عربي
Thursday 24th of September 2020
  597
  0
  0

برامج الرعاية الاجتماعية في ضوء مقاصد الشريعة

مجموعة باحثين
1- برامج للإسهام في حفظ الدين:
2- وتنقسم الى نوعين: الأول برامج إنشائية وتنموية تحافظ على وجود الدين واستمراره,الثاني:برامج وقائية وعلاجية تحافظ على الدين من العدم وتدافع عنه,وفيما يلي أمثلة على النوعين:
أ‌- البرامج الإنشائية والتنموية,مثل :
* برامج للإسهام في جهود الدعوة الى الله وفي بناء الوعي الإسلامي,في إطار "الخدمة الاجتماعية الإسلامية" وفق مايراه محمد عبد الهادي (1991م ),وبخاصة فيما يتصل بالجهود التنسيقية بين المنظمات الإسلامية العاملة في ميدان الدعوة,وتقديم المشورة المهنية لمعاونتها في تصميم البرامج وتقويمها,وتدريب قيادات الدعوة الإسلامية.
* برامج تعليمية تساعد الأفراد على التأمل والتفكير في آيات الله المشاهدة في الكون,وفي النفس الإنسانية وتدبر آيات الله المتلوة (القرآن الكريم),حتى يستطيعوا عن طريق العقل والوحي – الوصول الى الإيمان الصادق.
* برامج للعمل مع الجماعات من المنظور التنموي تقصد في جوهرها الى التنمية المتكاملة لشخصيات الشباب,محورها الأساسي اعتقادي وتعليمي.
* برامج تتصل بتوفير الإمكانات المادية وغير المادية,لمعاونة طلاب العلم وتشجيعهم,فكلما استزاد الفرد من العلم قوي إيمانه وزادت خشيته لله – عز وجل – (إنما يخشى الله من عباده العلماء..) (فاطر/28).
* برامج تتصل بتوفير وتيسير أداء العبادات ,كإعمار المساجد,وتيسير الحج والعمرة لأكبر عدد ممكن من المسلمين,وتوفير الخدمات الصحية والاجتماعية والثقافية لهم.
* برامج تهدف الى تقوية الروابط الاجتماعية بين أفراد المجتمع على جميع المستويات :المجتمع المحلي,والمجتمع القومي,والمجتمع الإسلامي الكبير,وتوثيق الروابط,والعمل على تهيئة جو من التضامن والمحبة بين المسلمين من تمام الإيمان بالله – عز وجل – كما ورد في عدة أحاديث للرسول (ص) مثل :"لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه",كما أن الحث على العناية باليتيم وإطعام المساكين,يعتبر تصديقاً عملياً بالدين كما جاء في قوله تعالى: (أرايت الذي يكذب بالدين,فذلك الذي يدع اليتيم,ولايحض على طعام المسكين) ( الماعون / 1-3 ).
ب‌- البرامج العلاجية والوقائية:
* الإسهام في برامج إعداد المجاهدين في سبيل الله,عن طريق تقديم الخدمات الاجتماعية لهم,وتذليل الصعوبات التي تواجههم,ومساعدة أسرهم خصوصاً أثناء غيابهم,وكفالة أيتام الشهداء.
* برامج للحث على الجهاد بالنفس وبالمال,وتنظيم عمليات جمع المال وإيصاله للمجاهدين لمقابلة احتياجاتهم المادية والعسكرية.
* برامج توعية بمخاطر الابتداع في الدين,وتحذير المسلمين من الانحراف في العقيدة والخروج بالدين عن دائرة ما حدده المشرع.
* برامج توعية دينية للمنحرفين والمذنبين بالمؤسسات العقائدية,تساعدهم على فهم العلاقة بين انحرافهم وبين نوع صلتهم بربهم,وتدربهم على تطهير أنفسهم من دنس المعاصي,وتزكيتها بالعمل الصالح.
* برامج للوقاية من الانحراف ,وبرامج علاجية للمنحرفين.
ولقد اقترح على زيدان أنواعاً متعددة من هذه البرامج,فمن البرامج الوقائية:العمل على إزالة المعوقات الاجتماعية التي تحول دون الزواج المبكر لمن يستطيع – إعداد المقبلين على الزواج لممارسة الحياة الأسرية على الوجه الذي يرضي الله ويقيم حدوده,وبيان الخطورة المترتبة على مخالفة ذلك – المساعدة في حل المشكلات المترتبة على الطلاق – توفير الرعاية للأيتام واللقطاء – مساعدة الأفراد الذين يعانون من نقص في إشباع حاجاتهم الأساسية – الدعوة الى إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر,والإسهام في تنظيم ذلك على المستوى المحلي والمؤسسي,مع القيام بذلك على المستوى الفردي,والجماعات الصغيرة – العمل على إرساء قواعد العدل ومنع الظلم بين الناس.
أما البرامج العلاجية فمنها:مساعدة المنحرفين على التوبة,والصبر,وأداء العبادات – تهيئة الصحبة الصالحة والإبعاد عن رفاق السوء – تشجيع المنحرفين على العمل الصالح باستخدام أساليب الثواب والعقاب.
2- برامج للإسهام في حفظ النفس:
* برامج لرعاية الأسرة – لما لها من دور كبير في تنشئة الفرد منذ المراحل الأولى – مثل التوعية بالأسس السليمة التي تقوم عليها الأسرة,ومراعاة أحكام الزواج من نفقة,ورضاعة وحضانة,ومثل :البرامج الصحية والاجتماعية لرعاية الأمومة والطفولة,وتقديم الخدمات التي من شأنها الحفاظ على النفس منذ بدء تكوينها.
* خدمات صحية وقائية مثل التوعية الصحية والتوعية الغذائية,بالإضافة الى الخدمات الصحية العلاجية.
* خدمات الإسكان.
* خدمات الإغاثة في الطوارىء والأزمات.
* برامج الضمان الاجتماعي.
* برامج التربية الرياضية التي تهدف الى تنشئة أفراد أقوياء قادرين على القيام بما كلفهم الله به.
برامج ترفيهية – باستخدام الوسائل المباحة شرعاً – للعمل على دفع الملل من القلوب واستعادة النشاط والحيوية والقدرة على مواصلة الأعمال وأداء الواجبات بأحسن صورة ممكنة.
* برامج لرعاية المعوقين.
* برامج لرعاية المسنين.
3- برامج للإسهام في حفظ العقل:
أ‌- لحفظ العقل من جانب الوجود:
* برامج تعليمية موجهة لجميع المسلمين لتعليمهم تكاليف دينهم ومافرضه الله عليهم.
* برامج تعليمية موجهة لفئة خاصة من المسلمين لتأهيلهم للقيام بمسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
* برامج تعمل على تجلية الشبهات ومحاربة البدع والخرافات لوقاية العقل من الانحرافات الفكرية.
هذا بالإضافة الى جميع البرامج السابق ذكرها لحفظ النفس,حيث إنها تعمل في ذات الوقت على حفظ العقل.
ب‌- لحفظ العقل من جانب العدم:
* برامج توعية بأضرار المسكرات والمخدرات.
* برامج علاجية للمدمنين,وأخرى اجتماعية لأسرهم.
* برامج علاجية لمرضى العقول.
4- برامج للمساهمة في حفظ النسل:
برامج لحث الشباب على الزواج,وتيسيره لهم.
* برامج توعية بأهمية النسل وتحريم تحديده,وجواز تنظيمه.
* برامج صحية لتقوية النسل,وعلاج حالات العقم المؤقت.
* دعم الأسرة بكل الطرق الممكنة لكي تقوم بوظائفها,ومنع تفككها ,ومعاونتها على حسن تربية الأبناء.
* رعاية الأطفال مجهولي النسب,وتشجيع الأسر على كفالتهم.
* برامج لمحاربة الزنا وكل مايفضي إليه.
5- برامج للمساهمة في حفظ المال:
* برامج تنمية الموارد البشرية,والتدريب على المهن المطلوبة في سوق العمل.
* التدريب على إقامة المشروعات الصغيرة ومشروعات زيادة الدخل.
* محاربة الربا والاحتكار والغش,وكل التجارات المحرمة.
* الحث على الإنفاق المحمود,والكف عن الإمساك المذموم,والنهي عن الإسراف والتبذير.
* برامج ترشيد الاستهلاك.
رابعاً: مصادر تمويل برامج الرعاية الاجتماعية:
يتميز نظام التمويل للرعاية الاجتماعية في الإسلام عن نظيره في النظم الوضعية بعدة مميزات,فبينما نجد النظام الرأسمالي لايلزم الفرد إلا بقدر من المال – في صورة ضرائب – للإنفاق على المرافق العامة,كما نجد النظام الاشتراكي قد جند الأفراد بكل طاقاتهم وقدراتهم لخدمة المجتمع نظير مايعود عليهم من الدولة من أجر نقدي أو عيني,فإننا نجد في النظام الإسلامي أن الفرد ملزم بتقديم جزء من ماله وقدراته الجسمية أو الفكرية أو الروحية للمجتمع,دون الطمع في الحصول على مقابل,لذلك فإن نظام التمويل في الإسلام يتميز كما قال شوقي دنيا "بالتركيز على التمويل بالموارد والطاقات البشرية,والتلاحم القوي بين التمويل الفردي والتمويل الجماعي,والجمع بين الاختيار والإلزام,وبين التعميم والتخصيص في فرائضه المالية,والمقصود بالتمويل بالطاقات البشرية أو الإنسانية هو أن يقدم الفرد بعضاً من قدراته وطاقاته لصالح الجماعة,دون أن يتوقف ذلك على المقابل النقدي,ويرجع هذا الى أن الإسلام قد ربط الفرد المسلم بمجتمعه بعلاقة قوية ومتينة يشعر معها الفرد بالتوحد مع مجتمعه والانتماء إليه والولاء له,مما يجعله يعطي ويعطي بدون حساب,إعتماداً على أن الله سبحانه يراه ويعلم سره وجهره وأنه عنده حسن الثواب والجزاء في الدنيا والآخرة.
( والعمل دون توقع الأجر المادي في الدنيا هو مايعرف بالعمل التطوعي الذي يؤكد محمد الصالح على أهميته,مشيراً الى الدولة الإسلامية في عهدها الأول بأنها مابنيت وقويت وأدت دورها الحضاري إلا بفضل قيام أفرادها بالجهود التطوعية التي حببهم القرآن فيها,ودعتهم السنة المطهرة إليها,كما أن ضعف العمل التطوعي من جهة أخرى يؤدي الى التخلف,) فكما يقول عبد المنعم بدر:إن أهم العوائق التي لها دور في الإبقاء على الدول متخلفة ويعطل تنميتها هو عدم المشاركة الشعبية,وبخاصة في جانبها التطوعي.
والقرآن الكريم يزخر بالآيات التي تحث على الإنفاق بصوره المختلفة,وكذلك السنة المطهرة,ففي حديث عن الرسول (ص) :أنه قال :"على كل مسلم صدقة فقالوا:يانبي الله فمن لم يجد؟ قال :يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق,قالوا :فإن لم يجد؟ قال:يعين ذا الحاجة الملهوف,قالوا:فإن لم يجد؟ قال :فليعمل بالمعروف,وليمسك عن الشر,فإنها له صدقة".
ويقول ابن حجر في شرحه للحديث:"على كل مسلم صدقة,أي على سبيل الاستحباب المتأكد أو على ماهو أعم من ذلك,والعبارة صالحة للإيجاب والاستحباب,وبين صلوات الله عليه أن المراد من الصدقة لايقتصر على العطية,ولكنه أعم من ذلك,كإغاثة المللهوف والأمر بالمعروف,والمللهوف أي المستغيث وهو أعم من أن يكون مظلوماً أو عاجزاً,والمقصود أن أعمال الخير تنزل منزلة الصدقات في الأجر,وأنه لابد من الشفقة على خلق الله,وهي إما بالمال أو غيره,والمال إما حاصل أو مكتسب,وغير المال إما فعل وهو الإغاثة,وإما ترك وهو الإمساك,ومعنى هذا أن الإسلام يتوقع من كل فرد مسلم أن يكون ملتزماً بحاجة كل فرد مسلم آخر طالما كان ذلك في نطاق معرفته بتلك الحاجة,وفي حدود قدرته على الوفاء بها.
وإغاثة المللهوف أي المستغيث تعتبر واجبة في بعض الحالات,مثل من يجد حريقاً يشب في دار جاره,وجب عليه شرعاً – أي ديانة وقضاء – أن يطفىء الحريق,فإن لم يفعل غرم وضمن قيمة البيت,وإن امتنع طبيب عن معالجة مريض في حالة خطرة – لأسباب شخصية يغرم دينه وإن لم يتعمد قتله.
وفي حديث آخر قال (ص) : "كل معروف صدقة".
وهناك العديد من النصوص والمواقف التي توضح أن حقوق المجتمع ليست محصورة في جزء من المال,وإنما تتعداها الى كافة طاقات الفرد الفكرية والجسمية والروحية,ولقد ذكر شوقي دنيا بعضاً منها ثم عقب على ذلك قائلاً:"وللدولة عندما تعجز ميزانيتها أن تجبر الأفراد على تمويلها بالمال من الأغنياء وبالخيرات والقدرات من القادرين,أغنياء كانوا أو فقراء,والملاحظ أن العنى القادر جسمياً أو فكرياً لايغنى عنه في تلك الحالة دفع المال,وإلا ترتب على ذلك إلحاق ظلم بالفقراء من القادرين حيث لم يتساووا في تجنيد مالديهم من موارد وقدرات ,هذا بالإضافة الى مايرتبه ذلك من قصور في استخدام الطاقات البشرية المتاحة لدى المجتمع",ويؤكد هذا المعنى ماجاء في شرح ابن حجر للحديث السابق الذكر,حيث قال :"وليس ماتضمنه الخير من قوله,فإن لم يجد "ترتيبا,وإنما هو للإيضاح لما يفعله من عجز عن خصلة من الخصال المذكورة فإنه يمكنه خصلة أخرى,فمن أمكنه أن يعمل بيده فيتصدق وأن يغيث المللهوف وأن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ويمسك عن المنكر فليفعل الجميع".
أما عن التلاحم القوي بين التمويل الفردي والتمويل الجماعي,فيقول شوقي دنيا إن الإسلام قد أقام في مجال التمويل شبكة جيدة الاتصالات ونسيجاً محكم السرد تبدأ بالفرد,وتمتد أفقياً ورأسياً حتى تعم الأمة الإسلامية كلها,فطالب الفرد أن يعتمد على نفسه,ونفر من المسألة بأشد مايكون التنفير عندما يكون بالوسع الاستغناء عنها,ثم مدح الغيرية,وحرص على تجنيد نازع المصلحة الذاتية في سبيل تحقيق مبدأ الغيرية (المسؤولية عن الغير) كما ورد في الأحاديث النبوية مثل قوله (ص) :"والله في عون العبد مادام العبد في عون اخيه" وكذلك قوله (ص) :"ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك,فإن فضل عن أهلك شيء,فلذي قرابتك,فإن فضل عن ذي قرابتك شيء,فهكذا وهكذا"علاقة الفرد بالمجتمع تتم من خلال شبكة متدرجة من العلاقات الاجتماعية تبدأ بالأسرة فالقرابة فالجيرة فالحي فالمجتمع,لذلك فإن التزامات الرعاية في الإسلام تتجاوب مع التزامات العلاقات الاجتماعية التي تربط بين الناس,كما يقول أبو الأعلى المودودي "إن الاسلام قد منح الفرد ماكان يتعلق بذاته من الحقوق,وفرض عليه واجبات مخصوصة للجماعة,وبهذه الصورة ظهر بين الفردية والجماعية في الإسلام توافق غريب بحيث يتيسر للفرد نماء قوته وارتقاء شخصيته,ثم يصبح عوناً بقوته الراقية فيما فيه خير وسعادة للمجتمع.
وعلى المستوى الاقتصادي حققت هذه القيمة – كما يذكر شوقي دنيا – مبدأ اقتصادياً جديداً هو أن يكون الدخل أكبر من الاستهلاك,أي يضمن عدم زيادة الإنفاق عن الدخل,وقد يصعب تحقيق ذلك على مستويات محلية أو قطرية,ومن ثم تتسع الدائرة لتشمل الساحة الفردي الى المستوى الدولي,فاذا كان الله جل جلاله لايرضى أن يشبع فرد ويجوع جاره,فمن باب أولى لايرضى أن تشبع دولة وتجوع أخرى.
ولو تمكن المجتمع الإسلامي من الاستفادة بهذا النمط التمويلي,بأن قام كل قادر جسمياً أو فكرياً أو روحياً أو مالياً بتقديم جزء من تلك الإمكانيات دون انتظار عائد نقدي,فإنه يؤمن لنفسه مصدراً لاينضب للتمويل بكافة جوانبه دون الوقوع في الأسر النقدي أو المالي غير المتوفر غالباً.
ولقد فصل الفقهاء في الحديث عن المصادر العامة للتمويل في المجتمع المسلم,مما سيعتمد عليه في هذا المبحث لبيان مصادر تمويل برامج الرعاية الاجتماعية.
المصادر العامة للتمويل:-
يقسم ابن تيمية الأموال العامة – أو كما يسميها – في كتاب السياسة الشرعية (30 – 36 ) – بالأموال السلطانية الى ثلاثة أصناف هي:
1- الغنيمة: وهي المال المأخوذ من الكفار بالقتل.
2- الصدقة: وتشمل الزكاة المفروضة.
3- الفىء: وهو ماأخذ من الكفار بغير قتال,مثل الجزية التي على اليهود والنصارى.
ومن البحوث الحديثة في هذا الصدد,بحث شوقي دنيا الذي قسم فيه مصادر التمويل العامة الى:
1- الزكاة: وهي "فريضة اجتماعية تشطر من مال الغني قدراً معلوماً يجمعه ولي الأمر جبراً عن صاحبه إن امتنع,ويكون ديناً في تركته يؤخذ منها إن لم يسدد في حياته".
والأموال التي تخضع للزكاة في جميع الأموال النامية التي هي معدة للإنتاج والنماء مثل الزروع والتجارة والأنعام والفضة والذهب وعروض التجارة – كما ذهب جمهور العلماء – وذلك متى استكملت بقية الشروط,وهي تستهدف تكوين وتنمية رأس المال البشري بإبعاده عن العوز والحاجة التي تشمل قدرته وتعطل إمكاناته الإنتاجية.
ويشرح شوقي دنيا فائدة الزكاة من الوجهة الاقتصادية وكيف أن المال لاينقص بأخذ الصدقة منه كما جاء في حديث الرسول (ص) مؤكداً أن الزكاة لاتعتمد على مبدأ "الاسعافات السريعة" التي لايتجاوز أثرها التسكين الوقتي الذي سرعان ما يزول ويبقي المعوز معوزاً,وإنما تعتمد على مبدأ "تحقيق الغنى للفقير" كما جاء في قول عمر – رضي الله عنه:- إذا أعطيتم فأغنوا,وكما يقو ل ابن تيمية,"ويأخذ الفقير من الزكاة ما يصير به غنياً وإن كثر",فمهمة الزكاة إغناء الفقراء,وهذا يمكن أن يحدث بأسلوبين: أسلوب القوة الشرائية بأن يقدم للفرد من النقود والأموال مايمكنه من شراء مايحتاجه فيتحقق للفرد وضع الغنى بمعنى تأمين الحاجات الأصلية (على مستوى الكفاية),والأسلوب الثاني هو أسلوب القوة الإنتاجية بأن يقدم للفرد مورد أو رأسمال يتحول به الفرد من إنسان لايعمل الى إنسان لايعمل الى إنسان منتج,ومن إنتاجه هذا يشبع حاجاته الأصلية ,ومعروف ان الأسلوب الثاني خير وأجدى للفرد والمجتمع من الأسلوب الأول,ولقد اعتمدت الزكاة الأسلوب الثاني منهجاً لها.
2- الخراج:"وهو حصة بيت المال من زرع الأرض وثمارها",ويستهدف تعبئة الفائض الزراعي واستخدامه في اغراض الاستثمار المختلفة,ولقد كان الخراج مصدر التمويل الأساسي للخزانة العامة في عهد الخلفاء الراشدين,تمول به مختلف وجوه الإنفاق العام والنفقات الاجتماعية والإنمائية والجارية,كما كان يتفق منه على المستوى المحلي وعلى المستوى الإسلامي كله.
3- إيرادات المشروعات الاقتصادية العامة والضرائب,ويقصد بالمشروع العام ملكية الحكومة وقيامها بالمشروعات الصناعية والزراعية والمالية والتجارية,ومن حيث الأصول والمبادىء فإن الإسلام يقر قيام مشروعات عامة اقتصادية,فهناك الأراضي المملوكة للدولة والمملوكة لعامة المسلمين,ومن حق الدولة أن تقيم فيها مشروعات زراعية عامة,بالإضافة الى قطاع المعادن.والفقه الإسلامي يميل في عمومه الى أنها ملك عام للمسلمين,كما جاء في حديث الرسول (ص) "المسلمون شركاء في ثلاث :في الماء والكلأ والنار" ومن حق الدولة أن تستغلها بنفسها بما يحقق المصلحة للمسلمين,فإذا قامت مشروعات تجارية عامة تباع فيها تلك المنتجات,وتشتري مستلزمات إنتاجية.
ومعنى هذا أن المشروعات الاقتصادية العملاقة التي تمثل حاجة ملحة لتقدم الاقتصاد,ولايقبل عليها الأفراد عادة,تصبح إحدى مسؤوليات الدولة.
أما الضرائب,فلقد أوضح شوقي دنيا أن الإسلام اعترف بها كمصدر من مصادر التمويل العامة في ظل حدود وضوابط معينة,وذلك أخذاً بمبدأ,أن في المال حقاً سوى الزكاة وفرض الضريبة على الأغنياء مسألة لاغنى عنها عندما تقصر الإيرادات الأخرى من تغطية شتى النفقات العامة المطلوبة,ولقد استند في ذلك على آراء كثير من العلماء منهم الغزالي,والشاطبي,والنووي,وابن العربي وغيرهم الذين اتفقت كلمتهم في جواز بل على وجوب فرض الضريبة عندما يترتب على عدم فرضها تفويت مصلحة مهمة,ولم يكن هناك إسراف وتبذير من جانب الدولة في نفقاتها العامة.
هذا بالنسبة للمصادر العامة للتمويل,أما بالنسبة لوجوه الصرف,فلقد حدد الله عز وجل في كتابه الكريم ثمانية فئات يصرف لها من أموال الزكاة,وذلك في قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله,والله عليم حكيم).
والفقراء والمساكين يجمعهم معنى الحاجة الى الكفاية,فلا تحل لغني ولالقوي مكتسب,والعاملون عليها هم الذين يجبونها ويحفظونها ويكتبونها,ونحو ذلك ,وأما المؤلفة قوبهم فاقسام,منهم من يعطي ليسلم,ومنهم من يعطي ليحسن إسلامه ويثبت قلبه,ومنهم من يعطي ليجني الصدقات ممن يليه أو ليدفع عن حوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد وفي الرقاب يدخل فيه إعادة المكاتبين,وافتداء الأسرى,وعتق الرقاب,والغارمون هم الذين عليهم ديون لايجدون وفاءها,فيعطون وفاء ديونهم ولو كان كثيراً,إلا أن يكون غرمهم في معصية الله تعالى,فلايعصون حتى يتوبوا,وفي سبيل الله وهم الغزاة الذين لايعطون من مال الله مايكفيهم لغزوهم,فيعطون مايغزون به,أو تمام ما يغزون به,وابن السبيل هو المجتاز من بلد الى بلد.
وهناك مبدأ عام بالنسبة لإنفاق الدولة يجب أن تتبعه وهو البدء بالأهم فالأهم من مصالح المسلمين (أي وضع أولويات) وتحقيق الحد الأقصى من المصلحة العامة,ويرى ابن تيمية وابن قدامة انه يجب البدء بالمقاتلة (الجند) الذين هم أهل النصرة والجهاد لأنهم أهم المصالح لكونهم يحفظون المسلمين,فيعطون كفايتهم فما فضل قدم الأهم فالأهم,ويقول القرافي: إن تفرقة أموال بيت المال موكولة الى خيرته,معناه أنه يجب النظر في المصالح وتقديم اهمها.
بينما نجد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قد قسم المستحقين الى أربعة أقسام وذلك في قوله:"ليس أحد أحق بهذا المال من أحد,إنما هو الرجل وسابقته,والرجل وغناؤه,والرجل وبلاؤه والرجل وحاجته" أي أنه – رضي الله عنه – جعلهم أربعة أقسام:
الأول :ذوو السوابق الذين بسابقهم حصل المال.
الثاني :من يغني عن المسلمين في جلب المنافع لهم,كولاة الأمور والعلماء الذين يجعلون لهم منافع الدين والدنيا.
الثالث: من يبلي بلاء حسناً في دفع الضرر عنهم,كالمجاهدين في سبيل الله من الأجناد والعيون من القصاد والناصحين ونحوهم.
الرابع: ذوو الحاجات:هذا إلا أن الرسول (ص) كان يقدم ذوي الحاجات,كما قدمهم في حال بني النضير.
وبوجه عام فإن الدولة في إتفاقها العام عليها أن تبذل قصارى جهدها بحثاً ودراسة,ثم عملاً وتنفيذاً,ثم متابعة ورقابة,وعليها أن تقارن وتحلل جوانب المصلحة ,وجوانب المفاسد.
المصدر:التوجيه الاسلامي للخدمة الاجتماعية.

 


source : البلاغ
  597
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

دلائل المرام في تفسير آيات الاحكام
الحكومة العالمية للمخلص و تحقيق الأمن و السلام ...
تاريخ ظهور النفاق في الإسلام
الأنبياء وأصناف الناس أو عمل الاُمّة مع القائد
مرجعية الإمام أمير المؤمنين (ع) العلمية
أهل الذكر في كتب العامّة
الخمس في عصر الحضور والغيبة
الثورات السياسيّة في عصر الإمام الرضا عليه السّلام
الراسخون وعلم التأویل
أفضلية فاطمة الزهراء عليها السلام في کتب أهل ...

 
user comment