عربي
Wednesday 25th of November 2020
  379
  0
  0

أولويات التغيير والمنظور الاسلامي

يقترح بعض الباحثين رؤيةً علميةً لمسألة التغيير، وترتيب أولوياتها بمراجعة نقدية شاملة لموروثات العقل العربي، والتأسيس لمنهج جديد في التفكير: فما نحتاج إليه هو التدرب على عقل جديد، أسمِّيه العقل التداولي، من حيث إمكاناته وآلياته ومفاعيله في التوسط والتعدد، أو في التواصل والتبادل، أو في التركيب والتجاوز، فضلاً على الخلق والتحول.
فالتداول هو في وجهه الأول إتقان لغة التوسط والحوار والتواصل، والعلاقات بين البشر تبنى وتثمر بخلق البيئات والأوساط، أو الوسائط والوسائل، وهي التي تتيح التواصل والتعارف والتبادل، فمن غير وسط أو توسط: لغة – مثلاً – أو محادثة، أو حجّة ومحاورة، أو قاعدة أو مؤسسة، يسيطر العماء والخواء، أو يعمّ الإقصاء والإستبداد. والتواصل هو سمة الإجتماع البشري بما هو تبادل للخبرات والمعلومات، أو تداول للسلع والعملات، أو انتقال للأشخاص والجماعات..
ويشكل التواصل ميزة العصر، ثورة المعلومات والتقنيات. والتواصل بين الناس، يمكن أن يتمّ بصورة عامودية، بين الأجيال والأطوار، كما يتمّ بصورة أفقية، في المكان بين الطوائف والفئات، داخل المجتمع الواحد، أو بين المجتمعات والثقافات على مستوى الكوكب.
والوجه الآخر للعقل التواصلي، هو المنهج التعددي. والتعددية لا تُدرَك بمعناها البسيط والأحادي، إنما هي مركب مفهومي، له مستوياته المتعددة:
الأول: هو النظر إلى الواقع من حيث تعدد أبنيته وأصعدته ومساراته.
والثاني: النظر إلى المجتمع من حيث تعدد عناصره وقواه ومشروعياته.
والثالث: قبول الآخر بوصفه مختلفاً ومساوياً في آن.
الرابع والأهم: اقتناع المرء بأن هويته هي تعددية، بمعنى أنها سوية وجودية، مبنية من تعارض الميول والأهواء، أو التباس المعاني وتوتر الأضداد، بقدر ما هي مسرح لتعدد الأطياف والصور والشخوص والأصوات.
ولذا فالتفكير على نحو تداولي، ومن منظور تعددي، يعني أن مقاربة الظواهر وتفسير الوقائع، ومعالجة المشكلات، تحتاج إلى أكثر من منهج، أو منطلق، أو نموذج. ولغة التداول لا تعني التعامل مع الأفكار والعناوين، على نحو ما، وراثي أو مثالي، بوصفها جواهر ثابتة، أو أيقونات مقدسة، أو حقائق مطلقة، ومتعالية على الأحداث والتجارب. ومَن يفعل ذلك يحول المقولات والشعارات إلى قوالب فكرية متحجرة، أو إلى متاريس عقدية، أو إلى أفخاخ ذاتية، لحجب الكائن، أو لشنّ الحرب على الآخر، أو لتفجير المشاريع الحضارية والتنموية، كما تشهد التجارب في العالم العربي بشكل خاص، حيث تحولت الشعارات إلى أضدادها على أرض الممارسات. فالأحرى أن تُعامل الأفكار بمنطق الخلق والتعديل، بوصفها طاقتنا الحيّة، وقدرتنا على التغيير والتجديد بحيث نتغير معها، ونسهم في تغيير الآخر. ونعمل على إغنائها وتطويرها بقدر ما ننجح في تغيير بنية الواقع أو صورة العالم.
وإذن فالتفكير على نحو تداولي لا يتعاطى مع العقلانية أو الديمقراطية أو الحداثة، كثوابت يثير بها ويغار عليها، وإنما يعمل على إعادة صوغها وتطويرها في أتون المعاناة والتجارب، بتحويل علاقته بالظاهرات والمشكلات، والآفات والأزمات، إلى أطر نظرية أو صيغ عقلانية أو قواعد عملية أو قيم تداولية، لها مصداقيتها وفاعليتها في الفهم والتشخيص، أو في العمل والتنظيم، أو في التقدير والتدبير.
أما التوجه الآخر للتفكير الكوكبي، فهو المنظور المستقبلي. والمستقبليات باتت منذ زمن مجالاً للدرس والبحث، بعد أن تزايدت المخاطر على الأرض والحياة والإنسان، وبعد أن أصبح الإنسان يمتلك قدرات على الفعل والتأثر، تفوق قدراته على التوقع والتدبير.
والتفكير المستقبلي لا يعني الرجم بالغيب، والإنشغال برسم سيناريوهات مستحيلة، أو وضع استراتيجيات للهيمنة والتسلط. فمفتاح التوقع لما هو آتٍ، والإعداد للمستقبل الداهم هو فهم الحاضر وتشخيصه بالإنخراط في صنعه، وتحويله فكرياً وعملياً عبر توظيف التراث الحيّ الذي لا ينفك يحضر. وهكذا مَن يحسن فهم ماضيه وتدبر واقعه، يهيئ لمستقبله بقدر ما يحسن استثمار تراثه. وتلك هي المعادلة التي تأتي بناء على العلاقة بين الأزمنة بصورة متوازنة، مخصبة حيّة، وراهنة، بقدر يتيح لنا أن نتحرر من الأديولوجيات، والطوباويات، التي تجعلنا أسرى ماضٍ يستحيل أن يعود كما كان عليه، أو تغرقنا في أوهام مستقبل لا ينفكّ يبتعد.
ومن الطبيعي والمنطقي أن تختلف النظرة إلى معنى التقدم، وأساليب تحقيقه، والعوامل الكفيلة بتوفير السعادة للإنسان في عالم الغد. وقد انقسم المفكرون إزاء ذلك إلى فريقين: يرى أعضاء الفريق الأول – أو بعضهم على الأصح – أنّ الصورة المثلى للمستقبل، هي الماضي الذي عرفه المجتمع، وخبره واستراح إليه. بينما يرى بعضهم الآخر أنه المستقبل الذي يقوم على أساس التخطيط الواعي، المحكم الدقيق الذي يسترشد – في الوقت ذاته – بالثوابت المميزة للحياة الإجتماعية، ويتمسك بها، بل ويعمل على ترسيخها.
أما أعضاء الفريق الثاني، فيرون أنّ المستقبل هو التقدم، وأنّ التقدم لن يتحقق في عالم الغد إلا من خلال التفكير الإبداعي المستقبلي، والإرتياد والمخاطرة، والإقدام والتجريب... ما يؤدي إلى التغيير الشامل الكلي لما استقرت عليه الأمور. فالتغيير في نظرهم عنصر أساس، ملازم للحياة، بل وللوجود ككل.
ومع أنّ التغيير قد يكون أحياناً إلى الأسوأ، فإنه يرتبط – في الأغلب في ذهن الإنسان – بإحراز التقدم، كما أنه يشير ضمناً إلى رفض الواقع، والتمرد عليه، والرغبة في الوصول إلى الأفضل. ولقد كان مفهوم التقدم في فترة من الفترات فلسفة للحضارة من منطلق أنّ التغيير يؤدي إلى الإرتقاء بالشأن الإنساني بالضرورة.
عام 1998، أصدرت الكاتبة الصحفية الأمريكية "فرجيينا بوسترل" كتاباً طريفاً بعنوان (المستقبل وأعداؤه.. الصرع المتنامي حول الإبداعية، والريادة، والتقدم) وهو كتاب يكشف عن الصراع الدائر بين المثقفين حول دور الريادة والإبداعية في تحقيق التقدم الذي من شأنه خلق مستقبل جديد، وموقف المحافظين والأصوليين من الإبداع الفكري الرائد في أمريكا ذاتها. وتذهب الكاتبة في ذلك إلى التمييز بين فئتين من المفكرين تطلق عليها اسم الديناميين، والإستقراريين أو السكونيين، الذين ينقسمون بدورهم إلى أصوليين، وتكنوقراط. وأنّ الأصوليين أو الرجعيين، يولون أهمية قصوى لمبدأ الإستقرار، بحيث يرون أنّ المستقبل يجب أن يكون صورة أخرى من الماضي. بينما يؤمن التكنوقراط، بضرورة التحكم في عمليات التغيير، وتوجيه التقدم حسب خطة مرسومة يصنعون هم تفاصيلها، ولا يسمح بالخروج عنها، لأنها تعكس سياسة الدولة، أو السلطة المركزية في المجتمع.
وبعد: لا يمكن لعلم اجتماع الدين والتدين من منظور اسلامي رصد ظاهرة التغيُّر الإجتماعي من غير تأصيل المفهومات القرآنية في:
أ‌) مجال وعي الترابط بين المقدمات، ونتائجها في ما يسمى بالحتميات التاريخية، والإجتماعية.
ب‌) مجال ما اصطلح عليه القرآن، بالدفع والتدافع، وصلته بحماية الأرض من الفساد، وحماية الحريات الدينية من المصادرة والإستلاب.
ت‌) مجال التحفيز القرآني لطلب الآمَن، والأكمل في كل عمل ينشد الصلاح والإصلاح.
ث‌) مجال تخصيب إنتاج المعرفة الدائمة باختبارات الدين والتدين في ضوء المنهج القرآني من حسن جدل العلاقة بين الثابت والمتغير، وذلك بالركون إلى وجوب الإحتفاظ بثبات – الميزان – أي ثبات المعايير والمقاييس التي يوزن بها الفعل الإنساني بملاحظة الإعتراف بأن الثابت المحوري، هو الإنسان.
ج‌) مجال تجديد النظر في علاقة التقابل الشرطي بين تغيير النفس، وتغيير النعمة، وهو تقابل شائك وعسير من غير تضافر الجهود البحثية، لإبراز معالم الفلسفة القرآنية الإجتماعية في التفسير القرآني: للإنسان وسعادته.
ح‌) مجال وعي الشهودية المشروطة بمأثرة التوسط والوسطية (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس) ويبدو لي أن الحلقة المفقودة في اختلال علاقة الأمة الإسلامية بسواها من الأمم هو إهمالها لشرط، هذه الوسطية في مختلف ميادين النهوض بواجبات الشهودية على الناس.
خ‌) مجال – نقد الذات الإسلامية – في سياق الحداثة التاريخية للإسلام، وتصحيح – وجهة – البوصلة – الاسلامية في ضوء صياغة معاصرة – للتدبر في إحياء القرآن في عقل الأمة، وقلبها بوصفه المشروع الخالد للأمة – ذلك أن مهلك الأمة في جميع فصول الإنحطاط، والهزيمة تزامن عبر تاريخها باستمرار مع تعطيل عنصر الهدف من مسيرتها، وتبديد عنصر القوة من إرادتها.
وعندي أن نقطة الإرتكاز لعلم اجتماع الدين والتدين من منظور قرآني يجب أن تبدأ من مفاصل الوعي بغياب المشروع، وإشكالاته، ومشكلاته الحضارية، والتي آل بها إلى معضلات غيابها عن مسارح التأثير العالمي لتسقط أخيراً بين مقولتين: أحدهما مثالية تمامية تطمح إلى تغيير العالم من دون أي ترتيب منهجيّ لفقه الضرورات، وفقه الأولويات. وثانيهما: انتقائية تخصصية تلتزم بمنهاج تجزئة الحلول وصولاً إلى تعميمها، من دون أي ترتيب منهجي لإطارها الزماني، والمكاني.
ومع هذه، وتلك، ثمة حقيقة جوهرية تتعلق بالباحث الإجتماعي الديني، حيث تسود أعماله منازع – التضحية – بأهميّة موضوعاته لصالح المنازع المذهبية والطائفية، بحيث لا يتم التركيز إلا على قراءة أحادية منقولة نظرياً لإسقاطها على جانب وحيد من الواقع. وبذلك يتم عزل الظاهرة الإجتماعية عن عواملها، وأسبابها الحقيقية في مدى يتأرجح بين نموذجين من بحوث الإجتماع الديني: أحدهما تكنوقراطي موظف لخدمة مصالح المجتمع السياسية الرسمية، وثانيهما: نظري موظف لخدمة مراكز البحث الطائفية، والمذهبية... فهل نقف بعد قرون من تجاربنا – المذهبية – لنثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنه من العبث التفكير – في صياغة مشروع إسلامي موحّد – للأمّة، طالما أنّ السياسات الدينية الطائفية ما زالت تعاني من ازدواجيات التفكير في ما هو المذهبي الخاص وفي ما هو الإسلامي العام.
المصدر: كتاب اجتماعيات الدين والتدين (دراسات في النظرية الاجتماعية الاسلامية)
a


source : البلاغ
  379
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

آیة الوضوء و کیفیة غسل الایدی
العفّة وفضلها
حد الفقر الذی یجوز معه اخذ الزکاة
الذنوب التي تنقص العمر
عقوبة لا تستحق التاجيل
أم البنين نصيرة العصمة وأم الشهداء
إدخال السرور على المؤمن
صفات أهل البيت عليهم‌السلام
الْمُجَاهِدُونَ فِی سَبِیلِ اللَّهِ
فکر الزهراء عليها السلام

 
user comment