عربي
Tuesday 1st of December 2020
  388
  0
  0

مشروع الآل والأصحاب.. ما له وما عليه

كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول العلاقة بين الآل والأصحاب، وحب الأصحاب جميعاً لآل البيت، والعلاقة المتميزة التي كانت بين الطرفين، والمصاهرات التي حدثت بينهما، كما تم ربط هذا الموضوع بقضية استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وبقضايا تاريخية أخرى، وتحدث البعض عن حب المسلمين جميعاً لأهل البيت (عليهم السلام)، وأثر ذلك في تقريب وجهات النظر بين المسلمين السنة والشيعة، وغير ذلك.

 

 

ولابد هنا في خضم هذا الحديث المتنامي حول هذا الموضوع أن أوضح عدة نقاط في محاولة لإكمال الصورة وإيضاحها بشكل أكبر، وسعياً لإنجاح أي مشروع يهدف لتحقيق الألفة والوحدة في الصف الإسلامي، وذلك ضمن العناوين التالية:

 

 

النقطة الأولى: لا يختلف أصحاب الغيرة على الإسلام أن الوحدة الإسلامية هي من القضايا المهمة والملحّة في واقع المجتمعات الإسلامية، وليس منطلق هذه القضية تكتيكياً باعتبار ما تواجهه الأمة من مخاطر وتحديات، حتى إذا زالت تلك التحديات عادت الفرقة من جديد ورجعت الأمور إلى ما كانت عليه، بل هي مسألة مبدأ وعقيدة يتبناها المسلم انطلاقاً من قوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا).

 

 

النقطة الثانية: الحديث المكثّف (والمطوّر) عن وجوب حب آل البيت (عليهم السلام)، والتعريف بفضلهم ومناقبهم وشخصياتهم، من قبل العلماء والباحثين من إخواننا من أهل السنة، وإحياء ذًكرً ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) بالتفصيل من حيث الأبعاد والأهداف والآثار، كل ذلك يعدّ خطوة إيجابية في طريق الوحدة الإسلامية، وتخفيف حدة التشنّج بينها، وإيجاد أرضية مشتركة للانطلاق من خلالها لتعزيز روح الأخوة الإسلامية بين أتباع المذاهب المختلفة.

 

 

النقطة الثالثة: من النقاط الإيجابية في مشروع مبرة الآل والأصحاب هي مسألة التحوّل النوعي في خطاب بعض العلماء والمشايخ بدعوتهم إلى أهمية دراسة تاريخ الصحابة والآل، ومجريات أحداث تلك الفترة التي جمعتهم، وهو ما كان يُنكَر على المسلمين الشيعة إذ كانوا يتناولونها، ولاسيما ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) وملابساتها، وذلك بذريعة أن (تًلْكَ أُمَّة قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) البقرة/134، مع تأكيدي الدائم على ضرورة الحفاظ على اعتماد الأسلوب العلمي الراقي البعيد عن لغة الإسفاف والتهجم والسب واللعن والقفز على الحقائق، وعلى أن يكون الهدف هو البحث العلمي المتجرّد الذي يقدّم المادة العلمية للباحثين عنها، تماماً كما يُدرس تاريخ سائر الحضارات والأديان والشعوب، لأنه لا يمكن لأية أمة أن تنسلخ عن ماضيها وتعرض بوجهها عنه، لأن الحاضر امتداد ذلك الماضي ونتاجه، كما أننا نأخذ سنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق آله وأصحابه، الذين يشكلون في ذات الوقت القدوة للمسلمين، وما علم الرجال والجرح والتعديل إلا مصداق من مصاديق البحث في نطاق دراسة أحوال الشخصيات ومنهم الآل والأصحاب.

 

 

النقطة الرابعة: إذا أريد السعي لإنجاح مشروع الوحدة الإسلامية فلابد من الاتفاق على أرضية مشتركة بينها تكون هي الأساس في تكوين الرؤى وتوجيه الخطاب للرأي العام والعمل على الأرض من أجل إنجاح المشروع، وهذا ما اصطلح عليه القرآن الكريم بمبدأ (الكلمة السواء)، وإن كان ذلك يخص العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب، إلا أنه مبدأ عام ضروري لإنجاح المشروع.

 

 

النقطة الخامسة: الأرضية المشتركة (الكلمة السواء) التي دعا إليها أصحاب الأقلام المشار إليهم في بداية المقالة، ولاسيما إخواننا في (مبرة الآل والأصحاب) هي العلاقة بين الآل والصحاب، باعتبار أنها كانت علاقة ود وتصاهر مستمر، إلا أنني أجد أن الإخوة لم يوفّقوا في اختيارهم لهذه الأرضية (ولا أريد أن أحاكم نواياهم)، إذ أنّ مَن يريد أن يقرّب وجهات النظر فعليه أن يبحث عن المشتركات لا نقاط الاختلاف، ومن المعلوم أن العلاقة بين الآل والأصحاب هي من المحاور الرئيسة في الاختلاف بين السنة والشيعة، فالتاريخ يحكي حالات من التصارع والاقتتال والاختلاف العنيف والدموي ومنها الحروب التي قامت بين الأصحاب والأصحاب، أو بين بعض الأصحاب وبعض الآل، وأوضح مثال عليها الحروب الثلاثة التي وقعت على عهد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهي حرب الجمل وحرب صفين وحرب النهروان، والتي واجَه فيها الإمام علي (عليه السلام) بعض كبار الصحابة.

 

 

وكان نتاج هذه الحروب قتل وجرح عشرات الألوف من المسلمين، عدا الشرخ الكبير الذي أصاب الأمة وما تبع ذلك من فتن وحروب وثورات من قبيل المواجهات التي وقعت بين الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) وبين جيش معاوية بن أبي سفيان، ثم مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) بأمر يزيد بن معاوية، ووقعة الحرّة في المدينة المنورة والتي قُتًل فيها الكثير من صحابة رسول الله، وثورة الصحابي عبد الله بن الزبير وغير ذلك.

 

 

وهذا لا يعني أن حالة الخصام كانت قائمة بين الآل والأصحاب عموماً، بل إن عدداً كبيراً من الأصحاب كانوا في قوات الإمام علي (عليه السلام) ومن ثم مع الإمام الحسن، كما شارك بعضهم في ثورة الإمام الحسين واستشهد معه، ولا مجال لذكر الأسماء.

 

 

ولذا فإنني أرى أن جهد إخواننا في المبرة وغيرهم إنما يصب -في نهاية الأمر- في محاولة لإقناع أتباع مدرسة أهل البيت بخطأ رؤيتهم التاريخية والتنازل عن بعض متبنياتهم. وإن لم يكن هو هذا الهدف من وراء المشروع، إلا أنه بالنتيجة يصب في هذا الاتجاه، وهو ما لن يرتضيه إخوانهم الشيعة وسيبقون يتحسسون منه، وبالتالي سيبقى مشروع التقريب محدود التأثير.

 

 

النقطة السادسة: ثم إن مسألة عدالة الصحابة والقول بأن من اجتهد منهم في أي أمر فأخطأ فله أجر، حتى لو أدى ذلك إلى إراقة دماء الآلاف من الأبرياء، هي قضية خلافية أخرى، يسعى إخواننا في المبرة إلى جعلها أرضية أخرى مقبولة عند الطرفين للانطلاق منها في مشروع التقريب، في الوقت الذي يمثّل فيه تنازلاً آخر يُفترض على المسلم الشيعي تقديمه من أجل إنجاح المشروع، وهذا خطأ آخر وقع فيه الإخوة مع تقديرنا لهم واحترامنا لمشروعهم، وسيُبقي حالة عدم قبول المشروع فعّالاً، لاسيما مع وجود عدة نصوص قرآنية ونبوية من قبيل ما صحّ عن رسول الله أنه قال: (يُـذاد أناس عن حوضي يوم القيامة فأقول: يا رب أمتي!) وفي لفظ يقول: (أصحابي أصحابي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدَّل بعدي). أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء برقم 249، ونقلته عن الموقع الرسمي للشيخ عبد العزيز بن باز على الإنترنت.

 

 

النقطة السابعة: لعل من مشكلات تكوين الشخصية الإسلامية هي الازدواجية بين ما نقدّمه للمسلمين من قيم نظرية، وبين بعض النماذج التي نُصحّح شيئاً من تصرفاتها ولو بعنوان الاجتهاد الخاطئ الذي يُؤجر عليه، فالقاتل والمقتول مثابان، ولا يتحمّلان وزر دماء الآلاف من المسلمين، ولا تبعات الفتن والحروب، إلى آخر القائمة، مما يخلق ازدواجية في شخصية المسلم الذي يترضّى على الحسين بن علي الشهيد وعلى يزيد بن معاوية الذي أمر بقتله!! مما يسبب له إرباكاً عند الرغبة في اتخاذ قرار في أمر مشابه يعايشه، فلا يدري إذا كان الأمر يستدعي الوقوف مع (المقبور صدام حسين) باعتباره محقاً في الدفاع عن كرسيه ولو بقتل النفوس البريئة والاعتداء على الحرمات، أم الوقوف مع الضحايا الذين ذهب كثيري منهم ضحية إرادة الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

 

وأجد أن بعض ما صدر عن المبرة وممن كتب في هذا الاتجاه قد خطا خطوة إيجابية بتشخيص القاتل الحقيقي في مفردة واحدة وهي قضية الإمام الحسين، من خلال الاقتراب من حالة التبرؤ من القاتل ومًن فًعْـله، وهذا ما يفرضه البحث وهو ما كان يُـتجنّب في السابق.

 

 

النقطة الثامنة: ومما يُمكن لهذا المشروع أن يحققه في الوسط الشيعي هو تخفيف النظرة السلبية لدى البعض منهم حول الصحابة، وهو ما أفرزه التشنج القائم بين المذهبين، في الوقت الذي نجد فيه الإمام زين العابدين (عليه السلام) يدعو قائلاً: (اللّهُمَّ وَأَصْحابُ مُحَمَّد خَاصَّةً، الَّذينَ أَحْسَنُوا الصَّحابَةَ، وَالَّذينَ أَبْلَوُا الْبَلاءَ الْحَسَنَ في نَصْرًهً، وَكانَفُوهُ، وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إًلى دَعْوَتًهً، وَاسْتَجابُوا لَهُ... فَلا تَنْسَ لَهُمُ اللّهُمَّ ماتَرَكُوا لَكَ وَفيكَ، وَأَرْضًهًمْ مًنْ رًضْوانًكَ، وَبًما حاشُوا الْخَلْقَ عَلَيْكَ، وَكانُوا مَعَ رَسُولًكَ دُعاةً لَكَ إًلَيْكَ، وَاشْكُرْهُمْ عَلى هَجْرًهًمْ فيكَ دًيارَ قَوْمًهًمْ، وَخُرُوجًهًمْ مًنْ سَعَةً الْمَعاشً إًلى ضيقًهً، وَمَنْ كَثَّرْتَ في إًعْزازً دينًكَ مًنْ مَظْلُومًهًمْ). الصحيفة السجادية (من المؤسف أن البعض دعا لمنع هذا الكتاب مع ما يحتويه من أدعية وقيم إسلامية رائعة!!).

 

 

بل إننا نجد في الوسط الشيعي من يتعرّض لهذه القضايا بحدّية ويتّخذ مواقف لا تتواءم مع موقف آل البيت أنفسهم من ذات القضايا، والتي نجد فيها الموعظة الحسنة النابعة من الحلم وسعة الصدر، والحرص على وحدة الصف الإسلامي وإبقاء حالة الألفة والترابط الاجتماعي قائمة بين مكونات المجتمع المسلم بكافة فئاته مهما وقع الخلاف بينهم، ولربما من خلال ذلك يمكننا تفسير تسمية بعض الأئمة أبناءهم بأسماء بعض الصحابة، وحالات المصاهرة التي تمّت.

 

 

وخلاصة القول إننا في الوقت الذي نشجع فيه قيام مشروع يهدف إلى تحقيق التقارب بين المذاهب الإسلامية، إلا أننا بحاجة إلى البحث عن الأرضية المشتركة التي يقبل الجميع أن يقف عليها دون أن يشعر بسعي الطرف الآخر لمصادرة متبنياته، ولاشك أن أصل التوحيد والإيمان برسالة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والقرآن الكريم والعبادات كالصلاة والزكاة والصوم والحج التي يتفق عليها المسلمون كفرائض، وإن اختلفوا في بعض تفاصيلها، كلها كفيلة بأن تكون الأرضية التي ننطلق من خلالها لتحقيق هذا المشروع الراقي والحيوي، ونسأل الله تعالى لكل العاملين المخلصين في هذا الاتجاه التوفيق والسداد.

 

 

-----------------------

 

 

- المصدر : جريدة الوطن الكويتية 26/1/2008

 

 

(*) رجل دين كويتي


source : الشيخ علي حسن غلوم*
  388
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

ظاهر الانسان وباطنه
ما أكثر الضجيج و أقل الحجيج
السيد حسن الصدر
لماذا اعرض الصحابة عن مدلول حديث الغدير
عصمة الأنبیاء
رسـالة الحـقوق
الإمامة في القرآن - الوضع الخاصّ للآيات التي ترتبط ...
الإمامة في القرآن - اليوم أكملت لكم دينكم
صفات اللّه الجمالية و الجلالية
عصمة الأنبياء باختصار

 
user comment