عربي
Wednesday 23rd of September 2020
  412
  0
  0

المطهَّرون عنـد الله

المطهَّرون عنـد الله

في بداية الحديث ينبغي لنا أن نذكر نص الآيات المباركة الواردة قبل آية التطهير وبعدها ، وأيضاً عدداً من مئات الأحاديث الواردة في هذا المجال.

وأماّ الآيات:

{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً ، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ، يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ، وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ، يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا ، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ، وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا }(الأحزاب/ 28-34)

فآية التطهير هي من أهم الآيات الدالّة على الطهارة المطلقة والشاملة لأهل البيت عليهم السلام قال تعالى :
{إِنّـَمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْـسَ أَهْـلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا }(الأحزاب/33).
نحن لا نريد أن نذكر ما تحدَّث عنه الآخرون حول هذه الآية ، ولكن نحاول أن نتطرّق إلى جوانب أخرى في هذه الآية المباركة أو بالأحرى في مقطع منها :

فقبل الغور في الحديث لا بأس بأن نشير إشارة خاطفة إلى بعض شئون هذه الآية فنقول:
شأن نزولها:

وقد وردت في شأن نزول هذه الآية روايات كثيرة تزيد على السبعين ، وما ورد منها من طرق أهل السنة أكثر مما ورد منها من طرقنا ، فقد أخرجوها بطرق كثيرة عن أم سلمة و عائشة و أبي سعيد الخدري و سعد و وائلة بن الأسقع و أبي الحمراء و ابن عباس و ثوبان مولى النبي و عبد الله بن جعفر و علي و الحسن بن علي عليهما السلام ، في قرابة من أربعين طريقاً.

 و روتها الشيعة عن علي و السجاد و الباقر و الصادق و الرضا عليهم السلام و أيضاً أم سلمة و أبي ذر و أبي ليلى و أبي الأسود الدؤلي و عمرو بن ميمون الأودي و سعد بن أبي و قاص في بضع و ثلاثين طريقاً.

وإليك نصّ إحدى تلك الأحاديث الواردة عن طريقنا :

{ أبو عمرو عن ابن عقدة عن أحمد بن يحيى عن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي إسحاق عن عبد الله بن معين مولى أم سلمه عن أم سلمه زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم إنها قالت : نزلت هذه الآية في بيتها إنَّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا ، أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم أن أرسل إلى علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام فلما أتوه اعتنق علياً بيمينه و الحسنَ بشماله و الحسينَ على بطنه و فاطمة عند رجليه ثم قال اللهم هؤلاء أهلي و عثرتي فاذهب عنهم الرجس و طهِّرهم تطهيراً ، قالها ثلاث مرات قلت: فأنا يا رسول الله فقال :إنَّك على خير إن شاء الله }(بحار الأنوار ج 35 ص 208 رواية 7 باب 5)

{ و روي أبو سعيد الخدري قال : لمّا نزلت هذه الآية كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم يأتي باب فاطمة و علي تسعة أشهر وقت كلّ صلاة فيقول : الصلاة يرحمكم الله إنَّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس و يطهِّركم تطهيراً.. }(بحار الأنوار ج 25 ص 212 باب 7)

و في كنز العمال :

{ محمد بن العباس عن احمد بن محمد بن سعيد عن الحسن بن على بن بزيع عن إسماعيل بن بشار الهاشمي عن قتيبة بن محمد الأعشى عن هاشم بن البريد عن زيد بن عليٍّ عن أبيه عن جدِّه عليه السلام قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله في بيت أمّ سلمه فأتى بحريرة فدعا علياً و فاطمة و الحسن والحسين عليه السلام فأكلوا منها ، ثم جلَّل عليهم كساءً خيبرياً ، ثم قال : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيراً . فقالت أم سلمه و أنا معهم يا رسول الله ؟ قال : أنت إلى خير }(بحار الأنوار ج 25 ص 213 رواية 3 باب 7)

{ عن ابن عيسى عن ابن فضال عن أبي جميلة عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عزّ و جل "ربّ اغفر لي و لوالدي و لمن دخل بيتي مؤمناً " يعني الولاية ، من دخل في الولاية دخل في بيت الأنبياء . و قوله "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيراً "يعنى الأئمة عليه السلام و ولايتهم ، من دخل فيها دخل في بيت النبي صلى الله عليه وآله}(بحار الأنوار ج 23 ص 330 رواية 12 باب 19)

قال العلاّمة الطباطبائي أعلى الله مقامه:

((فإن قيل: إن الروايات إنما تدلُّ على شمول الآية لعلي و فاطمة والحسنين عليهم السلام و لا ينافي ذلك شمولها لأزواج النبي كما يفيده وقوع الآية في سياق خطابهن . قلنا: إن كثيراً من هذه الروايات و خاصّة ما روي عن أم سلمة - وفي بيتها نزلت الآية - تصرح باختصاصها بهم و عدم شمولها لأزواج النبي))

ثمّ قال :

((فإن قيل: هذا مدفوع بنص الكتاب على شمولها لهن ، كوقوع الآية في سياق خطابهن . قلنا: إنما الشأن كلّ الشأن في اتصال الآية بما قبلها من الآيات فهذه الأحاديث على كثرتها البالغة ناصَّة في نزول الآية وحدها ، و لم يرد حتى في رواية واحدة نزول هذه الآية في ضمن آيات نساء النبي ، ولا ذكره أحد حتّى القائل باختصاص الآية بأزواج النبي كما ينسب إلى عكرمة و عروة ، فالآية لم تكن بحسب النزول جزء اً من آيات نساء النبي ولا متَّصلة بها و إنما وضعت بينها إمّا بأمرٍ من النبي أو عند التأليف بعد الرحلة ، و يؤيده أن آية {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}(الأحزاب/33) على انسجامها و اتصالها لو قدِّر ارتفاع آية التطهير من بين جُملها . فموقع آية التطهير من آية و قرن في بيوتكن كموقع آية اليوم يئس الذين كفروا من آية محرمات الأكل من سورة المائدة )).

أقول:

إنّ آية التطهير هي جزء من آية 33 من سورة الأحزاب وهي:

{ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا }(الأحزاب/33)

وهذا الأمر لا يفرق بين ما إذا كان النبي صلى الله عليه وآله قد أمر بوضعها بينها ، أو أنزلت كذلك وهو الأرجح.

فهناك ارتباط بين صدر الآية وذيلها لولاه لما ظهرت عظمة الآية (أعني آية التطهير) ، والارتباط لا ينحصر بالصدر مع الذيل فحسب، بل يبدأ من قوله تعالى :
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ}(الأحزاب/59).
إلى أن ينتهي بقوله تعالى:

{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا}(الأحزاب/36).

ولإثبات هذا المدعى لابدّ من الحديث حول أحد المعاجز العظيمة القرآنيَّة:

فأقول:

إن الملاحظ في المجتمع وعلى مستوى القادة أو الشخصيات المطاعة، و الخطباء و الدعاة و الوعّاظ ، أنهَّم يتَّبعون أساليب تربوية مختلفةً تستهدف الوصول إلى مقاصد معيّنة ، وهذه الطرق غالباً ما تكون مباشرة بمعنى الأمر والنهي المباشر ، وربما يذكرون نماذجَ من قصص طريفةً أو أمثلة تمثّل شواهد على المدّعى .

وهذا النمط من البيان وإن كانت له إيجابيّاته شيئاً ما ، إلاّ أن سلبياته مضاعفةٌ وذلك لأنه يواجه الإنسان نفسَه مباشرةً ، والأغلبُ الأعمُّ من الناس أياً كان له تعلقٌ شديد وارتباط وثيق بنفسه ، و يصعب عليه تقبّل النصيحة من الآخرين .

والإسلام بدوره ، المدرسةٌ المستقلةُ والمتكاملة في كافة جوانبه قد اتَّبع أساليب مميَّزة في مجال الإرشاد والتبليغ ، وهنا لسنا بصدد الحديث عن تلك الأساليب سواء من زاوية الإسلام أو المدارس الأخرى(قد كتبنا في هذا المجال كتاباً سميناه معالم التبليغ) ، بل نريد بيان أحدِ الجوانب التربوية المميَّزة في القرآن الكريم الذي هو في الحقيقة أعظم معجزة من معاجزه ، ذلك لأنه يتعلق بأبرز غاية من غاياته ، ألا وهي الهداية (هدىً للمتقين ، هدىً للناس) التي هي موضوع هذا الكتاب السماوي والأساس لجميع أبحاثه .

فجميع توجيهات القرآن تنظر في هداية البشرية بأسلوب وآخر ، فجميع القصص والأمثال و... تنصبُّ في مجرى واحد وهي الهداية، بطريقه لا مثيل لها .

فالقرآن نراه يُربط قضيّةً بأخرى بحيث يتصور الإنسان أنه لا علاقة بينهما والحال أنّ العلاقة بينهما وثيقة إلى أبعد ممّا يتصوَّر .

فالإنسان يشرع في تلاوة قصة قرآنية فلا يري نفسه إلاّ وقد انغمر في وادي التربية والهداية وهذا الأمر غير منحصر بنوع واحد بل يشتمل على أنواعٍ شتّى لا تُعدّ ولا تحصى ، تفتقر إلى دراسة تفصيليّة ليس هنا محلّها . ولغرض توضيح ما نحن بصدده نذكر أمثلة ثلاثة:
المثال الأوّل :
قال تعالى في حديثه عن شئون الحياة الدنيوية :
{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}(النحل/8)
فالأمر وإن كان يرتبط بالوسائل المادية التي يقصد بها السبيل ولكنَّه تعالى بأدنى مناسبة يقول :

{ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}(النحل/9)

ومن الواضح أن السبيل هاهنا إشارة إلى السبيل المعنوي و الهداية النفسانية ، وهذا كقوله تعالى :
{ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ }(الأعراف/ 26)

 

المثال الثاني:

عند حكاية حالة إبراهيم مع قومه قال سبحانه :

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ، قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ، قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ، قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ، قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِي، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِي، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ، وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ، رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ، وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنْ الضَّالِّينَ ، وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ، إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ}(الشعراء/69-91)

وأنت تلاحظ أنّ بداية الحديث كان حول قضيّة خارجية تتعلّق بمواجهة إبراهيم عليه السلام مع أبيه وقومه، وقد استخدم إبراهيم الحكمة في هذا المجال، ولكن القوم توسّلوا في الجواب بأمرٍ موهوم. ثمّ إنه بدأ بمخاطبتهم ثانية بنحو آخر وذلك بتعريف ربّه سبحانه وتعالى، وفي هذه المرّة انقلب الخطاب إلى دعاء، وهكذا استمرّ إلى أن وصل إلى مستوىً آخر وهو التوجّه إلى الآخرة، وفي النهاية تمحّض الحديث في بيان وتوصيف الجنّة والنار.

المثال الثالث:

قال تعالى في بيان المستفسرين عن عدد أصحاب الكهف:

{سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا ، وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ، وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا}(الكهف/22-25).

والحديث عن أصحاب الكهف حديثٌ جميل وشيِّق للغاية، خصوصاً في المرحلة الأخيرة من القصّة وهي مرحلة الاستنتاج، فالقارئ للقرآن الكريم وهو منغمر في القصّة بطبيعته يريد أن يعرف عدد أصحاب الكهف هل هم ثلاثة، أو خمسة، أو سبعة؟ لا يرى نفسه إلاّ وقد دخلَ في عالمٍ آخر يختلف تمامًا عن عالمه الأوَّل وهو عالم المعنى وتهذيب النفس، حيث يرشده ربّه بأن لا يقول لشيء إنّي فاعل ذلك غداً إلاّ أن يشاء الله، هذا والحال أنَّ القصّة لم تنتهِ بعدُ بل هي مستمرّة. فالارتباط الموجود بين تلك القضيّة الأخلاقيّة وهذه القصّة ليس من نوع الارتباط المباشر، بل هو ارتباط غير مباشر يتعلَّق بالجانب الهدائي للقرآن الكريم، ومن الطبيعي أنّ هذا النمط من الطرح للمسائل الأخلاقيّة يكون أشد وقعاً في النفوس.

الإعلام الحديث
إنّ الملاحظ اليوم على مستوى الإعلام الحديث سيما النمط الغربي منه أنّه من خلال الأفلام المهيّجة وفي وتحديداً في المواقع الحسّاسة منها تُدرج مشاهد خاصة لا علاقة لها بالذي سبقها أصلاً، ولكنَّ لم تُعرض إلا لأجل أن يتأثَّر المشاهد بها حال انشغاله و انشداده بأمرٍ آخرَ انقادت إليه نفسُه، ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك الإنشداد على ما أدرج مهما كان ذلك الشيء. فقد تبيَّن أنَّ هناك علاقة بين القضيتين ولو لم تكن بنحو مباشر، وربّما يكون الغرض المهم من العرض إنّما هو ذلك الأمر الطارئ ليس إلاّ وجميع الأمور المحيطة به مع كثرتها ما هي إلا ملابسات وتغطيات.

وهذا الأمر يسري في عرض الأخبار، فيا ترى ما هي العلاقة بين عرض الأخبار وبين الدعاية التّي تبثّ من خلالها؟‍‍‍ وهكذا الأمر بالنسبة إلى الإعلانات المنصوبة في ميادين الألعاب بل على صدور اللاعبين.

وهذا النوع من الإعلام له آثاره العظيمة سلبيّة كانت أو إيجابيّة لأنّ طبيعة النفس الإنسانيّة عندما تواجه حادثة ما، لا يمكن أن تنطبع فيها تلك الحادثة وحدها فحسب بل سوف ينطبع كلّ أمر له أقل المساس بتلك الحادثة وهذا الأمر هو الذي يسمّى "بتداعي المعاني" وهو من أهم المسائل المبيّنة في علم النفس .

 

الإنترنت والإعلام

وفي السنوات الأخيرة نلاحظ أنَّ شبكة الإنترنت قد ارتبطت بأكثر دول العالم عن طريق الحاسب الآلي، فنحن نلاحظ فيها هذا الأسلوب من الإعلام بشكل واضح، فالمستخدم الذي يريد البحث عن موضوع (البترول) مثلاً نراه يواجه مواضيع أخرى غير مقصودة بالذات، بل لم يكن يتصوَّر الورود فيها، فيرى نفسه ومن غير شعور وقعَ في عالم السيّارات وقرأ إعلاناً عنها وبمجرَّد أن ينتهي من القراءة أو في ضمنها، يواجه موضوعاً آخر متعلِّقا بأحد البرامج للحاسب الآلي وهكذا يخوض في مجالات متنوِّعة من غير قصدٍ وإرادة، بل ربَّما يكون المحور لجميع تلك القضايا أمرٌ واحدٌ هو المقصود بالذات للمشرفين على الشبكة. و غالباً ما يكون أمر سلبي يُستهدف منه انحراف المجتمع عن الله وإشغاله بأمور الدنيا لأجل استعماره ونهب ثرواته.

استغلال المناسبات

وأبرز من هذا النمط من الإعلام وألطف منه هو الاستفادة من المناسبات البسيطة لعرض ما هو الأهم كما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم أنّه سُئل عن الخاتم قال:

(( العقيق فلا تعقّوا الوالدين ))

فما هي المناسبة بين العقيق الذي هو نوعٌ من الحجر و بين عقوق الوالدين الذي هو من المفاهيم الأخلاقية؟

الجواب:

 أنَّه ليس بينهما أيُّة مناسبة من ناحية معنوية أصلا، إلاّ أن هناك تشابه لفظي قد استغله الرسول ليضرب على الوتر الحسّاس وينبِّه السائل إلى خطورة عقوق الوالدين، فانظر إلى لطافة الأسلوب لتعرف أن الإنسان الهادي يكون جميع كلامه منصباً في الهداية.

وهذه الظاهرة الجميلة كثيراً ما نشاهدها في كلمات المعصومين عليهم السلام خصوصا عندما يسأل عن حالهم "كيف أصبحت" أو "كيف أمسيت" والجواب الطبيعي لهذا السؤال هو بخير و الحمد لله ولكننا نشاهد أئمتنا لا يكتفون بذلك بل يستفيدون من السؤال لطرح مفاهيم أخرى أخلاقية أو اجتماعية أو غيرها ونحن في هذا البحث نذكر أمثلة مختصرة من مئات النماذج الموجودة في مصادرنا الروائية فنقول:

قيل لعيسى بن مريم عليه السلام كيف أصبحت يا روح الله قال أصبحت وربِّي تبارك وتعالى من فوقي والنار أمامي والموت في طلبي لا املك ما أرجو ولا أطيق دفع ما اكره فأيُّ فقير أفقر منِّي} (بحار الأنوار ج14 ص322 رواية 32 باب 21). { عن ابن عباس قال قيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلَّم كيف أصبحت قال بخير من قوم لم يشهدوا جنازة و لم يعودوا مريضا}(بحار الأنوار ج16 ص288 رواية 145 باب9). { دخلت أم سلمه على فاطمة عليها السلام فقالت لها كيف أصبحت عن ليلتك يا بنت رسول الله “صلى الله عليه وآله وسلَّم” قالت أصبحت بين كمد و كرب فقد النبي و ظلم الوصي هتك و الله حجابه}(بحار الأنوار ج43 ص156 رواية 5 باب7). {قيل لفاطمة عليها السلام كيف أصبحت يا ابنة المصطفى قالت أصبحت عائفة لدنياكم قاليه لرجالكم لفظتهم بعد إن عجمتهم فأنا بين جهدو كرب}(بحار الأنوار ج76 ص15 رواية2 باب99). { وقال المنهال للإمام زين العابدين عليه السلام كيف أمسيت يا بن رسول الله قال أمسينا كمثل بني إسرائيل في آل فرعون يذبحون أبناءهم و يستحيون نساءهم }(بحار الأنوار ج45 ص143 رواية1 باب39).
وأمّا القرآن الكريم:

فقد أعجز البشرية في هذا الأمر، فمن المستحيل أن يُبيّن حوادث أو قضايا متسلسلة من غير أن تكون هناك علاقة وثيقة بينها، ولكن الشأن كلّ الشأن فهم تلك العلاقة أو العلاقات، وهذا ما يفتقر إلى الدقة والتأمّل ولا يصل إلى ذلك إلاّ من كان ذا حظ عظيم، رزقنا الله تعالى ذلك.

 فمن الضروري لمن أراد أن يغور في عمق القرآن أن يلاحظ تسلسل الآيات من بعدها الهدائي بعين البصيرة كي يمكنه ربط المواضيع المختلفة بعضها ببعض.

النبـــــــي ينبأ و يحذِر!

بعد تقديم هذه المقدَّمة سوف نبدأ في بيان السرّ في وجود آية التطهير في ضمن آيات نساء النبي فنقول:

إنَّ هناك ارتباط بين نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم وبين أهل البيت عليهم السلام:

فهناك مواجهة ستقع بين أم المؤمنين وبين من يمثّل أهل البيت أعني عليّاً عليه السلام، وهناك خروج من البيت بل من المدينة إلى البصرة على ولي أمر زمانها أمير المؤمنين عليه السلام وذلك لأجل القضاء على حكومته طبقاً لخطّة مركّزة بقيادتها ومعاضدة طلحة وزبير وجماعة آخرين من أهل النفاق، وهي فتنة مظلّة قد جرّت كثيراً من المسلمين السُذّج نحو الانحراف ولأهميتها وخطورتها نشاهد أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان يخبر عنها ويحذّر عائشة من الوقوع فيها.(بحار الأنوار ج43 ص156 رواية 5 باب7)

((ففي الحديث من كتاب الخرائج روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال : ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب فتنبحها كلاب الحوأب وروي أنه لما أقبلت عائشة مياه بنى عامر ليلاً نبحتها كلاب الحوأب فقالت : ما هذا الماء قالوا الحوأب قالت ما أظنني إلاّ راجعه ردوني إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لنا ذات يوم كيف بإحداكن إذا نبح عليها كلاب الحوأب))(بحار الأنوار ج18 ص113 رواية18 باب11).

((الحسن بن محمد معنعنا عن أبي الطفيل- رضى الله عنه. قال: سمعت أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه السلام- يقول:علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وعائشة بنت أبي بكر أن أصحاب الجمل وأصحاب النهران ملعونون على لسان النبي صلى الله عليه وآل ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط))(بحار الأنوار ج32 ص127 رواية104 باب1).

والجدير بالذكر ما ورد في حديث طويل بالنسبة إلى يوم الغدير:

((...وأمر علياً عليه السلام أن يجلس فى خيمة له بإزائه... ثمَّ أمر أزواجه وسائر نساء المؤمنين معه أن يدخلن عليه ويسلِّمن عليه بإمرة المؤمنين ففعلن...))(بحار الأنوار ج21 ص386 رواية 10 باب36)

 

القرآن يــــخبر عن الواقعة

والآن قد حان وقت الدخول في صلب الحديث أعني العلاقة بين آيات نساء النبي وآية التطهير فنقول:

أنّ الآية تبدأ بقوله تعالى:

{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى}(الأحزاب/33)

فالآية تخاطب نساء النبيّ وتريد منهنّ أن يقرن في بيوتهن ولا يخرجن من البيت في أي ظرفٍ من الظروف وليس القرّ بمعنى البقاء في البيت لأنّ هذا شأن كلّ امرأة ولا يختص بنساء النبي بل إنّما المراد الثبات المستمرّ كما تدلّ عليه الكلمة ، قال الإصفهاني في مفرداته:

((قرّ في مكانه يقرّ قراراً، إذا ثبت ثبوتاً جامداً، وأصله من القُرّ وهو البرد، وهو يقتضي السكون، والحرّ يقتضي الحركة))

وقد فهمت أم سلمة ذلك حيث تخاطب عائشة:

(( الاختصاص... عن عبد الحكم القتيبي عن أبي كبسة ويزيد بن رومان قالا لما اجتمعت عائشة على الخروج إلى البصرة أتت أم سلمة رضى الله عنها وكانت بمكة فقالت يا ابنة أبي أميه كنت كبيرة أمهات المؤمنين و كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقمؤ في بيتك وكان يقسم لنا في بيتك ...إنك سده بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم وبين أمته وحجابه مضروبة على حرمه وقد جمع القرآن ذيلك فلا تبذخيه وسكنى عقيراك فلا تضحى فلا تفضحي بها الله من وراء هذه الأمة...إلى آخر الحديث ))(بحار الأنوار ج32 ص162 رواية 128 باب2).

ولتأكيد ذلك اتبعتها قوله تعالى ولا تبرجن وبالنسبة إلى هذه الكلمة أيضاً يقول صاحب المفردات:(تبرّجت المرأة: ظهرت من برجها أي قصرها)

وهذا شأن من يتزوّجها النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم لأنّها ليست كأحد من النساء في جوانب عديدة وذلك حيث أنّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلَّم. لم يكن كأحدٍ من الرجال فهو رسول الله وخاتم النبيين، وما دام قد خضعت زوجة النبي لشروطه فلا بدّ لها من تحمّل جميع العواقب لها كما أنّه بإمكانها أن تكتسب جوانب روحيّة كبيرة من خلال معاشرتها مع النبي إن كان فيها الأرضية والشأنية كما كانت في خديجة الكبرى عليها السلام وفي غير هذه الصور فالأفضل لها أن تنفصل عن النبي فقد صرح الله تعالى بذلك

وقال:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً}(الأحزاب/28) .

 

وهذا شأن كلّ من تُحمَّل على عاتقه مسئوليّة الأمّة فتصرفاته وحالاته وارتباطاته ومعاملته مع الناس كلها تتّخذ صبغةً مميّزة وتتقيّد بقيودٍ وكلّ واحد أو شيءٍ له علاقة ما بتلك الشخصيّة يُتوقع منه نفس التوقُّعات المطلوبة من القائد.

هذا:

وكيف بالرسول الذي هو الأسوة الحسنة لجميع الأمّة بل لجميع المجتمعات على مرّ التاريخ فالأنظار كلّها متوجّهة إليه وكلّ حركاته وسكناته مترصّدة من قبل المجتمع عامّة والأعداء خاصة، وهذا الأمر يسرى بالنسبة إلى أزواجه أيضاً فهنّ لسن كأحدٍ من النساء. والجدير بالذكر أنّ الله سبحانه عندمّا يخاطب نبيّه بقوله: يا أيهّا النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الله....يقول: يا نساء النبي لستنّ.. ولا يخاطبهنّ الله بصورةٍ مباشرة بل يريد من نبيّه أن يخاطبهنَّ والمفروض أن يقول صلي الله عليه وآله مخاطباً لنسائه (يا نسائي)أو(يا أزواجي).

ولكنّه صلى الله عليه وآله وسلَّم يقول يا نساء النبي وهذا إن دلّ على شيءٍ فإنّما يدلّ على ما ذكرنا من أنّ الأمر يرجع إلى النبي كنبيٍّ وأزواجه كأزواج للنبي صلى الله عليه وآله وسلَّم. والحاصل أنّ هذه النصيحة بل هذا الأمر الواجب وهو(الاستقرار والجلوس الدائم في البيت) لم يُوجَّه إلى نساء النبي من غير دليل بل مضافاً إلى أنّ هذا الأمر ربّما كان مكراً إلهيّاً في قبال الماكرين الذين كانوا بصدد استغلال نساء النبي (خصوصاً اثنتان منهما) كذريعة للوصول إلى نواياهم وتوجيه أعمالهم، مضافاً على هذا، هناك أمرٌ أهمّ من ذلك سيقع في المستقبل وهو خروج أحد زوجات النبي أعني عائشة من البيت وهي تقود عسكراً لأجل محاربة وليّ أمر زمانها!

فكما أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلَّم قد أنبأ عنها مشيراً إلى كلاب الجواب فالقرآن الكريم أيضاً أشار إلى خروجها وحذّرها كلّ التحذير وأتمّ الحجّة عليها بقوله

{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى}(الأحزاب/33).
والإخبار بالغيب -والغيب غير مختصّ بحوادث كونية (كزلزلة الساعة) أو عسكرية (كغلبة الروم) بل تشمل حالات فرديّة مصيريّة- أمرٌ متداولٌ في القرآن الكريم.

فنحن لو تأملنا في القرآن لاكتشفنا إنباءات غيبيّة كثيرة:

منها: ما تتعلّق بمتعة الحجّ:

{فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
الْعِقَابِ}(الأحزاب/33).

فالآية تتعلق بحكم من الأحكام الفرعيّة المتعلقّة بالحج ولا علاقة لها بالعقيدة أصلاً ولكننا نشاهد أنّها تذيّلت بذيلٍ خطير وهو التنبيه على تقوى الله والتذكّر بعذاب الله الشديد، فيا ترى ما هي العلاقة بين الصدر والذيل؟ أقول:

ليست هناك علاقة من ناحيةٍ تركيبيّة بينهما أصلاً بل العلاقة المتواجدة من نمطٍ آخر ترجع إلى الجانب الهدائي للقرآن الكريم الذي شرحناه فيما مضى شرحاً وافياً ، فهناك من سوف يرقى منبر رسول الله في إمارته فينهى عن نوعين من المتعة ويعاقب عليهما!! وهما:

متعة النساء ومتعة الحج. وهذا تهديد مُسبق يستهدف الوقوف دون تلك الفتوى المخالفة للكتاب و في نفس الوقت إتماماً للحجّة ولئلا يكون للناس على الله حجّة.

والجدير بالذكر أنّ نفس الأسلوب قد ورد في آية الفيء وهو من الأمور التّي أنكرها مخالفون، قال تعالى:

{مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ}(الحشر/7).

 

ولنرجعْ إلى الحديث حول آية التطهير:

نساء النبي والتقرب إلى الله

فلربمّا يتوجّه هاهنا نوع من الاعتراض بالنسبة إلى نساء النبيّ ومسئوليّتهن قبال الله وكيفيّة تقربهنّ فلم يغفل القرآن عن هذا الأمر بل ركّز على ثلاث نماذج من العبادات يمكن الاكتفاء بها لشموليّتها ،ينبغي لنساء النبي ممارستها وهنّ مستقرات في بيوتهن:

1-ما تتركّز على نموّ الروح وكمال الفرد وهي: إقامة الصلوة:

{وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ}(الأحزاب/33)

2-ما تشتمل على جانبين - فردي واجتماعي - مختلفين وهي: إيتاؤهنّ الزكاة {وَآتِينَ الزَّكَاةَ}(الأحزاب/33).

3-ما لها الشموليّة التامّة و تمثّل جميع العبادات وهي الإطاعة

{وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}(الأحزاب/33).

نساء النبي وأهل البيت:

وهاهنا سؤال يطرح نفسه وهو:

بمّا أنّ أهل البيت أيضاً لهم تعلّق برسول الله بل تعلّقهم أشدّ من غيرهم فمن المفروض أن تشملهم جميع الأحكام التّي فرضت على نساء النبيّ، فكيف بخروج الحوراء فاطمة عليها السلام على أبي بكر... فلأجل أن يندفع هذا التوهّم ولأجل أن يُميّز هؤلاء عليهم السلام عن غيرهم ولأجل أن تُثبت أحقّيتهم وبطلان معارضيهم وأعدائهم عند دوران الأمر بينهم وبين غيرهم لئلاّ تقع الأمّة في ورطة الشبهة والخلاف .. لأجل ذلك كلّه قال سبحانه مباشرةً:

{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}(الأحزاب/33)

فهم على أيّ حال مطهّرون من الرجس بنحو مطلق قليلة وكثيرة مادّي ومعنويّ. فظهر الارتباط السياقيّ والتلاحم الهدائي بين صدر الآية وذيلها ويا لها من مُعجزة عظيمة لا يصل إليها إلاّ من له حظّ وافر في معرفة أساليب التربيّة وعلم النفس.

البيت لا بيوتكن !!

ومن الواضح أنّ كلمة (أهل البيت) هاهنا بنحو العطف لم يأت إلاّ لأجل أنْ يفرّق سبحانه بين من يعيش في بيت محدود بذلك الإطار المادي أعني الطين و الحجر والخشب وبين من هو نور في الأصلاب الشامخة والأنوار المطهّرة وإنّما نزل إلى هذه البيوت لهداية البشرية إلى الله .. فإذاً كم من فرق كبير بين البيت وبيوتكن، فأهل البيت هم أهل بيت النبوة والرسالة والوحي والرحمة والكرامة والعصمة وهم الذين قال تعالى في شأنهم

{ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ، رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ}(النور/ 36-37)

 

والتنكير هاهنا يدل على العظمة، وهناك رواية تؤكّد هذا الأمر إليك نصّها:

{عن عمر بن الخطاب عنه صلى الله عليه وآله : فاطمة وعلي والحسن والحسين في حظيرة القدس في قبة بيضاء سقفها عرش الرحمن عز وجلّ }(بحار الأنوار ج 43 ص 76 رواية 63 باب 3) ولا يخفى اللطفَ الكامن في توسيط البيت لبيوتكن في قوله تعالى: وقرن في بيوتكن...أهل البيت ...ما يتلى في بيوتكنّ.

فلا يمكن لأحدٍ أن يختلج في ذهنه أنّ البيت هو بيوتهن إلاّ المعاند المكابر وهو ليس من مخاطَبينا نحن .

وسدّ الأبواب إلاّ بابه

ومن الطبيعي أن لا يسدّ رسول الله باب هذا البيت لأنّه ليس من بيوت الدنيا و لا يترتب عليه أحكام تلك البيوت[1].

{ تفسير الإمام روى عليه السلام عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وآله في حديث سد الأبواب أنه قال: لا ينبغي لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر يبيت في هذا المسجد جنبا إلاّ محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليه السلام والمنتجبون من آلهم الطيبون من أولادهم}(بحار الأنوار ج 81 ص 62 رواية 37 باب 3)

 

الحصر بإنّما !!

ولا يخفى أيضاً في هذا الحصر من الإشارة إلى الوقوف في قبال كلّ من يريد أن يتجاوز هذا الحدّ ومنهم نساء النبي فالآية تقول بأنّ الإذهاب من الرجس بمعنى الكلمة والتطهير الكامل الموصل إلى العبودية المطلقة لله تعالى غير متوفر في أحدٍ مهما بلغ من المرتبة غير أهل البيت وقسم من الأنبياء

{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}(البقرة/253)

وأمّا سائر الناس فيقول عنهم تبارك وتعالى

{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ}(يوسف/106)

فكيف بهذا المقام السامي الذي وصلوا إليه.

 

وفي زيارة الجامعة الكبيرة:

{موالي لا أحصي ثناءكم ولا أبلغ من المدح كنهكم ومن الوصف قدركم وأنتم نور الأخيار وهداة الأبرار وحجج الجبار}

الضمير المذكّر " كُمْ " !

ينقل العلاّمّة المجلسي كلمةً عن الشيخ المفيد رضوان الله تعالى عليه إليك نصّه:

{لا خلاف بين أهل العربية أن جمع المذكر بالميم وجمع المؤنث بالنون  أن الفصل بينهما بهاتين العلامتين ولا يجوز في لغة القوم وضع علامة المؤنث على المذكر ولا وضع علامة المذكر على المؤنث ولا استعملوا ذلك في الحقيقة ولا المجاز ولما وجدنا الله سبحانه قد بدا في هذه الآية بخطاب النساء وأورد علامة جمعهن من النون في خطابهن فقال: يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض إلى قوله وأطعن الله ورسوله ثم عدل بالكلام عنهن بعد هذا الفصل إلى جمع المذكر فقال إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا فلما جاء بالميم وأسقط النون علمنا أنه لم يتوجه هذا القول إلى المذكور الأول بما بيناه من أصل العربية وحقيقتها ثم رجع بعد ذلك إلى الأزواج فقال واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إنَّ الله كان لطيفاً خبيراً فدل بذلك على أفراد من ذكرناه من آل محمد عليهم السلام بما علقه عليهم من حكم الطهارة الموجبة للعصمة و جليل الفضيلة و ليس يمكنكم معشر المخالفين أن تدعوا أنه كان في الأزواج مذكوراً رجل غير النساء أو ذكر ليس برجل فيصح التعلق منكم بتغليب المذكر على المؤنث إذ كان في الجمع ذكر  إذا لم يمكن ادعاء ذلك و بطل أن يتوجه إلى الأزواج فلا غير لهن توجهت إليه إلاّ من ذكرناه ممن جاء فيه الأثر على ما بيناه}(بحار الأنوار ج 10 ص 426 رواية 9 باب 26)

 

أقول: إنّ قضيّة نساء النبي تبدأ من قوله تعالى

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ}(الأحزاب/28)

والأمور الراجعة إليهن سواء بصريح العبارة أو بضمير الغائب أو المخاطب تبلغ ثمانيةَ وعشرين مورداً ، ستّةٌ وعشرون منها قبل آية التطهير واثنان بعدها.

الإرادة التكوينيّة لا التشريعية:

من المعلوم أنّ الله إذا أراد شيئاً فمجرد تعلّق الإرادة بذلك الشيء يساوي تحقّقه ووقوعه من دون أي فاصلٍ في البين، وأراد الله ليذهب الرجس عن أهل البيت وقد تحقّق ذلك وهذا لا يتناسب مع التعبيرات الواردة بالنسبة إلى نساء النبي حيث اشتمالها على النصيحة .

والتحريض وأحياناً التهديد كما في قوله تعالى:

{ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}(الأحزاب/30)

 

وهذه الإرادة هي الإرادة التكوينيّة في قبال الإرادة التشريعيّة كقوله تعالى:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ}(البقرة/ 185)

ولو كانت الإرادة هاهنا تعني التشريعيّةَ منها و كان المراد من الرجس هي الأمور التّي مرت قبل هذه الآية فلا معنى إذاً لحصرها بنساء النبي. فالحصر لا يتلاءم إلاّ مع العصمة بمستواها الرفيع المنحصرة بهم عليهم السلام فالله هو الذي طهّرهم تطهيراً حيث سقاهم ربّهم شراباً طهوراً.

ماذا كان يتلى في بيوتهنّ:

ولم ينتهِ الحديث عن نساء النبي بعدُ بل هناك أمر آخر يجب التوجّه إليه وهو

{وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا}(الأحزاب/34)

فما هي الآيات التّي كانت تُتلى عليهن وما هي الحكمة، القدر المتيقنّ هي آية التطهير التّي جاءت قبل هذه الآية وقد كان يتلوها رسول الله في بيوتهنّ حيث أنّ بيوتهنّ كانت متصلةً ببيت فاطمة ، ولعلّ الرسول كان قاصداً إسماعهنّ للآيات عندما كان يتلو آية التطهير كما مرّ الحديث الدال على ذلك وقد أشار الحديث إلى نقاطٍ يمكن الاعتماد عليها كدليل لإثبات المدّعى وهي:

{ في رواية أبي سعيد الخدري قال : لما نزلت هذه الآية كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم يأتي باب فاطمة و على تسعة أشهر وقت كل صلاة فيقول الصلاة يرحمكم الله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس و يطهركم تطهيراً}(بحار الأنوار ج 25 ص 212 باب 7).

فلم يكن رسول الله يدخل البيت بل كان يقف أمام الباب سواء الباب الذي كان ينتهي إلى بيت نسائه أو الباب الذي كان ينفتح على المسجد ومن الطبيعي أنّ الناس كانوا يسمعون كلامه عليه السلام ونساء النبي كنّ يسمعن ذلك بطريق أولى ، خصوصاً أنّ هذا الأمر كان مستمرّاً طوال تسعة أشهر في كلّ يوم وقت الصلوة . وقد كان صلى الله عليه وآله وسلَّم يريد أن يبيّن منزلتهم عليهم السلام كما دلّ عليه الحديث الصادر عن الإمام الباقر عليه السلام .

اللطيف الخبير

ثمّ لماذا تذيّلت الآية الأخيرة بهاتين الصفتين ؟!

الظاهر أنّ التأكيد على اللطيف خاصّة لأجل أنّ بيان تلك الآيات مع ما فيها من النصائح والمواعظ وآية التطهير نابعٌ من مصدر اللطف الإلهي بنساء النبي فربّما يتفاعلن مع الجانبين : الجانب الراجع إلى أنفسهنّ والجانب الراجع إلى أهل البيت عليهم السلام .

وأمّا بيان الخبير فلربّما هو إشارة لما سيحدث من المشاكل والمنازعات بينهنّ وبين النبيّ وأيضاً بينهنّ وأهل البيت ، خاصّة ما سيحدث في المستقبل من الحرب بين إحدى النساء وبين أمير المؤمنين عليه السلام .

 

المطهرّون هم مفسرو مكنون القرآن:

وختاماً ينبغي لنا أن نشير إلى مسألة أخرى كحسن الختام وهي:

في سورة الواقعة { إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ، لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ }(الواقعة/ 77-79)

وهاهنا قد حصر سبحانه المطهّرين بتفسير القرآن الكريم الذي هو في كتاب مكنون. ولو جمعنا هذه الآية مع آية التطهير لوصلنا إلى النتيجة التاليّة وهي: إنّ مسّ الكتاب المكنون من شئون المطهرين ليس إلاّ .

جعلنا الله من المتمسكين بهم والسائرين على نهجهم والمهتدين بهداهم إنّه وليّ المؤمنين والحمد لله ربّ العالمين .

وقد أكملت هذا البحث في يوم الأربعاء 14 جمادي الثانية 1416


source : http://www.al-kawthar.com
  412
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

الذنوب الكبيرة (4)
معرفة الخالق
التوحید والتوسل
عند الإمتحان يكرم المرء أويهان
اصل [اثبات الصانع وتوحيده ووجه الحاجة الى النبى ...
كيف تكتب بحثا أو رسالة ماجستير أو دكتوراه
هل الاحتفاء بالنبي (ص) بدعـة ؟!
فصل في دلالة العقل عليه أولا
الاخلاص
حديث المنزلة الأسانيد . . والشبهات

 
user comment