: (إن رأيتم اعوجاجا فقوموني. ما أنا إلا كأحدكم, فأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وإحضاري النصيحة (الشورى) فيما ولاني الله من أمركم, ومنزلتي من مالكم كمنزلة ولي اليتيم من ماله). وأين هذا القول من قول أحد الخطباء المسلمين مشيرا إلى الخليفة معاوية: (إن هذا هو أمير المؤمنين فإن مات فهذا هو خليفته (مشيرا إلى يزيد), ومن تحدى فالحكم لهذا ـ مطوحا بسيفه ـ فهتف أتباع معاوية استحسانا, ومن ثم أومأ معاوية واعتبر هذا موافقة اجماعية أو بيعة. لقد تجمد العقل على قوالب صاغها فقهاء السلاطين وأصبحت فيما بعد كل محاولة للتحرر بدعة وبمثابة الخيانة العظمى التي تؤدي إلى القتل والبتر والتعذيب.
وتأسيسا على ما سبق يمكن القول إن مجرد الإرادات الطيبة والقلوب العامرة بالإيمان لم تكن كافية لحماية المكاسب الإسلامية بطابعها الروحي, الممثلة في حقوق الإنسان المتجسدة في قيم العدالة والمساواة والحرية والتسامح والكرامة.
وهذا يعني أن الأساس الديني الخالص ليس كافيا وحده لحماية المكاسب التاريخية لحقوق المسلمين التي تمثلت في كل القيم والمباديء النبيلة. فما يمكن أن يكرسه الإيمان يمكن أن ينزوي تحت تأثير همم فاترة وإيمان ضعيف أو حماس ديني ضعيف. وهذا ما حدث تاريخيا فلا نستطيع أن نقارن بين عهدين لخليفتين أمويين هما يزيد بن معاوية وعمر بن عبدالعزيز.
لقد نال الناس الشقاء في عهد الأول, بينما نعموا بأعظم عطاءات الإسلام في عهد الثاني.
يؤكد بعض المفكرين العرب أن القرآن والسنة النبوية يشكلان دستورا لحقوق الإنسان, وهناك منظمات سياسية إسلامية ترفع شعارا قوامه أن القرآن الكريم هو دستور المسلمين. ومع ذلك فإن هذا ليس كافيا أبدا لكي تتم المحافظة على القيم, ولكي يتم العمل وفقا للدستور القدسي. فالقرآن لا يحقق نفسه بنفسه, والسنة لا تجد طريقها بنفسها إلى ساحات العمل, وكلاهما, السنة النبوية الشريفة والقرآن الكريم, يقتضيان سواعد المسلمين الصادقين القادرين على تجسيد هؤلاء الذين تتشبع قلوبهم بالإيمان, وتفيض إرادتهم بقوة النهوض الدائم, والذين يجب عليهم أن يكونوا في موقع المسئولية, لكي يتاح لهم أن يسهروا على تحقيق القيم الإنسانية الشاملة للإسلام سنة وقرآنا.
ويمكن القول إن الثقة الموضوعة في قواعد وقيود الإسلام وفي قدرته على فرض العدالة الإسلامية بواسطة قضاة ذوي (ضمائر حرة) ينسون أحيانا أن تعيينهم في وظائفهم كان نتيجة تسامح نفس الحكام الذين يمكن أن يكونوا موضع مساءلة هؤلاء القضاة على أعمالهم, ومن الصحيح أن تاريخ الإمبراطورية العثمانية يمتليء بأمثلة مدهشة لشيوخ الإسلام الذين كانوا يقفون في وجه السلطان, ولكن نفس هذا التاريخ يمتليء أيضا بأمثلة كانت الوظيفة الأساسية لهم هي صبغ الصفة الشرعية على الأفعال المخزية التي كان يقوم بها هؤلاء الحكام.
وإذا كان الباحث الإسلامي المؤمن يزهو اليوم ويفاخر بما جاء به الإسلام سنة وقرآنا من حقوق سامية للإنسان, فإن هذا يجب ألا ينسيه أبدا هذه المفارقات التي تقوم بين علياء النظرية الإسلامية لحقوق الإنسان والممارسة والتطبيق, ويجب أيضا ألا يتجاهل لحظات من التاريخ تعرض فيها المسلمون لمواسم التعذيب والقهر, كما يجب عليه أن ينظر ويرصد الواقع المعيش لما يعانيه الإنسان العربي الإسلامي المعاصر من قهر وتنكيل وظلم واغتراب, في ظل أنظمة شمولية تسعى إلى تبديد كل المحاولات التي تعمل على بناء حقوق فعلية للإنسان. فالممارسات المنافية لحقوق الإنسان تسطر حضورها في بعض المجتمعات العربية المعاصرة وجميعها يتنافى مع الحقائق القرآنية والسنن النبوية التي رسمها الإسلام. فأين هو الإنسان العربي المعاصر بين مقولة تكريم الإنسان كخليفة الله في أرضه وواقع القهر الذي يجلد فيه هذا الإنسان علنا لإبدائه رأيا يخالف فيه رأي السلطان?
لقد فقد الإنسان العربي الإحساس بحقوقه تحت تأثير هزيمة داخلية شاملة أفرزتها مراحل تاريخية مديدة من الشقاء الإنساني والممارسات التي تتنافى مع مباديء الحق والوجود. فالقمع المستمر الذي شهده تاريخنا العربي الإسلامي استطاع أن يجرد الإنسان من القدرة على الإحساس بقيمته كإنسان يمتلك حقوقا تاريخية في الوجود الإنساني المتحرر من كل أشكال الظلم والاضطهاد. ولأنه لم يعد قادرا على المطالبة بحقوقه إزاء هذا المد التاريخي البائس فإنه يلتمس في النص القدسي ما يعوضه هذا الإحساس الشامل بالهزيمة التاريخية.

 


source : البلاغ
  509
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

حلم الإمام الحسن(عليه السلام) نهج للتسامح الاجتماعي
مقدمات في طريق إثبات ولادة الإمام المهدي (عج)
المعالم الاقتصادية والعمرانية في حكومة الامام المهدي ...
هل ان عيسی عليه السلام ابن الله جل وعلا
لماذا الأسلوب القصصي في القرآن؟
ظواهرغريب اللفظ في (النهج) – الثاني
كان القمّة في العلم والحوار والتّقوى والوحدة
الإمام الصادق والمعارف الجعفرية (الشيعية)
الغــيبة.. مـرض أخـلاقي
تهذيب الشهوة

 
user comment