عربي
Saturday 28th of November 2020
  321
  0
  0

هذه هي الجاهلية

تركي الحمد
جاء الإسلام فكان مجيئه علامة فاصلة في التاريخ بين ما قبله وبين ما بعده، فكان الاسلام وكانت الجاهلية.وعندما نقول مثل هذا الكلام فإن ذلك لا يعني أن الإسلام قام بفصل قطعي بين ما قبله وبين ما بعده، بقدر ما أنه قدم نموذجاً تنقيحياً للحياة البشرية تحتذي به وتلجأ إليه ساعات الانحراف ولحظات الشذوذ عن الخط السليم.فالإسلام ليس نفياً ولا حكماً بالعدم على ما قبله، كما يتصور بعض الأشخاص والجماعات، ولكنه اتصال واستمرار لتاريخ الإنسان، وتنقيح وتصفية له مما قد يكون لحقه من شوائب وانحرافات وشذوذ.فالذي يرفض كل شيء سابق على ظهور الإسلام إنما هو بذاته إنسان غير قادر على تبين جوهر الإسلام ذاته الذي ما جاء نبيه العظيم محمد (ص)إلا "ليتمم مكارم الأخلاق",ومعنى ذلك أن هنالك مكارم أخلاقية ولكنها ناقصة وبحاجة إلى إكمال واتمام، فكان الإسلام وكانت الرسالة.وكما نقل إلينا عن رسول الله (ص)أنه قال:(خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام)، وذلك يعني أن جوهر الخير واحد ولكن الظروف التي تحيط بمثل هذا الخير هي التي تجعل الإنسان فاعلا أو غير فاعل، مؤثراً أو غير مؤثر.وجاء الإسلام ليغير الظروف ويبرز جوهر الخير في الإنسان والجماعات كي تفعل وتصنع ما
أراده الخالق لهذا الإنسان على هذه الدنيا الفانية والأرض الزائلة ألا وهو عمارتها، وتنصيب نفسه خليفة لذات الخالق على أرضه رغم تخوفات الملائكة (عليهم السلام)من شرور هذا الإنسان وحبه لسفك الدماء، ولكن فاطر السموات والأرض يعلم ما لا يعلمون:(وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون )(سورة البقرة/30)فرغم وجود الملائكة الأبرار الذين لا يعرفون إلا الخير، ولا يمارسون إلا التسبيح والتهـليل والتقديس لاسم خالق الأكوان، فإن الخالق جل وعلا جعل له خليفة ليس يوازي الملائكة في برهم وخيرهم وتقواهم،ومع ذلك فهو الخليفة لحكمة أرادها الخالق.ولعل في الآية التالية قبساً من الحكمة التي لا يعلم كل محتواها إلا الخالق ذاته:(فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين)(سورة البقرة/ 251)فالهدف من خلق الإنسان في المقام الأول هو خلافة الله على الأرض وإعمارها وليس فسادها، وبذلك تتحقق الحكمة الالهية والغاية الربانية.من هذا المنطلق قلنا إن علاقة الإسلام بما قبله تاريخياً، بل وما يختلف عنه في ذات المكان أو الزمان (الحضارات الأخرى مثلاً)، ليست علاقة رفض قاطع ولا نفي كامل بقدر ما هي علاقة تصحيح وتنقيح لتشوهات هنا وشذوذ هناك، وإلا فإن الإنسان، كل الإنسان، هو الخليفة على الأرض بصفته معمراً لها لا مفسداً.أقول مثل هذا القول وفي ذهني مقولات شهيرة لأشخاص مشهورين يحكمون حكماً قاطعاً على كل شيء بالجهالة والجاهلية وفق قاعدة "إما... أو". فهذا يقول بجاهليةالقرن العشرين بكل ما يحتويه من فكر وعمل، وذاك لا يرى على الإسلام أحداً من المجتمعات إلا فتية هـنا أو هناك، وآخر يهدر دم فلان أو عرض فلان أو مال فلان بدعوى الكفر والضلال، وكلهم ينطلق من دعوى الإسلام الذي أعتقد أنه بريء كل البراءة من مثل هذه الأشياء رغم النية الصادقة التي ينطلق منها بعض هؤلاء،ولكن النية ليست دائماً هي محل الصواب والخطأ.في حجة الوداع، خطب (ص)خطبة اعتبرت وصيته الأخيرة لأمته.قال البخاري في باب الخطبة أيام منى "حدثنا علي بن عبد الله حدثنا يحيى بن سعد حدثنا فضيل بن غزوان حدثنا عكرمة عن ابن عباس، أن رسول الله (ص)خطب الناس يوم النحر فقال:"يا أيها الناس أي يوم هذا؟ قالوا يوم حرام قال:فأي بلد هذا؟ قالوا بلد
حرام.قال:فأي شهر هذا؟ قالوا شهر حرام.قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا في شهركم هذا".قال فأعادها مراراً ثم رفع رأسه فقال:اللهم هل بلغت,اللهم قد بلغت، فليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم بعضاً رقاب بعض".قال ابن عباس فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته.لقد أوردنا حجة الوداع وخطبة رسول الله (ص)فيها، وذلك لغرض محدد وهدف معين ألا وهو تبيين بعض معالم تلك الجاهلية البغيضة التي رفضها الإسلام، وكان رسالة سماوية لرفض وتغيير هذه الجاهلية التي لم يدرك البعض معالمها، فخلطوا الحابل بالنابل، وحكموا على مجمل تاريخ الإنسانية بالجهل والجاهلية، وذاك في اعتقادي مخالف لما أرادته الرسالة الإسلامية السمحة وما عنته، إذ إن الانعزال والانعزالية ليسا من شيم الإسلام ولا من مفردات جوهره.إن جوهر الجاهلية يكمن، بالإضافة إلى أمور أخرى أقل جوهرية وان كانت متعلقة بالجوهر الأساسي المتحدث عنه- أقول: إن جوهر الجاهلية يكمن في مقولة الرسول الأعظم (عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم):"لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض".لقد جاء الاسلام ليصحح من مسار الأحداث في هذه الدنيا، وجاء في أرض يسودها التشرذم والتشاحن بين قبائل وعشائر يضرب بعضها رقاب بعض ويستحل بعضها أعراض البعض وأمواله، وتقوم الفتن وتسيل الدماء بين أبناء الأصل الواحد:(كلكم لآدم وآدم من تراب)لأسباب نراها اليوم تافهة وسخيفة، رغم أننا نمارسها ونعيد ممارستها لأسباب قد تختلف شكلا ولكنها هي ذاتها جرهراً. تسيل الدماء وتتحطم الجماجم نتيجة سباق بين داحس والغبراء، أو لقتل ناقة جرباء في حرب بسوس طويلة.جاء الإسلام في مثل هذا الواقع الذي لم يكن جاهلياً كله رغم مؤشرات الجاهلية في معظمه إذ إن هناك معالم أخرى من الخير والطريق الصحيح تبرز من خلاله، وقد حافظ عليها الإسلام رغم رفضه للجاهلية.هناك أمثلة مضيئة على "مكارم الأخلاق"فى عصر تسوده الجاهلية:هنالك حلف الفضول وحلف المطيبين وغيرهما من آحلاف ذكر بعضها الرسول الأعظم (ص) بالخير بعد الرسالة وانتصار الإسلام، وهنالك قس بن ساعدة الإيادي وزيد بن عمرو بن نفيل وغيرهما من الأحناف، هنالك أدب العرب في ما ورد من أشعار وأخبار، وكرم العرب وفروسية العرب وحكمة اليمن وحضارة الشام والرافدين.جاء الإسلام فما رفض كل ذلك بل واصله، ووصل ما انقطع منه، ولكنه حكم على ممارسات معينة وأخلاقيات معينة بأنها جاهلية.وبقيت بعض هذه الممارسات والأخلاقيات حتى بعد انتصار الإسلام واستتبابه، وذلك مثل العصبية القبلية ونحوها التي تجد جذورها في جوهر الجاهلية الذي نرى أنه التشرذم والتشاحن والأحقاد الدفينة، وكل ذلك يقود في نهاية المطاف إلى ضرب البعض رقاب البعض الآخر، واستحلال أعراضهم وأموالهم."لا ترجعوا بعدي كفاراً"كيف؟ بأن "يضرب بعضكم رقاب بعض".هذا هو الفيصل في الحياة الاجتماعية بين الجهل والنور، بين الإسلام والوثنية.إن الإسلام دين حضارة وعمارة، وكيف لا يكون كذلك وهو رسالة الرب المعبود إلى الانسان العابد الذي ما وجد على هذه الإرض في المقام الأول إلا ليعمر ويبني في مختلف الشؤون ومختلف الأشياء وذلك هو لب الحضارة، ولأجل ذلك كان الافساد جريمة عظيمة في حق الخالق، ومن ثم في حق المخلوق.قد نختلف وقد تتفرق بنا السبل ولكن كل ذلك سنة من سنن الله على هذه الأرض، وهو ما قد نسميه قانون "الدفع"الذي بغيره ولولاه (لفسدت الأرض)و(لهدمت صوامع وبيع)(سورة الحج، الآية 40)بل إن رب العالمين يقول لنا في محكم كتابه إن هذا الاختلاف جزء من سنة الحياة ومسار الوجود الإنساني في هذه الحياة:(وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل له ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما أتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون)(سورة المائدة، الآية 48).ولأنه دين حضارة وعمارة، فإن الإسلام دين الحوار والكلمة والإقناع وليس العنف والأكراه كما نسمعه في بعض صيحات هذه الأيام الشبيهة بصيحات الخوارج تلك الأيام، والصيحات المتكررة في كل وقت وحين التي ينطبق عليها قول رسول الله (ص)في ذي الخويصرة التميمي، واعتراضه على الرسول الأعظم وسؤال عمربن الخطاب (رضي الله عنه)قتله:"لا، دعه، فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية، ينظر في النصل، فلا يوجد شيء، ثم في القدح فلا يوجد شيء، ثم في الفوق فلا يوجد شيء، سبق الفرث والدم "(سيرة ابن هشام، الجزء الرابع، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ص 139)-أقول:إن الأسلام، بصفته دين حضارة ومؤسس حضارة، هو دين حوار وكلمة وليس دين عنف وا كراه، ولنا في رسول الله أسوة حسنة.لقد عاش (ص)في مكة ثلاثة عشر عاماً بعد نزول الوحي عليه أول مرة يدعو بتؤدة وصبر وايمان عميق، رغم أن المسلمين الأوائل خلال هذه الفترة
لم يصلوا إلى مائة شخص.وهو (عليه السلام)خلال ذلك لم يدع إلى عنف أو أعمال إرهاب، رغم أن أصحابه كانوا على استعداد لأن يفعلوا أي شيء يقوله لهم، أو يأمرهم به الرسول الأعظم، بل أن بعضهم (مثل حمزة بن عبد المطلب و عمر بن الخطاب رضوان الله عليهم)كانواغير راضين عن مثل هذا الوضع، فكان رسول الله (ص)يضبطهم ويحد من عنفواهم.كان بإمكان هذة القلة القليلة من المسلمين الأوائل أن تلجأ إلى العنف، ولكنها لم تفعل لأن المطلوب ليس العنف للعنف أو العنف للإرهاب، أو العنف للثأر والانتقام، كما يحدث مع بعض الجماعات "الإسلامية"هذه الأيام، ولكن المطلوب هو بناء مجتمع جديد لا يمكنه إقامته إلا بالاقتناع وتشرب النفوس لمبادىء هذا المجتمع الجديد قبل أي شيء آخر.وبعد الهجرة إلى المدينة وبداية تكوين الدولة بعد أن تكونت نواة المجتمع، لم يلجأ الرسول إلى العنف إلا في حالتين:الحالة الأولى هي حالة المنع من الدعوة وهي حالة دفاع عن الذات وعن الحرية في ذات الوقت.وحتى في هذه الحالة فإن المسلمين الأوائل لم يلجأوا إلى العنف إلا بعد أن تكونت نواة دولة في المدينة وليس قبل ذلك، إذ رغم المنع من الدعوة في مكة فإنهم لم يلجأوا إلى العنف والإرهاب.هذا من ناحية، ومن
ناحية ثانية فإن المسلمين الأوائل لم يلجأوا إلى العنف حتى في حالة الدولة إلا بعد أن تستنفد الكلمة أغراضها، ويتبين أن المسألة تجاوزت حدود الإقناع إلى حدود الصراع.أما الحالة الثانية فهي حالة الدفاع عن الذات عندما تكون هذه الذات محاصرة في قوتها أو حياتها، وبالتالي فلا مجالا إلا العنف المفروض أصلاً وليس المختار.بغير هاتين الحالتين فإنك لا تجد للعنف أو الإكراه (ناهيك عن الإرهاب)مكاناً في الإسلام، وأنا هنا أتكلم عن إسلام محمد (ص)وليس ذاك الإسلام الذي يذعيه جماعات وأفراد ما أنزل الله بقولهم من سلطان.بل إن رسول الله ص) بعد الفتح، لم ينتقم أو يثأر أو يقتل لمجرد القتل بل قال:"اذهبوا فأنتم الطلقاء"، وأبقى مكة كما هي دون تغيير في حياتها الاجتماعية ونحوها، وذلك بعد أن أزال آثار الوثنية عنها وهذا ما قصدناه آنفاً عند القول إن الإسلام دين وصل وليس دين فصل.(خاتمة القول أن الفيصل بين الجاهلية والإسلام، كما نراه، إنما يتركز في مسألة جوهرية واحدة هي أن العنف لأجل العنف أو لمطامع دنيوية وأغراض حزبية (عصبية) ضيقة، أو لمجرد لفت الأنظار واثارة الانتباه، ليس من الإسلام في شيء، وان ادعى القائلون به، أي العنف والإرهاب، أنهم إنما يفعلون
ذلك باسم الإسلام والدفاع عن حياض الدين).نعم لبعض الأشخاص والجماعات تفسيرها الخاص لنصوص الدين، ولكن ذلك يبقى تفسيراً نحترمه، ولكنه ليس التفسير الأوحد ولا الفهم الأفرد، إذ إن الإسلام أوسع وأعمق وأجلى من أي تفسير وكل تفسير.تبقى الطامة الكبرى عندما يفرض تفسير معين على أنه هو وحده الإسلام ولا إسلام غيره.
المصدر:السياسة بين الحلال والحرام.

 


source : البلاغ
  321
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

الامامة المنتظرة
الآثـار النفسـية للمعصـية
الحجّ في نهج البلاغة -3
صورة عامة لعصر الظهور
أصحاب الجمل
السيدة خديجة الكبرى سلام الله عليها ينبوع الكوثر
ذکری وفات صاحب الغدیر :قصص و کرامات العلامة الامیني ...
الأسرة
عقيدتنا في الاسلام
غفران فی شهر رمضان

 
user comment