عربي
Thursday 24th of September 2020
  742
  0
  0

الشيعة الإمامية (ألاثني عشرية )

 الشيعة الإمامية (ألاثني عشرية )

 الشيعة ( الاثني عشرية )

 

الشيعة لغةً واصطلاحاً

    الشيعة لغة:

 هم الجماعة المتعاونون على أمر واحد في قضاياهم ، يقال تشايع القوم إذا تعاونوا ، وربّما يطلق على مطلق التابع ، قال سبحانه : ( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِى مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ ) (1) وقال تعالى : ( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْراهيمَ * إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْب سَلِيم ) (2)

فالشيعة هم الجماعة التابعة لرئيس لهم.


    الشيعة اصطلاحاً: فلها إطلاقات عديدة بملاكات مختلفة :

    1 ـ الشيعة : من أحبّ عليّاً وأولاده باعتبارهم أهل بيت النبىّ الذين فرض اللّه سبحانه مودّتهم قال عزّوجلّ : ( قُلْ لا أسْئَلُكُم عَلَيْهِ أَجْرَاً إلاّ المَوَدَّةَ فِى القُربَى ) (3) والشيعة بهذا المعنى تعمّ كلّ المسلمين إلاّ النواصب ، بشهادة أنّهم يصلّون على نبيّهم وآله في صلواتهم وأدعيتهم ويتلون الآيات النازلة في حقّهم صباحاً ومساءً ، وهذا هو الإمام الشافعي يصفهم بقوله :

1 ـ القصص / 15.

2 ـ الصافّات / 83 ـ 84.

3 ـ الشورى / 23.

يا أهلَ بيتِ رسولَ اللّهَ حبُّكُم كَفاكُمُ من عَظيم الشّأن أنّكمُ
 

 
 

فَرضٌ من اللّهِ في القرآن أنْزله

 من لم يُصلِّ عليكم لا صلاة لَهُ (1)

    وأمّا النواصب فهم الذين نصبوا لعلي وأهل بيته العداء وتلقّوه فريضة دينية وأعانهم على ذلك مرتزقة أصحاب البلاط ، وترجع جذور هذه الفكرة إلى معاوية حيث سنّ سبّ علىّ على المنابر وتبعه أولاده وعشيرته إلى أواخر الدولة الأموية ، وكتب ابن أبي سفيان إلى عمّاله في جميع الآفاق : « اُنظروا إلى من اُقيمت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته ، فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه » ثمّ كتب نسخة اُخرى إلى عمّاله وشدّد الأمر فيها وقال : « من اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به و اهدموا داره ».

    وعلى هذا المنشور قام الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يَلعَنون عليّاً ويبرأون منه و يقعون فيه وفي أهل بيته ... (2).

    2 ـ من يفضّل عليّاً على عثمان أو على الخلفاء عامّة مع اعتقاده بأنّه رابع الخلفاء وإنّما يقدّم لاستفاضة مناقبه وفضائله عن الرسول الأعظم ، والّتي دوّنها أصحاب الحديث في صحاحهم ومسانيدهم وهي تُلزم الإنسان الاعتقاد بأنّه أفضل الصحابة ، وعلى ذلك معتزلة بغداد وقليل من أهل الحديث ، وعلى ذلك الاصطلاح جرى أكثر من كتب في الرجال والتراجم والمقالات حيث يصفون قليلاً من الصحابة وكثير أمن التابعين بأنّه يتشيّع أو أنّه شيعي ، وربّما يعدّونه من أسباب الجرح وكأنّ حبّ أهل البيت عمل اجرامي أو أنّ تقدّم الخلفاء على عليّ أصل من اُصول الدين لا يجوز تجاوزه ، مع أنّ الإمامة من الفروع عند أهل السنّة فكيف درجات الخلفاء ورتبهم.

1 ـ الصواعق 148 ط 1385 الطبعة الثانية.

2 ـ وسيوافيك مصدره وبيان عداء ابن أبي سفيان للإمام وعترته وشيعته.

وربّما يختلط الأمر على من ليس له إلمام بالاصطلاح ، فلا يفرّق بينهما ، وأكثر من يستعمل هذا الاصطلاح هو الذهبي في « ميزان الاعتدال » و « سير أعلام النبلاء » فيصف بعض التابعين والمحدّثين بالتشيّع ملمّحاً بذلك إلى ضعفهم ، وقد رُمي أبو عبداللّه الحاكم النيسابوري بالتشيّع كمعتزلة بغداد ، والمقصود تفضيلهم عليّاً على سائر الخلفاء لا أنّه الإمام المنصوص بالخلافة.


    3 ـ الشيعة : من يشايع عليّاً وأولاده باعتبار أنّهم خلفاء الرسول وأئمّة الناس بعده ، نصبهم لهذا المقام بأمر من اللّه سبحانه ، وذكر أسماءهم وخصوصيّاتهم ، والشيعة بهذا المعنى هو المبحوث عنها في المقام ، وقد اشتهر بأنّ عليّاً هو الوصي حتّى صار من ألقابه ، وذكره الشعراء بهذا العنوان في قصائدهم (1) وهو يقول في بعض خطبه :

    « لا يقاس بآل محمّد من هذه الاُمّة أحد ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً. هم أساس الدين ، وعماد اليقين ، إليهم يفيء الغالي ، وبهم يلحق التالي ، ولهم خصائص حق الولاية ، وفيهم الوصيّة والوراثة ... » (2).

    ومجمل القول : إنّ هذا اللفظ يشمل كل من قال : انّ قيادة الاُمة لعلي بعد الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأنّه يقوم مقامه في كل ما يمت إليه سوى النبوة ونزول الوحي عليه. كل ذلك بتنصيص من الرسول ، وعلى ذلك فالمقوّم للتشيّع وركنه الركين هو القول بالوصاية والقيادة بجميع شؤونها للإمام ( عليه السلام ) فالتشيّع هو الاعتقاد بذلك ، وأمّا ما سوى ذلك فليس مقوّماً لمفهوم التشيّع ولا يدور عليه اطلاق الشيعة.

1 ـ خطب الإمام أبو محمّد : الحسن السبط حين قتل أميرالمؤمنين خطبته الغرّاء فقال : أنا ابن النبي وأنا ابن الوصي أخرجه الحاكم في مستدركه 1 / 172 ، وقد ذكر ابن أبي الحديد أشعاراً وأراجيز تتضمّن توصيف الإمام بالوصاية عن الصحابة والتابعين ، لاحظ شرح النهج 1 / 143 ـ 150 باب ما ورد في وصاية عليّ من الشعر.

2 ـ نهج البلاغة ، الخطبة الثانية.

   

لا شك أنّ للشيعة عقائد وآراء في مجاري الاُصول والفروع وربّما يشاركون غيرهم فيها وربّما يخالفونهم ، ولكنّها ليست من سماتهم وأعرافهم وإنّما هي اُصول وأحكام دعاهم الدليل إلى تبنّيها من الكتاب والسنّة والعقل.


    مثلا إنّ الشيعة تقول باتّحاد الصفات الذاتية للّه سبحانه معها ، وكونه سبحانه غير مرئي في الدارين ، وأنّ كلامه مخلوق له ، و أنّه لا يكلّف ما لا يطاق ، وأنّ حقيقة الأمر في أفعال العباد لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين ، وأنّ الأنبياء معصومون إلى غير ذلك من الآراء ، ولكنّها آراء كلامية للشيعة لا أنّها المقوّم للتشيّع بحيث لو خالف فيها رجل منهم ، ولكنّه قال بالوصاية لعلي وبالقدوة لعترته ، لخرج عن اطار التشيّع واُصوله.


    إنّ التشيّع بهذا المعنى عبارة عن الاعتقاد باستمرار القيادة الإسلامية في قالب الوصاية لعلي وعترته ، والشيعة تدّعي أنّ هذه الفكرة غرست بيد النبي في أيّام حياته ، وتبنّاها لفيف من المهاجرين في عصره ، وبقوا عليها بعد حياته واقتدى بهم لفيف من التابعين لهم بإحسان وتواصل الاعتقاد به من تلك العصور إلى زماننا الحاضر ، وهذا هو الّذي تدّعيه الشيعة وعليه بُني صرح التشيّع .

 

 

عقائد الشيعة الإمامية

    وها نحن نذكر قصاصات من عقائد الشيعة الامامية ، الواردة في أحاديث أئمّتهم تارة ، وكلمات علمائهم الأقدمين ثانياً ، حتّى يقف القارئ على جذور تلك العقائد وأنّها مأخوذة عن أئمّتهم الطاهرين ، وفي مقدّمتهم خطب الامام علي ( عليه السلام ).

    1 ـ ما كتبه الامام الرضا ( عليه السلام ) للمأمون في محض الإسلام :

    روى الصدوق بسنده عن الفضل بن شاذان قال : سأل المأمون علي بن موسى الرضا أن يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز والاختصار ، فكتب ( عليه السلام ) له : « إنّ محض الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له إلهاً واحداً أحداً فرداً صمداً قيّوما ، سميعاً ، بصيراً ، قديراً ، قديماً ، قائماً ، باقياً ، عالماً لا يجهل ، قادراً لا يعجز ، غنيّاً لا يحتاج ، عدلا لا يجور ، وانّه خالق كلّ شيء ، ليس كمثله شيء ، لا شبه له ولا ضدّ له ولا ندّ له ولا كفو له ، وانّه المقصود بالعبادة والدعاء والرغبة والرهبة.

    وانّ محمّداً عبده ورسوله وأمينه وصفيّه وصفوته من خلقه ، وسيّد المرسلين وخاتم النبيين وأفضل العالمين ، لا نبيّ بعده ولا تبديل لملّته ولا تغيير لشريعته ، وانّ جميع ما جاء به محمّد بن عبداللّه هو الحقّ المبين ، والتصديق به وبجميع من مضى قبله من رسل اللّه ، وأنبيائه ، وحججه ، والتصديق بكتابه ، الصادق العزيز الذي ( لا يأْْتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكيمٍ حَميد ) (1) وانّه المهيمن على الكتب كلّها ، وانّه حقّ من فاتحته إلى خاتمته ، نؤمن بمحكمه ومتشابهه ، وخاصّه وعامّه ، ووعده ووعيده ، وناسخه ومنسوخه ، وقصصه واخباره ، لا يقدر أحد من المخلوقين أن يأتي بمثله.

    وانّ الدليل بعده والحجّة على المؤمنين والقائم بأمر المسلمين ، والناطق عن القرآن ، والعالم بأحكامه ، أخوه وخليفته ووصيّه ووليّه ، والذي كان منه بمنزلة هارون من موسى : علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) أميرالمؤمنين ، وإمام

1 ـ فصّلت / 42.

المتّقين ، وقائد الغرّ المحجّلين ، وأفضل الوصيّين ووارث علم النبيّين والمرسلين ، وبعده الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة ، ثمّ علي بن الحسين زين العابدين ، ثمّ محمّد بن علي باقر علم النبيّين ، ثمّ جعفر بن محمّد الصادق وارث علم الوصيّين ، ثمّ موسى بن جعفر الكاظم ، ثمّ علي بن موسى الرضا ، ثمّ محمّد بن علي ، ثمّ علي بن محمّد ، ثمّ الحسن بن علي ، ثمّ الحجّة القائم المنتظر ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ.

    أشهد لهم بالوصيّة والإمامة ، وأنّ الأرض لا تخلو من حجّة للّه تعالى على خلقه في كلّ عصر وأوان ، وانّهم العروة الوثقى ، وأئمّة الهدى ، والحجّة على أهل الدنيا ، إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها ، وانّ كل من خالفهم ضال ، مضل ، باطل ، تارك للحقّ والهدى ، وانّهم المعبّرون عن القرآن ، والناطقون عن الرسول ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) بالبيان ، ومن مات ولم يعرفهم مات ميتة جاهلية ، وانّ من دينهم الورع ، والفقه ، والصدق والصلاة والاستقامة والاجتهاد ، واداء الأمانة إلى البر والفاجر ، وطول السجود وصيام النهار وقيام الليل واجتناب المحارم ، وانتظار الفرج بالصبر ، وحسن العزاء وكرم الصحبة (1).
    ثمّ ذكر الامام فروعاً شتّى من مختلف أبواب الفقه وأشار إلى بعض الفوارق بين مذهب أهل البيت وغيرهم لا يهمّنا في المقام ذكرها ومن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى المصدر.

 
    2 ـ عرض السيّد عبدالعظيم الحسني عقائده على الإمام الهادي :


    روى الصدوق عن عبدالعظيم الحسني (2) قال : دخلت على سيدي علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) فلمّأ بَصُرَبي ، قال لي : « مرحباً بك يا أباالقاسم أنت وليّنا حقّا » قال : فقلت له : ياابن رسول اللّه إنّي اُريد أن أعرض عليك ديني ، فإن كان مرضيّاً ثبتّ عليه حتّى ألقى اللّه عزّوجلّ. فقال : « هاتها أبا القاسم ».

    فقلت : إنّي أقول : إنّ اللّه تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شيء ، خارج من الحدّين : حدّ الابطال ، وحدّ التشبيه ، وانّه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ولا جوهر ، بل هو مجسّم الأجسام ومصوّر الصور ، وخالق الاعراض والجواهر ، وربَّ كل شيء ومالكه وجاعله ومحدثه ، وانّ محمّداً عبده ورسوله خاتم النبيّين ، فلا نبيّ بعده إلى يوم القيامة ، وأقول : إنّ الامام والخليفة ووليّ الأمر بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ثمّ الحسن ، ثمّ الحسين ، ثمّ علي بن الحسين ، ثمّ محمّد بن علي ، ثمّ جعفر بن محمّد ، ثمّ موسى ابن جعفر ، ثمّ علي بن موسى ، ثمّ محمّد بن علي ، ثمّ أنت يا مولاي.
    فقال ( عليه السلام ) : « ومن بعدي الحسن ابني ، فكيف للناس بالخلف من بعده ؟ قال : فقلت : وكيف ذلك يا مولاي ؟ قال : لأنّه لا يرى شخصه ولا يحل ذكره باسمه حتى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجورا.

1 ـ عيون أخبار الرضا 2 / 121 ـ 122.

2 ـ عبدالعظيم بن عبداللّه بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب( عليهم السلام ) من أصحاب الإمام الهادي ، قال النجاشي : له كتاب خطب أميرالمؤمنين ورد الري هارباً من السلطان وسكن سربا في دار رجل من الشيعة في سكة الموالي ، فكان يعبد اللّه في ذلك السرب ويصوم نهاره ويقوم ليله ، فكان يخرج مستتراً ، فيزور القبر المقابل قبره وبينهما الطريق ويقول هو قبر رجل من ولد موسى بن جعفر ( عليه السلام ) فلم يزل بأوى إلى ذلك السرب ويقع خبره إلى الواحد بعد الواحد من شيعة آل محمّد عليهم السلام حتى عرفه اكثرهم. رجال النجاشي 2 / 65 ـ 66 ، ومات عبد العظيم بالري وقبره مزار. يزوروه الناس. وذكره الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الإمام الهادي والعسكري تحت رقم 1 و20. وذكره أيضاً عمدة الطالب 94.

 

    قال : فقلت : أقررت وأقول : إنّ وليّهم وليّ اللّه ، وعدوّهم عدوّ اللّه ، وطاعتهم طاعة اللّه ومعصيتهم معصية اللّه ، وأقول : إنّ المعراج حقّ ، والمساءلة في القبر حقّ ، وانّ الجنّة حقّ ، والنار حقّ ، والميزان حقّ ، وانّ الساعة آتية لا ريب فيها وانّ اللّه يبعث من في القبور ، وأقول : إنّ الفرائض الواجبة بعد الولاية الصلاة والزكاة ، والصوم ، والحج ، والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    فقال علي بن محمّد ( عليه السلام ) : يا أبا القاسم : « هذا واللّه دين اللّه الذي ارتضاه لعباده ، فاثبت عليه ثبّتك اللّه بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة » (1).
    و قد اكتفينا بهذين النصّين من الإمامين الطاهرين ، أحدهما قولي ، والآخر امضائي ، وقد أخذوا عقائدهم عن آبائهم الطاهرين.

    3 ـ رسالة الصدوق 306 ـ 381 في عقائد الإمامية :


    إنّ لمشايخنا الإمامية قصاصات في بيان عقائد الشيعة ومعارفهم ، ونختار في المقام رسائل موجزة ، من المتقدّمين :

    صنّف الشيخ الصدوق 306 ـ 381 رسالة موجزة في عقائد الإمامية ، قال : اعلم انّ اعتقادنا في التوحيد ، أنّ اللّه تعالى واحد ، أحد ، ليس كمثله شيء ، قديم لم يزل ولا يزال ، سميعاً بصراً ، عليماً حكيماً ، حيّاً قيّوماً ، عزيزاً قدّوساً ، عالماً قادراً ، غنيّاً ، لا يوصف بجوهر ولا جسم ولا صورة ولا عرض إلى أن قال : ـ وأنّه تعالى متعال عن جميع صفات خلقه ، خارج عن الحدّين ، حد الأبطال ، وحدّ التشبيه ،

1 ـ التوحيد : باب التوحيد والتشبيه 81 رقم الحديث 37.

 

أنّه تعالى شيء لا كالأشياء ، أحد صمد لم يلد فيورث ، ولم يولد فيشارك ، ولم يكن له كفواً أحد ، ولا ند ولا ضد ، ولا شبه ولا صاحبة ، ولا مثل ولا نظير ولا شريك له ، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ، ولا الأوهام وهو يدركها ، لا تأخذه سنة ولا نوم وهو اللطيف الخبير ، خالق كل شيء لا إله إلا هو ، له الخلق والأمر تبارك اللّه ربّ العالمين.

 
    و من قال بالتشبيه فهو مشرك ، ومن نسب إلى الإمامية غير ما وصف في التوحيد فهو كاذب ، وكل خبر يخالف ما ذكرت في التوحيد فهو موضوع مخترع ، وكل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو باطل ، وإن وجد في كتب علمائنا فهو مدلس ... ثمّ إنّه قدّس اللّه سرّه ذكر الصفات الخبرية في الكتاب العزيز وفسّرها ، وبيّن حدّاً خاصّاً لصفات الذات وصفات الأفعال ، وما هو معتقد الإماميّة في أفعال العباد ، وانّه بين الجبر والتفويض ، كما ذكر عقائدهم في القضاء والقدر ، والفطرة والاستطاعة إلى غير ذلك من المباحث الهامّة ، التي تشكّل العمود الفقري للمعارف الإلهية. حتّى انّه قال :

    اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله اللّه تعالى على نبيّه محمّد هو ما بين الدفّتين ، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك ، ومبلغ سورة عند الناس 114 سورة ، وعندنا أنّ الضحى والانشراح سورة واحدة ، كما أنّ الإيلاف والفيل سورة واحدة. ومن نسب إلينا أنّا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب ... إلى آخر الرسالة (1).

    ثمّ إنّ الشيخ المفيد 336 ـ 413 قد شرح تلك الرسالة بكتاب أسماه شرح عقائد الصدوق ، أو تصحيح الاعتقاد ناقش فيها اُستاذه الصدوق في بعض المواضع التي

1 ـ لاحظ رسالة الصدوق في الاعتقادات ، وقد طبعت غير مرّة ، وعليها شروح وتعاليق العلماء منهم العلّامة المجلسي.

استند فيها الصدوق على روايات غير جامعة للشرائط في باب العقائد (1).

 

4 ـ ما أملاه هو أيضاً على جماعة في المجلس الثالث والتسعون ، وجاء فيه : واجتمع في هذا اليوم إلى الشيخ الفقيه أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن موسى ابن بابوية أهل مجلسه والمشايخ ، فسألوه أن يملي عليهم وصف دين الإماميّة على الإيجاز والاختصار ، فقال : دين الإماميّة هو الإقرار بتوحيد اللّه تعالى ذكره ونفي التشبيه عنه ، وتنزيهه عمّا لا يليق ، والإقرار بأنبياء اللّه ورسله وحججه وملائكته وكتبه ، والإقرار بأنّ محمّداً هو سيّد الأنبياء والمرسلين ، وانّه أفضل منهم ومن جميع الملائكة المقرّبين ، وأنّه خاتم النبيّين فلا نبيّ بعده ... إلى آخر ما ذكر (2).

    5 ـ جمل العلم والعمل للسيّد الشريف المرتضى 355 ـ 436 :

    ألّف السيّد الشريف المرتضى رسالة موجزة في العقائد أسماها جمل العلم والعمل. وفيه عقائد الشيعة على وجه الإيجاز نذكر خصوص ما يرجع إلى التوحيد فعلى القارئ الكريم مطالعة نفس الرسالة ونقتطف ما يلي :

    بيان ما يجب اعتقاده أبواب التوحيد :

    الأجسام محدَثة لأنّها لم تسبق الحوادث ، فلها حكمها في الحدوث ، ولابدّ لها من محدث ، لحاجة كل محدَث في حدوثه إلى محدِث كالصناعة والكتابة.

    و لا بدّ من كونه ( تعالى ) قادراً لتعذّر الفعل على من لم يكن قادراً وتيسّره على من كان كذلك.

1 ـ طبع الكتاب مع كتاب أوائل المقالات للشيخ المفيد في تبريز عام 1371.

2 ـ الأمالي للشيخ الصدوق ـ أملاه يوم الجمعة الثاني عشر من شعبان سنة 368 ـ لاحظ 509 طبع بيروت.

  

 و لابدّ من كون محدثها عالماً لأنّ الإحكام ظاهر في كثير من العالم ، والمحكم لا يقع إلا من عالم.

    و لابدّ من كونه موجوداً ، لأنّ له تعلّقاً من حيث كان قادراً عالماً ، وهذا الضرب من التعلّق لا يصح إلا مع الوجود.

    و يجب كونه قديماً ، لانتهاء الحوادث إليه.

    و يجب كونه حيّاً ، وإلا لم يصح كونه قادراً ، عالماً ، فضلاً عن وجوبه.

 
    و يجب أن يكون مدرٍِكاً اذا وجدت المدرَكات ، لاقتضاء كونه حيّاً.

    ذلك ، وواجب كونه سميعاً بصيراً ، لأنّه ممّن يجب أن يدرك المدركات إذا وجدت ، وهذه فائدة قولنا سميع بصير.

    و من صفاته ـ وإن كانتا عن علّة ـ كونه تعالى ، مريداً وكارهاً لأنّه تعالى ، قد أمر وأخبر ونهى ، ولا يكون الأمر والخبر ، أمراً ولا خبراً إلا بالإدارة. والنهي لا يكون نهياً إلا بالكراهة.

    و لا يجوز أن يستحق هاتين الصفتين لنفسه ، لوجوب كونه مريداً ، كارهاً للشيء الواحد ، على الوجه الواحد.

    و لا لعلّة قديمة ، لما سنبطل به الصفات القديمة.

    و لا لعلّة محدثة في غير حي لافتقار الإرادة إلى تنبيه. ولا لعلّة موجودة في حي ، لوجوب رجوع حكمها إلى ذلك الحي. فلم يبق إلا أن توجد لا في محل.
    و لا يجوز أن يكون له في نفسه صفة زائدة على ما ذكرناه لأنّه لا حكم لها معقول.
    و إثبات ما لا حكم له معقول من الصفات ، يفضي إلى الجهالات.
    و يجب أن يكون قادراً فيما لم يزل ، لأنّه لو تجدّد له ذلك لم يكن إلا لقدرة

محدثة ، ولا يمكن اسناد احداثها إلا إليه ، فيؤدّي إلى تعلّق كونه قادراً ، بكونه محدثاً وكونه محدثاً ، بكونه قادراً. وثبوت كونه قادراً فيما لم يزل ، يقتضي أن يكون فيما لم يزل حيّاً موجوداً.

    و يجب أن يكون عالماً فيما لم يزل لأنّ تجدّد كونه عالماً ، يقتضي أن يكون بحدوث علم ، والعلم لا يقع إلا ممّن هو عالم.

    و وجوب هذه الصفات ، لم تدل على أنّها نفسيّة ، وادّعاء وجوبها لمعان قديمة ، تبطل صفات النفس. ولأنّ الاشتراك في القدم ، يوجب التماثل والمشاركة في سائر الصفات. لا يجوز خروجه تعالى عن هذه الصفات لإسنادها إلى النفس.

 
    و يجب كونه تعالى غنيّاً غير محتاج ، لأنّ الحاجة تقتضي أن يكون ممّن ينتفع ويستضر وتؤدّي إلى كونه جسماً.

    لا يجوز كونه تعالى ( متّصفاً ) (1) بصفة الجواهر والأجسام والاعراض لقدمه وحدوث هذه أجمع ، ولأنّه فاعل الأجسام. الجسم يتعذّر عليه فعل الجسم.
    و لا يجوز عليه تعالى الرؤية لأنّه كان يجب مع ارتفاع الموانع وصحّة أبصارنا أن تراه.

 
    و لمثل ذلك يعلم أنّه لا يدرك بسائر الحواس.

    و يجب أن يكون تعالى واحداً لا ثاني له في القدم ، لأنّ إثبات ثان يؤدي إلى إثبات ذاتين لاحكم لهما يزيد على حكم الذات الواحدة ويؤدّي أيضاً إلى تعذّر الفعل على القادر من غير جهة منع معقول. وإذا بطل قديم ثان بطل قول الثنوية

1 ـ أضفناها من عندنا لاقتضاء السياق.

و النصارى والمجوس ... إلى آخرها (1).

    6 ـ البيان عن جمل اعتقاد أهل الإيمان للكراجكي ت 449 :


    كتب الإمام أبو الفتح الشيخ محمّد بن علي الكراجكي الطرابلسي رساله موجزة في عقائد الإمامية وأسماها « البيان عن جمل اعتقاد أهل الايمان ».
    قال : سألت يا أخي أسعدك اللّه بألطافه ، وأيّدك باحسانه ، واسعافه ، أن اثبت لك جملاً من اعتقادات الشيعة المؤمنين ، وفصولاً في المذهب يكون عليها بناء المسترشدين لتذاكر نفسك بها ، وتجعلها عدّة لطالبها ، وأنا أختصر لك القول واُجمله ، واُقرّب الذكر واُسهّله وأورده على سنن الفتيا في المقالة ، من غير حجّة ولا دلالة ، وما توفيقي إلا باللّه.

 
    في توحيده سبحانه :


    إعلم أنّ الواجب على المكلّف : أن يعتقد حدوث العالم بأسره ، وانّه لم يكن شيئاً قبل وجوده ، ويعتقد أن اللّه تعالى هو محدِث جميعه ، من أجسامه ، واعراضه ، إلا أفعال العباد الواقعة منهم ، فانّهم محدثوها دونه سبحانه.

    و يعتقد أن اللّه قديم وحده ، لا قديم سواه ، وانّه موجود لم يزل ، وباق لا يزال ، وانّه شئء لا كالأشياء. لا شبيه الموجودات ، ولا يجوز عليه ما يجوز على المحدثات وانّ له صفات يستحقّها لنفسه لا لمعان غيره ، وهي كونه حيّاً ، عالماً ،

1 ـ جمل العلم والعمل قسم العقائد ، الطبعة الثانية تحقيق رشيد الصفار ، طبعة النجف طالع الرسالة بأجمعها ، نعم رأيه في اعجاز القرآن من القول بالصرف رأي شخصي له ولا يمثّل رأي جمهور الامامية وفيها وراء النصوص ، آراء كلامية.

قديماً ، باقياً لا يجوز خروجه عن هذه الصفات إلى ضدّها ، يعلم الكائنات قبل كونها ، ولا يخفى عليه شيء منها.

    في عدله سبحانه :

    و انّ له صفات أفعال ، لا يصح اضافتها إليه في الحقيقة ، إلا بعد فعله ، وهي ما وصف به نفسه من انّه خالق ، ورازق ، ومعط ، وراحم ، ومالك ، ومتكلّم ، ونحو ذلك. وانّ له صفات مجازات وهي ما وصف به نفسه ، من أنّه يريد ، ويكره ، ويرضى ، ويغضب. فارادته لفعل هي الفعل المراد بعينه ، وارادته لفعل غيره هي الأمر بذلك الفعل ، وليس تسميتها بالارادة حقيقة ، وانّما هو على مجاز اللغة ، وغضبه هو وجود عقابه ، ورضاه هو وجود ثوابه ، وانّه لا يفتقر إلى مكان ، ولا يدرك بشيء من الحواس.

 
    و انّه منزّه من القبائح ، لا يظلم الناس وإن كان قادراً على الظلم ، لأنّه عالم بقبحه ، غني عن فعله ، قوله صدق ، ووعده حق ، لا يكلّف خلقه على ما لا يستطاع ، ولا يحرمهم صلاحاً لهم فيه الانفاع ، ولا يأمر بما لا يريد ، ولا ينهي عمّا يريد. وانّه خلق الخلق لمصلحتهم ، وكلّفهم لأجل منازل منفعتهم ، وأزاح في التكليف عللهم ، وفعل أصلح الأشياء بهم. وانّه أقدرهم قبل التكليف ، وأوجد لهم العقل والتمييز.

    و انّ القدرة تصلح أن يفعل بها وضده بدلاً منه. وانّ الحق الذي يجب معرفته ، يدرك بشيئين ، وهما العقل والسمع ، وانّ التكليف العقلي لا ينفك عن التكليف السمعي. وانّ اللّه تعالى قد أوجد ( للناس ) في كل زمان مسمعاً ( لهم ) من أنبيائه ، وحججه بينه وبين الخلق ، ينبّههم على طريق الاستدلال في العقليات ويفقّههم على ما لا يعلمونه إلا به من السمعيات. وانّ جميع حجج اللّه تعالى محيطون علماً بجميع ما يفتقر إليهم فيه العباد. وانّهم معصومون من الخطأ والزلل عصمة اختيار. وانّ اللّه فضّلهم على خلقه ، وجعلهم خلفاءه القائمين بحقّه. وانّه أظهر على أيديهم المعجزات ، تصديقاً لهم فيما ادّعوه من الأنباء والاخبار. وانّهم ـ مع ذلك ـ بأجمعهم عباد مخلوقون ، بشر مكلّفون ، يأكلون ويشربون ، ويتناسلون ، ويحيون بإحيائه ، ويموتون بإماتته ، تجوز عليهم الآلام المعترضات فمنهم من قتل ، ومنهم من مات ، لا يقدرون على خلق ، ولا رزق ، ولا يعلمون الغيب إلا ما أعلمهم إله الخلق. وانّ أقوالهم صدق ، وجميع ما أتوا به حق.

    في النبوّة العامّة والخاصّة :

    و انّ أفضل الأنبياء اُولوا العزم ، وهم خمسة : نوح ، وابراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمّد ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) ، وانّ محمّداً بن عبد اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) أفضل الأنبياء أجمعين ، وخير الأوّلين والآخرين. وانّه خاتم النبيين وانّ آباءه من آدم ( عليه السلام ) إلى عبداللّه بن عبد المطلب ـ رضوان اللّه عليهم ـ كانوا جميعاً مؤمنين ، وموحّدين لله تعالى عارفين ، وكذلك أبو طالب ـ رضوان اللّه عليه ـ.
    و يعتقد أنّ اللّه سبحانه شرّف نبيّنا ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) بباهر الآيات ، وقاهر المعجزات ، فسبّح في كفّه الحصاء ، ونبع من أصابعه الماء ، وغير ذلك ممّا قد تضمّنته الأنباء ، وأجمع على صحّته العلماء ، وأتى بالقرآن المبين ، الذي بهر به السامعين ، وعجز من الاتيان بمثله سائر الملحدين.

    و انّ القرآن كلام ربّ العالمين ، وانّه محدث ليس بقديم. ويجب أن يعتقد أنّ جميع ما فيه من الآيات الذي يتضمّن ظاهرها تشبيه ألله تعالى بخلقه ، وانّه يجبرهم على طاعته أو معصيته ، أو يضل بعضهم عن طريق هدايته ، فإنّ ذلك كلّه لا يجوز حمله على ظاهرها ، وانّ له تأويلاً ، يلائم ما تشهد به العقول ممّا قدّمنا ذكره في صفات اللّه تعالى ، وصفات أنبيائه.

    فإن عرف المكلّف تأويل هذه الآيات فحسن ، وإلا أجزأ أن يعتقد في الجلمة أنّها متشابهات ، وأنّ لها تأويلاً ملائماً ، يشهد بما تشهد به العقول والآيات والمحكمات ، وفي القرآن المحكم والمتشابه ، والحقيقة والمجاز ، والناسخ والمنسوخ والخاص والعام.

    و يجب عليه أن يقر بملائكة اللّه أجمعين ، وأنّ منهم جبرئيل وميكائيل ، وأنّهما من الملائكة الكرام ، كالأنبياء بين الأنام ، وأنّ جبرئيل هو الروح الأمين ، الذي نزل بالقرآن على قلب محمّ خاتم النبيين ، وهو الذي كان يأتيه بالوحي من ربّ العالمين.

 
    و يجب الاقرار بأنّ شريعة الاسلام التي أتى بها محمّد ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) ناسخة لما خالفها من شرائع الأنبياء المتقدّمين.

    و أنّه يجب التمسّك بها والعمل بما تضمنّته من فرائضها ، وأنّ ذلك دين اللّه الثابت الباقي إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها ، لا حلال إلا ما أحلّت ، ولا حرام إلا محرّمت ، ولا فرض إلا ما فرضت ، ولا عبادة إلا ما أوجبت.

    و انّ من انصرف عن الاسم ، وتمّسك بغيره ، كافر ضال ، مخلّد في النار ، ولو بذل من الاجتهاد في العبادة غاية المستطاع.

    و انّ من أظهر الاقرار بالشهادتين كان مسلماً ، ومن صدّق بقلبه ، ولم يشك في فرض أتى به محمّد ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) كان مؤمناً.

    و من الشرائط الواجبة للإيمان ، العمل بالفرائض اللازمة ، فكل مؤمن مسلم ، وليس كل مسلم مؤمن :

    و قوله تعالى :

 ( إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإسْلام ) (1). إنّما أراد به الإسلام الصحيح التام ، الذي يكون المسلم فيه عارفاً ، مؤمناً ، عالماً بالواجبات طائعاً.

 

    في الإمامة والخلافة :

 
    و يجب أن يعتقد أنّ حجج اللّه تعالى بعد رسوله الذين هم خلفاؤه ، وحفظة شرعه ، وأئمّة اُمّته ، اثنا عشر أهل بيته ، أوّلهم أخوه وابن عمّه ، وصهره بعل فاطمة الزهراء ابنته ، ووصيّه على اُمّته : على بن أبي طالب أمير المؤمنين ، ثمّ الحسن بن على الزكي ، ثمّ الحسين بن علي الشهيد ، ثم علي بن الحسين زين العابدين ، ثمّ محمد بن علي باقر العلوم ، ثمّ جعفر بن محمّد الصادق ، ثمّ موسى بن جعفر الكاظم ، ثمّ علي بن موسى الرضا ، ثمّ محمّد بن علي التقي ، ثمّ علي ابن محمّد المنتجب ، ثمّ الحسن بن علي الهادي ، ثمّ الخلف الصالح بن الحسن المهدي ( صلوات اللّه عليهم أجميعن ).

 
    لا إمامة بعد رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) إلا لهم عليهم السلام ولا يجوز الاقتداء في الدين إلا بهم ، ولا أخذ معالم إلا عنهم.

 
    و أنّهم في كمال العلم والعصمة من الآثام نظير الأنبياء ( عليهم السلام ).
    و أنّهم أفضل الخلق بعد رسول اللّه ( عليه السلام ).
    و إنّ إمامتهم منصوص عليها من قبل اللّه على اليقين والبيان.
    و أنّه سبحانه أظهر على أيديهم ألآيات ، وأعلمهم كثيراً من الغائبات ، والاُمور المستقبلات ، ولم يعطهم من ذلك إلا ما قارن وجهاً يعلمه من اللطف والصلاح.

1 ـ آل عمران / 19.


    وليسوا عارفين بجميع الضمائر والغائبات على الدوام ، ولا يحيطون بالعلم بكل ما علمه اللّه تعالى.

    والآيات التي تظهر على أيديهم هي فعل اللّه دونهم ، أكرمهم بها ، ولا صنع لهم فيها.
    وأنّهم بشر محدثون ، وعباد مصنوعون ، لا يخلقون ، ولا يرزقون ، ويأكلون ويشربون ، وتكون لهم الأزواج ، وتنالهم الآلام والاعلال ، ويستضامون ، يخافون فيتقون ، وأنّ منهم من قتل ، ومنهم من قبض.

    وأنّ إمام هذا الزمان هو المهدي ابن الحسن الهادي ، وأنّه الحجّة على العالمين ، وخاتم الأئمّة الطاهرين ، لا إمامة لأحد بعد إمامته ، ولا دولة بعد دولته ، وأنّه غائب عن رعيته ، غيبة اضطرار وخوف من أهل الضلال ، وللمعلوم عند اللّه تعالى في ذلك الصلاح.
    ويجوز أن يعرّف نفسه في زمن الغيبة لبعض الناس ، وأنّ اللّه عزّوجلّ سيظهره وقت مشيئته ، ويجعل له الأعوان والأصحاب ، فيمهّد الدين به ، ( و ) يطهّر الأرض على يديه ، ويهلك أهل الضلال ، ويقيم عمود الإسلام ويصير الدين كلّه للّه.

    وأنّ اللّه عزّوجلّ يظهر على يديه عند ظهوره ، الأعلام ، وتأتيه المعجزات بخرق العادات ، ويحيي له بعض الأموات ، فإذا ( أ ) قام في الناس المدّة المعلومة عند اللّه سبحانه قبضه إليه ، ثم لا يمتد بعده الزمان ، ولا تتّصل الأيام حتّى تكون شرائط الساعة ، واماتة من بقى من الناس ، ثم يكون المعاد بعد ذلك.


    ويعتقد أنّ أفضل الأئمّة ( عليهم السلام ) أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب ، وأنّه لا يجوز أن يسمّى بأميرالمؤمنين أحد سواه.

 
    وأنّ بقيّة الأئمّة ـ صلوات اللّه عليهم ـ ، يقال لهم : الأئمة ، والخلفاء ،

والأوصياء ، والحجج ، وإن كانوا في الحقيقة اُمراء المؤمنين ، فإنّهم لم يمنعوا من هذا الاسم لأجل معناه ، لأنّه حاصل لهم على الاستحقاق ، وإنّما منعوا من لفظه ، حشمة لأمير المؤمنين ( عليه السلام ).

    وأنّ أفضل الأئمّة بعد أميرالمؤمنين ، ولده الحسن ، ثمّ الحسين ، وأفضل الباقين بعد الحسين ، إمام الزمان المهدي ( صلوات اللّه عليه ) ثمّ بقية الأئمّة بعده على ما جاء به الأثر وثبت في النظر.

    وأنّ المهدي ( عليه السلام ) هو الذي قال فيه رسول اللّه :

 « لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد ، لطوّل اللّه تعالى ذلك اليوم ، حتّى يظهر فيه رجل من ولدي يواطئ اسمه اسمي ، يملأها عدلا ، وقسطاً ، كما ملئت ظلماً وجوراً » (1).
    فاسمه يواطئ اسم رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) وكنيته تواطئ كنيته ، غير أنّ النهي قد ورد عن اللفظ ، فلا يجوز أن يتجاوز في القول أنّه المهدي ، والمنتظر ، والقائم بالحق ، والخلف الصالح ، وإمام الزمان ، وحجة اللّه على الخلق.

 ويجب أن يعتقد أنّ اللّه فرض معرفة الأئمّة ( عليهم السلام ) بأجمعهم ، وطاعتهم ، وموالاتهم والاقتداء بهم ، والبراءة من أعدائهم وظالميهم ... وأنّه لا يتم الايمان إلاّ بموالاة أولياء اللّه ، ومعاداة أعدائه ، وأنّ أعداء الأئمّة

1 ـ روى هذا الحديث وأمثاله ابن خلدون في المقدّمة في الفصل الثاني والخمسين عن الترمذي ، وأبي داود باختلاف بعض ألفاظه ، وروى حوالي اثنين وثلاثين حديثاً ، وقال في ص 311 من المقدّمة :

« إنّ جماعة من الأئمّة خرّجوا أحاديث المهدي ، منهم : الترمذي ، وأبوداود ، والبزار ، وابن ماجة ، والحاكم ، والطبراني ، وأبو يعلى الموصلي ، واسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل علي ، وابن عباس ، وابن عمر ، وطلحة ، وابن مسعود ، وأبي هريرة ، وأنس ، وأبي سعيد الخدري ، واُمّ حبيبة ، واُمّ سلمة ، وثوبان ، وقرّة بن اياس ، وعلي الهلالي ».

 

( عليهم السلام ) كفّار ملحدون في النار ، وإن أظهروا الإسلام ، فمن عرف اللّه ورسوله والأئمّة الاثني عشر وتولاّهم وتبرّأ من أعدائهم فهو مؤمن ، ومن أنكرهم أو تولّى أعداءهم فهو ضال هالك لا ينفعه عمل ولا اجتهاد ، ولا تقبل له طاعة ولا تصحّ له حسنات ... (1).

 

    في التوبة والحشر والنشر :

 
    ويعتقد أنّ اللّه يزيد وينقص إذا شاء في الأرزاق والآجال.
    وأنّه لم يرزق العبد إلاّ ما كان حلالا طيّباً.
    ويعتقد أنّ باب التوبة مفتوح لمن طلبها ، وهي الندم على ما مضى من المعصية ، والعزم على ترك المعاودة إلى مثلها.
    وأنّ التوبة ماحية لما قبلها من المعصية التي تاب العبد منها.
    وتجوز التوبة من زلّة ، إذا كان التائب منها مقيماً على زلّة غيرها لا تشبهها ، ويكون له الأجر على التوبة ، وعليه وزر ما هو مقيم عليه من الزلّة.
    وأنّ اللّه يقبل التوبة بفضله وكرمه ، وليس ذلك لوجوب قبولها في العقل قبل الوعد ، وانّما علم بالسمع دون غيره.

    ويجب أن يعتقد أنّ اللّه سبحانه ، يميت العباد ويحييهم بعد الممات ليوم المعاد.
    وأنّ المحاسبة حق والقصاص ، وكذلك الجنّة والنار والعقاب.
    وأنّ مرتكبي المعاصي من العارفين باللّه ورسوله ، والأئمّة الطاهرين ، المعتقدين لتحريمها مع ارتكابها ، المسوّفين التوبة منها ، عصاة فسّاق ، وأنّ ذلك

1 ـ مكان النقاط كلمات غير واضحة.

لا يسلبهم اسم الايمان كما لم يسلبهم اسم الاسلام (1).
    وأنّهم يستحقّون العقاب على معاصيهم ، والثواب على معرفتهم باللّه تعالى ، ورسوله ، والأئمّة من بعده ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ).

    وما بعد ذلك من طاعتهم ، وأمرهم مردود إلى خالقهم ، وإن عفا عنهم فبفضله ورحمته ، وإن عاقبهم فبعدله وحكمته ، قال اللّه سبحانه :

    ( وَآخَرُون مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللّهِ إِمّا يُعَذِّبَهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) (2).

    وأنّ عقوبة هؤلاء العصاة إذا شاءها اللّه تعالى ، لا تكون مؤبّدة ، ولها آخِر ، يكون بعده دخولهم الجنّة وليسوا من جملة من توجه إليهم الوعيد بالتخليد. والعفو من اللّه تعالى يرجى للعصاة المؤمنين.

    وقد غلطت المعتزلة فسمّت من يرجو العفو مرجئاً ، وانّما يجب أن يسمّى راجياً ، ولا طريق إلى القطع على العفو ، وانّما هو الرجاء فقط.

    ويعتقد أنّ لرسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) والأئمّة من بعده ( عليهم السلام ) شفاعة مقبولة يوم القيامة ، ترجى للمؤمنين من مرتكبي الآثام.
    ولا يجوز أن يقطع الإنسان على أنّه مشفوع فيه على كل حال ، ولا سبيل له إلى العلم بحقيقة هذه الحال ، وانّما يجب أن يكون المؤمن واقفاً بين الخوف والرجاء.
    ويعتقد أنّ المؤمنين الذين مضوا من الدنيا وهم غير عاصين ، يؤمر بهم يوم

1 ـ صرّح بهذا المفيد اُستاذ المؤلّف في كتابه أوائل المقالات ص 48 ونسبه إلى اتّفاق الإمامية ، أمّا الخوارج فتسمّي مرتكب الكبيرة مشركاً وكافراً ، والحسن البصري اُستاذ واصل ابن عطاء وعمرو بن عبيد ، سمّاهم منافقين ، وأمّا واصل بن عطاء فوضعهم في منزلة بين منزلتين ، وقال إنّهم فسّاق ليسوا بمؤمنين ، ولا كفّار ، ولا منافقين.

2 ـ التوبة / 106.

 

القيامة إلى الجنّة بغير حساب.

    وأنّ جميع الكفار والمشركين ، ومن لم تصح له الاُصول من المؤمنين يؤمر بهم يوم القيامة إلى الجحيم بغير حساب ، وانّما يحاسب من خلط عملاً صالحاً وآخر سيّئاً ، وهم العارفون العصاة.

    وأنّ أنبياء اللّه تعالى وحججه ( عليهم السلام ) هم في القيامة المسؤولون للحساب باذن اللّه تعالى ، وأنّ حجّة أهل كل زمان يتولّى أمر رعيته الذين كانوا في وقته.
    وأنّ سيّدنا رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) والأئمّة الاثنا عشر من بعده ( عليهم السلام ) هم أصحاب الأعراف وهم الذين لا يدخل الجنّة إلا من عرفهم وعرفوه ، ويدخل النار من أنكرهم وأنكروه.

    وأن رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) يحاسب أهل وقته وعصره ، وكذلك كل إمام بعده.

    وأنّ المهدي ( عليه السلام ) هو المواقف لأهل زمانه ، والمسائل للذين في وقته.
    وأنّ الموازين ( التي ) توضع في القيامة ، هي اقامة العدل في الحساب ، والانصاف في الحكم والمجازاة ، وليست في الحقيقة موازين بكفات وخيوط كما يظن العوام.
    وأن الصراط المستقيم في الدينا دين محمّد وآل محمّد ( عليه و عليهم السلام ) ، وهو في الآخرة طريق الجنان.

    وأنّ الأطفال والمجانين والبله من الناس ، يتفضّل عليهم في القيامة ، بأن تكمل عقولهم ، ويدخلون الجنان.

    وأنّ نعيم أهل الجنّة متصل أبداً بغير نفاد ، وأنّ عذاب المشركين والكفّار متّصل في النار بغير نفاد.

    و يجب أن يؤخذ معالم الدين في الغيبة من أدلّة العقل ، وكتاب اللّه عزّو جل ، والأخبار المتواترة عن رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) وعن الأئمّة ( عليه السلام ) (1) وما أجمعت عليه الطائفة الإمامية ، واجماعها حجّة.

    فأمّا عند ظهور الإمام ( عليه السلام ) فإنّه المفزع عند المشكلات ، وهو المنبّه على العقليات ، والمعرّف بالسمعيات ، كما كان النبي ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ).
    و لا يجوز استخراج اأحكام في السمعيات بقياس ولا اجتهاد (2).

    فامّا العقليات فيدخلها القياس والاجتهاد ، ويجب على العاقل مع هذا كلّه ألّا يقنع بالتقليد في الاعتقاد وأن يسلك طريق التأمّل والاعتبار ، ولا يكون نظره لنفسه في دينه أقل من نظره لنفسه في دنياه ، فإنّه في اُمور الدينا يحتاط ويحترز ويفكّر ويتأمّل ، ويعتبر بذهنه ، ويستدل بعقله ، فيجب أن يكون في أمر دينه على أضعاف هذه الحال ، فالغرر في أمر الدين أعظم من الغرر في أمر الدنيا.

1 ـ ما ذكره هو رأي جماعة من علماء الإمامية ، كالشريف المرتضى ، وابن زهرة ، وابن البراج ، والطبرسي ، وابن ادريس وغيرهم ، فقد ذهب هؤلاء إلى عدم اعتبار الخبر الواحد إذا لم يكن مقطوع الصدور عن المعصوم وخصّوا اعتباره بما إذا كان قطعي الصدور ، سواء أكان محتفّاً بقرينة عقلية أو نقلية اُخرى ، فالمهم لدى هؤلاء في اعتبار الخبر أن يفضي إلى العلم ، ولو كان ذلك لاجماع أو شاعد عقلي ، بل صرّح المفيد في أوائل المقالات بأنّه لا يجب العمل بخبر الواحد.

    أمّا المشهور بين الإمامية بل المجمع عليه بين المتأخرين منهم فاعتبار الخبر الواحد لقيام الدليل على حجّيته ، ولكل من الفريقين أدلّة على دعواه مذكورة في كتب الاُصول.

2 ـ المراد بالاجتهاد هنا ليس هو استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية ، وانّما المراد به الاعتماد على الرأي والاستحسان والقياس ، من دون الرجوع إلى القواعد والاُصول التي ثبتت حجّيتها شرعاً.

 

    فيجب أن لا يعتقد في العقليات إلا ما صحّ عنده حقّه ، ولا يسلم في السمعيات إلا لمن ثبت له صدقه.

    نسأل اللّه حسن التوفيق برحمته ، وألّا يحرمنا ثواب المجتهدين في طاعته.
    قد أثبتّ لك يا أخي ـ أيّدك اللّه ـ ما سألت ، اقتصرت وما أطلت.
    و الذي ذكرت أصل لما تركت ، والحمد للّه وصلواته على سيّدنا محمّد وآله وسلّم (1).

 
    7 ـ العقائد الجعفرية تأليف الشيخ الطوسي 385 ـ 460 :

    الشيخ الطوسي ، هو شيخ الطائفة على الاطلاق تلميذ المفيد والمرتضى وقد ورد بغداد عام 408 وحضر في أندية دروس اُستاذه المفيد ، فلمّا لبّى الاُستاذ دعوة ربّه حضر لدى المرتضى إلى أن اشتغل بالتدريس والافتاء في عصره وبعده ، وله رسائل وكتب كلامية مفعمة بالتحقيق ، نأتي في المقام بموجز ما دوّنه في عقائد الشيعة في خمسين مسألة.

بسم اللّه الرحمن الرحيم

    الحمد للّه ربّ العالمين.

    و الصلواة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين ، وآله المعصومين الذين اذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، وجعل كل واحد منهم على الخلق بعد الرسول أميراً.
    قال الإمام شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد الطوسي :

1 ـ أدرج المصنف الرسالة في كتابه القيم : كنز الفوائد لاحظ 240 ـ 252.

   

« المسألة 1 » معرفة اللّه واجبة على كل مكلّف ، بدليل أنّه منعم ، فيجب معرفته.
    « المسألة 2 » اللّه تعالى موجود ، بدليل أنّه صنع العالم ، وأعطاه الوجود ، وكل من كان كذلك فهو موجود.

    « المسألة 3 » اللّه تعالى واجب الوجود لذاته ، بمعنى أنّه لا يفتقر في وجوده إلى غيره ، ولا يجوز عليه العدم ، بدليل أنّه لو كان ممكناً لافتقر إلى صانع ، كافتقار هذا العالم ، وذلك محال على المنعم المعبود.

    « المسألة 4 » اللّه تعالى قديم أزلي ، بمعنى أنّ وجوده لم يسبقه العدم. باق أبدي ، بمعنى أنّ وجوده لن يلحقه العدم.

    « المسألة 5 » اللّه تعالى قادر مختار ، بمعنى أنّه إن شاء أن يفعل فعل ، وإن شاء أن يترك ترك ، بدليل انّه صنع العالم في وقت دون آخر.

    « المسألة 6 » اللّه تعالى قادر على كل مقدور ، وعالم بكل معلوم ، بدليل أنّ نسبة جميع المقدورات والمعلومات إلى ذاته المقدّسة المنزّهة على السوية ،فاختصاص قدرته تعالى وعلمه ببعض دون بعض ترجيح بلا مرجّح ، وهو محال.

    « المسألة 7 » اللّه تعالى عالم ، بمعنى أنّ الأشياء منكشفة واضحة له ، حاضرة عنده غير غائبة عنه ، بدليل أنّه تعالى فعل الأفعال المحكمة المتقنة ، وكل من فعل ذلك فهو عالم بالضرورة.

    « المسألة 8 » اللّه تعالى يدرك لا بجارحة ، بل بمعنى أنّه يعلم ما يدرك بالحواس ، لأنّه منزّه عن الجسم ولوازمه ، بدليل قوله تعالى : ( لا تَدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبيرُ ) (1) فمعنى قوله تعالى : ( إنَّهُ هُوَ السَّميعُ البَصير ) (2) انّه عالم بالمسموعات لا باُذن ، وبالمبصرات لابعين.

    « المسألة 9 » اللّه تعالى حي ، بمعنى أنّه يصح منه أن يقدر ويعلم. بدليل أنّه ثبتت له القدرة والعلم وكل من ثبتت له ذلك فهو حي بالضرورة.
    « المسألة 10 » اللّه تعالى متكلّم لابجارحة ، بل بمعنى أنّه أوجد الكلام في جرم من الأجرام ، أو جسم من الأجسام ، لإيصال عظمته إلى الخلق ، بدليل قوله تعالى : ( وَ كَلَّمَ اللّهُ مَوسى تَكْلِيماً ) (3) ولأنّه قادل ، فالكلام ممكن.

    « المسألة 11 » اللّه تعالى صادق ، بمعنى انّه لا يقول إلا الحق الواقع ، بدليل أنّ كل كذب قبيح ، واللّه تعالى منزّه عن القبيح.

    « المسألة 12 » اللّه تعالى مريد ، بمعنى أنّه رجّح الفعل إذا علم المصلحة ( يعني أنّه غير مضطر وأنّ ارادته غير واقعة تحت ارادة اُخرى ، بل هي الارادة العليا التي إن رأى صلاحاً فعل ، وإن رأى فساداً لم يفعل ، باختيار منه تعالى ) بدليل أنّه ترك ايجاد بعض الموجودات في وقت دون وقت ، مع علمه وقدرته ـ على كل حال ـ بالسوية. ولأنّه نهى وهو يدل على الكراهة.

    « المسألة 13 » انّه تعالى واحد ، بمعنى أنّه لا شريك له في الالوهية ، بدليل قوله ( قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَد ) (4) ولأنّه لو كان له شريك لوقع التمانع ، ففسد النظام ، كما قال : ( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلّا اللّه لَفَسَدَتَا ) (5).

1 ـ الأنعام / 103.

2 ـ الإسراء / 1 ، غافر / 56.

3 ـ النساء / 164.

4 ـ الإخلاص / 1.

5 ـ الأنبياء / 22.

    « المسألة 14 » اللّه تعالى غير مركّب من شيء ، بدليل أنّه لو كان مركّباً لكان مفتقراً إلى الأجزاء ، والمفتقر ممكن.

    « المسألة 15 » اللّه تعالى ليس بجسم ، ولا عرض ، ولا جوهر ، بدليل أنّه لو كان أحد هذه الأشياء لكان ممكناً مفتقراً إلى صانع ، وهو محال.

    « المسألة 16 » اللّه تعالى ليس بمرئي بحاسة البصر في الدنيا والآخرة ، بدليل أنّه تعالى مجرّد ، ولأنّ كل مرئي لابد أن يكون له الجسم والجهة ، واللّه تعالى منزّه عنهما ولأنّه تعالى قال : ( لَنْ تَرَانِي ) (1) وقال : ( لا تُدْرِكُهُ الأَبصارُ ) (2).

    « المسألة 17 » اللّه تعالى ليس محلّاً للحوادث ، وإلا لكان حادثاً ، وحدوثه محال.
    « المسألة 18 » اللّه تعالى لا يتّصف بالحلول ، بدليل أنّه يلزم قيام الواجب بالممكن وذلك محال.

    « المسالة 19 » اللّه تعالى لا يتّحد بغيره ، لأنّ الاتّحاد صيرورة الشيء واحداً من غير زيادة ونقصان ، وذلك محال ، واللّه لا يتّصف بالمحال.

    « المسألة 20 » اللّه تعالى منفي عنه المعاني والصفات الزائدة ، بمعنى أنّه ليس عالماً بالعلم ، ولا قادراً بالقدرة ( بل علم كلّه ، وقدرة كلّها ) ، بدليل أنّه لو كان كذلك بزم كونه محلّاً للحوادث لو كانت حادثة ، وتعدّد القدماء لو كانت قديمة ، وهما محالان ، وأيضاً لزم افتقار الواجب إلى صفاته المغايرة له ، فيصير ممكناً وهو ممتنع.

    « المسألة 21 » اللّه تعالى غني ، بمعنى أنّه غير محتاج إلى ما عداه ،

1 ـ الأعراف / 143.

2 ـ الأنعام / 103.

والدليل عليه أنّه واجب الوجود لذاته ، فلا يكون مفتقراً.
    « المسألة 22 » اللّه تعالى ليس في جهة ، ولا مكان ، بدليل أنّ كل ما في الجهة والمكان مفتقر إليهما ، وأيضاً قد ثبت أنّه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ، فلا يكون في المكان والجهة.

    « المسألة 23 » اللّه تعالى ليس له ولد ، ولا صاحبة ، بدليل أنّه قد ثبت عدم افتقاره إلى غيره ، ولأنّ كل ما سواه تعالى ممكن ، فكيف يصير الممكن واجباً بالذات ، ولقوله تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) (1) و ( مَثَلَ عِيسى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ) (2).
    « المسالة 24 » اللّه تعالى عدل حكيم ، بمعنى أنّه لا يفعل قبيحاً ولا يخل بالواجب بدليل أنّ فعل القبيح قبيج ، والاخلال بالواجب نقص عليه ، فاللّه تعالى منزّه عن كل قبيح واخلال بالواجب.

    « المسألة 25 » الرضا بالقضاء والقدر واجب ، وكل ما كان أو يكون فهو بالقضاء والقدر ولا يلزم بهما الجبر والظلم ، لأنّ القدر والقضاء هاهنا بمعنى العلم والبيان ، والمعنى أنّه تعالى يعلم كل ما هو ( كائن أو يكون ) (3).

    « المسألة 26 » كل ما فعله اللّه تعالى فهو أصلح ، وإلا لزم العبث ، وليس تعالى بعابث ، لقوله : ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ) (4).

    « المسألة 27 » اللّطف على اللّه واجب ، لأنّه خلق الخلق ، وجعل فيهم الشهوة ، فلو لم يفعل اللطف لزم الاغراء ، وذلك قبيح ، ( واللّه لا يفعل القبيح )

1 ـ الشورى / 11.

2 ـ آل عمران / 59.

3 ـ الاضافة منّا لإكمال العبارة.

4 ـ المؤمنون / 115.

 

فاللطف هو نصب الأدلّة ، واكمال العقل ، وارسال الرسل في زمانهم ، وبعد انقطاعهم ابقاء الإمام ، لئلّا ينقطع خيط غرضه.

    « المسألة 28 » نبيّنا « محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف » رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) حقأ صدقاً. بدليل أنّه ادّعى النبوّة ، وأظهر المعجزات على يده ، فثبت أنّه رسول حقّاً ، وأكبر المعجزات « القرآن الحميد » والفرقان المجيد الفارق بين الحق والباطل ، باق إلى يوم القيامة ، حجّة على كافّة النسمة.
    ووجه كونه معجزاً : فرط فصاحته وبلاغته ، بحيث ما تمكّن أحد من أهل الفصاحة والبلاغة حيث تحدّوا به ، أنّ يأتوا ولو بسورة صغيرة ، أو آية تامّة مثله.
    « المسألة 29 » كان نبيّنا نبياً على نفسه قبل البعثة ، وبعده رسولاً إلى كافّة النسمة لأنّه قال « كنت نبيّاً وآدم بين الماء والطين » وإلا لزم تفضيل المفضول ، وهو قبيح.
    « المسألة 30 » جميع الأنبياء كانوا معصومين ، مطهّرين عن العيوب والذنوب كلّها ، وعن السهو والنسيان في الأفعال والأقوال ، من أوّل الأعمار إلى اللحد ، بدليل انّهم لو فعلوا المعصية أو يطرأ عليهم السهو لسقط محلّهم من القلوب ، فارتفع الوثوق والاعتماد على أقوالهم وأفعالهم ، فتبطل فائدة النبوّة ، فما ورد في الكتاب ( القرآن ) فيهم فهو واجب التأويل.
    « المسألة 31 » يجب أن يكون الأنبياء أعلم و أفضل أهل زمانهم ، و لأنّ تفضيل المفضول قبيح.

    « المسألة 32 » نبيّنا خاتم النبيين والمرسلين ، بمعنى أنّه لا نبي بعده إلى يوم القيامة ، يقول تعالى : ( ما كَانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِن رِجَالِكُمْ وَلَكِن رَسُولَ اللّهِ وخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ) (1).

    « المسألة 33 » نبيّنا أشرف الأنبياء والمرسلين ، لأنّه ثبتت نبوّته ، وأخبر بأفضليته فهو أفضل ، لمّا قال لفاطمة ( عليه السلام ) : « أبوك خير الأنبياء ، وبعلك خير الأوصياء ، وأنت سيدة نساء العالمين ، وولدك الحسن والحسين ( عليهما السلام ) سيّدا شباب أهل الجنّة ، وأبوهما خير منهما » (2).


    « المسألة 34 » معراج الرسول بالجسم العنصري علانية ، غير منام ، حق ، والأخبار عليه بالتواتر ناطقة ، صريحة ، فمنكره خارج عن الاسلام ، وأنّه مر بالأفلاك من أبوابها من دون حاجة إلى الخرق والالتيام ، وهذه الشبهة الواهية مدفوعة مسطورة بمحالها.
    « المسألة 35 » دين نبيّنا ناسخ للأديان السابقة ، لأنّ المصالح تتبدل حسب الزمان والأشخاص كما تتبدّل المعالجات لمريض بحسب تبدل المزاج والمرض.
    « المسألة 36 » الإمام بعد نبيّنا علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) بدليل قوله ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) : « يا علي أنت أخي ووارث علمي وأنت الخليفة من بعدي ، وأنت قاضي ديني ، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبي بعدي » (3) وقوله : « سلّموا على علي بإمرة المؤمنين ، واسمعوا له وأطيعوا له ، وتَعَلّموا منه ولا تُعَلّموه » (4) ، وقوله : « من كنت مولا فهذا علي مولاه اللّهمّ وال من والاه وعاد من

1 ـ الأحزاب / 40.

2 ـ راجع ينابيع المودّة 434 ـ 436.

3 ـ راجع صحيح مسلم 7 / 120 ـ 121 ، باب فضائل علي ( عليه السلام ) ، وصحيح البخاري 5 / 19 باب مناقب علي ( عليه السلام ) و6 / 3 باب غزوة تبوك ، ومسند أحمد 1 / 174 ـ 177 و3 / 32 و6 / 369.

4 ـ راجع البحار 37 / 290 ـ 340.

عاداه » (1).

    « المسألة 37 » الأئمّة بعد علي ( عليهم السلام ) أحد عشر من ذرّيته ، الأوّل منهم ولده الحسن ، ثمّ الحسين ، ثمّ علي بن الحسين ، ثمّ محمّد بن علي ، ثمّ جعفر بن محمّد الصادق ، ثمّ موسى بن جعفر ثمّ علي بن موسى ، ثمّ محمّد ابن علي ، ثمّ علي بن محمّد ، ثمّ الحسين بن علي ، ثمّ الخلف الحجّة القائم المهدي الهادي بن الحسن صاحب الزمان فكلّهم أئمّة الناس واحد بعد واحد ، حقّاً ، بدليل أنّ كل إمام منهم نصّ على من بعده نصّاً متواتراً بالخلافة ، وقوله : « الحسين إمام ، ابن إمام ، أخو الامام ، أبو الأئمّة التسعة ، تاسعهم قائمهم ، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ».

    « المسألة 38 » يجب أن يكون الأئمّة معصومين مطهّرين من الذنوب كلّها ، صغيرة وكبيرة ، عمداً وسهواً ، ومن السهو في الأفعال والأقوال ، بدليل أنّهم لو فعلوا المعصية لسقط محلهم من القلوب ، وارتفع الوثوق ، وكيف يهدون بالضالّين المضلّين ، ولا معصوم غير الأئمّة الاثني عشر اجماعاً ، فثبت إمامتهم.

    « المسألة 39 » يجب أن يكون الأئمّة أفضل وأعلم ، ولو لم يكونوا كذلك للزم تفضيل المفضول ، أو الترجيح بلا مرجح ، ولا يحصل الانقياد به ، وذلك قبيح عقلاً ونقلاً ، وفضل أئمّتنا وعلمهم مشهور ، بل أفضليتهم أظهر من الشمس وأبين من الأمس.
    « المسألة 40 » يجب أن نعتقد أنّ آباء نبيّنا وأئمّتنا مسلمون أبدا ، بل أكثرهم كانوا أوصياء ، فالأخبار عند أهل البيت على إسلام أبي طالب مقطوعة و سيرته أدلّة عليه ، ومثله مثل مؤمن آل فرعون.

1 ـ راجع مسند أحمد 1 / 84 ـ 152 و4 / 281 و370 و372 و5 / 366 ـ 419 ، سنن الترمذي 5 / 633.


    « المسألة 41 » الإمام المهدي المنتظر محمّد بن الحسن قد تولّد في زمان أبيه ، وهو غائب حي باق إلى بقاء الدنيا ، لأنّ كل زمان لابد فيه من إمام معصوم ، لما انعقد عليه اجماع الاُمّة على أنّه لا يخلو زمان من حجّة ظاهرة مشهورة ، أو خافية مستورة ، ولأنّ اللطف في كل زمان واجب ، والإمام لطف ، فوجوده واجب.

    « المسألة 42 » لا استبعاد في طول عمره ، لأنّ غيره من الاُمم السابقة قد عاش ثلاثة آلاف سنة فصاعداً ، كشعيب ونوح ولقمان وخضر وعيسى ( عليهم السلام ) وابليس والدجّال ، ولأنّ الأمر ممكن ، واللّه قادر على جميع الممكنات.

    « المسألة 43 » غيبة المهدي لا تكون من قبل نفسه ، لأنّه معصوم ، فلا يخل بواجب ، ولا من قبل اللّه تعالى ، لأنّه عدل حكيم فلا يفعل القبيح ، لأنّ الإخفاء عن الأنظار وحرمان العباد عن الافادات قبيحان. فغيبته لكثرة العدو والكافر ، ولقلّة الناصر.
    « المسألة 44 » لابد من ظهور المهدي ، بدليل قول النبي ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) : « لو لم يبق من الدنيا إلا ساعة واحدة لطوّل اللّه تلك الساعة حتى يخرج من ذرّيتي ، اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً » (1). ويجب على كل مخلوق متابعته.

    « المسألة 45 » في غيبة الامام فائدة ، كما تنير الشمس تحت السحاب ، والمشكاة من وراء الحجاب.

1 ـ راجع سنن أبي داود 4 / 106 ـ 107 ، كنز العمال 14 / 264 ـ 267.

 

    « المسألة 46 » يرجع نبيّنا وأئمّتنا المعصومون في زمان المهدي مع جماعة من الاُمم السابقة واللاحقة ، لاظهار دولتهم وحقهم ، وبه قطعت المتواترات من الروايات والآيات لقوله تعالى : ( وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ اُمَّةٍ فَوْجاً ) (1) فالاعتقاد به واجب.
    « المسألة 47 » إنّ اللّه يعيد الأجسام الفانية كما هي في الدنيا ، ليوصل كل حق إلى المستحق ، وذلك أمر ممكن ، والأنبياء أخبروا به ، لا سيّما القرآن المجيد مشحون به ولا مجال للتأويل ، فالاعتقاد بالمعاد الجسماني واجب.

    « المسألة 48 » كل ما أخبر به النبي أو الإمام فاعقاده واجب ، كاخبارهم عن نبوّة الأنبياء السابقين ، والكتب المنزلة ، ووجود الملائكة ، وأحوال القبر وعذابه ، وثوابه وسؤال منكر ونكير ، والاحياء فيه ، وأحوال القيامة وأهوالها ، والنشور ، والحساب والميزان ، والصراط ، وانطاق الجوارح ، ووجود الجنّة والنار والحوض الذي يسقي منه أمير المؤمنين العطاشي يوم القيامة ، وشفاعة النبي والأئمّة لأهل الكبائر من محبيه إلى غير ذلك ، بدليل أنّه أخبر بذلك المعصومون.

    « المسألة 49 » التوبة ـ وهي الندم على القبيح في الماضي ، والترك في الحال ، والعزم على عدم المعاودة إليه في الاستقبال ـ واجبة ، لدلالة السمع على وجوبها ، ولأنّ دفع الضرر واجب عقلاً.

    « المسألة 50 » الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، واجبان ، بشرط تجويز التأثير والأمن من الضرر (2).

1 ـ النمل / 83. أصل الرجعة اجماعيّ والكيفية الواردة في المتن ليست كذلك.
2 ـ طبعت الرسالة مع جواهر الفقه للقاضي ابن البراج وفي ضمن الرسائل العشر للشيخ الطوسي ـ قدس سرّه ـ.

ماهو الهدف من نقل هذه الرسائل :

    1 ـ إنّ هذه الرسائل لدليل واضح على أنّ جلّ عقائد الشيعة ، مأخوذة من الكتاب والسنّة وكلمات أئمّتهم ، وأنّ الشيعة كانت في أواخر القرن الثاني ذات عقائد منتظمة ومستوعبة لجميع ما يرتبط بالمعارف الإلهية فترى أنّ ما كتبه الإمام الرضا ، وما عرضه السيد عبدالعظيم الحسني على الإمام الهادي ، هو السائد في هذه الرسائل.
    2 ـ يوجد في ثنايا هذه الرسائل آراء خاصّة لمؤلّفيها ، ربّما يقع فيها النقاش والجدال والخلاف مع غيرهم من علماء الشيعة ، فليس كل ما جاء فيها عقيدة لجميع علماء الشيعة ومؤلّفيهم ولكن المجموع من حيث المجموع تمثّل عقائد الشيعة في مجال صفاته سبحانه وأفعاله ، وما يرجع إلى النبوّة والإمامة ، والحياة الأخروية ، خصوصاً فيما يرجع إلى الاعتقاد بمقامات الأئمّة وصفاتهم. فمن يريد أن يتعرّف على عقائد الشيعة فليرجع إليها بدل الرجوع إلى الكتب المؤلّفة من قبل أعدائهم وخصمائهم.

    3 ـ إنّ الإمعان في الاُصول التي جاءت في هذه الكتب والرسائل يعرب عن موافقة الشيعة في أكثر المسائل العقائدية لعامّة المسلمين. وربّما يختلفون عنهم في اُصول تختص بمجال الإمامة والقيادة بعد الرسول. وبما أنّ الأشاعرة والمعتزلة كانتا تمثّلان جمهور المسلمين في العصور المتقدّمة. نذكر في المقام الفوارق الجوهرية بين الشيعة والمعتزلة أوّلا ، وبين الشيعة والأشاعرة ثانياً ، ثمّ نكمل البحث عن الفوارق الموجودة بينهم وبين سائر الفرق الإسلامية.

    الفوارق بين الشيعة والمعتزلة :

    1 ـ الشفاعة : أجمع المسلمون كافّة على ثبوت أصل الشفاعة وأنّها تقبل من الرسول الأكرم واختلفوا في تعيين المشفَّع ، فقالت الإمامية والأشاعرة : إنّ النبي يشفع لأهل الكبائر باسقاط العقاب عنهم أو باخراجهم من النار ، وقالت المعتزلة ، لا يشفع إلاّ للمطيعين ، المستحقّين للثواب وتكون نتيجة الشفاعة ترفيع الدرجة.

    2 ـ مرتكب الكبيرة : عند الامامية والأشاعرة مؤمن فاسق ، وقالت المعتزلة : بل منزلة بين المنزلتين.

    3 ـ الجنّة والنار : قالت الإمامية والأشاعرة انّهما مخلوقتان الآن بدلالة الشرع على ذلك ، وأكثر المعتزلة على أنّهما غير موجودتين.

    4 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : اتّفق المسلمون على وجوبهما ، فقالت الإمامية والأشاعرة : يجبان سمعاً ، ولولا النص لم يكن دليل على الوجوب ، خلافاً للمعتزلة الذين قالوا بوجوبهما عقلاً.

    5 ـ الأحباط : اتّفقت الإمامية والأشاعرة على بطلان الاحباط ، وقالوا : لكل عمل حسابه الخاص ، ولا ترتبط الطاعات بالمعاصي ولا المعاصي بالطاعات ، والاحباط يختص بذنوب خاصة كالشرك وما يتلوه ، بخلاف المعتزلة حيث قالوا : إنّ المعصية المتأخّرة تسقط الثواب المتقدم ، فمن عبَدَ اللّه طول عمره ثمّ كذب فهو كمن لم يعبد اللّه أبداً.
    6 ـ الشرع والعقل : غالت المعتزلة في تمسّكهم بالعقل وغال أهل الظاهر في جمودهم على ظاهر النص وخالفهما الإمامية والأشاعرة ، فأعطوا للعقل سهماً فيما له مجال القضاء ، نعم أعطت الإمامية للعقل مجالاً أوسع ممّا أعطته الأشاعرة. وسيوافيك تفصيله عند ذكر اختلاف الإمامية مع الأشاعرة.

    7 ـ اتفقت الإمامية والأشاعرة على أنّ قبول التوبة بفضل من اللّه ولا يجب عقلاً اسقاطها للعقاب. وقالت المعتزلة : إنّ التوبة مسقطة للعقاب على وجه الوجوب.
    8 ـ اتفقت الإمامية على أنّ الأنبياء افضل من الملائكة ، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك.

    9 ـ اتفقت الإمامية على أنّ الإنسان غير مسيّر ولا مفوّض إليه ، بل هو في ذلك المجال بين أمرين ، بين الجبر والتفويض ، وأجمعت المعتزلة على التفويض.
    10 ـ اتفقت الامامية والأشاعرة على أنّه لابد في أوّل التكليف وابتدائه من رسول ، وخالفت المعتزلة وزعموا أنّ العقول تعمل بمجردها عن السمع (1).
    هذه هي الاُصول التي خالفت الإمامية فيها المعتزلة ووافقت الأشاعرة ، وهناك اُصول اُخرى تجد فيها موافقة الإمامية للمعتزلة ومخالفتها للأشاعرة ، وإليك بعضها :
   

الفوارق بين الإمامية والأشاعرة :

    هناك اُصول خالفت الإمامية فيها ، الأشاعرة ، مخالفة بالدليل والبرهان وتبعاً لأئمّتهم ، ونذكر المهم منها :

    1 ـ اتّحاد الصفات الذاتية مع الذات : إنّ للّه سبحانه صفاتاً ذاتية كالعلم والقدرة فهي عند الأشاعرة صفات قديمة مغايرة للذات زائدة عليها ، وهي عند الإمامية والمعتزلة متّحدة مع الذات. وقد ذكرنا مضاعفات القول بالزيادة في الجزء الثاني من هذه الموسوعة.

1 ـ لاحظ للوقوف على هذه الاُصول التي خالفت الامامية والأشاعرة فيها المعتزلة الجزء الرابع من هذه الموسوعة ص 180 تجد فيه الفوارق الاُخر لم نذكرها اختصاراً.

 

    2 ـ الصفات الخبرية الواردة في الكتاب والسنّة ، كالوجه والأيدي والاستواء وأمثالها ، فالشيعة الإمامية يؤوّلونها تأويلا مقبولا ، لاتأويلا مرفوضاً ، أي تأخذ بالمفهوم التصديقي للجملة ، لا بالمفهوم التصوّري للمفردات ، فيقولون إنّ معنى ( بَل يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء ) (1) معناه : أنّه بريء من البخل ، بل هو باذل وسخي ، وقادر على البذل. وأمّا الاشاعرة فهم يفسّرونها بالمفهوم التصوّري ويقولون إنّ للّه سبحانه يدين غير أنّهم يتهرّبون عن التجسيم والتشبيه بقولهم : بلا كيف ، وقد أوضحنا مضاعفات هذا القول عند البحث عن عقائدهم في الجزء الثاني.

    3 ـ أفعال العباد عند الامامية صادرة من نفس العباد ، صدوراً حقيقياً بلا مجاز أو توسّع ، فالإنسان هو الضارب ، هو الآكل ، هو القاتل ، هو المصلّي ، هو القارئ وهكذا ، وقد قلنا : إنّ استعمال كلمة « الخلق » في أفعال الإنسان ، استعمال غير صحيح فلا يقال : خلقت الأكل والضرب والصوم والصلاوة ، وإنّما يقال : فعلتها فالصحيح أن يقال : إنّ الإنسان هو الفاعل لأفعاله بقدرة مكتسبة من اللّه ، وانّ قدرته المكتسبة هي المؤثّرة باذن من اللّه سبحانه.
    وأمّا الأشاعرة فذهبوا إلى أنّ أفعال العباد مخلوقة للّه سبحانه ، فليس للإنسان فيها صنع ولا دور ، وليس لقدرته أي تأثير في تحقّق الفعل ، وأقصى ما عندهم أنّ إرادة الإنسان للعقل تقارن ايجاد اللّه سبحانه فعله في عالم التكوين والوجود.

1 ـ المائدة / 64.

و لمّا رأى الشيخ الأشعري وأتباعه أنّ ذلك عبارة عن نفس القول بالجبر ، واقصاء الإنسان عن أفعاله ، وبالتالي براءته من مسؤوليتها ، ابتدعوا نظرية الكسب المعقدة فقالوا : إنّ اللّه هو الخالق والإنسان هو الكاسب ، وقد ذكرنا أنّ نظرية الكسب من الألغاز التي لم يفهمها مخترعوها.

    4 ـ إنّ الاستطاعة في الإنسان على فعل من الأفعال تقارنه تارة ، وتتقدّم عليه اُخرى. فلو اُريد من القدرة العلّة التامّة فهي مقارنة ، ولو اُريد العلّة الناقصة فهي متقدّمة خلافاً للأشاعرة ، فقد قالوا بالتقارن مطلقاً.

    5 ـ رؤية اللّه بالأبصار في الآخرة ، فهي مستحيلة عند الامامية المعتزلة ، ممكنة عند الاشاعرة.

    6 ـ كلامه سبحانه عند الامامية هو فعله ، فهو حادث لا قديم ، وهذا خلافاً للأشاعرة : فكلامه عبارة عن الكلام النفسي القائم بذاته ، فهو قديم كقدم الذات.
    7 ـ التحسين والتقبيح العقليان ، ذهبت الامامية إلى أنّ العقل يدرك حسن بعض الأفعال أو قبحها ، بمعنى أنّ نفس الفعل من أي فاعل صدر ، سواء أكان الفاعل قديماً أو حادثاً ، واجباً أو ممكناً ، يتّصف بأحدهما فيرى مقابلة الإحسان بالإحسان أمراً حسناً ، ومقابلة بالاساءة أمراً قبيحاً ، ويتلقّاه حكماً مطلقاً سائداً على مرّ الحقب والأزمان ، لا يغيّره شيء ، وهذا خلافاً للأشاعرة ، فقد عزلوا العقل عن إدراك الحسن والقبيح وبذلك خالفوا الامامية والمعتزلة في الفروع المترتّبة عليه (1).

1 ـ لاحظ للوقوف على هذه الاُصول المترتّبة على القول بالتحسين والتقبيح العقليين الجزء الثاني من هذه الموسوعة 289ـ292.

 

    هذه هي الاُصول التي تخالف الامامية فيها الأشاعرة وربّما توافقهم المعتزلة في جميعها أو أكثرها. كل ذلك يثبت أنّ للشيعة الامامية منهجاً كلامياً خاصّاً نابعاً من الكتاب والسنّة ، وكلمات العترة الطاهرة والعقل فيما له مجال القضاء ، وليست الشيعة متطفّلة في منهجها الكلامي على أيّة من الطائفتين. وأنت إذا وقفت على الكتب الكلامية المؤلّفة في العصور المتقدّمة من عصر الفضل بن شاذان ( ت 260 ) إلى عصر شيخنا الطوسي ( 385 ـ 460 ) ومن بعده بقليل ، تجد منهجاً كلامياً مبرهناً متّزنا واضحاً لا تعقيد فيه ولا غموض ، وعلى تلك الاُصول وذلك المنهج درج علماؤهم المتأخّرون في الأجيال التالية ، فألّف الشيخ الحلبي ( 374 ـ 447 ) « تقريب المعارف » والشيخ سديد الدين الحمصي ( ت 600 ) كتابه « المنقذ من التقليد » وتوالي بعدهم التأليف على يد الفيلسوف الكبير نصير الدين الطوسي ( 597 ـ 672 ) ومعاصره ابن ميثم البحراني ( 589 ) وتلميذه العلّامة الحلّي ( 648 ـ 726 ) وهكذا ... كل ذلك يكشف عن أنّ الأئمّة طرحوا أصول العقائد ، وغذّوا أصحابهم وتلاميذهم بمعارف سامية ، اُعتبر الحجر الأساس للمنهج الكلامي الشيعي ، وتكامل المنهج من خلال الجدل الكلامي والنقاش العلمي في الظروف المتأخّرة فوصل إلى الذروة والقمّة فالناظر في الكتب الكلامية للسيّد الشريف المرتضى ك « الشافي » (1) و« الذخيرة » (2) يجد منبعاً غنيّاً بالبحوث الكلامية كما أنّ الناظر في كتب العلّامة الحلّي المختلفة ك « كشف المراد » (3) و« نهاية المرام » (4) وغيرهما يقف على أفكار سامية أنضجها البحث والنقاش عبر القرون ، فبلغت غايتها القصوى.

    و قد توالى التأليف في عقائد الشيعة واُصولهم من العصور الاُولى إلى يومنا هذا ، ولا يحصيها إلا محصي قطرات المطر وذرّات الرمال.

1 ـ المطبوع في بيروت في أربعة أجزاء.

2 ـ المطبوع في ايران في جزأين.

3 ـ الكتاب الدراسي في الجامعات الشيعية.

4 ـ مخطوط نحتفط منها بنسخة وهي في يد التحقيق.

    هذا وانّ الشيعة وإن خالفوا في هذه الاُصول طائفة من طوائف الاسلامية ووافقوا طوائف اُخرى ، ولكن هناك اُصول اتّفق الجميع فيها دون استثناء ، وهو ظاهر لمن قرأ ما أثبتناه من الرسائل والكتيبات.

    أفما آن للمسليمن أن يتّحدوا في ظلال هذه الاُصول المؤلّفة لقلوبهم ، ويتظلّلوا بظلالها ، ويتمسّكوا بالعروة الوثقى ، ويكون شعارهم : انّما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ، وأن لا يصغوا إلى النعرات المفرّقة ، المفترية على الشيعة وأئمّتهم ، وليكن شعارنا في التأليف : التحقيق والتأكّد من عقائد الآخرين ، ثمّ التدوين.

    الفوارق بين الشيعة وسائر الفرق:

    إذا تعرّفت على الفوارق الموجودة بين الشيعة وبعض طوائف المسلمين ، فهلّم معي إلى الفوارق الجوهرية بينهم وبين سائر الطوائف التي صيّرتهم إلى فرقتين متمايزتين ، وأكثرهم يرجع إلى مسألة القيادة والخلافة بعد الرسول الأكرم ، فنأخذ بالبحث عنها على وجه الإجمال :

    المسألة الأُولى : وجوب تنصيب الإمام على اللّه سبحانه

    اتّفقت الاُمّة الاسلامية على وجوب نصب الامام ، سوى العجاردة من الخوارج ، ومعهم حاتم الأصمّ أحد شيوخ المعتزلة ( 237 ) (1) فذهب المسلمون إلى وجوب نصب الإمام ، إمّا على اللّه سبحانه كما عليه الشيعة ، وإمّا على الاُمّة كما عليه غيرهم ، فوجوب نصب الامام لا خلاف فيه بين المسلمين ، وإنّما الكلام في تعيين من يجب عليه ذلك.
    و ليس المراد من وجوبه على اللّه سبحانه ، هو إصدار الحكم من العباد على اللّه سبحانه ، حتى يقال ( إنِ الحُكْمُ إلا لِلّهِ ) (2) بل المراد كما ذكرنا غير مرّة ، أنّ العقل

1 ـ ادّعت العجاردة بأنّ الواجب على الاُمّة التعاون والتعاضد لإحياء الحق وإماته الباطل ، ومع قيام الاُمّة بهذا الواجب لا يبقى للإمام فائدة تستدعي تسلّطه على العباد ، أمّا إذا اختلفت الاُمّة ولم تتعاون على نشر العدل واحقاق الحق فيجب عليها تعيين من يقوم بهذه المهمات ، وعلى ذلك فالإمامة لا تجب بالشرع ولا بالعقل ، وإنّما تجب للمصلحة أحياناً ، وقد تعرّفت على عقيدة الخوارج في الموضوع في الجزء الخامس من هذه الموسوعة.

2 ـ يوسف / 40.

حسب التعرّف على صفاته سبحانه ، من كونه حكيماً غير عابث ، يكشف عن كون مقتضى

الحكمة هو لزوم النصب أو عدمه ، وإلا فالعباد أقصر من أن يكونوا حاكمين على اللّه سبحانه.

    ثمّ إنّ اختلافهم في كون النصب فرضاً على اللّه أو على الاُمّة ، ينجم عن اختلافهم في حقيقة الخلافة والامامة عن رسول اللّه. فمن ينطر إلى الامام كرئيس دولة ليس له وظيفة إلا تأمين الطرق والسبل ، وتوفير الأرزاق ، واجراء الحدود ، والجهاد في سبيل أللّه ، إلى غير ذلك ممّا يقوم به رؤساء الدول بأشكالها المختلفة ، فقد قال بوجوب نصبه على الاُمّة ، إذ لا يشترط فيه من المواصفات إلا الكفاءة والمقدرة على تدبير الاُمور وهذا ما يمكن أن تقوم به الاُمّة الإسلامية ، وأمّا على القول بأنّ الإمامة استمرار لوظائف الرسالة ( لا لنفس الرسالة فانّ الرسالة والنبوّة مختومتان بالتحاق النبي الأكرم بالرفيق الأعلى ) فمن المعلوم إنّ تقلّد هذا المقام يتوقّف على توفّر صلاحيات عالية لا ينالها الفرد إلا إذا حظي بعناية إلهية خاصة فيخلف النبي في عمله بالاُصول والفروع ، وفي سد جميع الفراغات الحاصلة بموته ، ومن المعلوم أنّه لا تتعرّف عليه الاُمّة إلا عن طريق الرسول ، ولا يتوفّر وجوده إلا بتربية غيبيّة.
    فقد ظهر من ذلك أنّ كون القيادة الاسلامية بعد النبي بيد اللّه أو بيد الاُمّة ، أو انّ التعيين هل هو واجب عليه سبحانه أو عليهم ، ينجم عن الاختلاف في ماهية الخلافة.
    فمن جعلها سياسة زمنية وقتية يشغلها فرد من الاُمّة بأحد الطرق ، قال في حقه : « لا ينخلع الامام بنفسقه وظلمه بغصب الأموال وضرب الابشار ، وتناول النفوس المحرمة ، وتضييع الحقوق ، وتعطيل الحدود ، ولا يجب الخروج عليه ، بل يجب

وعظه و تخويفه ، وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي اللّه » (1).
    فمن قال : بأنّ الإمام بعد الرسول أشبه برئيس الدولة والوزراء ، تنتخبه الاُمّة الاسلامية ، قال في حقه : « ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة اُمورنا وإن جاروا ، ولا ندعوا عليهم ، ولا ننزع يداً من طاعتهم ، ونرى طاعتهم من طاعة اللّه فريضة ، ما لم يأمروا بمعصية ، وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة. والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين ، برّهم وفاجرهم ، إلى قيام الساعة ، ولا يبطلهما شيء ولا ينقضهما » (2).

    وقد درج على هذه الفكرة متكلّموا السنّة ومحدّثوهم ، حتى قال التفتازاني : « ولا ينعزل الامام بالفسق ، أو بالخروج عن طاعة اللّه تعالى ، والجور ( الظلم على عباد اللّه ) لأنّه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الأئمّة والاُمراء بعد الخلفاء الراشدين ، والسلف كانوا ينقادون لهم ، ويقيمون الجمع والأعياد بإذنهم ، ولا يرون الخروج عليهم ، ونقل عن كتب الشافعية : انّ القاضي ينعزل بالفسق بخلاف الامام ، والفرق انّ في انعزاله ووجوب نصب غيره اثارة الفتنة ، لما له من الشوكة ، بخلاف القاضي » (3).

    ومن فسّر الامامة بأنّها عبارة عن إمرة إلهية واستمرار لوظائف النبوّة كلّها سوى تحمّل الوحي الإلهي ، فلا مناص له عن القول : بوجوب نصبه على اللّه سبحانه.

1 ـ التمهيد للقاضي أبي بكر الباقلاني ( ت 403 ) : 181.

2 ـ العقيدة الطحاوية 379 ـ 387.

3 ـ شرح العقائد النسفية : وهي لأبي حفص عمرو بن محمّد النسفي ( ت 573 ) والشرح لسعد الدين التفتازاني ( ت 791 ) : 185 ـ 186 ، ولاحظ في هذا المجال مقالات الاسلاميين للأشعري : 323 ، واُصول الدين لمحمّد بن عبد الكريم البزدوي إمام الماتريدية : 190.

    وقد استدلّت الامامية على وجوب نصب الامام على اللّه سبحانه : بأنّ وجود الامام الذي اختاره اللّه سبحانه ، مقرّب من الطاعات ، ومبعد عن المعاصي ، وقد أوضحوه في كتبهم الكلامية. والمراد من اللطف المقرب هنا ما عرفت من أنّ رحلة النبي الأكرم تترك فراغات هائلة بين الاُمّة في مجالي العقيدة والشريعة ، كما تتكر جدالاً ونزاعاً عنيفاً بين الاُمّة في تعيين الامام. فالواجب على اللّه سبحانه من باب اللطف هو سدّ هذه الفراغات بنصب من هو صنو النبي الأكرم في عمله بالعقيدة والشريعة ، وفي العدالة والعصمة ، والتدبير والحنكة ، وحسم مادة النزاع المشتعل برحلة الرسول ، ولمّ شعث الاُمّة ، وجمعهم على خط واحد.
    والعجب انّ المعتزلة ممّن تقول : بوجوب اللطف والأصلح على اللّه سبحانه ، ولكنّهم لم يلتزموا بها في المقام ، مع العلم بأنّ المورد من جزئياته ، والذي منعهم عن الالتزام بالقاعدة في المقام بأنّهم لو قالوا بها في هذه المسألة لزمهم أن يقولوا بعدم صحة خلافة الخلفاء المتقدمين على عليّ ، لأنّ قاعدة اللطف تقتضي أن يكون الخليفة منصوصاً عليه من اللّه سبحانه.

    ثمّ إنّك تعرّفت على أنّ الرسول الأكرم بوحي من اللّه سبحانه ، قام بتطبيق القاعدة ، ونصب إماماً للاُمّة ، ليقود أمرهم ويسد جميع الفراغات الحاصلة بلحوقه بالرفيق الأعلى ، وبذلك حسم مادة النزاع ، وقطع الطريق على المشاغبين ، ولكنّه ـ وللأسف ـ تناست الاُمّة وصية الرسول وأمره ، فانقسموا إلى طوائف وأحزاب ، وقامت بينهم المعارك والحروب التي اُريقت فيها الدماء ، واستبيحت الأعراض ، وتبدّلت المفاهيم ، واختلفت القيم ، ومازال ولم تزل معاناة الاُمّة من هذا الانشقاق ، وأصبح التقريب فضلاً عن الوحدة أمراً متعسّراً على المفكرين ، نسأل اللّه سبحانه أن يسد تلك الفجوة العميقة بايقاظ شعور علماء الاُمّة ومصلحيهم في المستقبل.


    المسألة الثانية :

عصمة الإمام

    تفرّدت الامامية من بين الفرق الاسلامية بوجوب عصمة الامام من الذنب والخطأ ، مع اتّفاق غيرهم على عدمه.

    قال الشيخ المفيد : إنّ الأئمّة معصومون كعصمة الأنبياء ، ولا تجوز عليهم صغيرة إلا ما قدم ذكر جوازه على الأنبياء ، ولا ينسون شيئاً من الأحكام ، ولا يدخل في مفهوم العصمة سلب القدرة عن المعاصي ، ولا كون المعصوم مضطراً إلى فعل الطاعات ، فإنّ ذلك يستدعي بطلان الثواب والعقاب ، هذه هي عقيدة الامامية في الامامة ، وقد استدلّوا عليه بوجوه من العقل والسمع. أمّا العقل فقالوا : إنّ الامام منفذ لما جاء به الرسول ، وحافظ للشرع ، وقائم بمهام الرسول كلّها ، فلو جاز عليه الخطأ والكذب ، لا يحصل الغرض من إمامته.

    المسألة الثالثة :

الإمام المنتظر

    إنّ الاعتقاد بالامام المهدي المنتظر عقيدة مشتركة بين جميع المسلمين ، إلا من أصمّه اللّه ، فكل من كان له إلمام بالحديث يقف على تواتر البشارة عن النبي وآله وأصحابه ، بظهور المهدي في آخر الزمان لازالة الجهل والظلم ، ونشر اعلام العلم والعدل ، واعلاء كلمة الحق واظهار الدين كلّه ، ولو كره المشركون ، وهو باذن اللّه ينجي العالم من ذُلِّ العبودية لغير اللّه ، ويبطل القوانين الكافرة التي سنّتها الأهواء ، ويقطع أوامر التعصبات القومية والعنصرية ، ويميت أسباب العداء والبغضاء التي سارت سبباً لاختلاف الاُمّة واضظراب الكلمة ، واشتعال نيران الفتن والمنازعات ، ويحقق اللّه بظهوره وعده الذي وعد به المؤمنين بقوله :
    ( وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكَّنّنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ اَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَاُلئِكَ هُمُ الفَاسِقُون ) (1).

    وقال سبحانه : ( وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ) (2) هذا ما اتّفق عليه المسلمون في الصدر الأوّل والأزمنة اللاحقة ، وقد تضافر مضمون قول الرسول الأكرم : « لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد ، لطوّل اللّه ذلك اليوم حتى يخرج رجل من ولدي ، فيملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجورا ».
    ولو وجد هناك خلاف بين أكثر السنّة والشيعة ، فالاختلاف في ولادته ، فانّ الأكثرية من أهل السنّة يقولون بأنّه سيولد في آخر الزمان ، والشيعة بفضل هذه الروايات ، تذهب إلى أنّه ولد في « سرّمن رأى » عام 255 ، وغاب بأمر اللّه سبحانه سنة وفاة والده ، عام 260 ، وهو يحيى حياة طبيعية كسائر الناس ، غير أنّ الناس يرونه ولا يعرفونه ، وسوف يظهره اللّه سبحانه ليحقق عدله.

 
    و هذا المقدار من الاختلاف لا يجعل العقيدة بالمهدي عقيدة خلافية ، ومن أراد أن يقف على عقيدة السنّة والشيعة في مسألة المهدي فعليه أن يرجع إلى الكتب التالية لمحقّقي السنّة ومحدّيثهم :

    1 ـ « صفة المهدي » للحافظ أبي نعيم الاصفهاني.

    2 ـ « البيان في أخبار صاحب الزمان » للكنجي الشافعي.

    3 ـ « البرهان في علامات مهدي آخر الزمان » لملّا علي المتقي.

    4 ـ « العرف الوردي في أخبار المهدي » للحافظ السيوطي.

1 ـ النور / 55.

2 ـ الأنبياء / 105.

    5 ـ « القول المختصر في علامات المهدي المنتظر » لابن حجر.
    6 ـ « عقد الدرر في أخبار الامام المنتظر » للشيخ جمال الدين الدمشقي.
    ومن أراد التفصيل فليرجع إلى « منتخب الأثر في الامام الثاني عشر » للعلّامة الصافي ـ دام ظلّه ـ.


    ولم ير أحد الضعف في أخبار الامام المهدي ، إلا ابن خلدون في مقدّمته ، وقد فنّد مقالته محمّد صديق برسالة أسماها « إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون » وقد كتب أخيراً الدكتور عبد الباقي كتاباً قيّماً في الموضوع أسماه « بين يدي الساعة » فيقول في تضافر الأخبار الواردة في حق المهدي :


    « إنّ المشكلة ليست في حديث أو حديثين أو راو أو راويين ، انّها مجموعة من الأحاديث والأخبار تبلغ الثمانين تقريباً ، اجتمع على تناقلها مئات الرواة ، وأكثر من صاحب كتاب صحيح.

    فلماذا نرد كل هذه الكمّية ؟ أكلّها فاسدة ؟ لو صحّ هذا الحكم لانهار الدين ـ والعياذ باللّه ـ تنيجة تطرق الشك والظن الفاسد إلى ما عداها من سنّة رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ).

    ثمّ إنّي لا أجد خلافاً حول ظهور المهدي ، أو حول حاجة العالم إليه ، وانّما الخلاف حول من هو ، حسني أو حسيني ؟ سيكون في آخر الزمان ، أو موجود الآن ، خفي وسيظهر ؟ ظهر أو سيظهر ؟ ولا عبرة بالمدّعين الكاذبين ، فليس لهم اعتبار.
    ثمّ إنّي لا أجد مناقشة موضوعية في متن الأحاديث ، والذي أجده ، إنّما هو مناقشة وخلاف حول السند ، واتّصاله وعدم اتّصاله ، ودرجة رواته ، ومن خرّجوه ، ومن قالوا فيه.
    و إذا نظرنا إلى ظهور المهدي ، نظرة مجرّدة ، فإنّنا لا نجد حرجاً من قبولها و تصديقها ، أو على الأقل عدم رفضها. فإذا ما تؤيّد ذلك بالأدلّة الكثيرة ، والأحاديث المتعددة ، ورواتها مسلمون مؤتمنون ، والكتب التي نقلتها إلينا كتب قيمة ، والترمذي من رجال التخريج والحكم ، بالاضافة إلى أنّ أحاديث المهدي لها ، ما يصح أن يكون سنداً لها في البخاري ومسلم ، كحديث جابر في مسلم الذي فيه : « فيقول أميرهم ( أي لعيسى ) : تعال صلّ بنا » (1) ، وحديث أبي هريرة في البخاري ، وفيه : « كيف بكم إذا نزل فيكم المسيح ابن مريم وأمامكم منكم » (2) ، فلا مانع من أن يكون هذا الأمير ، وهذا الامام هو المهدي.
    يضاف إلى هذا انّ كثيراً من السلف رضي اللّه عنهم ، لم يعارضوا هذا القول ، بل حاءت شروحهم وتقريراتهم موافقة لاثبات هذه العقيدة عند المسلمين » (3).

1 ـ صحيح مسلم 1 ( باب نزول عيسى ) 59.

2 ـ صحيح البخاري 14 / 334.

3 ـ بين يدي الساعة للدكتور عبد الباقي 123 ـ 125.

 

    المسألة الرابعة :

القول بالبداء

    إنّ من العقائد الثابتة عند الشيعة الامامية ، هو القول بالبداء ، ومن الكلمات الدارجة بين علمائهم انّ النسخ والبداء صنوان ، غير أنّ الأوّل في التشريع والثاني في التكوين ، وقد اشتهرت بالقول به.

حقيقة البداء هو انّه سبحانه ( على خلاف ما اعتقده اليهود والنصارى في حقّه من فراغه عن أمر الخلق والتدبير ، والاحياء والاماتة ، والتوسيع والتقدير في الرزق ، والتعمير والتنقيص إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى الكون والإنسان ) هو القائم دائماً بالأمر ، والتدبير ، وهو القيوم على كل شيء ، وكل يوم في شأن وليست يداه مغلولتان ، بل يداه مبسوطتان ( في كل شيء ) يمحو ويثبت حسب مشيئته الحكيمة وارادته النافذة فهو المتجلّي في كل زمان بأسمائه الحسنى وصفاته العليا كالخالقية والرازقية والاحياء والاماتة إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى.

    ومن شعب هذا الأمر ، هو أنّه سبحانه : يزيد في الرزق والعمر وينقص منهما ، وينزل الرحمة والبركة ، كما ينزل البلاء والنقمة ، حسب مشيئته الحكيمة ، النافذة ، ولا تصدر عنه الاُمور جزافاً واعتباطاً بل حسب ما تقتضيها حال العباد من حسن الأفعال وقبحها وصالح الأعمال وطالحها. فربّما يكون الإنسان مكتوباً في الأشقياء ، ثمّ يُمحى فيكتب من السعداء أو على العكس بسبب ما يقوم به من أعمال.

    وبالجملة : فالبداء في عالم الثبوت يضاد مزعمة اليهود والنصارى المشار إليها في قوله سبحانه : ( وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثيراً مِنْهُم مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً ) (1) ، وقد رد سبحانه تلك العقيدة اليهودية الباطلة في هذه الآية كما هو واضح.
    ولأجل أنّ يديه سبحانه مبسوطتان ، يزيد في الخلق ما يشاء ، وفي العمر ، وينقص منه ، حسب مشيئته الحكيمة قال سبحانه : ( الحَمْدُ لِلّهِ فَاطِرِ السَّماواتِ والأَرْضِ ... يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلٍّ شَيء قَدِيرٌ ) (2) وقال سبحانه : ( وَمَا تُحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إلاّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمِّرُ مِن مُعَمِّر وَ لا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتاب إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ ) (3).
    وبناء على ذلك فالبداء بهذا المعنى ، ممّا يشترك فيه كل المسلمين ، على مذاهبهم المختلفة من دون اختصاص بالشيعة ، فليس أحد من المسلمين ينكر أنّه سبحانه كل يوم هو في شأن ، وانّه جلّ وعلا. يبدئ ويعيد ، ويحيي ويميت ، كما أنّه سبحانه يزيد في الرزق والعمر وينقص إلى غير ذلك حسب المشيئة الحكيمة والمصالح الكامنة في أفعاله.
    وكما أنّه سبحانه : يداه مبسوطتان ، كذلك العبد مختار ، في أفعاله لا مسيّر ، وحر في تصرفاته (4) لا مجبور ، له أن يغيّر مصيره ومقدّره بحسن فعله ، وجودة عمله ،

1 ـ المائدة / 64.

2 ـ فاطر / 1.

3 ـ فاطر / 11.

4 ـ لا يخفى أنّ المقصود من أفعال الإنسان التي نثبت اختياره فيها هي الأفعال التي تتعلق بها التكاليف لا الأفعال القهرية التي تصدر من جهازه الهضمي مثلا.

 

ويخرج اسمه من الأشقياء ، ويدخله في السعداء ، كما أنّ له أن يخرج اسمه من السعداء ويدخله في الأشقياء بسوء عمله.

    فاللّه سبحانه كما يمحو ويثبت في التكوين ، فيحيي ويميت ، كذلك يمحو مصير العبد ، ويغيّره حسب ما يغيّر العبد بنفسه ( فعله وعمله ) لقوله سبحانه : ( إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْم حتّى يُغَيِّروا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) (1) ، كل ذلك لأجل أنّ يديه مبسوطتان وأنّ العبد حرّ مختار ، قادر على تغيير القضاء ، وتبديل القدر ، بحسن فعله أو سوئه ، كما دلّت عليه الآيات والروايات.
    وليس في ذلك أي محذور ولا مخالفة للعقل ولا الكتاب والسنّة بل تغيير القضاء بحسن الفعل وتغيير القدر بسوئه ، هو أيضا من قدره وقضائه وسننه التي لا تبديل لها ولا تغيير ، فاللّه سبحانه إذا قدّر لعبده شيئاً وقضى له بأمر ، فلم يقدره ولم يقضه به على وجه القطع والبت ، بحيث لا يتغيّر ولا يتبدّل ، بل قضى به على وجه خاص وهو أنّ القضاء والقدر يجري عليه ، ما لم يغيّر العبد حاله ، فإذا غيّر حاله بحسن فعله أو سوئه ، يتغيّر القضاء ويتبدّل القدر ويخلف قضاء وقدر آخر مكانهما الأوّل ، وكل هذه أيضاً قضاء وقدر منه ، كما لا يخفى.

1 ـ الرعد / 11.

 

    المسألة الخامسة :

التقيّة

    التقية من المفاهيم القرآنية التي وردت في أكثر من موضع في القرآن الكريم ، وفي تلك الآيات إشارات واضحة إلى الموارد التي يلجأ فيها المؤمن إلى استخدام هذا المسلك الشرعي خلال حياته أثناء الظروف العصيبة ، ليصون بها نفسه وعرضه وماله ، أو نفس من يمتّ إليه بصلة وعرضَه ومالَه ، كما استعملها مؤمن آل فرعون لصيانة الكليم عن القتل والتنكيل ولاذبها عمّار عندما أُخذ وأُسِر وهُدِّد بالقتل إلى غير ذلك من الموارد الواردة في الكتاب والسنّة .

 

    قال سبحانه : ( مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِن مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرَاً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) النحل / 106.

 

قال سبحانه : ( لا يَتَّخِذِ الْمُؤمِنُونَ الْكَافِرينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤمِنينَ وَ مَن يَفْعَل ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيءِ اِلاّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلى اللّهِ الْمَصيرُ ) آل عمران / 28.

 

 

    ( وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّىَ اللّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقَاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) غافر / 28.

 

    إذا التقية هي اتخاذ الوقاية من الشرِّ ، فمفهومها في الكتاب والسنّة هو : إظهار الكفر وإبطال الإيمان ، أو التظاهر بالباطل وإخفاء الحق. وإذا كان هذا مفهومها ، فهي تُقابل النفاق ، تَقابُل الإيمان والكفر ، فإنّ النفاق ضدها وخلافها ، فهو عبارة عن إظهار الإيمان وابطان الكفر ، والتظاهر بالحقّ واخفاء الباطل ، ومع وجود هذا التباين بينهما فلا يصحّ عدها من فروع النفاق.

 

 

    المسألة السادسة :

الرجعة

    إنّ فكرة الرجعة التي تحدّثت عنها بعض الآيات القرآنية والأحاديث المرويّة عن أهل بيت الرسالة ممّا يشنّع بها على الشيعة ، فكأنّ من قال بها ، رأى رأياً يوجب الخروج عن الدين ، غير أنّ هؤلاء نسوا أو تناسوا انّ أوّل من أبدى نظرية الرجعة هو الخليفة عمر بن الخطاب فقد أعلن عندما شاعت رحلة النبيّ الأكرم بأنّه ما مات وليعودنّ فيقطعنّ أيدي وأرجل أقوام ...
    عن أبي هريرة قال : لمّا توفّي رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) قام عمر بن الخطاب ، فقال : إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون انّ رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) توفّي ، وانّ رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) واللّه ما مات ، ولكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران ، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ، ثمّ رجع إليهم بعد أن قيل قد مات ، واللّه ليرجعنّ رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) كما رجع موسى ، فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم زعموا انّ رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) مات (1).

    ولا يخفى أنّ كلام الخليفة لو كان كلاماً حقيقياً لابد أن يحمل على أنّ النبي ما مات موتاً لا رجوع فيه وإنّما يرجع فيقوم بما أخبر عنه الخليفة ، ولو أراد من نفي موته أنّه ما زال حياً فهو خلاف رأي جميع الصحابة الذين اتفقوا على موته ، ولم يكن موت النبي أمراً يدركه جميع الناس ولا يدركه الخليفة.


    إنّ الرجعة بمعنى عود جماعة قليلة إلى الحياة الدنيويه قبل يوم القيامة ثمّ موتهم وحشرهم مجدّداً يوم القيامة ليس شيئاً يضاد اُصول الإسلام ، وليس فيه انكار لأيّ حكم ضروري ، وليس القول برجعتهم إلى الدنيا ينفي بعثهم يوم القيامة ، وكيف لا يكون كذلك وقد أخبر سبحانه عن رجوع جماعة إلى الحياة الدنيوية ، نظير :

    1 ـ إحياء جماعة من بني إسرائيل (2).

    2 ـ إحياء قتيل بني إسرائيل (3).

    3 ـ موت اُلوف من الناس وبعثهم من جديد (4).

    4 ـ بعث عزير بعد مائة عام من موته (5).

    5 ـ إحياء الموتى على يد عيسى ( عليه السلام ) (6).

 
    فلو كان الاعتقاد برجوع بعض الناس إلى الدنيا قبل القيامة أمراً محالاً ، فما معنى هذه الآيات الصريحة في رجوع جماعة إليها ؟

1 ـ السيرة النبوية لابن هشام 4 / 305.

2 ـ البقرة / 55 ـ 56.

3 ـ البقرة / 72 ـ 73.

4 ـ البقرة / 243.

5 ـ البقرة / 259.

6 ـ آل عمران / 49.

 

    ولو كان الرجوع إلى الدنيا على وجه الاطلاق تناسخاً فكيف تفسّر هذه الآيات ؟
    إنّ الاعتقاد بالذكر الحكيم يجرّنا إلى القول بأنّه ليس كل رجوع إلى الدنيا تناسخاً وانّما التناسخ الباطل عبارة عن رجوع الانسان إلى الدنيا عن طريق النطفة والمرور بمراحل التكوّن البشري من جديد ليصير انساناً مرّة اُخرى وأين هذا من الرجعة وعود الروح إلى البدن الكامل من جميع الجهات من دون أن يكون فيها رجوع من القوّة إلى الفعلية ، أو دخول روح في بدن آخر ، إنساناً كان أو حيوانا ؟!


    اتّفقت الشيعة على بطلان التناسخ وامتناعه وقد كتبوا فيه مقالات ورسائل يقف عليها من كان له إلمام بكتبهم وعقائدهم ، وقد ذكروا أنّ للتناسخ أنواعاً وأقساماً ، غير انّ الرجوع إلى الدنيا من خلال دخول الروح إلى البدن الذي فارقه عند الموت لا يعد تناسخا ، وانّما هو إحياء للموتى ، الذي كان معجزة من معاجز المسيح.

 
    كل ذلك يدل على أنّه ليس أمام القول بالرجعة عراقيل وموانع وانّما هو أمر ممكن لو دلّ عليه الدليل القطعي نأخذ به وإلاّ فنذره في سنبله ، والحال انّ بعض الآيات والروايات تدل على أنّه سيتحقّق الرجوع إلى هذه الدنيا قبل يوم القيامة لبعض الناس على وجه الاجمال ، وأمّا من هم ؟. وفي أي وقت يرجعون ؟. ولأيّ غرض يعودون إلى الدنيا ؟ فليس هنا مقام بيانها ، انّما نكتفي ببيان بعض الآيات الدالّة على وقوعه قبل البعث ، وإليك الآيات.
    قال سبحانه :


( وإذا وَقَعَ القَولُ عَلَيهِمْ أخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنونَ * وَيَومَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ اُمَّة فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ ) (1).

    لا يشك من أمعن النظر في سياق الآيات وما ذكره المفسّرون حولها ، في أنّ الآية الاُولى تتعلّق بالحوادث التي تقع قبل يوم القيامة ، وعليه تكون الآية الثانية مكمّلة لها ، وتدل على حشر فوج من كل جماعة قبل يوم القيامة ، والحال أنّ الحشر في يوم القيامة يتعلّق بالجميع لا بالبعض ، يقول سبحانه ( وَيَومَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أحدا ) (2).


    أفبعد هذا التصريح يمكن تفسير الآية السابقة بيوم البعث والقيامة ؟
    وهذه الآية تعرب عن الرجعة التي تعتقد بها الشيعة في حقّ جماعة خاصّة وأمّا خصوصياتها فلم يحدّث عنها القرآن الكريم وجاء التفصيل في السنّة.
    وقد سأل المأمون العباسي الامام الرضا ( عليه السلام ) عن الرجعة ، فأجابه بقوله : إنّها حقّ قد كانت في الاُمم السالفة ونطق بها القرآن وقد قال رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) : يكون في هذه الاُمّة كل ما كان في الاُمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة (3).
    وأمّا من هم الراجعون ؟ وما هو الهدف من إحيائهم ؟ فيرجع فيه إلى الكتب المؤلّفة في هذا الموضوع ، واجمال الجواب عن الأوّل أن الراجعين لفيف من المؤمنين ولفيف من الظالمين.

 
    وقال المفيد ناقلاً عن أئمّة أهل البيت : إنّما يرجع إلى الدنيا عند قيام القائم ، من محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً ، وأمّا ما سوى هذين فلا رجوع

1 ـ النمل / 82 ـ 83.

 
2 ـ الكهف / 47.

3 ـ بحارالأنوار 53 / 59 الحديث 45.

لهم إلى يوم المآب (1).


    وقال أيضاً في المسائل السروية : والرجعة عندنا تختص بمن محض الإيمان ، ومحض الكفر دون ما سوى هذين الفريقين (2).


    وإجمال الجواب عن الثاني ما ذكره السيّد المرتضى ، قال : إنّ اللّه تعالى يعيد عند ظهور المهدي ـ عجل اللّه تعالى فرجه الشريف ـ قوماً ممّن كان تقدّم موته من شيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ومشاهدة دولته ويعيد أيضاً قوماً من أعدائه لينتقم منهم.

    ذكر نكات :

    1 ـ إنّ الرجعة وإن كانت من مسلّمات عقائد الشيعة ، ولكنّ التشيّع ليس منوطاً بالاعتقاد بها فمن أنكرها فقد أنكر عقيدة مسلّمة ، بين أكثر الشيعة ، ولكن لم ينكر ركناً من أركان التشيّع ، ولأجل ذلك نرى انّ جماعة من الشيعة أوّلوا الأخبار الواردة في الرجعة إلى رجوع الدولة إلى شيعتهم وأخذهم بمجاري الاُمور دون رجوع أعيان الأشخاص ، والباعث لهم على هذا التأويل هو عجزهم عن تصحيح القول بها نظراً واستدلالا ، ولكن المحقّقين من الامامية ، أخذوا بظواهرها وبيّنوا عدم لزوم استحالة عقلية على القول بها لعموم قدرة اللّه على كل مقدور ، أجابوا عن الشبه الواردة عليها ، وإلى هذا الاختلاف يشير الشيخ المفيد بقوله : واتّفقت الإمامية على رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة وإن كان بينهم في معنى الرجعة اختلاف.

1 ـ الشيخ المفيد : تصحيح الاعتقاد 40.

2 ـ الشيخ المفيد : تصحيح الاعتقاد 40.

 

    ويشير إلى الاختلاف ، تلميذه الجليل الشريف المرتضى في المسائل التي وردت عليه من الرىّ ومنها حقيقة الرجعة ، فأجاب بأنّ الذي تذهب إليه الشيعة الإمامية بأنّ اللّه تعالى يعيد عند ظهور المهدي قوماً ممّن كان تقدّم موته من شيعته ، وقوماً من أعدائه ، وانّ من الشيعة ، تأوّلوا الرجعة على أنّ معناها رجوع الدولة والأمر والنهي إلى شيعتهم ، من دون رجوع الأشخاص واحياء الأموات (1).


    2 ـ كيف يجتمع اعادة الظالمين مع قوله سبحانه : ( وحَرامٌ عَلى قَرْيَة أهْلَكْناها أنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) (2) فإنّ هذه الآية تنفي رجوعهم بتاتاً ، وحشر لفيف من الظالمين ، يخالفها.
    والاجابة عن السؤال واضحة ، فإنّ الآية مختصّة بالظالمين الذين اُهلكوا في هذه الدنيا ورأوا جزاء عملهم فيها ، فالآية تحكم بأنّهم لا يرجعون ، وأمّا الظالمون الذين رحلوا عن الدنيا بلا مؤاخذة فيرجع لفيف منهم ليروا جزاء عملهم فيها ثمّ يردّون إلى أشدّ العذاب في الآخرة ، فالآية تنفي رجوع لفيف من الظالمين الذين ماتوا حتف الأنف.
    3 ـ إنّ الظاهر من قوله تعالى : ( حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّى أعْمَلَ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إنّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلها ومِن ورائِهمْ بَرْزَخٌ اِلى يَومِ يُبْعَثُونَ ) (3) هو نفي الرجوع إلى الدنيا بعد مجيئ الموت لأي أحد.

    والاجابة عنها واضحة. انّ الآية كسائر السنن الإلهية الواردة في حقّ الإنسان ، فهي تفيد أنّ الموت بطبعه ليس بعده رجوع وهذا لا ينافي رجوع البعض

1 ـ بحارالانوار 53 / 138.

2 ـ الأنبياء / 95.

3 ـ المؤمنون / 100 ـ 101.

 

استثناءً ولمصالح عليا ، كما مرّت الآيات الواردة في هذا المضمار.

    أضف إلى ذلك أنّ عود بعض الظالمين إلى الدنيا ـ على القول بالرجعة ـ إنّما هو لأجل عقابهم والانتقام منهم ، وأين هذا من طلب هؤلاء الكفار الرجوع لأجل تصحيح عملهم والقيام بما تركوه من الصالحات ، وردّ هذا الفرع من الرجوع لا يكون دليلا على نفي النوع الأوّل منه.

 

المسألة السابعة :

زواج المتعة

    وممّا يشنّع به على الشيعة : قولهم بجواز نكاح المتعة ، ويعدّون القول بتشريعه أو بعدم نسخه مخالفاً للكتاب والسنّة. والمسألة فرعية فقهية لا يناسب البحث عنها في كتب تاريخ العقائد ، غير انّه لما كانت من شعائر فقه الشيعة ، آثرنا أن نبحث عنها في اطار الكتاب والسنّة على وجه الاجمال حتّى يقف القارئ على أنّ القول بأصل تشريعها وعدم نسخها ، ممّا يثبته الكتاب والسنّة. وانّ القول بعدم تشريعها بتاتاً أو ادّعاء نسخها يضادّهما. وسيوافيك انّ لفيفاً من الصحابة والتابعين كانوا يفتون بجوازها وعدم نسخها وانّما منع عنها عمر بن الخطاب لحافز نفسي أو اجتهاد شخصي لا دليل عليه وليس حجّة على الآخرين.
وقد أبدى بنظيره في متعة الحج في زمن رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) (1).

1 ـ لاحظ الفصل الرابع من هذا الجزء ، المورد الثالث من الموارد التي اجتهدوا فيها مقابل النص.

 

    وأمّا زواج المتعة : وهي عبارة عن تزويج المرأة الحرّة الكاملة إذا لم يكن بينها وبين الزوج مانع من نسب أو سبب أو رضاع أو احصان أو عدّة أو غير ذلك من الموانع الشرعية ، بمهر مسمّى إلى أجل مسمّى بالرضا والاتّفاق ، فإذا انتهى الأجل تبين منه من غير طلاق. ويجب عليها مع الدخول بها إذا لم تكن يائسة أن تعتد عدّة الطلاق إذا كانت ممّن تحيض وإلاّ فبخمسة وأربعين يوما (1).

 
    وولد المتعة ذكراً كان أو اُنثى يلحق بالأب ولا يُدعى إلاّ به ، وله من الارث ما أوصانا اللّه سبحانه به في كتابه العزيز. كما يرث من الاُم وتشمله جمع العمومات الواردة في الآباء والأبناء والاُمّهات وكذا العمومات الوارده في الاخوة والأخوات والأعمام والعمّات.
    وبالجملة : المتمتّع بها زوجة حقيقة وولدها ولد حقيقة ولا فرق بين الزواجين : الدائم والمنقطع إلاّ انّه لا توارث هنا ما بين الزوجين ولا قسم ولا نفقة لها. كما انّ له العزل عنها وهذه الفوارق الجزئية فوارق في الاحكام لا في الماهية والماهية واحدة غير انّ أحدهما مؤقت والآخر دائم. وانّ الأوّل ينتهي بانتهاء الوقت والآخر ينتهي بالطلاق أو الفسخ.
    وقد أجمع أهل القبلة على انّه سبحانه شرّع هذا النكاح في صدر الإسلام ولا يشك أحد في أصل مشروعيّته وانّما وقع الكلام في نسخه أو بقاء مشروعيته.
    والأصل في مشروعيته قوله سبحانه : ( وحلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أصْلابِكُمْ وأنْ تَجْمَعُوا بينَ الاُختَينِ إلاّ ما قَدْ سَلَفَ إنَّ اللّه كانَ غَفُوراً رَحيماً * والُمحصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ كِتابَ اللّهِ عَلَيكُمْ وَ اُحِلَّ لَكُمْ

1 ـ لاحظ الكتب الفقهية للشيعة الامامية في ذلك المجال.

 

ماوَراءَ ذلِكُمْ أنْ تَبْتَغُوا بِأموالِكُمْ مُحصِنِينَ غَيرَ مُسافِحينَ فَما اسْتَمتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ اُجُورَهُنَّ فريضةً ولا جُناحَ عَلَيْكُمْ فيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعدِ الفَريضَةِ إنَّ اللّهَ كانَ عَليماً حَكيما ) (1).
    والآية ناظرة إلى نكاح المتعة وذلك لوجوه :

 
    1 ـ الحمل على النكاح الدائم يستلزم التكرار بلا وجه :

    إنّ هذه السورة ـ سورة النساء ـ تكفّلت ببيان أكثر ما يرجع إلى النساء من الأحكام والحقوق ، فذكرت جميع أقسام النكاح في أوائل السورة على نظام خاص ، أمّا الدائم فقد أشار إليه سبحانه بقوله : ( وإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا فِى اليَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثَلاثَ ورُباعَ وإنْ خِفْتُمْ ألاّ تَعدِلُوا فَواحِدَةً ... ) (2).

    وأمّا أحكام المهر فقد جاءت في الآية التالية : ( وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيء مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنيئاً مَريئا ) (3).

    وأمّا نكاح الاماء فقد جاء في قوله سبحانه : ( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أنْ يَنْكِحَ الُمحْصَناتِ المُؤمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ واللّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْض فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وَاَتُوهُنَّ اُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحات ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ ... ) (4).

1 ـ النساء / 23 ـ 24.

2 ـ النساء / 3.

3 ـ النساء / 4.

4 ـ النساء / 25.

    فقوله سبحانه : ( فمن ما ملكت أيمانكم ) إشارة إلى نكاح السيّد لأمته ، الذي جاء في قوله سبحانه أيضاً : ( إلاّ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ ... ) (1).
    وقوله سبحانه : ( فَانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ ) إشارة إلى الزواج من أمة الغير. فالى هنا تم بيان جميع أقسام النكاح فلم يبق إلاّ نكاح المتعة وهو الذي جاء في الآية السابقة ، وحمل قوله سبحانه : ( فما استمتعتم ) على الزواج الدائم وحمل قوله : ( فآتوهنّ اُجورهنّ ) على المهور والصدقات يوجب التكرار بلا وجه ، وحمله على وجوب الصداق كله بالدخول ، خلاف المتبادر على أنّه يجب الكل بالعقد والطلاق قبله منصِّف. فالناظر في السورة يرى انّ آياتها تكفّلت ببيان أقسام الزواج على نظام خاص ولا يتحقّق ذلك إلاّ بحمل الآية على نكاح المتعة كما هو ظاهرها أيضاً.

 
    2 ـ تعليق دفع الاُجرة على الاستمتاع :

    إنّ تعليق دفع الاُجرة على الاستمتاع في قوله سبحانه : ( فما استمتعتم به منهنّ فآتوهنّ اُجورهنَّ ) يناسب نكاح المتعة الذي هو زواج مؤقّت لا النكاح الدائم ، فإنّ المهر هنا يجب بمجرّد العقد ولا يتنجّز وجوب دفع الكل إلاّ بالمس.

 
    3 ـ تصريح جماعة من الصحابة على شأن نزولها :

    ذكرت اُمّة كبيرة من أهل الحديث نزولها فيها وينتهي نقل هؤلاء إلى أمثال ابن عباس وأبي بن كعب وعبداللّه بن مسعود وجابر بن عبداللّه الأنصاري

1 ـ المؤمنون / 6.

 

وحبيب بن أبي ثابت وسعيد بن جبير إلى غير ذلك من رجال الحديث الذين لا يمكن اتهامهم بالوضع والجعل.

    وقد ذكر نزولها من المفسّرين والمحدّثين : امام الحنابلة في مسنده (1) وأبو جعفر الطبري في تفسيره (2) وأبوبكر الجصّاص الحنفي في أحكام القرآن (3) وأبوبكر البيهقي في السنن الكبرى (4) ومحمود بن عمر الزمخشري في الكشاف (5) وأبوبكر بن سعدون القرطبي في تفسير جامع أحكام القرآن (6) وفخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب (7) ، إلى غير ذلك من المحدّثين والمفسّرين الذين جاءوا بعد ذلك إلى عصرنا هذا ولا نطيل الكلام بذكرهم.
    وليس لأحد أن يتّهم هؤلاء الأعلام بذكر ما لا يثقون به. فبملاحظة هذه القرائن لا يكاد يشكّ في ورودها في نكاح المتعة.

    ونزيد بياناً بقوله سبحانه : ( واُحِلَّ لَكُمْ ماوَراءَ ذلِكُمْ أنْ تَبْتَغُوا بَأمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غيرَ مُسافِحين ).

    إنّ قوله سبحانه : ( أن تبتغوا ) مفعول له لفعل مقدّر ، أي بيّن لكم ما يحلّ ممّا يحرم لأجل أن تبتغوا بأموالكم ، وأمّا مفعول قوله : ( تبتغوا ) فيعلم من القرينة وهو النساء أي تطلبوا النساء ، أي بيّن الحلال والحرام لغاية ابتغائكم النساء من طريق الحلال لا الحرام.

1 ـ مسند أحمد 4 / 436.

2 ـ تفسير الطبري 5 / 9.

3 ـ أحكام القرآن 2 / 178.

4 ـ السنن الكبرى 7 / 205.

5 ـ الكشاف 1 / 360.

6 ـ جامع أحكام القرآن 5 / 13.

7 ـ مفاتيح الغيب 3 / 267.


    وقوله سبحانه : ( محصنين ) وهو من الاحصان بمعنى العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام ، وقوله سبحانه : ( غير مسافحين ) هو جمع مسافح بمعنى الزاني مأخوذ من السفح بمعنى صبّ السائل ، والمراد هنا هو الزاني بشهادة قوله سبحانه في الآية المتأخّرة في نكاح الإماء ( وآتوهنّ اُجورهنّ بالمعروف محصنات غير مسافحات ) أي عفائف غير زانيات.

    ومعنى الآية : انّ اللّه تبارك وتعالى شرّع لكم نكاح ماوراء المحرّمات لأجل أن تبتغوا بأموالكم ما يحصنكم ويصون عفّتكم ويصدّكم عن الزنا. وهذا المناط موجود في جميع الأقسام : النكاح الدائم ، والمؤقت والزواج بأمة الغير ، المذكورة في هذه السورة من أوّلها إلى الآية 25.
    هذا هو الذي يفهمه كلّ إنسان من ظواهر الآيات غير انّ من لا يروقه الأخذ بظاهر الآية( فما استمتعتم به منهنّ فآتوهنّ اُجورهنّ ) لرواسب نفسية أو بيئية حاول أن يطبّق معنى الآية على العقد الدائم وذكر في المورد شبهات نشير إليها.
    الشبهة الاُولى : إنّ الهدف في تشريع النكاح هو تكوين الاُسرة وإيجاد النسل وهو يختصّ بالنكاح الدائم دون المنقطع الذي لا يترتّب عليه إلاّ إرضاء القوّة الشهوية وصبّ الماء وسفحه.
    يجاب عنها بأنّه خلط بين الموضوع والفائدة المترتّبة عليه. وما ذكر انّما هو من قبيل الحكمة ، وليس الحكم دائراً مدارها ، ضرورة أنّ النكاح صحيح وإن لم يكن هناك ذلك الغرض. كزواج العقيم واليائسة والصغيرة. بل أغلب المتزوّجين في سن الشباب بالزواج الدائم لا يقصدون إلاّ قضاء الوطر واستيفاء الشهوة من طريقها المشروع ، ولا يخطر ببالهم طلب النسل أصلا وإن حصل لهم قهراً ، ولا يقدح ذلك في صحّة زواجهم.

    ومن العجب حصر فائدة المتعة في قضاء الوطر مع انّها كالدائم قد يقصد منها النسل والخدمة وتدبير المنزل وتربية الأولاد والارضاع والحضانة.
    ونسأل المانعين الذين يتلقّون نكاح المتعة ، مخالفاً للحكمة التي من أجلها شرّع النكاح ، نسألهم عن الزوجين الذين يتزوّجان نكاح دوام ، ولكن ينويان الفراق بالطلاق بعد شهرين فهل هذا نكاح صحيح أو لا ؟ لا أظن أنّ فقيهاً من فقهاء الإسلام يمنع ذلك ، وإلاّ فقد أفتى بغير دليل ولا برهان فيتعيّن الأوّل. فأي فرق يكون حينئذ بين المتعة وهذا النكاح الدائم سوى انّ المدّة مذكورة في الأول دون الثاني ؟

 
    يقول صاحب المنار : إنّ تشديد علماء السلف والخلف في منع المتعة يقتضي منع النكاح بنيّة الطلاق ، وإن كان الفقهاء يقولون انّ عقد النكاح يكون صحيحاً إذا نوى الزوج التوقيت ، ولم يشترطه في صيغة العقد ، ولكن كتمانه إيّاه يعدّ خداعاً وغشّاً وهو أجدر بالبطلان من العقد الذي يشترط فيه التوقيت (1).


    أقول : نحن نفترض انّ الزوجين رضيا بالتوقيت لبّاً ، حتّى لا يكون هناك خداع وغشّ ، فهو صحيح بلا اشكال.


    الشبهة الثانية : إنّ تسويغ النكاح المؤقت ينافي ما تقرّر في القرآن كقوله عزّوجلّ في صفة المؤمنين : ( والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُون * إلاّ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيرُ مَلُومين * فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَاُولئِكَ هُمُ العادُون ) (2).
    والمراد من الآية أن من ابتغى وراء ذلك ، هم المتجاوزون ما أحلّه اللّه لهم إلى ما حرّمه عليهم ، والمرأة المتمتّع بها ليست زوجة فيكون لها على الرجل مثل الذي عليها بالمعروف.

1 ـ المنار 5 / 17.

2 ـ المؤمنون / 5 ـ 7.


    يلاحظ عليه : انّها دعوى بلا دليل. فانّها زوجة ولها أحكام وعدم وجود النفقة وعدم وجود القسم ، لا يخرجانها عن الزوجيّة فإنّ الناشزة زوجة ليست لها النفقة وحقّ القسم. ومثلها الصغيرة. والعجب أن يستدل بعدم وجود الأحكام على نفي الماهية ، فإنّ الزوجيّة رابطة بين الزوجين يترتّب عليها أحكام وربّما تختص بعض الأحكام ببعض الأقسام.
    الشبهة الثالثة : إنّ المتمتّع في النكاح المؤقت لا يقصد الاحصان دون المسافحة ، بل يكون قصده مسافحة ، فإن كان هناك نوع ما من احصان نفسه ومنعها من التنقّل في دِمَنِ الزنا ، فإنّه لا يكون فيه شيء ما من احصان المرأة التي تؤجر نفسها كل طائفة من الزمن لرجل فتكون كما قيل :

كرة حُذِفْت بصوالجة
 

 
 

فتلقّفها رجل رجل (1)

    يلاحظ عليه : انّه من أين وقف على انّ الاحصان في النكاح المؤقّت ، يختص بالرجل دون المرأة ، فإنّا إذا افترضنا كون العقد شرعياً ، فكل واحد من الطرفين يُحْصن نفسه من هذا الطريق ، وإلاّ فلا محيص عن التنقل في دمن الزنا. والذي يصون الفتاة عن البغي أحد الاُمور الثلاثة :

    1 ـ النكاح الدائم.

    2 ـ النكاح المؤقّت بالشروط الماضية.

    3 ـ كبت الشهوة الجنسية.

    فالأوّل ربّما يكون غير ميسور خصوصاً للطالب والطالبة الذين يعيشان بمنح ورواتب مختصرة يجريها عليهما الوالدن أو الحكومة ، وكبت الشهوة الجنسية أمر

1 ـ المنار 5 / 13.

 

شاق لا يتحمّله إلاّ الأمثل فالأمثل من الشباب والمثلى من النساء ، وهم قليلون ، فلم يبق إلاّ الطريق الثاني ، فيحصنان نفسهما عن التنقل في بيوت الدعارة.

    إنّ الدين الإسلامي هو الدين الخاتم ، ونبيّه خاتم الأنبياء ، وكتابه خاتم الكتب ، وشريعته خاتمة الشرائع فلابد أن يضع لكل مشكلة اجتماعية ، حلولاً شرعية ، يصون بها كرامة المؤمن والمؤمنة ، وعندئذ يطرح هذا السؤال نفسه :

    ماذا يفعل هؤلاء الطلبة والطالبات الذين لا يستطيعون القيام بالنكاح الدائم ، وتمنع كرامتهم ودينهم عن التنقل في بيوت الدعارة والفساد ، والحياة المادية بجمالها تؤجّج نار الشهوة في نفوسهم ، فمن المستحيل عادة أن يصون نفسه أحد إلاّ من عصمه اللّه ، فلم يبق طريق إلاّ ما ذكره الإمام علي بن أبي طالب ، حيث قال : « لولا نهي عمر عن المتعة لما زنى إلاّ شقي أو شقية ».

    وأمّا تشبيه المتعة بما جاء في الشعر فهو يعرب عن جهل الرجل بحقيقة نكاح المتعة وحدودها ، فإنّ ما جاء فيه هي المتعة الدورية التي ينسبها الرجل (1) وغيره إلى الشيعة ، وهم براء من هذا الإفك إذ يجب على المتمتّع بها بعد انتهاء المدّة ، الاعتداد على ما ذكرنا ، فكيف يمكن أن تؤجر نفسها كل طائفة من الزمن لرجل ؟! سبحان اللّه ما أجرأهم على الكذب على الشيعة والفرية عليهم ، وما مضمون الشعر إلاّ جسارة على الوحي والتشريع الإلهي ، وقد اتّفقت كلمة المحدّثين والمفسّرين على التشريع ، وانّه لو كان هناك نهي أو نسخ فانّما هو بعد التشريع والعمل.

    الشبهة الرابعة : إنّ الآية منسوخة بالسنّة ، واختلفوا في زمن نسخه إلى أقوال شتّى :
    1 ـ اُبيحت ثم نهي عنها عام خيبر.

1 ـ لاحظ كتابه : السنّة والشيعة 65 ـ 66.

    2 ـ ما اُحلّت إلاّ في عمرة القضاء.

    3 ـ كانت مباحة ونهي عنها في عام الفتح.

    4 ـ اُبيحت عام أوطاس ثم نهي عنها (1).

    وهذه الأقوال تنفي الثقة بوقوع النسخ ، على انّ نسخ القرآن بأخبار الاحاد ممنوع جدّاً ، وقد صحّ عن عمران بن الحصين انّه قال : « انّ اللّه أنزل المتعة وما نسخها بآية اُخرى وأمرنا رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) بالمتعة وما نهانا عنها ، ثم قال رجل برأيه » ، يريد به عمر بن الخطاب.


    إنّ الخليفة الثاني لم يدّع النسخ وانّما أسند التحريف إلى نفسه ، ولو كان هناك ناسخ من اللّه عزّوجلّ أو من رسوله ، لأسند التحريم إليهما ، وقد استفاض قول عمر وهو على المنبر :
    متعتان كانتا على عهد رسول اللّه وأنا أنهى عنهما واُعاقب عليهما : متعة الحج ومتعة النساء بل نقل متكلّم الأشاعرة في شرحه على شرح التجريد انّه قال : أيّها الناس ثلاث كنّ على عهد رسول اللّه ، وأنا أنهى عنهنّ ، واُحرّمهنّ ، واُعاقب عليهنّ : متعة النساء ومتعة الحج وحىّ على خير العمل (2).


    وقد تقدم في الفصل الرابع بعض الكلام في ذلك أن ابن عباس قال لبعض المناظرين الذين كانوا يحتجون بنهي أبي بكر وعمر : يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء. أقول : قال رسول اللّه ، وتقولون : قال أبوبكر وعمر ، حتّى أنّ ابن عمر لمّا سئل عنها ، أفتى بالاباحة ، فعارضوه بقول أبيه ، فقال لهم : أمر رسول اللّه أحقّ أن يتّبع أم أمر عمر ؟

1 ـ لاحظ للوقوف على مصادر هذه الأقوال : مسائل فقهية 63 ـ 64 ، الغدير 6 / 225 ، أصل الشيعة واُصولها 171 ، والأقوال في النسخ أكثر مما جاء في المتن.

2 ـ مفاتيح الغيب 10 / 52 ـ 53 ، شرح التجريد للقوشجي 484 طبع ايران.

 

    كلّ ذلك يعرب عن أنه لم يكن هناك نسخ ولا نهي نبوي وإنّما كان تحريماً من جانب الخليفة. لبعض المصالح المزعومة التي عبّر عنها في غير واحد من كلماته في المقام وفي متعة الحجّ ، وقال : ... ورؤوسنا تقطر ماءً (1).

    المنكرون للتحريم :

 
    إنّ هناك لفيفاً من الصحابة والتابعين أنكروا التحريم بحماس :

 
    1 ـ علي أميرالمؤمنين ، في ما أخرجه الطبري بالاسناد إليه انّه قال : لولا أنّ عمر نهى عن المتعة مازنى إلاّ شقيّ (2).

    2 ـ عبداللّه بن عمر ، أخرج الامام أحمد من حديث عبداللّه بن عمر ، قال : قد سئل عن متعة النساء واللّه ما كنّا على عهد رسول اللّه زانين ولا مسافحين ، ثم قال : واللّه لقد سمعت رسول اللّه يقول : ليكوننّ قبل يوم القيامة المسيح الدجّال وكذّابون ثلاثون وأكثر (3).
    3 ـ عبداللّه بن مسعود ، روى البخاري عن عبداللّه بن مسعود ، قال : كنّا نغزو مع رسول اللّه وليس لنا شيء ، فقلنا : ألا نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك ، ثمّ رخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل معيّن ، ثمّ قرأ علينا : ( يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الممُعْتَدِينَ ) ـ المائدة / 87 ـ (4).

1 ـ المفيد : الارشاد 93 طبع النجف.

2 ـ الطبري التفسير 5 / 9.

3 ـ مسند أحمد 2 / 95.

4 ـ صحيح البخاري ، كتاب النكاح 7 / 4 ، الباب 8 ، الحديث 3.

 

    4 ـ عمران بن حصين ، أخرج البخاري في صحيحه عنه ، قال : نزلت آية المتعة في كتاب اللّه ففعلناها مع رسول اللّه ، ولم ينزل قرآن يحرّمها ولم ينه عنها حتّى مات. قال رجل برأيه ما شاء (1).

    أخرج أحمد في مسنده عن أبي رجاء عن عمران بن حصين ، قال : نزلت آية المتعة في كتاب اللّه وعملنا بها مع رسول اللّه ، فلم تنزل آية تمنعها ، ولم ينه عنها النبىّ حتّى مات (2).
    5 ـ وقد عمد المأمون الخليفة العباسي ، أن يعلن بتحليل المتعة ، ولكنّه خوفاً من الفتنة توقّف عن الاعلان قال ابن خلّكان ، نقلاً عن محمّد بن منصور : قال : كنا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة ، فقال يحيى بن أكثم لي ولأبي العيناء : بكّرا غداً إليه فإن رأيتما للقول وجهاً فقولا ، وإلاّ فاسكتا إلى أن أدخل ، قال : فدخلنا عليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ : متعتان كانتا على عهد رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) وعلى عهد أبي بكر ـ رضي اللّه عنه ـ وأنا أنهى عنهما ، ومن أنت يا جعل حتّى تنهى عمّا فعله رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) وأبوبكر ـ رضي اللّه عنه ـ ؟! فأوما أبو العيناء إلى محمّد بن منصور وقال : رجل يقول من عمر بن الخطاب نكلّمه نحن ؟ فأمسكنا ، فجاء يحيى بن أكثم فجلس وجلسنا ، فقال المأمون ليحيى : مالي أراك متغيّراً ؟ فقال : هو غم يا أميرالمؤمنين لما حديث في الإسلام، قال : وما حدث فيه ؟ قال : النداء بتحليل الزنا ، قال : الزنا ؟ قال : نعم ، المتعة زنا ، قال : ومن أين قلت هذا ؟ قال : من كتاب اللّه عزّوجلّ ، وحديث

1 ـ صحيح البخاري 6 / 27 ، كتاب التفسير ، تفسير سورة البقرة قول ( فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ ).
2 ـ مسند أحمد. لاحظ مسائل فقهية للسيد شرف الدين 70.

 

رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) قال اللّه تعالى : ( قَدْ أفْلَحَ المُؤمِنون ) إلى قوله : ( والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إلاّ على أزْواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيرُ مَلومين * فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ ) (1).
    يا أميرالمؤمنين زوجة المتعة ملك يمين ؟ قال : لا ، قال : فهي ، الزوجة التي عند اللّه ترث وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها ؟ قال : لا ، قال : فقد صار متجاوز هذين من العادين (2).

    عزب عن ابن أكثم ـ وهو كان ممّن يكنّ العداء لآل البيت ـ، أنّ المتعة داخلة في قوله سبحانه ( إلاّ على أزواجكم ) وأمّا عدم الوراثة ، فهو تخصيص في الحكم ، وهو لا ينافي ثبوتها ، وكم لها من نظير ، فالكافرة لا ترث الزوج المسلم ، وبالعكس ، كما أنّ القاتلة لا ترث وهكذا العكس ، وأمّا الولد ، فيلحق قطعاً ونفي اللحوق ناش إمّا من الجهل بحكمها أو التجاهل به.

    وما أقبح كلامه حيث فسّر المتعة بالزنا وقد أصفقت الاُمّة على تحليلها عصر الرسول والخليفة الأوّل ، افحسب ابن أكثم انّ الرسول حلّل الزنا ولو مدَّة قصيرة.

كبرت كلمة تخرج من أفواهم :

    وهناك روايات مأثورة عن الخليفة نفسه ، تعرب عن أنّ التحريم كان صميم رأيه ، من دون استناد إلى آية أو رواية.

 
    روى مسلم في صحيحه : عن ابن أبي نضرة قال : كان ابن عباس يامر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها فذكر ذلك لجابر ، فقال : على يدي دار الحديث : تمتّعنا مع

1 ـ المؤمنون / 1 ـ 7.

2 ـ ابن خلكان : وفيات الأعيان 6 / 149 ـ 150.

 

رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) فلمّا قام عمر قال : إنّ اللّه كان يحلّ لرسوله ما شاء بما شاء فأتمّوا الحجّ والعمرة وابتّوا نكاح هذه النساء فلئِن اُوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّ رجمته بالحجارة (1).

    وروى الامام أحمد في مسنده عن ابي نضرة : قلت لجابر : إنّ ابن الزبير ينهى عن المتعة وانّ ابن عباس يأمر بها ، فقال لي : على يدي جرى الحديث : تمتّعنا مع رسول اللّه ومع أبي بكر فلمّا ولّى عمر خطب الناس فقال : إنّ القرآن هو القرآن ، وإنّ رسول اللّه هو الرسول ، وإنّهما كانتا متعتان على عهد رسول اللّه إحداهما متعة الحج والاُخرى متعة النساء (2).
    وهذه المأثورات تعرب أولا : عن أنّ المتعة كانت باقية على الحل إلى عهد الخليفة ولم تكن محرّمة إلى زمان تولي عمر الأمر فنهى ومنع.

 
    وثانياً : انّه باجتهاده قام بتحريم ما أحلّه الكتاب والسنّة ، ومن المعلوم انّ اجتهاده ـ لو صحّت تسميته بالإجتهاد ـ حجّة على نفسه لا على غيره.
    وفي الختام نقول :

 
    إنّ الجهل بفقه الشيعة أدّى كثيراً من الكتّاب إلى القول أنّ من أحكام المتعة عند الشيعة انّه لا نصيب للولد من ميراث أبيه ، وانّ المتمتَّع بها لا عدّة لها ، وانّها تستطيع أن تنتقل من رجل إلى رجل إن شاءت. ومن أجل هذا استقبحوا المتعة واستنكروها وشنعوا على من أباحها.

    وقد خفي الواقع على هؤلاء ، وانّ المتعة عند الشيعة كالزواج الدائم لا تتم إلاّ بالعقد الدال على قصد الزواج صراحة ، وانّ المتمتَّع بها يجب أن تكون خالية من

1 ـ مسلم : الصحيح 4 / 130 باب نكاح المتعة الحديث 8 ، طبع محمد علي صبيح.
2 ـ أحمد : المسند 1 / 52.

 

جميع الموانع ، وانّ ولدها كالولد من الدائمة من وجوب التوراث ، والانفاق وسائر الحقوق المادية وانّ عليها أن تعتد بعد إنتهاء الأجل مع الدخول بها ، وإذا مات زوجها وهي في عصمته اعتدّت كالدائمة من غير تفاوت ، إلى غير ذلك من الآثار (1).

1 ـ الاثنا عشرية وأهل البيت تأليف مغنية 46.

   

 

المسألة الثامنة :

مسح الأرجل في الوضوء

    اختلف المسلمون في غسل الرجلين ومسحهما ، فذهب الأئمّة الأربعة إلى أنّ الواجب هو الغسل وحده ، وقالت الشيعة الامامية انّه المسح ، وقال داود بن علي والناصر للحق من الزيدية يجب الجمع بينهما وهو صريح الطبري في تفسيره : ونقل عن الحسن البصري انّه مخيّر بينهما (1).


    وممّا يثير العجب اختلاف المسلمين في هذه المسالة ، مع أنّهم رأوا وضوء رسول اللّه كلّ يوم وليلة في موطنه ومهجره ، وفي حضره وسفره ومع ذلك اختلفوا في أشدّ المسائل ابتلاءً وهذا يعرب عن أنّ الاجتهاد لعب في هذه المسألة دوراً عظيماً ، فجعل أوضح المسائل أبهمها.
    إنّ الذكر الحكيم تكفّل لبيان المسألة وما أبقى فيها ابهاماً واعضالاً ، وكان الحاضرون في عصر النزول فهموا من الآية معنىً واحداً. إمّا المسح أو الغسل ،

1 ـ الطبري : التفسير 6 / 86 ومفاتيح الغيب 11 / 162 والمنار 6 / 228.

ولم يتردّدوا في حكم الرجلين أبداً. ولو خفي حكم هذه المسألة بعد رحلة الرسول ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) على الأجيال الآتية فلا غرو في أن يخفى على المسلمين حكم أكثر المسائل.
    وليس فيها شيء أوثق من كتاب اللّه فعلينا دراسة ما جاء فيه ، قال سبحانه : ( يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأيْدِيَكُمْ إلى المَرافِقِ وامْسَحُوا بَرؤوسِكُمْ وَأرْجُلَكُمْ إلى الكَعْبَيْن ) (1) وقد اختلف القرّاء في قراءة ( وأرجلكم إلى الكعبين ) فمنهم من قرأ بالخفض ، ومنهم من قرأ بالكسر. ومن البعيد أن تكون كلّ من القراءتين موصولة إلى النبيّ ، فإنّ تجويزهما يضفي على الآية ابهاماً واعضالا ، ويجعل الآية لغزاً ، والقرآن كتاب الهداية والارشاد ، وتلك الغاية تطلب لنفسها الوضوح وجلاء البيان ، خصوصاً فيما يتعلّق بالأعمال والأحكام التي يبتلى بها عامّة المسلمين ، ولا تقاس بالمعارف والعقائد التي يختصّ الامعان فيها بالأمثل فالأمثل. وعلى كل تقدير فممّن حقّق مفاد الآية وبيّنها الامام الرازي في تفسيره ، ننقل كلامه بتلخيص :


    قال : حجّة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله ( وأرجلكم ) وهما :


    الأوّل : قرأ ابن كثير و حمزة وأبو عمرو وعاصم ـ في رواية أبوبكر عنه ـ بالجرّ.
    الثاني : قرأ نافع وابن عامر وعاصم ـ في رواية حفص عنه ـ بالنصب.
    أمّا القراءة بالجرّ فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس ، فكما وجب المسح في الرأس ، فكذلك في الأرجل.

1 ـ المائدة / 6.

    فإن قيل لم لا يجوز أن يكون الجرّ على الجوار ؟ كما في قوله : « جُحْرُ ضَبٍّ خَرِِبٍ » وقوله : « كَبيرُ اُناسٍ في بِجادٍ مَزَمِّلٍ ».


    قيل : هذا باطل من وجوه :


    1 ـ إنّ الكسر على الجوار معدود من اللحن الذي قد يتحمّل لأجل الضرورة في الشعر ، وكلام اللّه يجب تنزيهه عنه.

 
    2 ـ إنّ الكسر على الجوار انّما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس كما في قوله : « جُحرُضَبٍّ خَرِب » فإنّ « الخَرِب » لا يكون نعتاً للضبّ بل للجحر ، وفي هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل.


    3 ـ إنّ الكسر بالجوار انّما يكون بدون حرف العطف وأمّا مع حرف العطف فلم تتكلّم به العرب.


    وأمّا القراءة بالنصب فهي أيضاً توجب المسح ، وذلك لأنّ « برؤوسكم » في قوله ( فامسحوا برؤوسكم ) في محل النصب (1) بامسحوا لأنّه المفعول به ولكنّها مجرورة لفظاً بالباء فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفاً على محل الرؤوس ، وجاز الجر عطفاً على الظاهر.

 
    ونزيد بياناً انّه على قراءة النصب يتعيّن العطف على محل برؤوسكم ولا يجوز العطف على ظاهر « أيديكم » لاستلزامه الفصل بين العاطف والمعطوف عليه بجملة أجنبية وهو غير جائز في المفرد ، فضلاً عن الجملة ، هذا هو الذي يعرفه المتدبّر في الذكر الحكيم ، ولا يسوغ لمسلم أن يعدل عن القرآن إلى غيره فإذا كان هو المهيمن

1 ـ يقال ليس هذا بعالم ولا عاملا. قال الشاعر :

معاوي انّنا بشر فاسجح
 

 
 

فلسنا بالجبال ولا الحديدا

لاحظ : المغني لابن هشام : الباب الرابع.

 

على جميع الكتب السماوية فأولى أن يكون مهيمناً على ما في أيدي الناس من الحقّ والباطل والمأثورات التي الحديث فيها ذو شجون (1) مع كونها متضاربة في المقام ، فلو ورد فيها الأمر بالغسل ، فقد جاء فيها الأمر بالمسح. رواه الطبري عن الصحابة والتابعين نشير إليه على وجه الاجمال :


    1 ـ ابن عباس ، قال : الوضوء غسلتان ومسحتان.


    2 ـ كان أنس إذا مسح قدميه بلّهما. ولمّا خطب الحجّاج وقال : ليس شيء من ابن آدم أقرب إلى خبثه في قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقبيهما ، قال أنس : صدق اللّه وكذب الحجّاج ، قال اللّه ( واسمحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ) وكان أنس إذامسح قدميه بلّهما.


    3 ـ عكرمة ، قال : ليس على الرجلين غسل وانّما نزل فيهما المسح.
    4 ـ الشعبي قال : نزل جبرائيل بالمسح وقال : ألاترى انّ التيمّم أن يمسح ما كان غسلاً ويلغى ما كان مسحاً.


    5 ـ عامر : اُمر أن يمسح في التيمّم ما اُمر أن يغسل بالوضوء واُبطل ما اُمر أن يمسح في الوضوء : الرأس والرجلان. وقيل له : إنّ اُناسا يقولون : إنّ جبرائيل نزل بغسل الرجلين فقال : نزل جبرائيل بالمسح.

    6 ـ قتادة : في تفسير الآية : افترض اللّه غسلتين ومسحتين.

    7 ـ الأعمش : قرأ « وأرجلكم » مخفوضة اللام.

    8 ـ علقمة : قرأ « أرجلكم » مخفوضة اللام.

    9 ـ الضحاك : قرأ « وأرجلكم » بالكسر.

1 ـ لاحظ الجزء الأوّل من هذه الموسوعة : فصل « علل تكوّن المذاهب وأسبابه ».

 

    10 ـ مجاهد : مثل ما تقدّم (1).

    وهؤلاء من أعلام التابعين وفيهم الصحابيان : ابن عباس وأنس وقد أصفقوا على المسح وقراءة الجر الصريح في تقديم المسح على الغسل ، وجمهور أهل السنّة يحتجّون بأقوالهم في مجالات مختلفة ، ولماذا ، أعرض عنهم الأئمّة الأربعة ؟

أنا لا أدري.

    إنّ القول بالمسح هو المنصوص عن أئمّة أهل البيت وهم يُسندون المسح إلى النبي الأكرم ويحكون وضوءه به قال أبوجعفر الباقر ( عليه السلام ) : ألا أحكي لكم وضوء رسول اللّه ؟ ثمّ أخذ كفّاً من الماء فصبّها على وجهه ... إلى أن قال : ثمّ مسح رأسه وقدميه. وفي رواية اُخرى ثمّ مسح ببقيّة مابقى في يديه ، رأسه ورجليه ولم يعدهما في الاناء (2).

 

    وفي ضوء هذه الروايات والمأثورات اتّفقت الشيعة الامامية على أنّ الوضوء غسلتان ومسحتان وقال السيّد بحر العلوم في منظومته الموسومة بالدرة النجفيّة :

انّ الوضوء غسلتان عندنا فالغسل للوجه ولليدين
 

 
 

ومسحتان والكتاب معنا والمسح للرأس وللرجلين

    وبعد وضوح دلالة الآية ، واجماع أئمّة أهل البيت على المسح ، لا يبقى مجال للاستدلال على الغسل ، وإليك ما ذكروا من وجوه باطلة.
    1 ـ انّ الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل ، والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب المصير إليه ويكون غسل

1 ـ الطبري : التفسير 6 / 82 ـ 83.

2 ـ الحرّ العاملي : الوسائل 1 ، الباب 15 من أبواب الوضوء ، الحديث 9 و 10.

 

الأرجل يقوم مقام مسحها (1).

 
    يلاحظ عليه : أنّ أخبار الغسل معارضة بأخبار المسح ، وليس شيء أوثق من كتاب اللّه فلو دلّ على لزوم المسح ، لا يبقى مجال لترجيحه على روايات الغسل. والقرآن هو المهيمن على الكتب والمأثورات ، والمعارض منها للكتاب لا يقام لها وزن.
    وأعجب من ذلك قوله : إنّ الغسل مشتمل على المسح ، مع أنّهما حقيقتان مختلفتان ، فالغسل إمرار الماء على المغسول ، والمسح إمرار اليد على الممسوح (2).
    وهما حقيقتان مختلفتان لغة وعرفاً وشرعاً ولو حاول الاحتياط لوجب الجمع بين المسح والغسل ، لا الاكتفاء بالغسل.


    2 ـ ما روي عن علي أنّه كان يقضي بين الناس فقال « وأرجلكم » هذا من المقدّم والمؤخّر في الكلام فكأنّه سبحانه قال : « فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق واغسلوا أرجلكم وامسحوا برؤوسكم ».

    يلاحظ عليه : أنّ أئمّة أهل البيت كالباقر والصادق ( عليهما السلام ) أدرى بما في البيت وهم اتّفقوا على المسح وهل يمكن الاتّفاق على المسح ، مع اعتقاد كبيرهم بالغسل. وما روي موضوع عن لسان الامام ليثيروا الشك بين أتباعه وشيعته. ولا نعلّق على احتمال التقديم والتأخير شيئاً ، سوى أنّه يجعل معنى الآية شيئاً مبهماً في المورد الذي يطلب فيه الوضوح ، إذ هي المرجع للقروي والبدوي ، وللحاضر عصر النزول ، والغائب عنه ، فيجب أن يكون على نسق ينتقل منه إلى المراد ، ثمّ إنّه

1 ـ الرازي : مفاتيح الغيب 11 / 162.

2 ـ قال سبحانه حاكياً عن سليمان : ( رُدّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ والأعْناق ) ـ ص / 33 ـ أي مسح بيده على سوق الصافنات الجياد وأعناقها.

 

أىّ ضرورة اقتضت هذا التقديم والتأخير ، مع أنّه كان من الممكن ذكر الأرجل بعد الأيدي من دون تأخير ؟ ولو كان الدافع إلى التأخير هو بيان الترتيب ، وانّ غسل الأرجل بعد مسح الرأس ، فكان من الممكن أن يُذكر فعله ويقال « فامسحوا برؤوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين ». كل ذلك يعرب عن أنّ هذه محاولات فاشلة لتصحيح الاجتهاد تجاه النص وما عليه أئمة أهل البيت من الاتّفاق على المسح.

 
    3 ـ ما روي عن ابن عمر في الصحيحين قال : تخلّف عنّا رسول اللّه في سفره ، فأدركنا وقد أرهقنا العصر ، وجعلنا نتوضّأ ونمسح على أرجلنا ، قال : فنادى بأعلى صوته : « ويل للأعقاب من النار » ـ مرتين أو ثلاث ـ (1).


    يلاحظ عليه : أنّ هذه الرواية على تعيّن المسح أدلّ من دلالته على غسل الرجلين فإنّها صريحة في أنّ الصحابة كانوا يمسحون ، وهذا دليل على أنّ المعروف عندهم هو المسح. وما ذكره البخاري من أنّ الانكار عليهم كان بسبب المسح لا بسبب الاقتصار على بعض الرجل ، اجتهاد منه ، وهو حجّة عليه لا على غيره ، فكيف يمكن أن يخفى على ابن عمر حكم الرجلين حتّى يمسح رجليه عدّة سنين إلى أن ينكر عليه النبيّ المسح ؟! على أنّ للرواية معنى آخر تؤيّده بعض المأثورات ، فقد روي أنّ قوماً من أجلاف العرب ، كانوا يبولون وهم قيام فيتشرشر البول على أعقابهم وأرجلهم فلا يغسلونها ويدخلون المسجد للصلاة ، وكان ذلك سبباً لذلك الوعيد (2) ويؤيّد ذلك ما يوصف به بعض الأعراب بقولهم : بوّال على عقبيه ، وعلى فرض كون المراد ما ذكره البخاري ، فلا تقاوم الرواية نص الكتاب.

1 ـ صحيح البخاري ج 1 كتاب العلم ص 18 باب من رفع صوته ، الحديث 1.

2 ـ مجمع البيان 2 / 167.

 

    4 ـ روى ابن ماجة القزويني عن أبي إسحاق عن أبي حية ، قال : رأيت عليّاً توضّأ فغسل قدميه إلى الكعبين ثمّ قال : أردت أن اُريكم طهور نبيّكم (1).
    يلاحظ عليه : أنّ أبا حية مجهول لا يعرف ، ونقله عنه أبوإسحاق الذي شاخ ونسى واختلط وترك الناس روايته (2) أضف إليه انّه يعارض ما رواه عنه أهل بيته ، وأئمّة أهل بيته ، خصوصاً من لازمه في حياته وهو ابن عباس كما مرّ.


    5 ـ قال صاحب المنار : وأقوى الحجج اللفظية على الامامية جعل الكعبين غاية طهارة الرجلين وهذا لا يحصل إلاّ باستيعابهما بالماء ، لأنّ الكعبين هما العظمان الناتئان في جانبي الرجل.


    يلاحظ عليه : أنّا نفترض أنّ المراد من الكعبين هو ما ذكره ، لكن نسأله : لماذا لا تحصل تلك الغاية إلاّ باستيعابهما بالماء ؟ مع أنّه يمكن تحصيل تلك الغاية بمسحهما بالنداوة المتبقية في اليد ، والاختبار سهل ، فها نحن من الذين يمسحون الأرجل إلى العظمين الناتئين بنداوة اليد ولا نرى في العمل اعضالا وعسراً.


    6 ـ الامامية يمسحون ظاهر القدم إلى معقد الشراك عند المفصل بين الساق والقدم ، ويقولون هو الكعب ، ففي الرجل كعب واحد على رأيهم ، فلو صحّ هذا لقال إلى الكعاب كما قال في اليدين إلى المرافق (3).


    يلاحظ عليه : إنّ المشهور بين الامامية هو تفسير الكعب بقبّة القدم التي هي معقد الشراك ، وهناك من يذهب إلى أنّ المراد هو المفصل بين الساق والقدم وذهب قليل منهم إلى أنّ المراد هما العظمان الناتئان في جانبي الرجل وعلى كل تقدير ، يصح

1 ـ سنن ابن ماجة 1 / 170 باب ما جاء في غسل القدمين الحديث الأوّل.
2 ـ لاحظ التعليقة لسنن ابن ماجة 170 وميزان الاعتدال للذهبي 4 / 519 ، برقم 10138 و ص 489 باب « أبو إسحاق ».

3 ـ المنار 6 / 234.

 

اطلاق الكعبين ، وإن كان حدّ المسح هو معقد الشراك أو المفصل. فيكون المعنى « فامسحوا بأرجلكم إلى الكعبين منكم » إذ لا شك أنّ كلّ مكلّف يملك كعبين في رجليه.
    أضف إلى ذلك انّه لو صحّ التفسير بما ذكره يجب أن يوسع الممسوح ويحدّد بالعظمين الناتئين لا أن يبدّل المسح بالغسل ، وكأنّه تخيّل أن المسح بالنداوة المتبقّية في اليد لا يتحقّق إليهما وتجفّ اليد قبل الوصول إليهما.

    ولعمري انّ هذه اجتهادات واهية ، وتخرّصات لاقيمة لها في مقابل الذكر الحكيم.
    7 ـ آخر ما عند صاحب المنار في توجيه غسل الأرجل هو التمسّك بالمصالح ، حيث قال : لا يعقل لإيجاب مسح ظاهر القدم باليد المبلّلة بالماء حكمة ، بل هو خلاف حكمة الوضوء ، لأنّ طروء الرطوبة القليلة على العضو الذي عليه غبار أو وسخ ، يزيده وساخة ، وينال اليد الماسحة حظ من هذه الوساخة.

    يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره استحسان لا يُعرَّج عليه مع وجود النص ، فلا شك انّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح الواقعية ولا يجب علينا أن نقف عليها ، فأي مصلحة في المسح على الرأس ولو بمقدار اصبع أو اصبعين حتّى قال الشافعي : إذا مسح الرجل باصبع واحدة أو بعض اصبع أو باطن كفه ، أو أمر من يمسح له أجزأه ذلك ، وهناك كلمة قيّمة للامام شرف الدين الموسوي نأتي بنصها ، فقال : نحن نؤمن بأنّ الشارع المقدّس لاحظ عباده في كل ما كلّفهم به من أحكامه الشرعية ، فلم يأمرهم إلاّ بما فيه مصلحتهم ، ولم ينههم إلاّ عمّا فيه مفسدة لهم ، لكنّه مع ذلك لم يجعل شيئاً من مدارك تلك الأحكام منوطاً من حيث المصالح والمفاسد بآراء العباد ، بل تعبّدهم بأدلّة قويّة عيّنها لهم ، فلم يجعل لهم مندوحة عنها إلى ما سواها. وأوّل تلك الأدلّة الحكيمة كتاب اللّه عزّوجلّ ، وقد حكم بمسح الرؤوس والأرجل في الوضوء ، فلا مندوحة عن البخوع لحكمه ، أمّا نقاء الأرجل من الدنس فلابدّ من احرازه قبل المسح عليها عملاً بأدلّة خاصّة دلّت على اشتراط الطهارة في أعضاء الوضوء قبل الشروع فيه (1) ولعلّ غسل رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) رجليه ـ المدعى في أخبار الغسل ـ انّما كان من هذا الباب ولعلّه كان من باب التبرّد ، أو كان من باب المبالغة في النظافة بعد الفراغ من الوضوء واللّه أعلم (2).

1 ـ ولذاترى حفاة الشيعة والعمال منهم كأهل الحرث وأمثالهم وسائر من لا يبالون بطهارة أرجلهم في غير أوقات العبادة المشروطة بالطهارة ، إذا أرادوا الوضوء غسلوا أرجلهم ثمّ توضّأوا فمسحوا عليها نقيّة جافّة.

2 ـ مسائل فقهيه 82

 

  المسألة التاسعة :

عقيدة الشيعة الإماميّة في الصحابة

    صحابة النبي الأكرم ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) هم الذين رأوا النبيّ الأكرم وتشرّفوا بكرامة الصحبة وبذل لفيف منهم النفس والنفيس في نشر الإسلام حتّى ضرب بجرانه واتّسع نطاقه. فشادوا بنيانه ، ورفعوا قواعده بجهادهم المتواصل ، وبلغوا ذروة المجد باستسهال المصاعب ، فلولا بريق سيوفهم ، وقوّة سواعدهم ، وخوضهم عباب المنايا ، لما قام للدين عمود ، ولا اخضرّ له عود.

    إنّ الكتاب والسنّة هما المصدران الرئيسيان عند المسلمين جميعاً ، والشيعة خاصة ، ولا يجوز لمسلم أن يحكم بأمر شرعيّ إلاّ بالرجوع إليهما. ولا يخالفهما إلاّ منافق أو تاجر بالدين.
    والكتاب والسنّة يثنيان على الصحابة ، ومن تلى آيات الذكر الحكيم حول

المهاجرين والذين اتّبعوهم بإحسان (1) يغبط هؤلاء ويتمنّى من صميم قلبه أن يكون أحدهم. ويدرك شأنهم ، ومن استمع للآيات النازلة في المبايعين تحت الشجرة (2) أو أصحاب سورة الفتح (3) فاضت عيناه دموعاً من الشوق إلى هؤلاء الذين ركبوا الطريق ، ومضوا ، وتعاقدوا على المنيّة.

 
    فإذا كان هذا حال الصحابة في الذكر الحكيم فكيف يتجرّأ مسلم على تكفير الصحابة ورميهم بالردّة والزندقة أو تفسيقهم جميعاً. ( سبحانك هذا بهتان عظيم ).


    وكيف يستطيع أن يصوّر دعوة النبي ضئيلة الفائدة أو يتهمه بعدم النجاح في هداية قومة وارشاد اُمّته وانّه لم يؤمن به إلاّ شرذمة قليلة لا يتجاوزون عدد الأصابع وانّ ما سواهم كانوا بين منافق ستر كفره بالتظاهر بالايمان ، أو مرتدّ على أدباره القهقرى بعد رحلة النبيّ الأكرم.
    كيف يجوز لمسلم أن يصف دعوته ويقول : انّه لم يهتد ولم يثبت على الإسلام بعد مرور ( 23 ) عاماً من الدعوة إلاّ ثلاثة أو سبعة أو عشرة. وأي شيعي واع ادّعى ذلك ؟ ومتى قال ؟ وأين ذكره ؟ إن هو إلاّ جزء من الدعايات الفارغة ضدّ الشيعة أثارها الأمويّون في أعصارهم ، ليسقطوا الشيعة من عيون المسلمين وتلقّفتها أقلام المستأجرين لتمزيق الوحدة الإسلامية وفصم عرى الاخوّة. وترى تلك الفرية في هذه الأيام في كتيّب نشره الكاتب أبو الحسن الندوي أسماه بـ « صورتان متعارضتان ». وهو يجترّ ذلك مرّة بعد اُخرى يجتره صنائع الوهابية في المنطقة.

 
    نعم وردت روايات في ذلك ولكنّها لا تكون مصدراً للعقيدة ولا تتّخذ مقياساً

1 ـ التوبة : 100 : ( والذين اتبعوهم بإحسان ... ).

2 ـ الفتح : 18 : ( لقد رضى اللّه عن المؤمنين ... ).

3 ـ الفتح : 29 : ( محمّد رسول اللّه والذين معه ... ).

 

لها لأنّها روايات آحاد لا تفيد علماً في مجال العقائد ، وستوافيك دراسة متنها وسندها.
    إنّا لو أحصينا المهتدين في عصر الرسول من بني هاشم لتجاوز عددهم العشرات بدءاً من عمّه أبي طالب ومروراً بصفيّة عمّته ، وفاطمة بنت أسد ، وبحمزة والعباس وجعفر وعقيل وطالب وعبيدة بن الحارث « شهيد بدر » وأبي سفيان بن الحارث ونوفل بن الحارث وجعدة بن أبي هبيرة وأولادهم وزوجاتهم ، وانتهاءً بعلي ( عليه السلام ) وأولاده وبناته وزوجته سيّدة نساء العالمين.

 
    أمّا الذين استشهدوا في عهد النبيّ الأكرم فهم يتجاوزون المئات ولا يشك أيّ مسلم في أنّهم كانوا من المؤمنين الصادقين الذين حوّلهم الإسلام وأثّر فيهم ، وضربوا في حياتهم أروع الأمثلة في الايمان والتوحيد والتضحية ، بالغالي والرخيص ، خدمة للمبدأ والعقيدة. ابتداءً من ياسر وزوجته سميّة أوّل شهيد وشهيدة في الإسلام وكان الرسول يقول لهم وهو يسمع أنينهم تحت سياط التعذيب : « صبراً آل ياسر إنّ موعدكم الجنّة » (1) مروراً بمن توفّي في مهجر الحبشة إلى شهداء بدر واُحد ، وقد استشهد في معركة اُحد سبعون صحابياً دفنهم النبيّ الأكرم ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) وصلّى عليهم وكان يزورهم ويسلّم عليهم ، ثم شهداء سائر المعارك والغزوات حتّى قال النبيّ الأكرم ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) في حقّ سعد بن معاذ شهيد غزوة الخندق : اهتزّالعرش لموته ، وشهداء بئر معونة ويتراوح عدد الشهداء بين 40 حسب رواية أنس بن مالك أو 70 حسب رواية غيره ، إلى غير ذلك من الأصحاب الصادقين الأجلاّء الذين : ( صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّهَ عَلَيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ

1 ـ السيرة النبوية لابن هشام 1 / 320 طبعة الحلبي.

 

قضى نَحْبَهُ ومِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر وما بَدَّلُوا تَبديلاً ) (1) ، ( الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إيماناً وقالوا حَسْبُنا اللّهُ وَنِعْمَ الوَكيلُ ) (2) ، ( للفُقَراءِ المُهاجرينَ الَّذِينَ اُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وأمْوالِهُمْ يِبتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً ويَنْصُرُونَ اللّهَ ورسولَهُ ... * والَّذِينَ تَبَوّء والدّارَ والإيمان مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إلَيهِمْ ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجةً مِمّا اُوتوا ويُؤثِرُونَ على أنفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَاُولئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ) (3).


    أو ليست هذه الآيات تثبت نجاح النبيّ في دعوته ، وانّه اجتمع حوله رجال صالحون ومخلصون فكيف يمكن رمي مسلم يتلو الذكر الحكيم ليل نهار باعتقاده بخيبة النبيّ الأكرم في دعوته وتهالكه في هداية اُمّته. إنّ الموقف الصحيح من الصحابة ، هو ما جاء في كلام الإمام أميرالمؤمنين ( عليه السلام ) :


    « أين اخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق ؟ أين عمّار ؟ وأين ابن التيهان ؟ وأين ذو الشهادتين ؟ وأين نظراؤهم من اخوانهم الذين تعاقدوا على المنيّة واُبرد برؤوسهم إلى الفجرة ؟ اوّه على اخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه وتدبّروا الفرض فأقاموه. أحيوا السنّة وأماتوا البدعة دعوا للجهاد فأجابوا ووثقوا بالقائد فاتّبعوه » (4).
    وليس ما جاء في هذه الخطبة فريداً في كلامه ، فقد وصف أصحاب رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) يوم صفّين ، يوم فرض عليه الصلح بقوله :

1 ـ الأحزاب / 23.

2 ـ آل عمران/ 173.

3 ـ الحشر / 8 ـ 9.

4 ـ نهج البلاغة ، الخطبة 182.

 

    « ولقد كنّا مع رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) نقتل آباءنا وأبناءنا واخواننا وأعمامنا ، ما يزيدنا ذلك إلاّ إيماناً وتسليماً ، ومضياً على اللقم وصبراً على مضض الألم ، وجدّاً في جهاد العدوّ ، ولقد كان الرجل منّا والآخر من عدوّنا يتصاولان تصاول الفحلين ، يتخالسان انفسهما أيّهما يسقي صاحبه كاس المنون ، فمرّة لنا من عدوّنا ، ومرّة لعدوّنا منّا. فلمّا رأى اللّه صدقنا أنزل بعدوّنا الكبت ، وأنزل علينا النصر ، حتّى استقرّ الإسلام ملقياً جرانه ومتبوّئاً أوطانه ، ولعمري لو كنّا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود ، ولا اخضرّ للايمان عود » (1).


    هذه كلمة الامام قائد الشيعة وامامهم أفهل يجوز لمن يؤمن بإمامته أن يكفّر جميع صحابة النبي أو يفسقهم أو ينسبهم إلى الزندقة والالحاد أو الارتداد ، من دون أن يقسّمهم إلى أقسام ويصنّفهم اصنافا ويذكر تقاسيم القرآن والسنّة في حقّهم ؟ كلاًّ ولا ، وهذا هو الامام علي بن الحسين يذكر في بعض أدعيته صحابة النبيّ ويقول : اللّهمّ وأصحاب محمّد ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) خاصّة الذين أحسنوا الصحبة ، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره ، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته وسابقوا إلى دعوته ، واستجابوا له حيث أسمعهم حجّة رسالاته ، وفارقوا الأزواج والأولاد في اظهار كلمته ، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوّته ، وانتصروا به ومن كانوا منطوين على محبّته ، يرجون تجارة لن تبور في مودّته ، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلّقوا بعروته وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظلّ قرابته ، فلا تنس لهم اللّهمّ ما تركوا لك وفيك وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الخلق عليك وكانوا مع رسولك دعاة لك إليك ، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه ، ومن كثرت في اعزاز دينك من مظلومهم ، اللّهمّ واوصل التابعين

1 ـ نهج البلاغة ، الخطبة 56.

 

لهم باحسان الذين يقولون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا ... (1).
    فإذا كان الحال كذلك ، واتّفق الشيعي والسنّي على اطراء الذكر الحكيم للصحابة والثناء عليهم فما هو موضع الخلاف بين الطائفتين كي يعد ذلك من أعظم الخلاف بينهما ؟
    إنّ موضع الخلاف ليس إلاّ في نقطة واحدة وهي أنّ أهل السنّة يقولون بأنّ كل من رأى النبيّ وعاشره ولو يوماً أو يومين فهو محكوم بالعدالة منذ اللقاء إلى يوم اُدرج في كفنه ، ولو صدر منه قتل أو نهب أو زنا أو غير ذلك ، محتجّين بما نسب إلى رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم. ولو تليت عليهم التواريخ المتضافرة يقولون بما ذكره الحسن البصري : اولئك الذين طهّر اللّه سيوفنا عن دمائهم فلنطهّر ألسنتنا عن أعراضهم. ولا أظن أنّ الحسن البصري يعتقد بما قال.
    وقد تدرّع بهذه الكلمة وصان بها نفسه عن هجمات الأمويين الذين كانوا يروّجون عدالة الصحابة في جميع الأزمنة بل يلبسونهم ثوب العصمة ، إلى حدّ كان القدح بالصحابي أشدّ من القدح برسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) فنفي العصمة عن النبيّ واتهامه بالذنب قبل بعثه وبعده كان أمراً سهلاً يطرح بصورة عقيدة معقولة ولا يؤاخذ القائل به ، وأمّا من نسب صغيرة أو كبيرة إلى صحابي فأهون ما يواجهونه به هو الاستتابة وإلاّ فالقتل ..
    فإذا كان هذا هو محلّ النزاع أي عدالة الكل بلا استثناء أو تصنيفهم إلى مؤمن وفاسق ومثالي وعادي ، إلى زاهد ومتوغّل في حبّ الدنيا ، إلى عالم بالشريعة وعامل بها وجاهل لا يعرف منها إلاّ شيئاً طفيفاً ، فيجب تحليل المسألة على ضوء الكتاب والسنّة مجرّدين عن كل رأي مسبق لا النزول على العاطفة التي تحمل المسلم

1 ـ الصحيفة السجادية : الدعاء 4.

 

على الحكم بنزاهة الصحابة كلّهم ، ورفض ما خلّفته الحوافز.
    ولأجل اماطة الستر عن وجه الحقيقة نذكر اُموراً :

    الصحابة في القرآن الكريم :

 
    1 ـ إنّ القرآن الكريم يصنّف الصحابة إلى اصناف مختلفة ، فهو يتكلّم عن السابقين الأوّلين ، والمبايعين تحت الشجرة ، والمهاجرين المهجّرين عن ديارهم وأموالهم ، وأصحاب الفتح ، إلى غير ذلك من الأصناف المثالية ، الذين يثني عليهم ويذكرهم بالفضل والفضيلة ، وفي مقابل ذلك يذكر أصنافاً اُخرى يجب أن لا تغيب عن أذهاننا وتلك الأصناف هي التالية :
    1 ـ المنافقون المعروفون (1).

    2 ـ المنافقون المتستّرون الذين لا يعرفهم النبيّ (2).

    3 ـ ضعفاء الإيمان ومرضى القلوب (3).

    4 ـ السمّاعون لأهل الفتنة (4).

    5 ـ المجموعة الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً (5).

    6 ـ المشرفون على الارتداد عندما دارت عليهم الدوائر (6).

1 ـ المنافقون / 1.

2 ـ التوبة / 101.

3 ـ الأحزاب/ 11.

4 ـ التوبة / 45 ـ 47.

5 ـ التوبة / 102.

6 ـ آل عمران / 154.

    7 ـ الفاسق أو الفسّاق الذين لا يصدق قولهم ولا فعلهم (1).

    8 ـ المسلمون الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم (2).

    9 ـ المؤلّفة قلوبهم الذين يظهرون الإسلام ويتآلفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم (3).

    10 ـ المولّون أمام الكفّار (4).

    هذه الأصناف إذا انضمّت إلى الأصناف المتقدّمة ، تعرب عن أنّ صحابة النبيّ الأكرم لم يكونوا على نمط واحد ، بل كانوا مختلفين من حيث قوّة الإيمان وضعفه ، والقيام بالوظائف والتخلّي عنها ، فيجب اخضاعهم لميزان العدالة الذي توزن به أفعال جميع الناس ، وعندئذ يتحقّق انّ الصحبة لا تعطي لصحابها منقبة إلاّ إذا كان أهلاً لها ، ومع ذلك فكيف يمكن رمي الجميع بسهم واحد واعطاء الدرجة الواحدة للجميع ، وهذا هو رأي الشيعة فيهم ، وهو نفس النتيجة التي يخرج بها الإنسان المتدبّر للقرآن الكريم.
    2 ـ إنّ الآيات التي تناولت المهاجرين والأنصار ، وغيرهم بالمدح والثناء ، لا تدلّ على أزيد من أنّهم كانوا حين نزول القرآن مُثلا للفضل والفضيلة ولكن الاُمور انّما تعتبر بخواتيمها ، فيحكم عليهم ـ بعد نزول الآيات ـ بالصلاح والفلاح إذا بقوا على ما كانوا عليه من الصفات ، وأمّا لو ثبت عن طريق السنّة أو التاريخ الصحيح انّه صدر عن بعضهم ما لا تحمد عاقبته ، فحينئذ لا مندوحة لنا إلاّ الحكم بذلك ، ولا يعد مثل ذلك معارضاً للقرآن الكريم لأنّه ناظر إلى أحوالهم في

1 ـ الحجرات / 6 ، السجدة / 18.

2 ـ الحجرات / 14.

3 ـ التوبة / 60.

4 ـ الأنفال / 15 ـ 16.

 

ظروف خاصّة ، لا في جميع فصول حياتهم ، فليس علينا رفع اليد عن السنّة والتاريخ الصحيح بحجّة أنّ القرآن الكريم مدحهم وأنّ اللّه رضي عنهم ، لما عرفت من أنّ المقياس القاطع للقضاء هو دراسة جميع أحوالهم ، فكم من مؤمن زلّ قدمه في الحياة ، فعاد منافقاً ، أو مرتدّاً ، وكم من ضالّ شملته العناية الإلهية فبصر الطريق وصار رجلاً إلهياً ، وبالجملة فمن ثبت عن طريق الدليل الصحيح انحرافه وزيغه عن الصراط المستقيم وشوب ايمانه بالظلم والعيث والفساد ، فيؤخذ بما هو الثابت في ذينك المصدرين ، وأمّا من لم يثبت زيغه فلا نتكلّم في حقّه بشيء سوى ما أمر اللّه به سبحانه من طلب الرحمة لهم حيث قال : ( رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ) (1).


    3 ـ ومن سوء الحظ انّ شرذمة قليلة من الصحابة ، زلّت أقدامهم وانحرفوا عن الطريق ، فلا تمس دراسة أحوال هؤلاء القليلين ، وتبيين مواقفهم ، وانحرافهم عن الطريق المستقيم بكرامة الباقين ، ولعلّ عدد المنحرفين ( غير المنافقين ) لا يتجاوز العشرة إلاّ بقليل.
    أفيسوغ في ميزان النصفة رمي الشيعة بأنّهم يكفّرون الصحابة ويفسّقونهم بحجّة أنّهم يدرسون حياة عدّة قليلة منهم ويذكرون مساوئ أعمالهم ، وما يؤاخذ عليهم على ضوء الكتاب والسنّة والتاريخ الصحيح.


    وما نسب إلى الحسن البصري فهو أولى بالاعراض عنه إذ لو كانت النجاة في ترك ذكرهم فلماذا اهتمّ ببيان أفعالهم وصفاتهم التاريخ المؤلّف بيد السلف الصالح الذين كانوا يحترمون الصحابة مثلما يحترمهم الخلف ، فلو كان الحق ترك التكلّم فيهم واعذارهم بالاجتهاد ، فلماذا وصف النبي الأكرم بعضهم بالارتداد ، كما رواه

1 ـ الحشر / 10.

 

البخاري وغيره (1).

    وإذا دار الأمر بين كون القرآن أو النبي أسوة ، أو الكلمة المأثورة عن الحسن البصري ، فالأوّل هو المتعيّن ، ويضرب بالثاني عرض الجدار.

    الردّة بعد وفاة الرسول ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) :

    بقيت هنا كلمة وهي : إذا كان موقف الشيعة وأئمّتهم من الصحابة ما ذكر آنفاً فما معنى ما رواه أبو عمرو الكشي من أنّه ارتدّ الناس بعد رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) إلاّ ثلاثة. إذ لو صحّ ما ذكر ، وجب الالتزام بأنّ النبيّ الأكرم لم ينجح في دعوته ولم تتخرّج من مدرسته إلاّ قلائل لا يعتد بهم في مقابل ما ضحّى به من النفس والنفيس.
    والاجابة على هذا السؤال واضحة لمن تفحّص عنها سنداً ومتناً. فإنّ ما رواه لا يتجاوز السبع روايات. وهي بين ضعيف لا يعرج عليه ، وموثق ـ حسب اصطلاح علماء الامامية في تصنيف الأحاديث ـ وصحيح قابلين للتأويل ، ولا يدلان على الارتداد عن الدين ، والخروج عن الإسلام بل يرميان إلى أمر آخر.
    أمّا الضعيف فهو ما رواه الكشي عن حمدويه وإبراهيم أبناء نصير قال : حدثنا محمّد بن عثمان عن حنان بن سدير عن أبيه عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : كان الناس أهل الردّة بعد النبي إلاّ ثلاثة ... (2).

    وكفى في ضعفها وجود محمّد بن عثمان في سنده وهو من المجاهيل.
    وما رواه أيضاً عن علي بن الحكم عن سيف بن عميرة عن أبي بكر الحضرمي

1 ـ صحيح البخاري 5 / 118 ـ 119 في تفسير سورة النور.

2 ـ رجال الكشي 12 الحديث 1.

 

قال : قال أبو جعفر ( عليه السلام ) : ارتدّ الناس إلاّ ثلاثة نفر : سلمان وأبوذر والمقداد (1).
    وكفى في ضعفها انّ الكشي من أعلام القرن الرابع الهجري القمري فلا يصح أن يروي عن علي بن الحكم سواء أكان المراد منه الأنباري الراوي عن ابن عمير المتوفّى عام 217 أو كان المراد الزبيري الذي عدّه الشيخ من أصحاب الرضا ( عليه السلام ) المتوفّى عام 203.
    وما نقله أيضاً عن حمدويه بن نصير قال : حدثني محمّد بن عيسى ومحمّد ابن مسعود قال : حدثنا جبرئيل بن أحمد. قال : حدثنا محمّد بن عيسى عن النضر بن سويد عن محمّد بن البشير عمّن حدثه قال : ما بقى أحد إلاّ وقد جال جولة إلاّ المقداد بن الأسود فإنّ قلبه كان مثل زبر الحديد (2).


    والرواية ضعيفة بجبرئيل بن أحمد فانّه مجهول كما أنّها مرسلة في آخرها.
    وأمّا الروايات الباقية فالموثق عبارة عمّا ورد في سنده علي بن الحسن بن فضال والثلاثة الباقية صحيحة ومن أراد الوقوف على اسنادها ومتونها فليرجع إلى رجال الكشي (3).
    ومع ذلك كلّه فإنّ هذه الروايات لا يحتج بها أبداً لجهات عديدة نشير إلى بعض منها.
    1 ـ كيف يمكن أن يقال انّه ارتدّ الناس بعد رسول اللّه ولم يبق إلاّ ثلاثة تمسّكوا بولاية علي ولم يعدلوا عنها مع أنّ ابن قتيبة والطبري رويا انّ جماعة من

1 ـ رجال الكشي 16 الحديث 13.

2 ـ رجال الكشي 16 الحديث 11.

3 ـ رجال الكشي 13 الحديث 3 ـ 4 ـ 6 و7.

 

بني هاشم وغيرهم تحصَّنوا في بيت علي معترضين على ما آل إليه أمر السقيفة. ولم يتركوا بيت الامام إلاّ بعد التهديد والوعيد واضرام النار أمام البيت. وهذا يدل على انّه كان هناك جماعة مخلصين بقوا أوفياء لما تعهّدوا به في حياة النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) وإليك نص التاريخ. قال ابن قتيبة :


    « إنّ بني هاشم اجتمعت عند بيعة الأنصار إلى علي بن أبي طالب ، ومعهم الزبير ابن العوام ـ رضي اللّه عنه ـ ... (1).


    وقال في موضع آخر : إنّ أبابكر ـ رضي اللّه عنه ـ تفقّد قوماً تخلَّفوا عن بيعته عند علي ـ كرم اللّه وجهه ـ فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم وهم في دار علي فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لاُحرقنّها على من فيها ، فقيل له : يا ابا حفص انّ فيها فاطمة فقال : وإن ... (2).


    وقال الطبري : قال : أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال : واللّه لاُحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة. فخرج عليه الزبير مصلتاً بالسيف فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه (3).


    وقال ابن واضح الاخباري : وتخلّف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار ومالوا مع علي بن أبي طالب منهم العباس بن عبدالمطلب ، والفضل ابن العباس ، والزبير بن العوام بن العاص ، وخالد بن سعيد ، والمقداد بن عمرو ، وسلمان الفارسي ، وأبوذر الغفاري ، وعمّار بن ياسر ، والبراء بن عازب واُبي ابن كعب. فأرسل أبوبكر إلى عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح والمغيرة

1 ـ الامامة والسياسة 1 / 10 ـ 12.

2 ـ الامامة والسياسة 1 / 10 ـ 12.

3 ـ تاريخ الطبري 2 / 442.

 

ابن شعبة فقال : ما الرأي ؟ قالوا : الرأي أن تلقى العباس بن عبدالمطلب فتجعل له في هذا الأمر نصيباً ... (1).

    كل ذلك يشهد على انّه كان هناك اُمّة بقوا على ما كانوا عليه ، في عصر الرسول الأعظم ، ولم يغترّوا بانثيال الأكثرية إلى غير ما كان الحق يدور مداره. وكيف يمكن ادّعاء الردّة لعامة الصحابة إلاّ القليل.

    2 ـ كيف يمكن أن يقال ارتدّ الناس إلاّ ثلاثة مع أنّ الصدوق ـ رضي اللّه عنه ـ ذكر عدة من المنكرين للخلافة في أوائل الأمر وقد بلغ عددهم اثنا عشر رجلا من المهاجرين والأنصار وهم خالد بن سعيد بن العاص ، والمقداد بن الأسود ، واُبي ابن كعب ، وعمّار بن ياسر ، وأبوذر الغفاري ، وسلمان الفارسي ، وعبداللّه بن مسعود ، وبريدة الأسلمي ، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، وسهل بن حنيف ، وأبو أيّوب الأنصاري ، وأبو هيثم ابن التيهان وغيره.

    ثمّ ذكر اعتارضاتهم على مسألة الخلافة واحداً بعد واحد (2).
    3 ـ إنّ وجود الاضطراب والاختلاف في عدد من استثناهم الامام يورث الشك في صحّتها ففي بعضها « إلاّ ثلاثة » وفي البعض الآخر إلاّ سبعة وفي ثالث « إلاّ ستة » فإنّ التعارض وإن كان يمكن رفعه بالحمل على اختلافهم في درجات الايمان غير أنّه على كل تقدير يوهن الرواية.

    4 ـ كيف يمكن انكار ايمان أعلام من الصحابة مع اتّفاق كلمة الشيعة والسنّة على علو شأنهم كأمثال بلال الحبشي ، وحجر بن عدي ، واويس القرني ، ومالك بن نويرة المقتول ظلماً على يد خالد بن الوليد ، وعباس بن عبدالمطلب

1 ـ تاريخ اليعقوبي 2 / 124.

2 ـ الخصال : الشيخ الصدوق أبواب الاثنى عشر 461 ـ 465.

 

وابنه حبر الاُمّة وعشرات من أمثالهم ، وقد عرفت أسماء المتخلّفين عن بيعة أبي بكر في كلام اليعقوبي ، أضف إلى ذلك انّ رجال البيت الهاشمي كانوا على خط الامام ولم يتخلّفوا عنه وانّما غمدوا سيوفهم اقتداءً بالامام لمصلحة عالية ذكرها في بعض كلماته (1).
    واقصى ما يمكن أن يقال في حقّ هذه الروايات هو انّه ليس المراد من الارتداد ، الكفر والضلال والرجوع إلى الجاهلية وانّما المراد عدم الوفاء بالعهد. الذي اُخذ منهم في غير واحد من المواقف وأهمّها غدير خم. ويؤيّد ذلك :


    ما رواه وهب بن حفص عن ابي بصير عن أبي جعفر : جاء المهاجرون والأنصار وغيرهم ـ بعدما بويع أبوبكر ـ إلى علي وقالوا له : أنت واللّه أميرالمؤمنين ، أنت واللّه أحقّ الناس وأولاهم بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هلمّ يدك لنبايعك فواللّه لنموتنّ قدامك. فقال علي ( عليه السلام ) : إن كنتم صادقين فاغدوا غداً عليّ محلّقين. فحلق أميرالمؤمنين وحلق سلمان وحلق مقداد وحلق أبوذر ولم يحلق غيرهم (2).
    وهذه الرواية قرينة واضحة على أنّ المراد هو نصرة الامام ( عليه السلام ) لأخذ الحق المغتصب فيكون المراد من الردّة هو عدم القتال معه.

 
    وممّا يؤيّد ذلك أيضاً الرواية التي جاء فيها انّ قلب المقداد بن الأسود كزبر الحديد ، فهي وإن كانت ضعيفة السند ، لكن فيها اشعار على ذلك لأنّ وصف قلب المقداد اشارة إلى ارادته القوية وثباته في سبيل استرداد الخلافة.
    وظنّي انّ هذه الروايات صدرت من الغلاة والحشوية دعماً لأمر الولاية وتفانياً في الاخلاص غافلين عن أنّها تضاد القرآن الكريم وما روي عن

1 ـ نهج البلاغة ، قسم الرسائل برقم 62.

2 ـ لاحظ الرجال للكشي 14 الحديث 7 من هذا الباب.

 

أميرالمؤمنين وحفيده سيد الساجدين ، من الثناء والمدح لعدّة من الصحابة. وهناك كلمة قيّمة للعلاّمة السيد محسن الأمين العاملي نذكر نصّه وهو يمثّل عقيدة الشيعة فقال :
    وقالت الشيعة حكم الصحابة في العدالة حكم غيرهم ولا يتحتّم الحكم بها بمجرّد الصحبة وهي لقاء النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) مؤمناً به ومات على الإسلام. وانّ ذلك ليس كافياً في ثبوت العدالة بعد الاتّفاق على عدم العصمة المانعة من صدور الذنب فمن علمنا عدالته حكمنا بها وقبلنا روايته ، ولزمنا له من التعظيم والتوقير ، بسبب شرف الصحبة ونصرة الإسلام والجهاد في سبيل اللّه ما هو أهله ، ومن علمنا منه خلاف ذلك لم تقبل روايته ، أمثال مروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة والوليد بن عقبة وبسر بن أرطاة وبعض بني اُمية وأعوانهم ، ومن جهلنا حاله في العدالة توقّفنا في قبول روايته.
    وممّا يمكن أنّ يذكر في المقام انّ النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) توفّي ومن رآه وسمع عنه يتجاوز مائة ألف انسان من رجل وامرأة على ما حكاه ابن حجر في الاصابة عن أبي زرعة الرازي : « وقيل مات ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) عن مائة وأربعة عشر ألف صحابي » ومن الممتنع عادة أن يكون هذا العدد في كثرته وتفرّق أهوائه وكون النفوس البشرية مطبوعة على حبّ الشهوات كلّهم قد حصلت لهم ملكة التقوى المانعة عن صدور الكبائر ، والاصرار على الصغائر بمجرّد رؤية النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) والايمان به ، ونحن نعلم أنّ منهم من أسلم طوعاً ورغبة في الإسلام ومنهم من أسلم خوفاً وكرهاً ، ومنهم المؤلّفة قلوبهم ، وما كانت هذه الاُمّة إلاّ كغيرها من الاُمم التي جبلت على حبّ الشهوات وخلقت فيها الطبائع القائدة إلى ذلك إن لم يردع رادع والكل من بني آدم وقد صحّ عنه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) انّه قال : « لتسلكنّ سنن من قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتّى لو دخل أحدهم جحر ضب لدخلتموه ». ولو منعت رؤية النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) من وقوع الذنب لمنعت من الارتداد الذي حصل من جماعة منهم كعبداللّه بن جحش ، وعبيداللّه بن خطل ، وربيعة بن اُمية بن خلف والأشعث بن قيس (1) وغيرهم. هذا مع ما شوهد من صدور اُمور من بعضهم لاتتّفق مع العدالة كالخروج على أئمّة العدل ، وشق عصا المسلمين ، وقتل النفوس المحترمة ، وسلب الأموال المعصومة ، والسب والشتم وحرب المسلمين وغشهم ، والقاح الفتن والرغبة في الدنيا ، والتزاحم على الامارة والرياسة وغير ذلك ممّا تكفّلت به كتب الآثار والتواريخ وملأ الخافقين. وأعمال مروان بن الحكم في خلافة عثمان معلومة مشهورة ، وكذلك بسر بن أرطاة والمغيرة بن شعبة والوليد بن عقبة وكلّهم من الصحابة (2).

    وحصيلة البحث : انّ موضع الاختلاف ، ومصبّ النزاع ليس إلاّ كون عدالة الصحابة قضية كلية ، أو جزئيّة ، فالسنّة على الاُولى والشيعة على الثانية وأمّا ما سواها من سبّ الصحابة ولعنهم ، أو ارتدادهم عن الدين بعد رحلة الرسول أو عدم حجية رواياتهم على وجه الاطلاق فانّها تهم اموية ناصبية ، اتّهم بها شيعة آل محمّد وهم برآء منها. ونعم الحكم اللّه. فالشيعة يعطون لكل ذي حقّ حقّه ، فيأخذون معالم دينهم عن ثقاة الصحابة ، ولا يتكلّمون في حقّ من لم يتعرّفوا على حاله ، ويحكمون على القسم الثالث على ضوء الكتاب والسنّة.
    إنّ هناك رجالا من السلف لا يجور حبّهم ولا يصح الترحّم عليهم ـ حسب الموازين الشرعية ـ ، منهم :

1 ـ الثلاثة الأوّلون ارتدّوا وماتوا على الردّة ، والأشعث ارتدّ فاُتي به إلى أبي بكر ـ رضي اللّه عنه ـ أسيراً فعاد إلى الإسلام وزوّجه اُخته ، وكانت عوراء فأولدها محمّداً أحد قتلة الحسين ( عليه السلام ).
2 ـ الأمين : أعيان الشيعة 1 / 113 ـ 114.

    1 ـ معاوية بن أبي سفيان ويكفي في حقّه ما ذكره الجاحظ في رسائله :
    قال في رسالته في بني اُميه والآثام التي اقترفوها : استوى معاوية على الملك ، واستبدَّ على بقيّة أهل الشورى ، وعلى جماعة المسلمين من المهاجرين والأنصار في العام الذي سمّوه عام الجماعة ، وما كان عام جماعة ، بل كان عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة ، والعام الذي تحوّلت فيه الإمامة ملكاً كسرويا ، والخلافة غصباً قيصريا ، ثمّ مازالت معاصيه من جنس ما حكيناه ، وعلى منازل ما رتّبناه ، حتّى ردّ قضية رسول اللّه ردّاً مكشوفاً وجحد حكمه جحداً ظاهرا (1) ، فخرج بذلك من حكم الفجّار إلى حكم الكفّار.
    أو ليس قتل حجر بن عدي واطعام عمرو بن العاص خراج مصر ، وبيعة يزيد الخليع ، والاستئثار بالفيئ واختيار الولاة على الهوى ، وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة ، من جنس الأحكام المنصوصة والشرائع المشهورة والسنن المنصوبة ، وسواء جحد الكتاب ، وردّ السنّة إذا كانت في شهرة الكتاب وظهوره ، إلاّ أنّ أحدهما أعظم وعقاب الآخرة عليه أشد (2).
    وقد أربت نابتة عصرنا ومبدعة دهرنا فقالت : لا تسبّوه فانّ له صحبة وسبّ معاوية بدعة ، ومن بغضه فقد خالف السنّة ، فزعمت أنّ من السنّة ترك البراءة ممّن جحد السنّة (3).
    2 ـ عمرو بن العاص الذي ألَّب على عثمان وسُرّ بقتله ، ثم اجتمع مع معاوية يطالب بدمه من كان من أشدّ المدافعين عنه ، وأعطفهم عليه يوم أمر طلحة بمنع الماء

1 ـ إشارة إلى استلحاق زياد بن أبيه وليد فراش غير أبي سفيان.
2 ـ أي ردّ السنّة مثل ردّ الكتاب إذا بلغت السنّة في الشهرة ، شهرة الكتاب.
3 ـ الجاحظ : رسائل الجاحظ 294 طبع مصر.

 

عنه وتعجيل قتله. كل ذلك كان من ابن العاص حبّاً بخراج مصر ، لا بعثمان ولا بمعاوية أيضا ، والعجب أنّ الرسول تنبّأ بذلك وصرح بأنّهما لا يجتمعان إلاّ على غدر (1).
    3 ـ يزيد الخليع المستهتر خليفة معاوية الذي ولّي ثلاث سنين بعده ، فقتل في الاُولى الحسين ، وفي الثانية أغار على المدينة وقتل من الصحابة والتابعين ما لا يحصى وأباح أعراضهم ، وفي الثالثة رمى الكعبة (2) وكفى في كفره وإلحاده جهره بقول ابن الزبعرى :

لعبت هاشم بالملك فلا
 

 
 

خبر جاء ولا وحي نزل

    4 ـ مروان بن الحكم الذي كان من أشدّ الناس بغضاً لأهل البيت. قال ابن حجر : ومن أشدّ الناس بغضاً لأهل البيت مروان بن الحكم (3). روى الحاكم أنّ عبدالرحمان بن عوف ـ رضي اللّه عنه ـ قال : كان لا يولد لأحد بالمدينة ولد إلاّ اُتي به النبي ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) ، فاُدخل عليه مروان بن الحكم ، فقال : هو وزغ بن الوزغ ، الملعون بن المعلون (4).
    5 ـ الوليد بن عقبة شارب الخمر ، والزائد في الفريضة (5).
    6 ـ عبداللّه سعد بن أبي سرح الذي أهدر النبيّ دمه (6).
    7 ـ الوليد بن يزيد بن عبدالملك الذي يخاطب كتاب اللّه العزيز بعد أن ألقاه

1 ـ ابن حجر : تطهير الجنان 102 ، المطبوع على هامش الصواعق المحرقة.

2 ـ ابن الجوزي : تذكرة الخواص ، فصل يزيد بن معاوية 257.

3 ـ ابن حجر : الصواعق المحرقة.

4 ـ الحاكم : المستدرك 4 / 479.

5 ـ البلاذري : الانساب 5 / 33 وأحمد بن حنبل : المسند 1 / 144.

6 ـ الطبري : التاريخ ، الجزء 3 / 295 ، فصل : ذكر الخبر عن فتح.

 

ورماه بالسهام بقوله :

تهدّدني بجبّار عنيد إذا ماجئت ربّك يوم حشر
 

 
 

فها أنا ذاك جبّار عنيد فقل يا رب مزّقني الوليد (1)

    هؤلاء وأضرابهم ، هم الذين تتبرّأ الشيعة منهم وتحكم عليهم بما حكم اللّه به عليهم. أفيصح تكفير الشيعة وتفسيقهم لأجل سبّ هؤلاء والتبرّي منهم.
    ويقول السيوطي : إنّ الوليد هذا كان فاسقاً خميراً لوّاطا ، راود أخاه سليمان عن نفسه ونكح زوجات أبيه (2).

    إلى غير ذلك من رجال العيث والفساد ، أفيصح في ميزان العدل والنصفة مؤاخذة الشيعة لأجل رفض هؤلاء الفسقة. الخارجين عن ولاية اللّه ودينه.

1 ـ ابن الأثير : الكامل في التأريخ 5 / 107.

2 ـ جلال الدين السيوطي : تاريخ الخلفاء 97.

المسألة العاشرة :

الالتزام بالسجدة على الأرض أو ما أنبتته

    السجدة في الصلاة وغيرها ، من مظاهر العبودية أمام المسجود له ، ومن أركان الصلاة وفي بعض المأثورات « أقرب ما يكون العبد إلى ربّه حال سجوده » فمهما أتى بالتذلّل والخضوع كان أوقع وافضل في العبودية ، فالسجود على التراب والرمل والحجر والحصى أبين لبيان العبودية والتصاغر ، من السجود على الحصر والبواري ، فضلاً عن السجود على الألبسة الفاخرة والفرش الغالية والذهب والفضة ، وإن كان الكل سجوداً ، لكن العبودية تتجلّى في الأوّل بما لا تتجلّى في غيره.

    والامامية ملتزمة بالسجدة على الأرض في حضرهم وسفرهم ، ولا يعدلون عنها إلاّ إلى ما اُنْبِت منها من الحصر والبواري بشرط أن لا يؤكل ولا يلبس. ولا يرون السجود على غيرهما صحيحاً في حال الصلاة أخذاً بالسنّة المتواترة عن النبيّ الأكرم وأهل بيته وصحبه. وسيظهر ـ في ثنايا البحث ـ أن الالتزام بالسجود على الأرض أو ما أنْبتت ، كانت هي السنّة بين الصحابة وانّ العدول عنها حدث في الأزمنة المتأخّرة ، ولأجل توضيح المقام نقدم اُموراً :

    1 ـ اختلاف الفقهاء في شرائط المسجود عليه :

    اتّفق المسلمون على وجوب السجود في الصلاة في كل ركعة مرّتين ، ولم يختلفوا في المسجود له فإنّه هو اللّه سبحانه الذي له يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرها (1) وشعار كل مسلم قوله سبحانه : ( لا تَسجُدُوا لِلشَّمسِ ولا للقَمَرِ واسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ ) (2) وانّما اختلفوا في شروط المسجود عليه ـ أعني ما يضع الساجد جبهته عليه ـ فالشيعة الامامية على انّه يشترط أن يكون المسجود عليه أرضاً أو ما ينبت منها غير مأكول ولا ملبوس كالحصر والبواري ، وما أشبه ذلك. وخالفهم في ذلك غيرهم من المذاهب وإليك نقل الآراء.
    قال الشيخ الطوسي (3) وهو يبيّن آراء الفقهاء : لا يجوز السجود إلاّ على الأرض أو ما أنبتته الأرض ممّا لا يؤكل ولا يلبس من قطن أو كتان مع الاختيار. وخالف جميع الفقهاء في ذلك وأجازوا السجود على القطن والكتان والشعر والصوف وغير ذلك ـ إلى أن قال ـ : لا يجوز السجود على شيء هو حامل له ككور العمامة ، وطرف الرداء ، وكم القميص ، وبه قال الشافعي ، وروي ذلك عن علي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وابن عمرو عبادة بن الصامت ، ومالك ، وأحمد بن حنبل.

1 ـ إشارة إلى قوله سبحانه : ( ولِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِى السَّمواتِ والأرضِ طَوْعاً وكَرْهاً وظلالُهُم بِالغُدُوِّ وَالآصالِ ) ـ الرعد / 15 ـ.

2 ـ فصّلت / 37.

3 ـ من أعلام الشيعة في القرن الخامس صاحب التصانيف والمؤلّفات ولد 385 توفّي عام 460 من تلاميذ الشيخ المفيد 336 ـ 413 ، والسيد الشريف المرتضى 355 ـ 436 ـ ـ رضي اللّه عنهم ـ.

وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا سجد على ما هو حامل له كالثياب التي عليه ، أجزأه ، وإن سجد على ما لا ينفصل منه مثل أن يفترش يده ويسجد عليها أجزأه لكنّه مكروه ، وروي ذلك عن الحسن البصري (1).

    وقال العلاّمة الحلّي (2) ـ وهو يبيّن آراء الفقهاء فيما يسجد عليه ـ : لا يجوز السجود على ما ليس بارض ولا من نباتها كالجلود والصوف عند علمائنا أجمع ، وأطبق الجمهور على الجواز.

    وقد اقتفت الشيعة في ذلك أئمّتهم الذين هم أعدال الكتاب وقرناؤه في حديث الثقلين نكتفي بالنزر القليل :

    روى الصدوق باسناده عن هشام بن الحكم أنّه قال لأبي عبداللّه ( عليه السلام ) : أخبرني عمّا يجوز السجود عليه ، عمّا لا يجوز ؟ قال : السجود لا يجوز إلاّ على الأرض ، أو على ما أنبتت الأرض إلاّ ما اُكل أو لبس. فقال له : جعلت فداك ما العلّة في ذلك ؟ قال : لأنّ السجود خضوع للّه عزّوجلّ فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل ويلبس ، لأنّ أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون ، والساجد في سجوده في عبادة اللّه عزّوجلّ ، فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغترّوا لغرورها (3).
    فلا عتب على الشيعة إذا التزموا بالسجود على الأرض أو ما أنبتته إذا لم يكن مأكولاً ولا ملبوساً اقتداءً بأئمّتهم ، على انّ ما رواه أهل السنّة في المقام ،

1 ـ الخلاف 1 كتاب الصلاة ، المسألة 112 ـ 113 / 357 ـ 358.

2 ـ الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي 648 ـ 726 وهو اُستاذ الشيعة في قرن السابع لا يسمع الدهر بمثله إلاّ في فترات خاصة.

3 ـ الوسائل 3 الباب 1 من أبواب ما يسجد عليه ، الحديث 1 ، وهناك روايات بمضمونه.

 والكل يتضمن انّ الغاية من السجود التي هي التذلل لا تحصل بالسجود على غيرهما فلاحظ.

 

يدعم نظرية الشيعة وسيظهر لك فيما سيأتي من سرد الأحاديث من طرقهم ، ويتّضح انّ السنّة كانت هي السجود على الأرض ، ثم جاءت الرخصة في الحصر والبواري فقط ، ولم يثبت الترخيص الآخر بل ثبت المنع عنه كما سيوافيك.

 
    2 ـ الفرق بين المسجود له والمسجود عليه :

 
    كثيراً ما يتصوّر أنّ الالتزام بالسجود على الأرض أو ما أنبتت ، بدعة ، ويتخيّل الحجر المسجود عليه ، وثناً ، وهؤلاء هم الذين لا يفرّقون بين المسجود له ، والمسجود عليه ، ويزعمون أنّ الحجر أو التربة الموضوعة أمام المصلّي ، وثناً يعبده المصلّي بوضع الجبهة عليه. ولكن لاعتب على الشيعة إذا قصر فهم المخالف ، ولم يفرّق بين الأمرين وزعم المسجود عليه ، مسجوداً له ، وقاس أمر الموحّد ، بأمر المشرك بحجّة المشاركة في الظاهر ، فأخذ بالصور والظواهر مع أنّ الملاك هو الأخذ بالبواطن والضمائر ، فالوثن عند الوثني معبود ومسجود له يضعه أمامه ويركع ويسجد له ، ولكن الموحّد الذي يريد أن يصلّي في أظهار العبودية إلى نهاية مراتبها ، يخضع للّه سبحانه ويسجد له ، ويضع جبهته ووجهه على التراب والحجر ، والرمال والحصى ، مظهراً بذلك مساواته معها عند التقييم قائلا : أين التراب وربّ الأرباب.

 
    3 ـ السنّة في السجود في عصر الرسول وبعده :


    إنّ النبيّ الأكرم وصحبه كانوا ملتزمين بالسجود على الأرض مدّة لا يستهان بها ، متحمّلين شدّة الرمضاء وغبار التراب ورطوبة الطين ، طيلة أعوام. ولم يسجد أحد يوم ذاك على الثوب وكور العمامة بل ولا على الحصر والبواري والخمر ، وأقصى ما كان عندهم لرفع الأذى عن الجبهة ، هو تبريد الحصى بأكفّهم ثمّ السجود

 

عليها ، وقد شكى بعضهم رسول اللّه من شدّة الحر ، فلم يجبه ، إذ لم يكن له أن يبدل الأمر الإلهي من تلقاء نفسه ، إلى أن ورد الرخصة بالسجود على الخمر والحصر فوسع الأمر للمسلمين لكن في اطار محدود ، وعلى ضوء هذا فقد مرّت في ذلك المجال على المسلمين مرحلتان لا غير :

 
    1 ـ ما كان الواجب فيها على المسلمين ، السجود على الأرض بأنواعها المختلفة من التراب والرمل والحصى والطين ، ولم تكن هناك أية رخصة.
    2 ـ المرحلة التي ورد فيها الرخصة بالسجود على نبات الأرض من الحصر والبواري والخمر ، تسهيلاً للأمر ، ورفعاً للحرج والمشقّة ولم تكن هناك أية مرحلة اُخرى توسع الأمر للمسلمين أكثر من ذلك كما يدّعيه أهل السنّة وإليك البيان :

 المرحلة الاُولى : السجود على الأرض :

1 - روى الفريقان عن النبيّ الأكرم أنّه قال : « وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً » (1).
    والمتبادر من الحديث انّ كل جزء من الأرض مسجد وطهور يُسْجد عليه ويُقْصَد للتيمّم ، وعلى ذلك فالأرض تقصد للجهتين : للسجود تارة والتيمّم اُخرى.
    وأمّا تفسير الرواية بأنّ العبادة والسجود للّه سبحانه لا يختص بمكان دون مكان ، بل الأرض كلّها مسجد للمسلمين بخلاف غيرهم حيث خصّوا العبادة بالبيع والكنائس ، فهذا المعنى ليس مغايراً لما ذكرناه ، فانّه إذا كانت الأرض على وجه الاطلاق مسجداً للمصلّي فيكون لازمه كون الأرض كلّها صالحة للعبادة ، فما ذكر

1 ـ صحيح البخاري 1 / 91 كتاب التيمّم الحديث 2 وسنن البيهقي 2 / 433 باب : أينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد ، ورواه غيرهما من أصحاب الصحاح والسنن.

معنى التزامي لما ذكرناه ، ويعرب عن كونه المراد ذكر « طهوراً » بعد « مسجداً » وجعلهما مفعولين لـ « جعلت » والنتيجة هو توصيف الأرض بوصفين كونه مسجداً وكونه طهوراً ، وهذا هو الذي فهمه الجصاص وقال : إنّ ما جعله من الأرض مسجداً هو الذي جعله طهوراً (1).

 
    ومثله غيره من شرّاح الحديث.

 تبريد الحصى للسجود عليها :

    2 ـ عن جابر بن عبداللّه الأنصاري ، قال : كنت اُصلّي مع النبيّ الظهر ، فآخذ قبضة من الحصى ، فأجعلها في كفّي ثمّ اُحوّلها إلى الكف الاُخرى حتّى تبرد ثمّ أضعها لجبيني حتّى أسجد عليها من شدّة الحر (2).

    وعلّق عليه البيهقي بقوله : قال الشيخ : ولو جاز السجود على ثوب متّصل به لكان ذلك أسهل من تبريد الحصى بالكف ووضعها للسجود (3). ونقول : ولو كان السجود على مطلق الثياب سواء كان متصلاً أم منفصلاً جائزاً لكان أسهل من تبريد الحصى ولأمكن حمل منديل أو ما شابه للسجود عليه.

    3 ـ روى أنس قال : كنّا مع رسول اللّه في شدّة الحرّ فيأخذ أحدنا الحصباء في يده فإذا برد وضعه وسجد عليه (4).

    4 ـ عن خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول اللّه شدة الرمضاء في جباهنا

1 ـ احكام القرآن للجصاص 2 / 389 نشر بيروت.

2 ـ مسند أحمد 3 / 327 من حديث جابر وسنن البيهقي 1 / 439 باب ما روي في التعجيل بها في شدة الحرّ.

3 ـ سنن البيهقي 2 / 105.

4 ـ السنن الكبرى 2 / 106.

 

وأكفّنا فلم يشكنا (1).

    5 ـ قال ابن الاثير في معنى الحديث : إنّهم لمّا شكوا إليه ما يجدون من ذلك لم يفسح لهم أن يسجدوا على طرف ثيابهم (2).

    هذه المأثورات تعرب عن أنّ السنّة في الصلاة كانت جارية على السجود على الأرض فقط حتّى انّ الرسول لم يفسح للمسلمين العدول عنها إلى الثياب المتّصلة أو المنفصلة وهو ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) مع كونه بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً أوجب عليهم مس جباههم الأرض ، وإن آذتهم شدة الحر.

    والذي يعرب عن التزام المسلمين بالسجود على الأرض وعن اصرار النبيّ الأكرم بوضع الجبهة عليها لا على الثياب المتصله ككور العمامة أو المنفصلة كالمناديل والسجاجيد ، ما روي من حديث الأمر بالتتريب في غير واحد من الروايات.

    الأمر بالتتريب :

    6 ـ عن خالد الجهني قال : رأى النبيّ صهيباً يسجد كأنّه يتّقي التراب فقال له : ترّب وجهك يا صهيب (3).

    7 ـ والظاهر انّ صهيباً كان يتّقي عن التتريب بالسجود على الثوب المتّصل والمنفصل ، ولا أقل بالسجود على الحصر والبواري والأحجار الصافية ، وعلى كل تقدير ، فالحديث شاهد على أفضلية السجود على التراب في مقابل السجود على

1 ـ سنن البيهقي 2 / 105 باب الكشف عن الجبهة.

2 ـ ابن الأثير : النهاية 2 / 497 مادة « شكى ».

3 ـ المتقي الهندي : كنز العمال 7 / 465 برقم 19810.

 

الحصى لما دل من جواز السجدة على الحصى في مقابل السجود على غير الأرض.
    8 ـ روت اُمّ سلمة ـ رضي الله عنها ـ رأى النبي غلاماً لنا يقال له « افلح » ينفخ إذا سجد ، يا افلح ترّب (1).

    9 ـ وفي رواية : يا رباح ترّب وجهك (2).

    10 ـ روى أبو صالح قال : دخلت على اُمّ سلمة ، فدخل عليها ابن أخ لها فصلّى في بيتها ركعتين فلمّا سجد نفخ التراب ، فقالت اُمّ سلمة : ابن أخي ؟! لا تنفخ ، فإنّي سمعت رسول اللّه يقول لغلام له يقال له يسار ـ ونفخ ـ : ترّب وجهك للّه (3).

    الأمر بحسر العمامة عن الجبهة :


    11 ـ روي أنّ النبي ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) كان إذا سجد رفع العمامة عن جبهته (4).
    12 ـ روي عن علي أميرالمؤمنين أنّه قال : إذا كان أحدكم يصلّي فليحسر العمامة عن وجهه ، يعني حتّى لا يسجد على كور العمامة (5).
    13 ـ روى صالح بن حيوان السبائي أنّ رسول اللّه رأى رجلاً يسجد بجنبه وقد اعتمّ على جبهته فحسر رسول اللّه عن جبهته (6).
    14 ـ عن عياض بن عبداللّه القرشي : رأى رسول اللّه رجلاً يسجد على كور

1 ـ المتقي الهندي : كنز العمال 7 / 459 برقم 19776.

2 ـ المصدر نفسه برقم 19777.

3 ـ المتقي الهندي كنز العمال 7 / 465 ، برقم 19810 ومسند أحمد 6 / 301.

4 ـ الطبقات الكبرى 1 / 151 كما في السجود على الأرض 41.

5 ـ منتخب كنز العمال المطبوع في هامش المسند 3 / 194.

6 ـ البيهقي : السنن الكبرى 2 / 105.

 

عمامته فأومأ بيده : ارفع عمامتك وأومأ إلى جبهته (1).
    هذه الروايات تكشف عن أنّه لم يكن للمسلمين يوم ذاك تكليف إلاّ السجود على الأرض ولم يكن هناك أي رخصة سوى تبريد الحصى ولو كان هناك ترخيص لما فعلوا ذلك ، ولما أمر النبي بالتتريب ، وحسر العمامة عن الجبهة.

    المرحلة الثانية : الترخيص في السجود على الخمر والحصر :

    هذه الأحاديث والمأثورات المبثوثة في الصحاح والمسانيد وسائر كتب الحديث تعرب عن التزام النبي وأصحابه بالسجود على الأرض بأنواعها ، وأنّهم كانوا لا يعدلون عنه وإن صعب الأمر واشتدّ الحر لكن هناك نصوص تعرب عن ترخيص النبيّ ـ بايحاء من اللّه سبحانه إليه ـ السجود على ما أنبتت الأرض ، فسهل لهم بذلك أمر السجود ، ورفع عنهم الاصر والمشقّة في الحر والبرد وفيما إذا كانت الأرض مبتلّة ، وإليك تلك النصوص :
    1 ـ عن أنس بن مالك قال : كان رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) يصلّي على الخمرة (2).

    2 ـ عن ابن عباس : كان رسول اللّه يصلّي على الخمرة وفي لفظ : وكان النبيّ يصلّي على الخمرة (3).

    3 ـ عن عائشة : كان النبيّ يصلّي على الخمرة (4).

1 ـ البيهقي : السنن الكبرى 2 / 105.

2 ـ أبو نعيم الاصفهاني : ذكر أخبار اصبهان 2 / 141.

3 ـ مسند أحمد 1/ 269 ـ 303 ـ 309 و 358.

4 ـ مسند أحمد 6 / 179 وفيه أيضاً قال للجارية وهو في المسجد : ناوليني الخمرة.

 

    4 ـ عن اُمّ سلمة : كان رسول اللّه يصلّي على الخمرة (1).

    5 ـ عن ميمونة : ورسول اللّه يصلّي على خمرته فإذا أصابني طرف ثوبه (2).

    6 ـ عن اُمّ سليم قالت : وكان يصلّي الخمرة (3).

    7 ـ عن عبداللّه بن عمر : كان رسول اللّه يصلّي على الخمر (4).

 

    السجود على الثياب لعذر :

    قد عرفت المرحلتين الماضيتين ولو كان هناك مرحلة ثالثة فانّما مرحلة جواز السجود على غير الأرض وما ينبت منها لعذر وضرورة. ويبدو أنّ هذا الترخيص جاء متأخّراً عن المرحلتين لما عرفت أنّ النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) لم يُجب شكوى الأصحاب من شدّة الحرّ والرمضاء وراح هو وأصحابه يسجدون على الأرض متحمّلين الحر والأذى ولكنّ الباري عزّ اسمه رخّص لرفع الحرج السجود على الثياب لعذر وضرورة وإليك ما ورد في هذا المقام.

    1-عن أنس بن مالك : كنّا إذا صلّينا مع النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) فلم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض ، طرح ثوبه ثم سجد عليه.
    2 ـ وفي صحيح البخاري : كنّا نصلّي مع النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) فيضع أحدنا طرف الثوب من شدّة الحر. فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكّن جبهته من الأرض ، بسط ثوبه.

    3 ـ وفي لفظ ثالث : كنّا إذا صلّينا مع النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم )

1 ـ مسند أحمد 6 / 302.

2 ـ مسند أحمد 6 / 331 ـ 335.

3 ـ مسند أحمد 6 / 377.

4 ـ مسند أحمد 2 / 92 ـ 98.

 

فيضع أحدنا طرف الثوب من شدّة الحر مكان السجود (1).

    وهذه الرواية الّتي نقلها أصحاب الصحاح والمسانيد تكشف الغطاء عن بعض ما روي في ذلك المجال الظاهر في جواز السجود على الثياب في حالة الاختيار أيضاً. وذلك لأنّ رواية أنس نص في اختصاص الجواز على حالة الضرورة ، فتكون قرينة على المراد من هذه المطلقات وإليك بعض ما روي في هذا المجال.

    1 ـ عبداللّه بن محرز عن أبي هريرة : كان رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) يصلّي على كور عمامته (2).

    إنّ هذه الرواية مع أنّها معارضة لما مرّ من نهي النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) عن السجود عليه ، محمولة على العذر والضرورة وقد صرّح بذلك الشيخ البيهقي في سننه ، حيث قال :

    قال الشيخ : « وأمّا ما روي في ذلك عن النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) من السجود على كور العمامة فلا يثبت شيء من ذلك وأصح ما روي في ذلك قول الحسن البصري حكاية عن أصحاب النبيّ (3).

    وقد روي عن ابن راشد قال : رايت مكحولا يسجد على عمامته فقلت : لِمَ تسجد عليها ؟ قال : أتّقي البرد على أسناني (4).

    2 ـ ما روي عن أنس : كنّا نصلّي مع النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) فيسجد

1 ـ صحيح البخاري 1 / 101 ، صحيح مسلم 2 / 109 ، مسند أحمد 1 / 100 ، السنن الكبرى 2 / 106.
2 ـ كنز العمال 8 / 130 برقم 22238.

3 ـ البيهقي : السنن 2 / 106.

4 ـ المصنف لعبد الرزاق 1 / 400 كما في سيرتنا وسنّتنا ، والسجدة على التربة 93.

 

أحدنا على ثوبه (1).

    والرواية محمول على صورة العذر بقرينة ما رويناه عنه ، وبما رواه عنه البخاري : كنّا نصلّي مع النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) في شدة الحرّ فاذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه (2).

    ويؤيّده ما رواه النسائي : كنّا إذا صلينا خلف النبيّ بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتّقاء الحرّ (3).
    وهناك روايات قاصرة الدلالة حيث لا تدل إلاّ على أنّ النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) صلّى على الفرو. وأمّا انّه سجد عليه فلا دلالة لها عليه.
    3 ـ عن المغيرة بن شعبة : كان رسول اللّه يصلّي على الحصير والفرو المدبوغة (4).
    والرواية مع كونها ضعيفه بيونس بن الحرث ، ليست ظاهرة في السجود عليه. ولا ملازمة بين الصلاة على الفرو والسجدة عليه ولعلّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) وضع جبهته على الأرض أو ما ينبت منها وعلى فرض الملازمة لا تقاوم هي وما في معناها ، ما سردناه من الروايات في المرحلتين الماضيتين.

    حصيلة البحث :

    إنّ الناظر في الروايات يجد أنّه مرّ على المسلمين مرحلتان أو مراحل ثلاثة ففي المرحلة الاُولى كان الفرض السجود على الأرض ولم يُرخَّص للمسلمين السجود على غيرها ، وفي الثانية جاء الترخيص فيما تنبته الأرض وليست وراء هاتين المرحلتين ، مرحلة اُخرى إلاّ جواز السجود على الثياب لعذر وضرورة فما يظهر من بعض الروايات من جواز السجود على الفرو وأمثاله مطلقاً ، فمحمولة على الضرورة أو لا دلالة لها على السجود عليها بل غايتها الصلاة عليها.

1 ـ البيهقي السنن الكبرى 2 / 106 ، باب من بسط ثوباً فسجد عليه.

2 ـ البخاري 2 / 64 كتاب الصلاة باب بسط الثوب في الصلاة للسجود.

3 ـ ابن الأثير : الجامع للاُصول 5 / 468 برقم 3660.

4 ـ أبو داود : السنن / باب ما جاء في الصلاة على الخمرة برقم 331.

 

    فاللازم على فقهاء أهل السنّة إعادة النظر في هذه المسألة حتّى يحيوا السنّة ويميتوا البدعة. فانّ الرائج في بلادهم هو افتراش المساجد بالسجاد ، والسجود عليها. كما أنّ السائد هو السجود على كل شيء. من البسط المنسوجة من الصوف والوبر ، والحرير ، وطرف الثوب فانّ هذا العمل حسب مامرّ من الروايات بدعة حدثت بعد النبي ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) وكانت السنّة غيرهما فلا عتب على الشيعة إذا ما تمسّكوا بالسنّة ولم يسجدوا الاّ على الأرض وما أنبتته تبعاً للسنن النبوية والأحاديث المروية عن أئمّة أهل البيت.

    ما هو السر في اتّخاذ تربة طاهرة :

    بقي هنا سؤال يطرحه اخواننا أهل السنّة يقولون ما هو السر في اتّخاذ تربة طاهرة في السفر والحضر والسجود عليها دون غيرها. وربّما يتخيّل البسطاء انّ الشيعة يسجدون لها لا عليها ، ويعبدون الحجر والتربة ولكن المساكين لا يفرّقون بين السجود على التربة ، والسجود لها وعلى أي تقدير فالاجابة عنها واضحة فانّ المستحسن عند الشيعة هو اتّخاذ تربة طاهرة طيّبة ليتيقن من طهارتها من أي أرض اُخذت ، من اي صقع من أرجاء العالم كانت ، وهي كلّها في ذلك سواء.

    وليس هذا الالتزام إلاّ مثل إلتزام المصلّي بطهارة جسده وملبسه ومصلاّه وأمّا سرّ الالتزام في اتّخاذ التربة هو أنّ الثقة بطهارة كل أرض يحل بها ، ويتّخذها مسجداً لا تتأتّى له في كل موضع من المدن والرساتيق والفنادق والخانات ومحال المسافرين ومحطّات وسائل السير والسفر ومهابط فئات الركاب ومنازل الغرباء ، أنّى له ذلك وقد يحل بها كل إنسان من الفئة المسلمة وغيرها ومن أخلاط الناس الذين لا يبالون ولا يكترثون لأمر الدين في موضوع الطهارة والنجاسة.

 

    فأي وازع من أن يحتاط المسلم في دينه ، ويتّخذ معه تربة طاهرة يطمئن بها وبطهارتها يسجد عليها لدى صلاته حذراً من السجدة على الرجاسة والنجاسة ، والأوساخ الّتي لا يتقرّب بها إلى اللّه قط ولا تجوّز السنّة السجود عليها ولا يقبله العقل السليم ، خصوصاً بعد ورود التأكيد التام البالغ في طهارة أعضاء المصلّي ولباسه والنهي عن الصلاة في مواطن منها :

    المزبلة ، والمجزرة ، وقارعة الطريق ، والحمام ، ومواطن الابل والأمر بتطهير المساجد وتطييبها (1).


    وهذه القاعدة كانت ثابتة عند السلف الصالح وإن غفل التاريخ عن نقلها فقد روي أنّ التابعي الفقيه مسروق بن الأجدع المتوفّى عام 62 كان يصحب في أسفاره لبنة من المدينة يسجد عليها كما أخرجه ابن أبي شيبة في كتابه المصنف باب من كان حمل في السفينة شيئاً يسجد عليه. فأخرج بإسنادين أنّ مسروقاً كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة يسجد عليها (2).
    إلى هنا تبيّن انّ التزام الشيعة باتّخاذ التربة مسجداً ليس إلاّ تسهيل الأمر للمصلّي في سفره وحضره عسى أن لا يجد أرضاً طاهرة أو حصيراً طاهراً فيصعب الأمر عليه وهذا كادّخار المسلم تربة طاهرة لغاية التيمّم عليه.

    وأمّا السر في التزام الشيعة استحباباً بالسجود على التربة الحسينية فانّما هو من

1 ـ العلامة الأميني : سيرتنا وسنّتنا 158 ـ 159.

2 ـ أبوبكر بن أبي شيبة : المصنف 1 / 400 كما في السجدة على التربة 93.

 

جهة الأغراض العالية والمقاصد السامية منها ، أن يتذكّر المصلّي حين يضع جبهته على تلك التربة ، تضحية ذلك الإمام بنفسه وأهل بيته والصفوة من أصحابه في سبيل العقيدة والمبدأ ومقارعة الجور والفساد.

    ولمّا كان السجود أعظم أركان الصلاة وفي الحديث « أقرب ما يكون العبد إلى ربّه حال سجوده » فيناسب أن يتذكّر بوضع جبهته على تلك التربة الزاكية اُولئك الذين جعلوا أجسامهم ضحايا للحق ، وارتفعت أرواحهم إلى الملأ الأعلى ، ليخشع ويخضع ويتلازم الوضع والرفع ، وتحتقر هذه الدنيا الزائفة وزخارفها الزائلة ولعلّ هذا هو المقصود من أنّ السجود عليها يخرق الحجب السبع كما في الخبر فيكون حينئذ في السجود سر الصعود والعروج من التراب إلى ربّ الأرباب (1).

    وقال العلامة الأميني : نحن نتّخذ من تربة كربلاء قطعاً لمعاً ، وأقراصاً نسجد عليها كما كان فقيه السلف مسروق بن الأجدع يحمل معه لبنة من تربة المدينة المنوّرة يسجد عليها ، والرجل تلميذ الخلافة الراشدة ، فقيه المدينة ، ومعلّم السنّة بها ، وحاشاه من البدعة. فليس في ذلك أي حزازة وتعسّف أو شيء يضاد نداء القرآن الكريم أو يخالف سنّة ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) وسنّة رسوله ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) أو خروج من حكم العقل والاعتبار.
    وليس اتّخاذ تربة كربلاء مسجداً لدى الشيعة من الفرض المحتّم ولا من واجب الشرع والدين ولا ممّا ألزمه المذهب ولا يفرّق أي أحد منهم منذ أوّل يومها بينها وبين غيرها من تراب جميع الأرض في جواز السجود عليها خلاف ما يزعمه الجاهل بهم بآرائهم ، وإن هو عندهم إلاّ استحسان عقلي ليس إلاّ ، واختيار لما هو الأولى بالسجود لدى العقل والمنطق والاعتبار فحسب كما سمعت وكثير من رجال

1 ـ الأرض والتربة الحسينية 24.

 

المذهب يتّخذون معهم في أسفارهم غير تربة كربلاء ممّا يصحّ السجود عليه كحصير طاهر نظيف يوثق بطهارته أو خمرة مثله ويسجدون عليه في صلواتهم (1).
    هذا إلمام اجمالي بهذه المسألة الفقهية والتفصيل موكول إلى محلّها وقد أغنانا عن ذلك ما سطّره أعلام العصر وأكابره وأخص بالذكر منهم.

    1 ـ المصلح الكبير الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء 1295 ـ 1373 في كتابه الأرض والتربة الحسينية.

    2 ـ العلاّمة الكبير الشيخ عبدالحسين الأميني مؤلّف الغدير 1320 ـ 1390 فقد دوّن رسالة في هذا الموضوع طبع في آخر كتابه سيرتنا وسنّتنا.
    3-السجود على الأرض للعلاّمة الشيخ علي الأحمدي ـ دام عزّه ـ فقد أجاد في التتبّع والتحقيق.

 
    فما ذكرنا في هذه المسألة اقتباس من أنوار علومهم. رحم اللّه الماضين من علمائنا وحفظ اللّه الباقين منهم.

1 ـ سيرتنا وسنّتنا 166 ـ 167 طبع النجف الأشرف.

 

 

مصادر الاُصول والفروع عند الإماميّة

 

    إنّ بعض المتعصّبين يحاولون التشكيك في انتهاء الشيعة الامامية في مذهبهم إلى أئمّة أهل البيت وقد نقل هذه المحاولة السيد عبدالحسين شرف الدين في مراجعاته (1).
    ولا شك أنّ هذه المحاولة فاشلة ، ولا نحتاج إلى بسط في الجواب وربّما يتّضح استناد مذهبهم إلى أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) ممّا مضى في الفصل الحادي والثاني عشر.
    يقول السيد شرف الدين : إنّ الشيعة الامامية في الفروع والاُصول وسائر ما يؤخذ من الكتاب والسنّة أو يتعلّق بهما من جميع العلوم ، لا يعولون في شيء من ذلك إلاّ عليهم ولا يرجعون فيه إلاّ إليهم ، فهم يدينون اللّه تعالى ويتقرّبون إليه بمذهب أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) لا يجدون عنه حولاً ولا يرتضون به بدلاً. على ذلك مضى سلفهم الصالح في عهد أميرالمؤمنين والحسن والحسين. والأئمّة التسعة من ذريّة الحسين ( عليهم السلام ) إلى زماننا هذا وقد أخذ الفروع والاُصول عن كل واحد منهم جمّ من ثقات الشيعة وحفّاظهم (2).

1 ـ راجع المراجعات 109.

2 ـ المراجعات 303 المراجعة 110.

    إنّ الشيعة يتّخذون الكتاب مصدراً رئيسياً في العقيدة والتشريع كما يتّخذون سنّة النبي ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) مصدراً رئيسياً ثانياً ويعملون بحكم العقل في المجال الذي له صلاحية القضاء ، ويتّخذون من الاجماع دليلاً فيما لو كشف عن الدليل الشرعي وهذا ممّا لا شك فيه.

    ولكن انّ في الكتاب عمومات ومطلقات وقد خصّصت في السنّة كما أنّ فيه مجملات تطلب لنفسها بياناً من السنّة ، والشيعة ترجع إلى أئمّة أهل البيت في هاتيك الموارد لأجل أنّ كلامهم وقولهم هو كلام وقول النبي الأكرم وهناك مسائل مستحدثة واُمور طارئة لا يجد لها الفقيه حلولا في السنّة النبوية. لأنّها طرأت بعد رحلة النبي ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) فقام أئمة أهل البيت بالاجابة عنها من غير فرق بين مجالي الالتزام والعمل.
    هذا هو مذهب الامامية وعلى ذلك جرى سلفهم وخلفهم من عصر أميرالمؤمنين إلى يومنا هذا.

    إنّ انتماء الشيعة الامامية إلى أئمّة أهل البيت أظهر من الشمس ، وقد تعرّفت على الرواة الثقات الذين أخذوا الاُصول والفروع عن الباقر والصادق والكاظم والرضا ( عليهم السلام ) ، كما تعرّفت على الجوامع التي دوّنها أصحابهم في تلك العصور وكانت الجوامع مفزعاً للشيعة في عصر الأئمة ، حتّى عصر الغيبة لأنّها تحتوي علوم أهل البيت ( عليهم السلام ).

 
    ولمّا كانت هذه الجوامع غير خالية عن النقص الفنّي في التبويب وغير جامعة لما تركه أئمة أهل البيت من العلوم والمعارف قام المحمدون الثلاثة بتأليف جوامع ثانوية أحسن ترتيباً وتبويباً وأكثر شمولا.

    1 ـ محمّد بن يعقوب الكليني ولد في عهد امامة العسكري ( 254 ـ 260 ) وتوفّي عام 329 فهو أوثق الناس في الحديث وأعرفهم به ، صنّف كتاب الكافي وهذبه في عشرين سنة (1) ولقد حصروا أحاديثه في ستة عشر الف حديث ومائة وتسعة وتسعين حديثا ( 16199 ) والصحيح منها باصطلاح المتأخرين خمسة الآف واثنان وسبعون حديثاً ، والحسن مائة وأربعة وأربعون حديثاً ، والموثّق مائة حديث وألف حديث وثمانية عشر حديثاً ، والقويّ منها اثنان وثلاثمائة ، والضعيف منها أربعمائة وتسعة آلاف وخمسة وثمانون حديثا (2).

    وقال الشهيد في الذكرى : « إنّ ما في الكافي يزيد على ما في مجموع الصحاح الستّة للجمهور وعدّة كتب الكافي اثنان وثلاثون كتاباً » (3).


    وقال في كشف الظنون نقلاً عن الحافظ « ابن حجر » : إنّ جميع أحاديث صحيح البخاري بالمكرّر سوى المعلّقات والمتابعات على ما حرّرته وحقّقته سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعون حديثاً ، والخالص من ذلك بلا تكرير الفا حديث وستمائة وحديثان ، وإذا انضمّ إليه المتون المعلّقة المرفوعة وهي مائة وخمسون حديثاً ، صار مجموع الخالص ألفي حديث وسبعمائة وواحد وستون حديثا.

    وروى ايضاً عن مسلم أنّ كتابه أربعة آلاف حديث دون المكررات وبالمكررات سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا.

    وقال أبو داود في أوّل سننه : « وجمعت في كتابي هذا أربعة آلاف حديث وثمانية أحاديث في الصحيح وما يشبهه وما يقاربه » (4).

    2 ـ محمّد بن علي بن الحسين الصدوق ( 306 ـ 381 ) مؤلّف « من لا يحضره الفقيه » وهو الجامع الثاني للشيعة.

1 ـ النجاشي : الرجال برقم 1027.

2 ـ لؤلوة البحرين للمحدث البحراني وما ذكره عند الجمع ينقص 78 حديثاً فلا حظ.

3 ـ الذكرى 6.

4 ـ كشف الظنون كما في مستدرك الوسائل 3 / 541 ، لاحظ فتح الباري في شرح أحاديث البخاري 1 / 465.


    إنّ أحاديث كتاب الفقيه لا تتجاوز عن 5963 حديثاً منها ألفان وخمسون حديثاً مرسلاً.

    3 ـ محمّد بن الحسن الطوسي ( 385 ـ 460 ) مؤلّف تهذيب الأحكام والاستبصار وعدد أحاديث الأوّل 13590 (1) وعدد أحاديث الثاني 5511 حديثاً كما ذكره المؤلّف في آخر الكتاب.

    هذه هي الكتب الأربعة ، المصادر المهمة عند الشيعة.

    الجوامع الحديثية الأخيرة :

    إنّ هناك لفيفاً من العلماء قاموا بجمع روايات الكتب الأربعة وإليك ايعاز إلى أسماء مؤلّفيها.

    1 ـ محمّد بن الحسن الحر العاملي توفّي 1104 مؤلّف كتاب تفصيل وسائل الشيعة طبع في عشرين جزءاً في الفروع والأحكام فقط ، ولم يجمع ما يرجع إلى الاُصول والعقائد.

 2 ـ محمّد بن المرتضى المعروف بالفيض 1091 مؤلّف الوافي في 14 جزء في الفروع والاُصول والسنن والأحكام ولو طبع الكتاب طبعة حديثة لبلغ 30 جزءاً.
    3 ـ المجلسي محمّد باقر 1027 ـ 1110 مؤلّف بحارالأنوار في 110 أجزاء وهو من أبسط الجوامع وأكثرها شمولاً.

    وهناك جوامع اُخرى طوينا الكلام عنها فمن أراد فليرجع إلى مظانّها.

1 ـ المستدرك 3 / 756.

    هذه هي المصادر التي تفزع إليها الشيعة في اُصولها وفروعها أتينا على ذكرها على وجه الاجمال ليكون القارئ على بصيرة.

    هذا هو مذهب الشيعة وهؤلاء هم خلفهم وسلفهم ، ومبدأ نشوئهم ، وهذه آراؤهم وعقائدهم ، وهؤلاء أئمتهم ، وهذه بلدانهم ودولهم ، وعدد نفوسهم ، وهذه جامعاتهم وحوزاتهم ، فهم اُمّة منتشرة في العالم وبلادهم مفتوحة لكل قاصد ، وهذه كتبهم المعبّرة عن تاريخهم وعقائدهم وكيانهم وشرفهم وهذا تاريخهم المأساوي جزاءً للخدمات الجليلة التي قدموها للحضارة الإسلامية بأفكارهم وآرائهم وأقلامهم وكتبهم.

 

خاتمة المطاف :  بيان لكتّاب المقالات ومؤرخي العقائد

    لقد حصحص الحق وبانت الحقيقة لذوي النصفة ونختم الكتاب بذكر اُمور مهمة ربّما مضى البحث عن بعضها في الفصول السابقة وإليك البيان.


    الأوّل : إنّ التشيّع لم يكن فكرة سياسية ابتدعتها الأهواء ، وطبعته بطابع الدين ، ولا عقيدة دينية لاتمتُّ إلى الإسلام بصلة ، بل هو نفس الإسلام في مجالي العقيدة والتشريع ، جاء به النبي الأكرم في كتابه وسنّته ، وليس التشيّع إلاّ تعبيراً آخر عن الإسلام ، في إطار ولاء أهل بيته الطاهرين وتتبّع آثارهم وأقوالهم وآرائهم.

    الثاني : إنّ كلّما تدين به الشيعة التزاماً وعملاً ، له مصدر متسالم على صحّته عند أهل السنّة ، وأنّهم لو نظروا إليه بعين الانصاف وطلب الحقيقة ، وابتعدوا عن كل رأي مسبق ، لوجدوا الفوارق الموجودة بين الطائفتين اُموراً واقعية لها دليل في الكتاب والسنّة ، حتّى في الاُمور التي يستنكرونها في بدء الأمر ، كالقول بالبداء ،

وعصمة الامام وميلاد المهدي المنتظر ، وحياته فعلاً وكون الأئمة محصورين في اثني عشر.
    الثالث : إنّ الشيعة ليست من الفرق البائدة التي خيّم الظلام عليها ، وعلى آثارهم وصارت مستورة تحت أطباق الثرى ، حتّى لا يعاب فيه التقوّل والحدس والتخمين ، وانّما هي فرقة حيّة منتشرة في العالم ولهم بلاد واسعة ، وحكومات قائمة ، وجامعات وكليات ، ومعاهد وحلقات ، ومكتبات غاصة بالكتب ، فعلى طالب الحقيقة ومؤرّخ العقائد أن يتّصل بعلمائهم عن كتب أو أن يرجع إلى الكتب المؤلّفة بايدي علمائهم الذين اجتمعت كلمتهم على وثاقته وعلمه ومعرفته ويجتنب عن الرجوع إلى كتب المتطفّلين على موائد العربية من مستشرق حاقد ، أو كاتب متحامل ، بل يجتنب عن الرجوع إلى كتاب عالم من الشيعة إذا لم تجتمع كلمتهم على وثاقته وعلمه أو صحة نظريته ، إذ في كل طائفة غال متنكّب عن الصراط ، خابط خبطة عشواء ، رفض العلماء كتابه وكلامه.


    إنّ بين كل طائفة ومنهم الشيعة كاتب غال خلط الغث بالسمين ، والصحيح بالزائف ، وربّما تكون له مكانة علمية و ـ مع ذلك ـ لا يصحّ الاستناد إلى مثل ذلك الكاتب ولا إلى كتابه ، بل يطرح الشاذ ، ويؤخذ بالمجمع عليه أو المشهور بينهم.
    إنّ المستند لرمي التشيّع بالاعتقاد بالتحريف في هذه الأيام هو كتاب « فصل الخطاب » الذي ألّفه الشيخ المحدّث النوري ، وجمع مواده من هنا وهناك من غير تحقيق في السند ولا تحليل في الدلالة ، ولكن الاستناد إلى هذا الكتاب ورمي طائفة كبيرة بهذه التهمة الشائنة تقوّل بالباطل ، لأنّ علماء الشيعة أنكروا هذا الكتاب على المؤلّف من أوّل يوم نشره ، وأخذوا بالردّ عليه ردّاً عنيفا (1) ولو كان تأليف ذلك الكتاب دليلاً على قول الشيعة بالتحريف فليكن كتاب « الفرقان » الذي عرّفه أحد الأزهرين المعاصرين دليلا على قول السنّة بها.

    الرابع : التعرّف الصحيح على المبادئ التي تعتمد عليها كل طائفة في مجال الالتزام القلبي يحصل من خلال السبر في الكتب العقائدية الكلامية المؤلّفة بيد عمالقة الفكر منهم ، وأمّا الكتب الحديثية المعتبرة فبما أنّ فيه الصحيح والسقيم ، والمشهور والشاذ ، والمحكم والمتشابه ، فلا يصحّ الاستناد إلى رواية رويت في كتب الحديث في مجال تبيين عقائد الفرقة ، فلو وجد في الكافي الذي هو من أتقن الكتب الحديثية عند الشيعة ما يضاد المشهور بين العلماء ، لما صحّ لنا الاعتماد عليه وترك ما ذهب إليه المشهور من علمائهم ، فليس معنى كون الكتاب معتبراً انّ جميع ما ورد فيه قابل للالتزام والعمل ، وهذا أمر واضح لدى الشيعة عامة ، وإن غفل عنه كتاب تاريخ الفرق.

    الخامس : إنّ هناك فرقاً بين الجوامع الحديثية عند الشيعة والصحاح عند السنّة ، فانّ الاُولى لديهم كتب معتبرة بمعنى أنّها صالحة للرجوع إليها بعد تمحيصها وتمييز الجيّد من الرديء فيها. و على ضوء ذلك لا يكون وجود الحديث فيها دليلاً على كون مضمونه حجّة في مفاده. وأمّا الصحاح الستّة عند السنّة فبما أنّ أكثرهم أضفى على الجميع وصف الصحة فلقائل أن يتصوّر أنّ وجود الحديث فيها دليل على كون مضمونه مذهباً لأهل السنّة.

1 ـ ردّ عليه في حياته وبعده لفيف من العلماء أخص بالذكر العلامة الحجة : الشيخ محمد هادي معرفة بكتاب أسماه صيانة القرآن عن التحريف وقد طبع وانتشر.

    السادس : إنّ المطلوب في العقائد ، غير المطلوب في الأحكام فالغاية من الثانية هي العمل وإن لم يكن اذعان بصحّته وكونه مطابقاً للواقع ، بل يكفي قيام الدليل على جواز تطبيق العمل عليه. بخلاف الاُولى فانّ الغرض المنشود منها هو الاعتقاد والايمان ، ومن المعلوم أنّ اليقين رهن مقدّمات مفيدة لليقين ومجرّد وجود خبر حتّى الصحيح في الجوامع الحديثية لا يؤدّي إلى اليقين فلا يمكن أن يحتجّ بها في مجال العقيدة إلاّ إذا كانت مفضية إلى اليقين ، والاذعان ، والخبر الواحد ، وإن صحّ ، خال من هذا الشأن.

    السابع : عرفت الشيعة بالتقيّة وأنّهم يتقون في أقوالهم وأفعالهم ، فصار ذلك مبدأ لوهم عالق بأذهان بعض المشاغبين والمغالطين فيقولون : بما أنّ التقيّة من مبادئ التشيّع فلا يصحّ الاعتماد بكل ما يقولون ويكتبون وينشرون إذ من المحتمل جدّاً أن تكون هذه الكتب دعايات والواقع عندهم غيرها. هذا ما نسمعه منهم مرّة بعد مرة ، ويكرّره الكاتب الباكستاني « إحسان إلهي ظهير » في كتبه الردية على الشيعة.

    ولكن نلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ مجال التقيّة انّما هي القضايا الشخصية الجزئية أي عند وجود الخوف على النفس والنفيس ، فإذا دلّت القرائن على أنّ في اظهار العقيدة أو تطبيق العمل عل مذهب إمام من أئمّة أهل البيت احتمال توجّه الضرر ، يصير المورد من مواردها ويحكم العقل والشرع بلزوم الاتّقاء حتّى يصون بذلك نفسه ونفيسه عن الخطر. وأمّا الاُمور الكليّة الخارجة عن إطار الخوف فلا يتصوّر فيها التقيّة ، والكتب المنتشرة من جانب الشيعة داخلة في النوع الثاني إذ لا خوف هناك حتّى يكتب خلاف ما يعتقد ، بل لا ملزم للكتابة أصلاً فله أن يسكت ولا يكتب شيئا.

    فما يدّعيه هؤلاء أنّ هذه الكتب دعايات لا واقعيات ناش عن عدم عرفانهم لحقيقة التقية عند الشيعة.

 
    والحاصل : انّ الشيعة انّما كانت تتّقي في عصر لم تكن لهم دولة تحميهم ، ولا قدرة ومنعة تدفع عنهم ، وأمّا هذه الأعصار فلا مسوّغ ولا مبرّر للتقية إلاّ في موارد خاصة.

 إنّ الشيعة منذ أن تعرضوا للضغط ، عاشت عندهم التقية على مستوى الفتاوى ، ولم تعش على المستوى العملى ، بل كانوا عملياً من أكثر الناس تضحية ، وبوسع كل باحث أن يرجع إلى مواقف الشيعة مع معاوية وغيره من الحكام الامويين ، والحكام العباسيين ، كحجر بن عدي ، وميثم التمّار ، ورشيد الهجري ، وكميل بن زياد ، ومئات من غيرهم ، وكمواقف العلويين على امتداد التاريخ وثوراتهم المتتالية (1).


    إنّ القول بالتقية ليس شيئاً مختصّاً بالشيعة ، بل يقول به المسلمون جميعاً هذا أبو الهذيل العلاف رئيس المعتزلة يقول : إنّ المكره إذا لم يعرف التعريض والتورية فيما اُكره عليه فله أن يكذب ويكون وزر الكذب موضوعاً عنه (2).

    بل يقول به كل مسلم واع ، وكل كاتب قدير وناطق مصقع ، يعيش في بلاد يسود عليه الاستبداد وسلب الحريات الاجتماعية والسياسية بمختلف اشكاله وصوره.
    الثامن : لم يزل أهل السنّة يصفون المسانيد والسنن بالصحاح وربّما يغالون في حق بعض الصحاح كالبخاري بأنّه أصحّ الكتب بعد كتاب اللّه. أو ليس هذا مغالاة

1 ـ الدكتور أحمد الوائلي : هوية التشيّع 203.

2 ـ أبو الحسن الخياط : الانتصار 128.

في القول ؟ وإن كنت في شك من ذلك فاستمع لما نتلوه عليك عن ذلك الكتاب الذي هو الأصحّ في زعمهم بعد كتاب اللّه.

    1 ـ روى في تفسير سورة الاسراء انّ جبرائيل ليلة اُسري بالنبي إلى السماء جاءه بقدحين ، أحدهما من لبن وآخر من خمر ، وخيّره بين شرب واحد منهما (1).

    أفيصح في منطق العقل أن يأتي جبرئيل في تلك الليلة بقدح من الخمر التي وصفها رسول اللّه باُمّ الخبائث ووصفه الكتاب العزيز بأنّه من عمل الشيطان ؟! ولا يصحّ لمتقوّل أن يفسّرها بخمر الجنّة التي لا سكر فيها وهو بعد في الدنيا ؟

    2 ـ روى عن عائشة أنّها قالت : سحر النبي حتّى كان يخيّل إليه أنّه يفعل الشيء وما يفعله (2).

    فعلى ذلك لا يحصل أي ثقة بكلام النبي وقوله ، ولأجل ذلك نرى انّ الجصاص يقول في حقّ هذه الروايات : ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين (3).

    3 ـ وأخرج في صحيحه في كتاب الغسل باب إذا جامع ثم عاد ومن دار على نسائه في غسل واحد عن أنس بن مالك قال : كان النبي ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) يدور على نسائه في الساعة الواحدة في الليل والنهار وهنّ إحدى عشرة ، قال : قلت لأنس : أو كان يطيقه ؟ قال : كنّا نتحدّث أنّه اُعطي قوّة ثلاثين (4).

    إنّ النبي الأكرم كان يقضي ليلة بالتهجّد والعبادة ، قال سبحانه : ( إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِنْ ثُلُثَىِ الَّيْلِ أو نِصْفَهُ وثُلُثَهُ وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ) (5)

1 ـ البخاري ج 4 باب صفة إبليس وجنوده.

2 ـ أحمد بن حنبل : المسند 6 / 5.

3 ـ الجصاص : احكام القرآن 1 / 55.

4 ـ البخاري : الصحيح 6 / 13.

5 ـ المزّمّل / 20.

وما جاء في الرواية انّما يلائم حال الخلفاء الامويين والعباسيين الذين كانت قصورهم تزخر بالجواري والنساء وحاشا النبي الأكرم الذي عبداللّه سبحانه حتّى تورّمت قدماه ونزل قوله سبحانه : ( طه * ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى إلاّ تَذْكِرَهً لِمَنْ يَخْشى ) (1).


    إنّ الرواية وضعت لتبرير أعمال هؤلاء الذين يعرّفهم الامام في كتابه إلى عامله بالبصرة ، عثمان بن حنيف ويقول : « كالبهيمة المربوطة ، همّها علفها ، أو المرسلة شغلها تقمّمها » (2) ولا يهمهم سوى ارضاء البطن والفرج.

    4 ـ والعجب أنّه روي عن عائشة خلاف ذلك وأنّه لم يكن للنبي الأكرم الطروقة وقوة النكاح وكثرة الجماع قالت : إنّ رجلاً سأل رسول اللّه ، عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل ( لا ينزل منه المني ) هل عليهما الغسل ؟ وعائشة جالسة فقال رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) : إنّي لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل (3).

    حاشا نبيّ العظمة والقداسة أن يتفوّه بحضرة زوجته ما لا يتكلّم به إلاّ الإنسان الماجن ، المنهمك في الشهوات البهيمية ، واللّه سبحانه يصف حياءه بقوله : ( فَإذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا ولا مُسْتَأْنِسينَ لِحَديثٍ إنَّ ذلِكُمْ كانَ يُوذِى النَّبِىَّ فَيَسْتَحْيِى مِنْكُمْ واللّهُ لا يَسْتَحْيِى مِنَ الحَقِّ ) (4).
    هذه نماذج من الأحاديث الواردة في أصح الكتب عند أهل السنّة ، لا أظن أنّ من يملك شيئاً من الدراية يحتمل صحّتها ، وهذا يدفع كلّ مسلم واع إلى دراسة هذه الكتب من جديد ، وتنزيه الحديث النبوي عن هذه الأباطيل .

1 ـ طه / 1 ـ 2.

2 ـ الرضي : نهج البلاغة ، قسم الكتب 45.

3 ـ مسلم : الصحيح 1 / 186 باب وجوب الغسل بالتقاء الختانين.

4 ـ الأحزاب / 53.

   

التاسع : لقد ذكر أبو زهرة سبب نمو المذهب الامامي ، وقال :

    « لقد نما هذا المذهب وانتشر لأسباب :

    1 ـ إنّ باب الاجتهاد مفتوح عند الشيعة ، وهذا يفتح باب الدراسة لكل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والننفسية.

    2 ـ كثرة الأقوال في المذهب ـ أي في المسائل الفقهية النظرية ـ واتّساع الصدر للاختلاف مادام كل مجتهد يلتزم المنهاج المسنون ، ويطلب الغاية التي يبتغيها من يريد محص الشرع الاسلامي ، خالصاً غير مشوب باية شائبة من هوى.

    3 ـ إنّ المذهب الجعفري قد انتشر في أقاليم مختلفة الألوان من الصين إلى بحر الظلمات حيث اوربا وما حولها ، وتفريق الأقاليم التي تتباين عاداتهم وتفكيرهم وبيئاتهم الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية. إنّ هذا يجعل المذهب كالنهر الجاري في الأرضين المختلفة الألوان ، يحمل في سيره ، ألوانها وأشكالها من غير أن تتغير في الجملة عذوبته.
    4 ـ كثرة علماء المذهب الذين يتصدّون للبحث والدراسة وعلاج المشاكل المختلفة ، وقد آتى اللّه ذلك المذهب من هؤلاء العلماء عدداً وفيراً عكفوا على دراسة وعلاج المشاكل على مقتضاه (1).

    العاشر : نجد بعض المشاغبين يتّهمون الشيعة بالقول بالتحريف ، بحجة أنّ لدى الشيعة مصحفاً باسم « مصحف فاطمة » واختصاصه بها كاشف عن مغايرته مع المصحف الرائج.

1 ـ أبو زهرة : الامام الصادق ، بتلخيص محمّد جواد مغنية في كتابه الشيعة والتشيّع 225.

   

إنّ هذا المشاغب ، لم يقرأ تاريخ الشيعة ولم يقف على كلمات أئمتهم حول هذا المصحف. وزعم أنّ المصحف بمعنى القرآن ، وغفل عن أنّ المقصود منه ، هو الكتاب قال سبحانه : ( وَ إذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ) (1) وقد أملى النبيّ الأكرم في مجالي العقيدة والتشريع والملاحم اُموراً على ابنته وزوجها فجمعت في « صحف مكرمة » ، سميت مصحف فاطمة. وهذا هو الامام الصادق حفيد فاطمة الطاهرة وهو من أهل البيت ، وهم أدرى بما في البيت ، يحدّثنا عن هذا المصحف ويقول : عندنا مصحف فاطمة أما واللّه ما فيه حرف من القرآن ولكنّه املاء من رسول اللّه.

    روى الكليني انّ المنصور سأل فقهاء أهل المدينة عن مسألة في الزكاة فما أجابه عنها إلاّ الإمام الصادق ولمّا سَئِل من أين أخذ هذا ؟ قال : من كتاب فاطمة (3).

    نرى انّ الامام يعبّر عن مصحف فاطمة بكتاب ، مشيراً إلى أنّه كتاب لا قرآن يختص به.

    فإذا كان الغرض هو التعرّف على الواقع فهذا هو الواقع. وإن كان الهدف هو الشغب فالاُولى بهذه النسبة هي عائشة ، روى السيوطي أنّه قالت حميدة بنت أبي يونس : قرأ أبي وهو ابن ثمانين سنة في مصحف عائشة : انّ اللّه وملائكته يصلّون على النبي يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما وعلى الذين يصلّون في الصفوف الاُولى (2).

1 ـ التكوير / 10.

2 ـ الكليني الكافي 3 / 507 ط طهران.

3 ـ الاتقان 2 / 25.


source : http://aqedaty.net
  742
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

الطارق
طرق إثبات وجود الله
التفویض بالمعنى الأخص
البداء والإرادة المُناظرة الخامسة-2
كيف أتخلص من الخيالات والأفكار الفاسدة
الإمامَة بَين شَيْخ الشِّيعَة وَشَيْخ المُعتَزلة
هدف العبادة
زيارة عاشوراء سنداً ومكانةً
الفساد في المفهوم القرآني
محدودية الإنسان وعجزه

 
user comment