عربي
Tuesday 29th of September 2020
  1074
  0
  0

المعاد (1)

المعاد (1)

 المقدمة

ونبحث في المقدمة العناوين التالية:

1ـ كلمة قبل البدء

المعاد هو الأساس الخامس من أسس العقيدة الإسلامية، والمعاد يوم القيامة يعني الإيمان بعودتنا للحياة بعد الموت وذلك للمحاسبة على ما عملناه في حياتنا الدنيوية من أعمال صالحة أو سيئة تحددها المحكمة الإلهية الكبرى التي تمتاز بالدقة والضبط كما يقول سبحانه وتعالى:

(ونضع الموازين القسط ليوم القيامة).[سورة الأنبياء: الآية 47].

وهنالك يأخذ كل إنسان جزاءه المناسب...

وبدراسة هذا الأصل العقائدي وهذا الأساس الخامس من العقيدة تنتهي أصول الدين أي العقائد الإسلامية الأساسية ونظراً لتشابك الأفكار والرؤى في هذا البحث أعني ـ المعاد ـ آثرنا هذه الطريقة لدراسة هذا الأصل بالشكل الذي أوضحنا هيكليته ـ آنفاً ـ لكي نستوعب ذلك بجد وإخلاص وبساطة.

أما كيف نفسر هذا التشابك للأفكار والرؤى في هذا الأصل أظن أن ذلك لأسباب عديدة منها لكون المعاد أمراً غيبياً ولكونه أمراً مستقبلياً يعني أنه ستقع أحداثه في المستقبل وهذا المستقبل غير مرئي الآن، وأيضاً ـ إن هذا المستقبل ترسمه أعمالنا في الحياة الدنيا ـ ونقرأ في الحديث الشريف: (الدنيا مزرعة الآخرة) إضافة لذلك إن تحديد نقاوة الأعمال بنقاوة القلب وصفاء الروح وهذه الأمور خاضعة لإرادة الله تعالى فهو القائل سبحانه في محكم كتابه العزيز:

(يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور).[سورة غافر: الآية 19].

ولأن الأعمال الحسنة في الحياة والمجتمع مهددة بالضياع وعدم القبول(إنما يتقبل الله من المتقين). فلرب خطيئة خلقية أو التواء في السلوك يرتكبه الإنسان وقد لا يشعر بذلك يكفي أن يحرق أعماله وينهيها بل يحولها من أعمال صالحة إلى سيئة كارتكاب الغيبة والنميمة والفتنة ويمكن أن يحدث العكس وكلا الأمرين لا يخرجان من إطار العدالة الإلهية. إضافة لذلك ان توضيح نعيم الجنة وعذاب النار وعالم البرزخ وما يجري في القبر ومن يستحق النعيم ومن يستحق العذاب كل ذلك أمر خاضع لإرادة الله عز وجل وحكمته و رحمته فإذن نلاحظ أن الأفكار والآراء ـ كما قلنا ـ كثيرة متشابكة فقررنا أن نبحث هذا الأساس العقائدي في الإسلام بما نراه مناسباً ـ بالصورة المشار إليها ـ.

2ـ تعريف المعاد، ومتى تبدأ رحلة الإنسان نحو الآخرة؟

المعاد: هو الإيمان بأن الله سبحانه سيعيدنا أحياء بعد أن نموت ونفنى من عالم الدنيا ويفنى الكون كله وذلك في عالم آخر له مقاييسه لأخرى قال تعالى:

(كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام).[سورة الرحمن: الآيتان 26-27].

ويذكر السيد شبر في كتابه(حق اليقين): للمعاد ثلاثة معانٍ أحدها المعنى المصدري من العود وهو الرجوع إلى مكان، وثانيها وثالثها: مكان العود وزمانه ومآل الكل واحد. 1

فإذن يتجلى معنى المعاد بأنه الاعتقاد بحياة أُخرى بعد هذه الحياة الدنيوية سيبعثنا الله سبحانه من جديد يوم القيامة، فالإنسان يموت في هذه الحياة بل وتنتهي هذه الحياة بما فيها لتبدأ مرحلة أخرى من مراحل الوجود فقد قال سبحانه:

(يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب...).[سورة الأنبياء: الآية 104].

وفي آية أخرى: (كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون).[سورة العنكبوت: الآية 57].

وهذا الاعتقاد هو الأصل الخامس ـ كما قلنا ـ من أصول العقيدة الإسلامية ويعتمد في توضيحه على التصديق بالله وبرسالته المنزلة على النبي الأكرم محمد(صلى الله عليه وآله) حيث إن القرآن الكريم وأحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله) وروايات الأئمة(عليهم السلام) توضح لنا المعاد والبعث وما يجري بعد الموت وأوصاف الجنة والنار فالإيمان بالله والتصديق بالرسول(صلى الله عليه وآله) يضمنان إزالة الغموض ويوضحان الاعتقاد الصحيح بالمعاد يوم القيامة أما الذي لا يؤمن بالله ورسوله فهو ـ من باب أولى ـ لا يؤمن بالبعث والحساب والجنة والنار لأن الإيمان بالحساب والجنة والنار يتفرع من الإيمان الأصل وهو الإيمان بوجود الله وقدرته ورسالته.

فلذلك صار من الضروري أن نبحث المعاد بحثاً يلائم الظرف والمقام لنفهم هذا الأصل من الأصول الاعتقادية من جانب ومن جانب آخر يمكننا أن نتعرف على أبعاد هذا الاعتقاد وأثره في سلوكنا وحياتنا وهذا ما نلاحظه لدى الإنسان المؤمن بالمعاد والإنسان المنكر له وسنوضح هذا الأمر في الأحاديث القادمة بإذنه تعالى..

متى تبدأ رحلة الإنسان نحو الآخرة؟:

يقول الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) ما خُلقتم للفناء بل خلقتم للبقاء وإنما تنقلون من دار إلى دار. 2

بالتحديد تبدأ الرحلة إلى العالم الآخر بالهجرة من الدنيا أي بالموت فحين يموت الإنسان يغادر هذه الحياة الدنيوية إلى حياة أخرى فتبدأ مرحلة جديدة مرسومة له سلفاً وتمتد هذه المرحلة التي تلي مرحلة الدنيا حتى قيام الساعة حيث يبعث الله من في القبور وسنتحدث عن عالم البرزخ ـ وهو ما بين الدنيا وقيام الساعة ـ وسنتحدث عما يجري في القبر في فقرات بحثنا القادمة.

ولرب مجيب عن هذه المساءلة بأن الرحلة للعالم الآخر تبدأ منذ انعقاد نطفة الإنسان في رحم أمه حيث إنه يحسب أياماً وسنين بعد ولادته للدنيا فيرحل ليخلفه الجيل الصاعد.

ولكن الإجابة الواضحة أنها تبدأ بيوم الهجرة من الدنيا إلى مراحل أخرى من حياته.. وإنها بالفعل لمرحلة مستقبلية محتومة تمر على كل إنسان وبما إن الشريعة الإسلامية هي شريعة شاملة لجميع الحياة بما في معنى الحياة من سعة وشمول فتحتوي جميع فترات الإنسان وتدخل معه لتبين له الأمر بوضوح وهنا لا بد أن نشير بأن الإسلام هو المدرسة الواعية التي يتتلمذ فيها طلاب الآخرة وتضع هذه المدرسة من أولوياتها المسألة الأخلاقية حيث تحدد النظرة المطلوبة إسلامياً للدنيا وما فيها من إغراءات وشهوات فترسم لنا الشريعة الإسلامية الخط الواضح للتعامل مع الدنيا والطريقة الفضلى للعلاقة مع الحياة الدنيوية ولا بد أن نعتبرها ممراً للحياة الأبدية في الآخرة وإن ما نعمله في الدنيا سنجني ثماره في الآخرة وكما ورد في الحديث الشريف: (الدنيا مزرعة الآخرة) فلا بد أن تأتي الأعمال بشكل يحقق طموح الإنسان في الآخرة فالدنيا مرحلة الزراعة والآخرة مرحلة الحصاد فمن زرع خيراً يحصد في الآخرة نعيماً ورضواناً ومن زرع في الدنيا شراً ـ لا سمح الله ـ فيحصد بالآخرة عقاباً وهواناً..

وتعلمنا المدرسة الإسلامية بأن ما يجنيه طالب الدنيا من أموال وأرباح وإشباع للغرائز والحاجات فإنها زائلة لا محالة بالرغم من محدوديتها فالإنسان محدود في انتفاعه واستغلال رزقه لذلك يعرفون الرزق بأنه القدرة على الانتفاع بخيرات الأرض مالاً وصحة وأولاداً وطبيعة لذلك فالإنسان محدود في انتفاعه بالأكل والشرب والمنام ومهما حصل على الملذات وفرص إشباع الغرائز فإنها غير خالدة..

فما دام الإنسان مغادراً للدنيا ـ مهما بلغ من الوجاهة والثروة والسلطة ـ فعليه تأتي المدرسة الإسلامية لتبين طريقة التعامل مع الدنيا وطريقة التصرف الصحيح للنجاة والربح الحقيقي في الآخرة فتضع الأسس الأخلاقية والسلوكية العامة للابتعاد عن حب الدنيا والتعلق بها وبالتالي الابتعاد عن الانحراف والشذوذ والهلع واللهاث وراء المادة وتدفع الإنسان للاقتراب من الفضيلة والاحترام والإيثار والتهذيب السلوكي والحب في الله لأن هذه السلوكية هي التي تجعل الإنسان المؤمن رابحاً في رحلته القادمة بعد الموت.

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (المعاد مضمار العمل فمغتبط بما احتقر من العمل غانم ومبتئس بما فاته من العمل نادم).

أما الإمام علي(عليه السلام) فيقول: (حتى إذا تصرمت الأمور وتقضّت الدهور وأزف النشور أخرجهم من ضرائح القبور وأوكار الطيور وأوجرة السباع ومطارح المهالك سراعاً إلى أمره مهطعين إلى معاده). 3

3ـ النظرة الإيمانية إلى الموت، كيف نعتقد بالموت؟ وكيف نعتقد بالبعث؟

مما لا شك فيه ان الموت يعني الانقطاع عن عالم اعتدنا عليه وجماعة ائتلفنا معهم فالفراق صعب لغياب أو سفر فكيف بفراق طويل ولربما دون لقاء حتى في الآخرة ومن يدري ذلك فالمهم يترك الموت أثره النفسي لدى الناس قهراً وانزعاجاً وإرباكاً فورد في الأثر المبارك (وقهر عباده بالموت والفناء)، فإذن الأثر الحزين الصادر من فكرة الموت ينعكس على النفس بنسب مختلفة ونحن نريد أن نتعرف على الرؤية المطلوبة إيمانياً نحو الموت وهل هنالك عدة رؤى حول الموت كل رؤية تنظر للموت من زاوية معينة؟.

في الحقيقة ـ بلى ـ فالمؤمن المتفهم للحياة والفكر الإسلامي يعتقد ان الموت نهاية طبيعية للحياة الدنيوية وينظر للموت نظرة اطمئنان وتحول من حياة لأخرى من وضع لوضع آخر من عمل إلى حساب وبالفعل ينتظر الموت ويحسبه قادماً إليه في لحظة ما وإنه ينتظر العطاء والنعيم في الآخرة أكثر بكثير مما يراه في الدنيا فهنالك الرحمة الإلهية الكبرى في الجنة والحور والسعادة الأبدية قال سبحانه:

(وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل...).[سورة البقرة: الآية 25].

ـ طبعاً ـ هذه حالة المؤمن الواعي الحالة المجردة عن العواطف الوقتية من بكاء وجزع فإنهما ضمن المسألة الطبيعية في حدودها الشرعية ولا ضير فيها أما حديثي فهو عن الحالة النفسية والنظرة الإيمانية للموت الذي لا بد منه.

أما الإنسان غير المؤمن بعالم ـ ما وراء الطبيعة ـ والذي يعتقد بأن الدنيا هي التي خلق فيها ويموت فيها ولا شيء آخر بعد الموت...

(وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين).[سورة الأنعام: الآية 30].

فهكذا إنسان ينظر إلى الموت نظرة سلبية قاتمة حيث سيخسر الميت نعيم الدنيا من الهواء والماء والأشجار والأصدقاء ليسكن تحت تراب الأرض في الظلام والحرمان.

(ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون..).[سورة فصلت: الآية19].

لذلك ٍٍنرى أن الأمراض النفسية متفشية بشكل مروع بين هذا النمط من البشر فالقلق والاضطراب وعدم الاستقرار النفسي والفزع والتحسس من المفاجئات والأمراض بشكل فظيع ـ بعكس المؤمن العارف ـ فقد قال عز وجل(ألا بذكر الله تطمئن القلوب).

وفي الرواية أنه: (دخل الإمام علي الهادي(عليه السلام) على مريض من أصحابه وهو يبكي ويجزع من الموت فقال له: يا عبد الله تخاف من الموت لأنك لا تعرفه أرأيتك إذا اتسخت وتقذرت وتأذيت من كثرة القذر والوسخ عليك وأصابك قروح وجرب وعلمت أن الغسل في حمام يزيل ذلك كله أما تريد أن تدخله فتغسل ذلك عنك أو ما تكره أن لا تدخله فيبقى ذلك عليك؟ قال: بلى يا بن رسول الله قال: فذاك الموت هو ذلك الحمام وهو آخر ما بقي عليك من تمحيص ذنوبك وتنقيتك من سيئاتك فإذا أنت وردت عليه وجاوزته فقد نجوت من كل غم وهم وأذى ووصلت إلى كل سرور وفرح فسكن الرجل واستسلم ونشط وغمّض عين نفسه ومضى لسبيله). 4

وما بين الإنسان المؤمن المطمئن وبين الإنسان غير المؤمن بالآخرة والحساب مجموعة تصورات يقترب بعضها للإنسان المؤمن ويقترب بعضها الآخر لغير المؤمن في النظرة إلى الموت ولربما تكون نظرة أخرى للموت وهي النظرة الشائعة بين الناس التي تمتاز بالتأثير الوقتي حيث مشاهدة مصيبة الموت أمام العيان وحين زوال المشهد تعود حالة اللا انضباط بل الانفلات الخلقي ونسيان الحساب والآخرة.

أما كيف نعتقد بالموت؟ وكيف نعتقد بالبعث يوم القيامة؟

يقول الله سبحانه: (كل نفس ذائقة الموت ثمّ إلينا ترجعون).[سورة العنكبوت: الآية 57].

فالموت ظاهرة حياتية يجب الإيمان بها ولكن بعض الناس يحاول أن يتناسى أو يهمل ذكر الموت وكأنه غير مستعد لهذه الرحلة التي لا بد منها وأكثر من ذلك إنه غير مستعد للتفكير حول الموت بل يهرب من مشاهدة ميت أو تشييعه مبرراً ذلك بكثرة انشغاله بزخارف الدنيا وأعمالها... وهؤلاء عادة يصطدمون بالموت حين يحل بواديهم ومن المؤكد أن سلوكيات هذا البعض تمتاز بالحيرة والقلق واللهاث نحو الدنيا بعيدين عن النبل والخلق الرفيع على عكس عباد الرحمن: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) والمفروض على المؤمن أن يذكر الموت دائماً ليستقيم خلقياً ويتهيأ لفراق الدنيا والرحلة الطويلة نحو الآخرة فهي رحلة شيقة ـ حسب نظره ـ من عالم السجن إلى عالم الحرية فـ(الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) كما ورد في الأثر المبارك.

يقول الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله): (أكثروا ذكر الموت فإنه يمحص الذنوب ويزهد في الدنيا). 5

وعن الصادق(عليه السلام) قال: (ذكر الموت يميت الشهوات في النفس ويقلع منابت الغفلة ويقوي القلب بمواعد الله ويرقّ الطبع ويكسر أعلام الهوى ويطوي نار الحرص ويحقر الدنيا). 6

ويقول الرسول محمد(صلى الله عليه وآله): (إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته فاعبدوا الله كأنكم ترونه واستغفروه كل ساعة).

وقال الإمام علي(عليه السلام): (الموت باب الآخرة) و(بالموت تختم الدنيا) (الموت هادم لذاتكم ومكدر شهواتكم) ومن وصاياه لولده الحسن(عليه السلام): (اعلم يا بني إنما خلقت للآخرة لا للدنيا وللموت لا للحياة..).

وقال ـ أيضاً ـ (أنتم طرداء الموت إن أقمتم له أخذكم وإن فررتم منه أدرككم وهو ألزم لكم من ظلكم، الموت معقود بتواصيكم). 7

فإذن الإنسان (وكل كائن حي) لا بد أن يموت في ساعة معينة والآن ماذا بعد الموت؟

يقول الشاعر:

المـــوت بــاب وكــل الناس داخله

ياليـت شعري بعد الباب ما الدارُ؟

الدار جنات عـــدن إن عــلمت بما

يــرضـي الإلــه وإن قصّرت فالنارُ

عرفنا أن الموت حق والبعث حق ولكن ماذا هنالك؟:

يقول العلامة المظفر: نعتقد أن الله تعالى يبعث الناس بعد الموت في خلق جديد في اليوم الموعود به عباده فيثيب المطيعين ويعذب العاصين وهذا أمر على جملته وما عليه من البساطة في العقيدة اتفقت عليه الشرائع السماوية والفلاسفة ولا محيص للمسلم من الاعتراف به عقيدة قرآنية جاء بها نبيناً الأكرم(صلى الله عليه وآله). 8

ويتساءل ربنا عز وجل بقوله: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون).[سورة البقرة: الآية 28].

وقال في سورة الحج: (وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور).[سورة الحج: الآية7]

وجاء في السنة الشريفة قول الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) (يا بني عبد المطلب إن الرائد لا يكذب أهله والذي بعثني بالحق لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون وما بعد الموت دار إلا جنة أو نار وخلق جميع الخلق وبعثهم على الله عز وجل كخلق نفس واحدة وبعثها قال الله تعالى: (وما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة).

وكان فيما وعظ لقمان ابنه أن قال: يا بني إن تك في شك من الموت فارفع عن نفسك النوم ولن تستطيع ذلك وإن كنت في شك من البعث فارفع عن نفسك الانتباه ولن تستطيع ذلك.عن الإمام الباقر(عليه السلام):

وعنه أيضا(عليه السلام) في قوله تعالى: (يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) فإن القوم كانوا في القبور فلما قاموا حسبوا أنهم كانوا نياماً قالوا: من بعثنا من مرقدنا؟ قال الملائكة: (هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون). 9

وقال سبحانه أيضاً: (فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيى الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى).[سورة الروم: الآية 50].

فإذن ظاهرة الموت حياتية طبيعية ولا بد من الاستعداد النفسي لها(اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً) ـ كما يقول الإمام علي(عليه السلام) ـ فالموت والبعث يوم الحساب ظاهرتان طبيعيتان سنمر بهما ولا بد من الاستعداد لهما بالشكل المطلوب.

4ـ هل البعث سيكون بالروح أم بالروح والجسد معاً؟

في الحقيقة هنالك اختلاف في وجهات النظر إتجاه هذه المسألة وكل وجهة نظر لها أصحابها وهؤلاء لهم أدلتهم على ما يذهبون إليه، قال الرازي في كتاب(نهاية العقول): قد عرفت أن من الناس من أثبت النفس الناطقة فلا جرم اختلفت أقوال أهل العالم في أمر المعاد على وجوه أربعة:

أحدها: قول من قال إن المعاد ليس إلا للنفس وهذا مذهب الجمهور من الفلاسفة.

وثانيها: قول من قال المعاد ليس إلا لهذا البدن وهذا قول ثقاة النفس الناطقة.

وثالثها: قول من أثبت المعاد للأمرين.

ورابعها: قول من نفى المعاد عن الأمرين.

وغرضنا إثبات المعاد البدني للناس فيه قولان:

أحدهما: إن الله تعالى يعدم أجزاء الخلق ثم يعيدها.

وثانيهما: إنه تعالى يميتهم ويفرق بين أجزائهم ثم قال إنه تعالى يجمعها ويرد الحياة إليها... وقال العلامة (ره) في شرح الياقوت اتفق المسلمون على إعادة الأجسام خلافاً للفلاسفة. 10

حيث إن الفلاسفة أرادوا أن يتحسسوا البعث الجسماني مقروناً بالروح فما استطاعوا ذلك بواسطة عقولهم الفلسفية ويؤكد بعض الفلاسفة أن الروح هي أساس الإنسان ولولا الروح لمات البدن فالاحساس الحاصل للإنسان إنما يحصل بواسطة الروح ووجود الروح في البدن فالبدن هو آلة تنفيذية خاضعة للروح أي أن البدن جهاز تنفيذي بيد الروح فالروح هي أساس الاحساس لدى الإنسان وهذا الاحساس قد يكون لذيذاً أو أليماً باختلاف المؤثر وبخروج الروح عن البدن ـ بالموت مثلاً ـ ينتهي دور البدن بدفنه بالتراب وتحلق الروح خالدة في الجنة والنعيم أو تبقى متألمة في النار والجحيم وإن لذة الروح أو ألم الروح إنما يتحققان حينما تبتعد أو تقترب عن رضا الله عز وجل يوم القيامة فكلما اقتربت الروح من رضوانه كانت حالة الاطمئنان والفرح وكلما ابتعدت كانت حالة القلق والذعر والألم وطبيعي ان القرب والبعد تحدده أعمال الإنسان في الدنيا ويجيب أمثال هؤلاء الفلاسفة عن الآيات القرآنية التي تجسد النعيم البدني أو العذاب الجسمي مثلاً يقول سبحانه في وصف بعض اللذائذ في الجنة:

(حور مقصورات في الخيام، فبأي آلاء ربكما تكذبان، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان).[سورة الرحمن: الآيات 72-74].

ويقول أيضاً في وصف العذاب: (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود، ولهم مقامع من حديد).[سورة الحج: الآيات19-21].

يقولون إن أمثال هذه الآيات والأحاديث والروايات جاءت لتقريب الفكرة للإنسان والإنسان محدود الآفاق لا يستطيع أن يستوعب مدى اللذة والألم في عالم الأرواح في الآخرة فيقربها الله إليه بهذا التوضيح والتقريب الحسى.

وبكلمة أخرى إن العقل الفلسفي ـ لدى البعض ـ ما استطاع أن يدرك المعاد الجسماني بينما العقل الإسلامي المنطلق من نصوص الشارع المقدس لا يستطيع أن يفهم المعاد بدون الجسم فقد قال المحقق (ره) الدواني(في شرح العقائد العضدية) (والمعاد أي الجسماني فإنه المتبادر عن إطلاق أهل الشرع إذ هو الذي يجب الاعتقاد به ويكفر من أنكره حتى بإجماع أهل الملل الثلاث). 11

وحتى أولئك الفلاسفة الذين ذهبوا إلى كون المعاد روحياً لم يمتلكوا دليلاً قانعاً في أمرهم بينما الرأي القائل بعودة البشر روحاً وجسماً يوم القيامة هو رأي الإسلام عبر الشريعة الإسلامية في القرآن والسنة وسنذكر شواهد بعد قليل، وعبر العقل الإنساني الذي يرى قدرة الله عز وجل على كل شيء هذا الأساس العقائدي الذي يقوم عليه إيماننا بهذه القدرة الكبرى فالتشكيك بالمعاد الجسماني إنما هو تشكيك في قدرة الله عز وجل حيث إن إعادة الإنسان جسماً وروحاً بعد موته في الدنيا إنما هو أمر ممكن عقلاً فالخالق سبحانه عالم قادر ومدبر.

نعم إن عقولنا ـ كما قلنا سابقاً ـ فيها من القصور ما يمنعها من إدراك بعض المسائل الغيبية ولكن العقل نفسه يعتقد بالقدرة الإلهية العظمى القادرة على كل شيء وإعادة الإنسان يوم القيامة بالروح والجسم معاً شيء من الأشياء.

وأما الأدلة الشرعية على ذلك فالقرآن الكريم يذكر مسألة المعاد كثيراً وسنذكر بعض الشواهد من الآيات المباركة والأحاديث والروايات بصدد المعاد الجسمانى.

قال تبارك وتعالى: (أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين، وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم).[سورة يس: الآيات 77-79].

قال المفسرون نزلت هذه الآية في أُبي بن خلف، خاصم رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأتاه بعظم قد رمّ وبلي ففته بيده وقال يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما رمّ فقال(صلى الله عليه وآله): نعم ويبعثك ويدخلك النار. 12

وهكذا نلاحظ الآية الكريمة تقرب إلينا فكرة العبث الجسماني بالرد على هذا المستفهم الذي لا يدرك بعقله بدايات تكوينه وكيفية نشوئه يريد أن يدرك مستقبله الغيبي فالله سبحانه يبين بالآيات القرآنية وكذلك يبين الرسول(صلى الله عليه وآله) والأئمة بالأحاديث الشريفة فنستخلص مما لا ريب فيه إن المعاد جسمي وروحي معاً فقد قال سبحانه:(ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حياً، أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً).[سورة مريم: الآيتان 66-67].

وقال ـ أيضاً ـ: (أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى...) وفي آية كريمة أخرى: (أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه...).[سورة القيامة: الآية 3].

فمن خلال هذه الآيات وأمثالها نفهم أن الله سبحانه يريد أن يزيل الشك من عقول الناس بقدرته الكبرى ومن ثم لا يمكن أن نفهم معنى لنعيم الجنة أو عذاب النار إلا بالمعاد الروحي والجسمي معاً..

فيقول القرآن العظيم: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب...).[سورة النساء: الآية 56].

وكذلك في قوله تعالى: (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود، ولهم مقامع من حديد...).[سورة الحج: الآيات 19-21].

وفي الأحاديث والروايات الشريفة حينما نقرأ النعيم في الجنة من طعامٍ وحور عينٍ وأنهارٍ لذة للشاربين كيف يمكن تصوير ذلك من دون العودة الجسمية يوم القيامة يروي الطبرسي (ره) في(مجمع البيان) عن أبي أمامه الباهلي إن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: (ما من عبد يدخل الجنة إلا ويجلس عند رأسه وعند رجليه اثنتان من الحور العين يغنيانه بأحسن صوت...) وعن الصادق(عليه السلام) عن آبائه عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال: في جملة حديث: (ومن صلى ليلة تامة تالياًَ كتاب الله راكعاً وساجداً وذاكراً وساق الحديث إلى أن قال يقول الرب تبارك وتعالى لملائكته انظروا إلى عبدي أحيى ليلة ابتغاء لمرضاتي اسكنوه الفردوس وله فيها مائة ألف مدينة في كل مدينة جميع ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وما لا يخطر على بال...). 13 وهكذا بالنسبة للروايات الواردة بصدد العذاب والجحيم ـ أعاذنا الله سبحانه من عذابه ـ.

ومن الأدلة الواضحة في القرآن الكريم ما ورد عن قصة عزير، أنه في يوم من الأيام كان راكباً دابته وصادف منظراً موحشاً وعظاماً نخرة لبشر فتأمل في العظام وبدأ يتساءل عن كيفية إحيائها وقد فنيت وفي هذه الحالة قبض الله روحه وبعد مرور مائة عام أعاد الله إليه الحياة فقام من مقامه وفي تصوره انه كان نائماً ليوم أو بعض يوم فأمره الله سبحانه أن ينظر إلى حماره الفاني الذي بدأت تدب الحياة في جسمه المتلاشي بإذنه تعالى، قال سبحانه:

(أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه...).[سورة البقرة: الآية 259].

هذه القدرة الإلهية وهذه التجرية العملية جاءت لتطمئن قلوب الناس بقدرة الله أما الإنسان الذي لا يستطيع أن يتذكر تقلبه في رحم أمه ولا يعرف كيف ولد وكيف ترعرع في الحياة، بهذا القصور العقلي يريد معرفة المعاد الجسمي وبإدراكه القاصر هذا يريد أن يرى ذلك !!

والإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) يصف لنا مشهد المعاد بقوله: (حتى إذا تصرمت الأمور وتقضت الدهور وأزف النشور أخرجهم من ضرائح القبور وأوكار الطيور وأوجرة السباع ومطارح المهالك سراعاً إلى أمره مهطعين إلى معاده). 14

وعن هشام بن الحكم أنه قال الزنديق للإمام الصادق(عليه السلام): أنى للروح بالبعث والبدن قد بلى والأعضاء قد تفرقت فعضو في بلدة تأكلها سباعها وعضو بأخرى تمزقه هوامها وعضو قد صار تراباً بني به مع الطين حائط!

قال: (إن الذي أنشأه من غير شيء وصوره على غير مثال كان سبق إليه قادر أن يعيده كما بدأه...). 15

والآن لنتساءل أي الأجسام يبعث للحساب؟ فعلى ضوء ما تقول الحقائق العلمية إن خلايا الجسم تتبدل حيث تتلف وتموت وتولد محلها خلايا أخرى وبمرور الزمن لعدة أعوام تتبدل جميع خلايا جسم الإنسان والسؤال أي الأجسام يبعث ليثاب أو يعاقب. 16

في مدخل الإجابة لا بد أن نتذكر عدالة الله سبحانه وأنه لا يظلم أحداً: (وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون).[سورة النحل: الآية 33].

فلو وضعنا ذلك نصب أعيننا نقول إن الله تعالى سيعذب الروح والجسم معاً للإنسان العاصي وحينما نقول الإنسان العاصي نقصده بخلاياه المعروف بها وقت المعصية وهي التي تحافظ على شخصية الإنسان العاصي هذا ـ كما في المثال ـ فبالرغم من تبدل خلاياه لكن الإنسان يبقى هو بعينه وشخصه بل شعورياً يعرف كذلك أي وجدانياً يشعر الإنسان أنه هو هو حتى مع تبديل خلاياه البدنية والإنسان بذاته يشعر ويعرف أنه يحمل خصائص ومميزات جسمه وشخصه حتى بعد تبديل خلاياه أو تجديدها هذا القدر الجامع لشخصية الإنسان الثابتة هو الذي يخرجه الله تعالى بقدرته من القبر المدفون فيه ذلك الجسم ليقف في يوم الحساب الأكبر جسماً وروحاً أمام المحكمة الإلهية الكبرى والرواية الماضية للإمام علي(عليه السلام) توضح هذه الفكرة..

5 ـ المعاد في القرآن و السنة

بما أن القرآن الكريم هو المصدر الرئيسي الأول للفكر الإسلامي فمنه تؤخذ الأسس العقائدية ومن المفروض أن نتعرف على رؤية القرآن المجيد لهذا المبدأ العقائدي وهو المعاد وبالفعل نرى أن القرآن قد اهتم بالمعاد اهتماماً كبيراً حتى انه ذكر المعاد وحياة الآخرة في أكثر من ألف آية مباركة بمختلف مظاهر المعاد في يوم القيامة ويسرد لنا الكتاب العزيز قصصاً وتساؤلات وبراهين من زمن الأنبياء وأممهم في شأن المعاد وكيفيته وسنحاول أن نسلط الضوء على بعض الآيات المباركة التي تتحدث عن المعاد وقبل ذلك أشير إلى إحدى أهم الضرورات الناتجة من الإيمان بالمعاد ويوم الحساب وهي إن الإيمان بالمعاد والحساب الدقيق يوم الحشر وإن الجزاء العادل الذي سيصيب الإنسان سلباً أو إيجاباً هذا الإيمان بحقيقة الأمر سيدفع الإنسان المحاسبة الذاتية المركزة بين الحين والآخر خوفاً من الفشل الأكبر هناك وبالنتيجة يجهد للحصول على الاستقامة والتقوى والتضحية والصدق في حياته وبمعنى آخر إن هذا الأساس العقائدي الذي أولى له القرآن الحكيم هذا الاهتمام وبهذا الحشد الكبير من الآيات الكريمة ليزرع فينا القيم الخلقية الأساسية والتي تعتبر القيم الإيجابية على كافة الأصعدة ، الصعيد النفسي والاجتماعي والفكرى، لتسود حالة النقاء والصفاء والمحاسبة الذاتية للنفس والمجتمع.(وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) والآن لنمض معاً في رحاب القرآن ونقرأ بعض الآيات في هذا الصدد:

قال تبارك وتعالى: ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار، أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار).[سورة ص: الآيتان 27-28].

وقال سبحانه: (ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار).[سورة إبراهيم: الآية 42].

(فأما من طغى، وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى، وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى).[سورة النازعات: الآيات 37-41].

(وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيى العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم).[سورة يس: الآيتان 78-79].

(يوم تجد كل نفس ما عملت من خيرٍ محضراً وما عملت من سوء تود لو ان بينها وبينه أمداً بعيداً).[سورة آل عمران: الآية 30].

(فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود، ولهم مقامع من حديد...).[سورة الحج: الآيات 19-21].

(ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون).[سورة يوسف: الآية 57].

(ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون).[سورة النحل: الآية 41].

(وبالآخرة هم يوقنون).[سورة البقرة: الآية 4].

(وإن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور).[سورة الحج: الآية 7].

وتذكر بعض الآيات الكريمة ساعة القيام من القبور أي بداية المعاد مثلاً قوله تعالى:

(ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون).[سورة الزمر: الآية 68].

(ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون).[سورة يس: الآية 51].

(ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد).[سورة ق: الآيتان 20-21].

(يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً ذلك علينا يسير)، (يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج).[سورة ق: الآيتان 42-44].

(وألقت ما فيها وتخلت).[سورة الانشقاق: الآية 4].

وورد في تفسير هذه الآية المباركة.. وألقت ما فيها من الموتى والكنوز مثل ـ وأخرجت الأرض أثقالها ـ عن قتادة ومجاهد (وتخلت) أي خلت فلم يبق في بطنها شيء وقيل معناه: ألقت ما في بطنها من كنوزها ومعادنها وتخلت مما على ظهرها من جبالها وبحارها. 17

وآيات كريمة أخرى تتناول المعاد وحالة القيام وساعته يوم القيامة.

أما في السنة الشريفة فقد ورد المعاد في أحاديث النبي(صلى الله عليه وآله) وروايات الأئمة الأطهار(عليهم السلام) نذكر منها:

إن رسول الله(صلى الله عليه وآله) صلى بالناس الصبح فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه مصفراً لونه قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): (كيف أصبحت؟ قال أصبحت يا رسول الله موقناً فعجب رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قوله وقال: إن لكل يقين حقيقة فما حقيقة يقينك؟ فقال: إن يقيني هو الذي أحزنني واسهر ليلي وأضمأ هواجري فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها حتى كأني أنظر إلى عرش ربي وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعمون في الجنة.. وكأني أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذبون مصطرخون وكأني الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) لأصحابه: (هذا عبد نوّر الله قلبه بالإيمان...). 18

وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (المعاد مضمار العلم مغتبط بما احتقر من العمل غانم ومبتئس بما فاته من العمل نادم).

وقال(صلى الله عليه وآله): (يا بني عبد المطلب إن الرائد لا يكذب أهله والذي بعثني بالحق لتموتن كما تنامون وتبعثن كما تستيقظون وما بعد الموت دار إلا جنة أو نار وخلق جميع الخلق وبعثهم على الله عز وجل كخلق نفس واحدة وبعثها، قال تعالى: ( وما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة).

وقال الإمام الباقر(عليه السلام) كان فيما وعظ به لقمان(عليه السلام) ابنه أن قال: (يا بني إن تك في شك من الموت فارفع عن نفسك النوم ولن تستطيع ذلك وإن كنت في شك من البعث فارفع عن نفسك الانتباه ولن تستطيع ذلك). 19

وعن عبد الله بن يزيد بن سلام أنه سأل رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقال: أخبرني عن القيامة لم سميت القيامة؟

قال: (لأن فيها قيام الخلق للحساب).

ومن مواعظ علي بن الحسين(عليه السلام): (أعلم يا بن آدم أن من وراء هذا أعظم وافظع وأوجع للقلوب يوم القيامة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود يجمع الله فيه الأولين والآخرين) وقال الإمام علي(عليه السلام): (فإن الغاية أمامكم وإن وراءكم الساعة تحدوكم تخففوا تلحقوا فإنما ينتظر بأولكم أخركم).

وهكذا نجد الكثير الكثير من الأحاديث والروايات الواردة عن النبي(صلى الله عليه وآله) والأئمة الأطهار(عليهم السلام) في توضيح ما يجري يوم المحشر وإنه حق ولا بد من يوم الحساب العدل حيث تحشر الخلائق للمحكمة الكبرى.

وقال أيضاً: (أيها الناس إنا خلقنا وإياكم للبقاء لا للفناء ولكنكم من دار تنقلون فتزودوا لما أنتم صابرون إليه وخالدون فيه).

وقال الإمام علي(عليه السلام) كذلك: (وأنتم والساعة في قرن... وكأنها قد أشرفت بزلازلها وأناخت بكلاكلها وانصرمت الدنيا بأهلها وأخرجتم من حضنها). 20

فمجموع هذه الآيات والأحاديث والروايات ـ الموجودة في مصادرها المفصلة ـ تتناول المعاد من عدة جوانب لإثباته كمبدأ من مبادئ الإسلام وكما قلنا في المقدمة لأن المعاد أمر مستقبلي فلذا لا بد من توضيحه بشكل يؤمن به الإنسان كواقع سيحصل في المستقبل هذا من جانب ومن جانب آخر تهتم النصوص المقدسة بتوضيح المعاد وتبيين الحقائق والوقائع التي ستحصل على الإنسان والمجتمع والدنيا كنهاية للحياة الدنيوية وبداية للعالم الآخر.. وكذلك تهتم هذه النصوص بإبراز جانب العدل الإلهي في تقييم الأعمال سلباً أو إيجاباً وفي داخل هذا التقييم تبدو الدرجات المتعددة.وكل ذلك يخضع للقانون الإلهي العادل يوم القيامة.

فإذن هو موضوع كبير يحوي عدة مواد يقربها القرآن وتسعى السنة لتوضيح هذه الفكرة الاعتقادية.

لماذا المعاد ضرورة حياتية؟

توطئة

مرت معنا الآيات الكريمة والأحاديث والروايات الشريفة وهنالك أمثالها الكثير كلها تتحدث عن العودة بعد الموت جسماً وروحاً وبذلك تتجسد فكرة العدل الإلهي كما بحثنا ذلك في فصل ـ العدل الإلهي ـ فهنالك يكون الميزان الدقيق والحساب التفصيلي على ما فعلناه وأنجزناه من أعمال ومشاريع ونيات وطموحات على كافة الأصعدة في مرحلة الحياة الدنيوية فالدنيا دار عمل والآخرة دار حساب.. هذا ما يؤمن به الإنسان المسلم ولو أردنا توسيع الدائرة الإيمانية بيوم المعاد لوجدنا أن الإنسان بما هو إنسان مفكر عاقل ـ مع غض النظر عن كل ما يؤمن به من شرائع وأفكار ـ إنه يؤمن بفطرته النقية وفي لا شعوره الطبيعي بضرورة المعاد والمحاسبة التفصيلية وخاصة حينما يرى الكون والطبيعة والحياة كل ذلك قائم على التوزيع العادل فلا بد أن تستكمل العدالة أدوارها في رفع المظالم والاقتصاص من الظالمين وهذا ما يتحقق بيوم المعاد فقد قال سبحانه:

(أفنجعل المسلمين كالمجرمين، ما لكم كيف تحكمون).[سورة القلم: الآيتان 35-36].

وفي آية كريمة أخرى: (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً).[سورة النساء: الآية 95].

وفي سورة الجاثية قوله تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون).[سورة الجاثية: الآية 21].

وقال تبارك وتعالى في آية أخرى: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض).[سورة ص: الآية 28].

وعلى هذه الحالة نلاحظ أن المعاد أصبح ضرورة حياتية متأصلة مما يشعر الإنسان بالفعل، إنها ضرورة إيمانية فالإيمان بالمعاد ضرورة إنسانية ملازمة.

أما الآن فلنسلط الضوء على بعض هذا الضرورات:

1ـ المعاد ضرورة دينية

وكما بينا في الآيات القرآنية والأحاديث الصادرة عن النبي(صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) فالذي يعتقد بالإسلام لا بد أن يعتقد بالمعاد يوم القيامة لأن المعاد من عقائد الإسلام الأساسية يقول الشيخ المظفر: (فإن من يعتقد بالله اعتقاداً قاطعاً ويعتقد كذلك بمحمد(صلى الله عليه وآله) رسولاً منه أرسله بالهدى ودين الحق لا بد أن يؤمن بما أخبر به القرآن الكريم من البعث والثواب والعقاب والجنة والنعيم والنار والجحيم وقد صرح القرآن بذلك ولمح إليه بما يقرب من ألف آية كريمة. وإذا تطرق الشك في ذلك إلى شخص فليس إلا لشك يخالجه في صاحب الرسالة أو وجود خالق الكائنات أو قدرته بل ليس إلا لشك يعتريه في أصل الأديان كلها وفي صحة الشرائع جمعيها). 21

قال تعالى: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة...).[سورة الحج: الآية 5].

وقال الإمام علي(عليه السلام): (عجبت لمن أنكر النشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى).

وقال تبارك وتعالى في آية كريمة: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى).[سورة طه: الآية 55].

وهناك آيات وروايات عديدة في هذا الصدد تصف لنا المحشر ومواقف يوم القيامة وتصف المتقين والظالمين ـ أيضاً ـ نذكر منها:

قوله سبحانه: (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة).[سورة الأنعام: الآية 94].

و(يومئذ يصدر الناس اشتاتاًَ ليروا أعمالهم).[سورة الزلزلة: الآية 6].

و(يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً).[سورة مريم: الآية 85].

(يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا).[سورة طه: الآية 102].

وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (يموت الرجل على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه، شعار الناس يوم القيامة في ظلمة يوم القيامة: لا إله إلا الله).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): (من آثر الدنيا على الآخرة حشره الله يوم القيامة أعمى ـ وقال ـ أيضاً ـ من لقي المسلم بوجهين ولسانين جاء يوم القيامة وله لسانان من نار). 22

فإذن نفهم ان المعاد ضرورة من ضرورات الدين الإسلامي ـ دون أدنى شك ـ.

2 ـ المعاد ضرورة فطرية

إن الله سبحانه خلق الإنسان وأودع فيه الغرائز المعروفة أي جعله في حالة فطرية معينة مؤمن بقيم خاصة ومتطلبات وحاجيات نفسية معينة ومن طبيعته أنه يندفع نحو تحقيقها بشكل ما.

مثل الغريزة الجنسية فنحن نلاحظ منذ القدم أن الإنسان يسعى بكل ما أوتي من قوة كي يشبع هذه الغريزة الفطرية بطريقة مستحسنة لدى النفس والمجتمع وهكذا جميع الحاجيات الفطرية فهو يبحث عن سبل تحقيقها بشكل أو بآخر لذلك بعث الله سبحانه وتعالى الرسل والكتب السماوية ليتوج هذه الفطرة بالطرق المشروعة لتحقيقها فحرم الزنا وأحل النكاح كما في مثالنا وسن طرقاً مشروعة للكسب المادي لذلك أحل البيع وحرم الربا وهكذا في بقية المتطلبات الفطرية الداخلية لدى الإنسان نرى مقابلها القانون الإسلامي القرآني الذي يعالجها ضمن الضوابط القانونية هذا ومما نراه فطرياً لدى الإنسان هو الإيمان بالمعاد والحساب بعد الموت فمنذ القدم وفي عصور الجاهلية الأولى وضمن الشرائع غير السماوية نلاحظ قسطاً من القوانين البشرية تعنى بمسألة المعاد في يوم القيامة فلو تصفحنا التاريخ القديم في العصور اليونانية والرومية والمصرية والبابلية والآشورية...

لوجدنا أن المجتمع يعتني بالميت وله مراسيم خاصة، وكل مجتمع بطريقته الخاصة يودع هذا الميت في قبره فبعضهم يدفنه ومعه أجمل الملابس والعطور ولوائح الذهب والفضة والسبائك الثمينة وربما يحتفل البعض الآخر اياماً على قبره احساساً منهم بأن الميت لم يمت كلياً بل إنه انتقل إلى عالم ثان وهذه العدة من الملابس والمطعومات يجهزونها له لكي يستفيد منها في حياته الثانية والغريب لدى البعض من هؤلاء الأحياء انهم يضعون وسائل لعب الميت وبعض مسلياته إلى جانبه في القبر ليتسلى بها في حياته الثانية بعد استيقاظه من موتته ـ كما يظنون ـ ولا يمكنهم أن يؤمنوا بفناء الميت تماماً وانقراضه من الوجود فتبدأ ملاحقة الواحد للآخر فيلاحقون الميت ويلاحقهم هو الآخر بالشبح والحلم وفي هذا الصدد تنقل القصص العجيبة في تصرفات الإنسان الحي مع أخيه الميت وسلوكيات المجتمع مع الأموات وحينما نقرأ في معتقداتهم نراهم يؤمنون إجمالاً بحياة الميت بعد موته في الدنيا ويؤمنون بلا بدّية عودته في يوم عظيم يجتمع الناس فيه ويتم اللقاء الكبير هنالك ـ طبيعي هذا مجمل الاعتقاد ـ وفي الأثناء أشير إلى الخرافات والأساطير فإنها تسود هذا الفراغ العقائدي لديهم.

ولكن نقول إن مجرد هذا التصور لدى عموم الناس لهو دليل على أن الفطرة الإنسانية تنطق بهذه الضرورة وتشير إلى هذه الحاجة الفطرية وهذا هو من استعدادات البشر الفطرية التي أودعها سبحانه وتعالى في الإنسان لذلك توّجها بالإيمان الحقيقي الواضح بالمعاد والحساب يوم القيامة كما توّج الحاجة الفطرية إلى الأكل والشرب والجنس بقوانين إسلامية مشروعة لغرض إشباعها....

وكما قلنا سابقاً إن مظاهر العدل الإلهي واضحة في الحياة الطبيعية والاجتماعية فنلاحظ الإنسان فطرياً يبحث عن طرق معينة لاستكمال هذه المظاهر العادلة لأنه أمام صور المظالم يشعر باللوم والتأنيب في أعماقه يقول سبحانه:

(.. ولا أقسم بالنفس اللوامة..).[سورة القيامة: الآية 2].

فالفطرة الإنسانية هي التي تحاكم الإنسان في تصرفاته وهذه الفطرة هي التي تشير إلى إكمال مظاهر العدل وإعادة الحق إلى صاحبه في يوم يجتمع فيه الناس وتجري المحكمة العادلة ويؤخذ حق المظلوم من الظالم ولو بقيت المسألة دون الإيمان بالمعاد والمحاكمة الكبرى لبقيت صور العدالة الإلهية غير كاملة ـ لا سمح الله ـ.

3 ـ المعاد ضرورة فلسفية

من الطبيعي أن يكون المعاد ضرورة فلسفية لما قد رأينا من الضرورة الفطرية والمعروف ان الفلاسفة يتناولون الأمور الغيبية والنفسية غالباً وذلك ليضعوا أفكارهم ونظرياتهم وفقها وإن نظريات الفلاسفة تحاول أن تكون شاملة لجميع نواحي الحياة فلذلك نلاحظ إن اليونانيين مثلاً في اقدم العصور تناولوا مسألة الموت وبقاء الإنسان بعد الموت وانتقاله إلى عالم ثانٍ، له مقاييسه وأحكامه وظروفه وهنالك تتقابل الأرواح وتتباحث وتعمل وفقاً لمقاييس خاصة وكأن تلك الحياة هي امتداد لهذه الحياة الدنيوية.. ونلاحظ أيضاً الإهتمام الكبير بمسألة الموت والميت فنشأت لدى الفراعنة فكرة التحنيط فحنطوا بعض موتاهم ليحفظوها من التفسخ ونشأت الأهرامات لديهم..

إذن الفلسفة المثالية التي تعتني بما وراء الطبيعة أخذت بعين الاعتبار الحياة بعد الموت وما نجده لدى الملحدين الماديين من أفكار منكرة للمعاد هذه الأفكار هي صادرة من إيمانهم بالمادة ومظاهرها وردود أفعال معينة ـ كما يطلقون عليها ـ (الفعل المنعكس الشرطي) بعيداً عن الروح والمتيافيزيقيا والحياة بعد الموت ويؤكدون أن الإيمان بالحياة الآخرة الهانئة إنما هو حلم ربيعي يتمتع به الإنسان لامتصاص همومه وغضبه من قساوة الحياة وتوصله إلى عالم الخيال والأوهام والأمانى..

والحقيقة ان مجرد هذا الرد والنقاش في أصل الموضوع هو دليل على وجود هذه المعضلة الفلسفية لدى الفلاسفة وفي كتبهم وآرائهم، هذا ومن دون مناقشة الفلاسفة الماديين نراهم يصطدمون بحقائق (ما ورائية) روحية أثناء حياتهم فهم يعجزون عن تفسيرها وتحليلها مادياً ـ ونحن ـ لسنا بصدد الرد عليهم بل نريد أن نبين أن الحياة بعد الموت من ضرورات الفلسفة قديماً وحديثاً تصديقاً أو رداً لدى جمع الفلاسفة والمفكرين بمختلف انتماءاتهم الأيديولوجية.

4 ـ الحكمة والضرورة العقلية

دعنا ننظر بدقة إلى خلق العالم من أكبر مجرة كونية إلى أصغر ذرة وفي حدود معرفتنا ترانا منبهرين أمام الدقة والعظمة بل لننظر إلى أجسامنا وأجهزتنا الداخلية ماذا نرى؟ بالفعل نشاهد هنا الإنسان العجيب بكيانه وخلقه وأجهزته ونموه فكل جزء من أجزاء الإنسان بل كل عضو في جهاز من أجهزته مركب بحكمة ومصنوع بدقة يلفه وشاح العطف والعقل فهو رقيق في اللمس دقيق في التركيب مصنوع بحكمة عقلية كبيرة ومن وراء هذه الخلقة العظيمة يستهدف هدفاً معيناً...

يكتب (سيل بويس هامان) أستاذ علم معرفة البيئة في كلية آسبوري قائلاً:

(عندما أرى قطرة من الماء تحت الميكروسكوب وحينما أشاهد أبعد النجوم بالتلسكوب تأخذني الحيرة الشديدة).

إن النظام في الطبيعة متحكم تماماً بحيث يمكن على أساس منه أن نتنبأ بحكم أية حادثة قبل حدوثها وذلك بالقوانين الثابتة ولأجل كون الأحكام والقوانين الحاكمة على الطبيعة ثابتة ومعينة فإن العلماء يكافحون في سبيل كشف القوانين الطبيعية وإلا فإن كل جهد في هذا المجال سيصبح عقيماً). 23

هذا عن الحكمة في خلق الطبيعة ومن أراد التفصيل فليراجع الكتب المعنية بذلك أما عن الإنسان وأجهزته الداخلية نذكر مثالاً للتوضيح ـ ونكرر ـ من أراد التفصيل فعليه بالكتب المعنية والتي هي متوفرة ـ اليوم ـ ومثالنا غدة تيموس وهي غدة صغيرة في القفص الصدري وتقع فوق البلعوم وقد كانت المهمة الخاصة بها غير معلومة واعتبرها البعض من المتقدمين عضواً لا فائدة فيه ولكن قد علم اليوم بأن لهذه الغدة الدور الكبير في توفير الحماية والمقاومة والدفاع للبدن ضد العناصر الأجنبية المهاجمة له وأما غدة(أبي فير) وهي اعقد من غدة ـ تيموس ـ وتقع داخل الدماغ وكان البعض من علماء الفيزياء في الماضي لا يتصورون فائدة لها ولكنهم اعتقدوا اليوم بأن هذه الغدة مؤثرة في النشاطات الجنسية ومنع البلوغ السريع وكذلك لها فعاليات أخرى يؤدي اختلالها في بعض الأحوال إلى الموت. 24

هذه الغدد التي كانت تعتبرها الأوساط الطبية خالية من الأهمية بدأت تكتشف أهميتها وحتى الزائدة الدودية وعن نفس المصدر تقول المجلة الطبية (جاما): استئصال الزائدة الدودية في الأشخاص المؤهلين للابتلاء بالسرطان له تأثير ملحوظ في ذلك ويمكن أن يكون باعثاً على حدوثه في الجسم.

أما الغدد والأعضاء البارزة الأهمية فمسألتها واضحة كالعين والقلب والأذن بل المادة السامة التي تفرزها الأذن التي تقتل الحشرات لتمنعها من الدخول إلى الداخل فإذن لكل عضو بالإنسان هدفه ولكل شيء في الطبيعة هدف فالحكمة العقلية واضحة والهدف واضح من هذه الخلقة المبدعة كذلك المعاد يوم القيامة من مظاهر الحكمة الإلهية.

فالذي يعتقد بالحكمة الإلهية في خلق جزئيات الأمور يؤمن كذلك بالهدف العام فالذي يؤمن بهدف وحكمة الله في خلق غدة تيموس وجهاز السمع والبصر يؤمن بأن للإنسان هدف من خلقته هدف عام وكبير يعتبر تتويجاً للأهداف الصغيرة لكل جهاز..

فقد قال سبحانه: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً).[سورة ص: الآية 27].

وقال أيضاً: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).[سورة الذاريات: الآية 56].

فإذن هنالك أهداف حكيمة لهذا الإبداع الكبير تتلخص بالعبادة والإطاعة المطلقة لله سبحانه عبر الاختبار في الدنيا ففي قوله تعالى:

(ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون...).[سورة العنكبوت: الآيتان 1-2].

وبعد هذا الامتحان في ظروف الدنيا فإن الحكمة الإلهية تقتضي المحاسبة على الصبر

والتحمل أو الضجر وعدم التحمل فالإنسان يسعى في الدنيا يزرعها ليحصد في الآخرة

(الدنيا مزرعة الآخرة)

وقال سبحانه: (وَأَن لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى، ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الأَوْفى).[سورة النجم: الآيات 39-41].

وفي آية كريمة أخرى: (يا أَيُّهَا الإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ).[سورة الانشقاق: الآية 6].

إذن فالعقل يرشدنا لهذه الحكمة البالغة في اللقاء يوم الحساب وبهذا يكون المعاد ضرورة عقلية توصلنا لإكمال صورة الحكمة الإلهية.

5 ـ المعاد ضرورة نفسية

من طبيعة الإنسان أنه يفكر في مستقبله ويحاول أن يجعله مستقبلا ً آمناً من البلاء فهو الكائن الحي الفريد في هذا التفكير لذلك تجده يقلق أمام صعوبات الحياة ومشاكلها ويفكر في تذليلها بكل ما أوتي من قوة عقلية مفكرة وحينما يرى حقيقة النهاية في الدنيا يتأمل كثيراً فهو يؤمن بالموت ولا بد من مفارقة الدنيا ـ كل نفس ذائقة الموت ـ كما قال تبارك وتعالى، فيحزن ويضطرب نفسياً على هذا المستقبل الحتمي المرتقب الذي سيباغت الإنسان ساعة ما، وهو في نفس الوقت مستقبل مجهول لا يدري ماذا يدور هناك وهل إن الموت نهاية كلية أو أن ما بعدها حياة أخرى؟... هذا القلق الدائم يتحول إلى حاجة نفسية في داخل الإنسان لذلك تأتي الشريعة الإسلامية لتعالج هذا القلق فيقول سبحانه: (أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).

ذكر الله وإطاعته وتصديق رسالته هو الذي يزيل القلق والخوف والاضطراب من هذه العاقبة المبهمة وبالفعل يخاف الإنسان من الموت وهذه حقيقة واضحة فقد ورد في الأثر الشريف ـ وقهر عباده بالموت والفناء ـ ولكن المعالجة الحقيقية لرفع حالة القلق والخوف أن نؤمن بالرسالة المقدسة بكل ما تحتوي هذه الرسالة من شرح وافٍ لما يجري في الحياة الأخرى من معاد وحساب وأحداث يوم القيامة هذا الإيمان يهدّئ روع الإنسان و يجعله يسعى لتحقيق أهدافه الكبرى في العالم الآخر المتلخصة في نيل رضا الله سبحانه:

(وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ).[سورة العنكبوت: الآية 64].

(وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ).[سورة غافر: الآية 39].

أما الذين يعارضون فكرة الحياة بعد الموت ويعتبرون ما تذكره الكتب المقدسة إنما هي أحلام اليقظة فهم يستجيبون للخوف الموروث والمتراكم في بواطن النفس من الموت والنهاية الحتمية ونحن لا نريد مناقشة أصحاب هذا الرأي وإنما نقول إنه بمجرد قولهم إن الكتب المقدسة والقرآن الكريم بالذات يريد إزالة الحالة النفسية السلبية أمام الموت المتلخصة بالخوف والاضطراب وتعويض النفس بالحالة الإيجابية بالطموح والأمل ـ بمجرد قولهم هذا هو نوع من الاعتراف بالضرورة النفسية لهذا الإيمان بالمعاد ونحن نكتفي وحسب فرضنا بأن الإيمان بالمعاد والحساب والجنة والنار استجابة للحالة النفسية لدى الإنسان من المصير المجهول الذي ينتظره بعد نهاية عمره في الدنيا ـ فبدلاً عن رفض الاستجابة الطبيعية للضرورة النفسية والبقاء على حالة القلق والخوف وبدلاً عن ملء الأذهان بالأساطير الخيالية كما فعل الصينيون والبابليون وغيرهم في التراث البشري الكبير.. وبدلاً من سيادة الأفكار غير العلمية كالتناسخ في الأرواح إذ تفنى الأجسام وتنتقل الأرواح إلى الأجنة الأخرى وبدلاً من الحكايات الباطنية التي تسود المجتمع المتخلف الذي يتخبط في متاهاتها ـ.

فبدلاً عن كل ما تقدم نؤمن بالمعاد يوم القيامة ليسود الجو النفسي الهادئ ويزول القلق وتزول الأساطير ـ إضافة لكون الإيمان بالمعاد من الضرورات الشرعية لدينا ـ وإنما حديثنا عن الضرورة النفسية ـ فمن هنا قال عز وجل في محكم الكتاب العزيز:

(فإِذا هُمْ مِنَ الأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ).[سورة يس:الآية 51].

(يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ).[سورة ق:الآية 44].

(تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَساداً).[سورة القصص:الآية 83].

فالإنسان يبدأ بصنع المعروف والخير و التواضع ليفوز بالدار الآخرة.. أليس كذلك؟.

6ـ المعاد ضرورة علمية

التطور العلمي يثبت لنا عملياًَ القدرة على إعادة قسم من المواد المضمحلة والمنتهية ظاهراً من الوجود وذلك بطرق معينة فالأصوات التي دوت في العالم قبل قرون بإمكان العلم الحديث بأجهزته المتقدمة أن يستحضرها وهي في الزمن الغابر وهذه النظرية الحديثة في العلم تؤكد عدم الفناء المطلق للأجسام وإنما تبقى الأجسام المنحلة بدرجة معينة وبشكل معين لو توفرت الأجهزة الكافية لأمكن إعادتها للوجود مرة أخرى أو على الأقل حفظها ضمن قواعد كيمياوية كي لا تتفسخ كما فعل الفراعنة في تحنيطهم المعروف.

ويذكر الشيخ نعمة في كتابه: (وأكدت التجارب هذه الحقيقة فقد قام طبيب ألماني اسمه (أزفين سانتو) باستخراج بعض البكتريا من جسم مات من ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة ووضعها في محاليل غذائية معينة محلول (الليتوم) لمدة سبع عشرة ساعة ثم وضعها تحت المجهر فلاحظ انها تتحرك وعاشت بعد تلك المدة. وفي سنة 1951 أعلنت عالمة روسية اسمها (البشكايا) ان بعض الخلايا يمكن إحياؤها مرة أخرى وان من بين الخلايا نوعاً منها (ناقلة الحياة) من الممكن أن تقفز من كريات دموية متآكلة وأنه لا شيء يموت كله وإنما يموت بعضه وتظل هناك خلايا تحمل مشعل الحياة. 25

وهذه النظرية على علاتها وعلى ما فيها من قيل وقال تؤكد لنا ان العلم الحديث بدأ يعترف عملياً بإمكانية عودة الأجسام الفانية بنسبة معينة وبشكل معين..

ولما كان الإنسان مخلوقاً من التراب كما قال الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله): (كلكم لآدم وآدم من تراب)ففي الموت يعود الجسم إلى عناصره الأصلية إلى التراب. يقول الشاعر أبو العتاهية:

لـدوا للمـوت وآبنوا للخراب

فـــكلكم يصـــير إلــى تــباب

لمـــن نبني ونحن إلى تراب

نـعود كـــما خـلقنا من تراب

فالذي خلقنا من تراب وتركنا نعيش على التراب وسيعيدنا إلى التراب حين الموت إنه لقادر على إعادتنا من التراب نفسه، يقول عز من قائل:

(مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى).[سورة طه: الآية 55]

فحينما يموت الإنسان، يودع في قبره بالتراب ـ دون أدنى شك ـ والبشرية كلها تؤمن بهذه النتيجة المستقبلية الحتمية ومسألة إعادتنا من جديد هي مورد التساؤلات يقول تعالى حكاية عن المنكرين:

(فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْ ءٌ عَجِيبٌ، أإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ، قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ).[سورة ق: الآيات 2- 4].

فإذن هو القادر على جمع شتات الإنسان وإعادة بنائه: (أيَحْسَبُ الإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَه،ُ بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ).[سورة القيامة: الآيتان 3-4].

فيقدم القرآن الكريم دليلاً علمياً واقعياً لدعم القدرة الإلهية في إعادة العظام والهيكل الإنساني بشكل عام على حالته الأولى والدليل ـ في الآية الماضية ـ هو خطوط أصابع اليد في الإنسان فأنها لا تتشابه من شخص لآخر إطلاقاً.. فهذا الدليل الإعجازي الملموس هو لتقريب الأعجاز الرباني في مسألة جمع العظام وإعادة بناء الهيكل الإنسانى..

ومن خلال التطور العلمي نلحظ أن المعاد أصبح ضرورة علمية باعتبار وقوف العلم الحديث بوسائله المتطورة وإنجازاته المتقدمة إلى جانب الإقرار بمسألة العودة للأبدان وهذا ما يوافقه القرآن الكريم حول المعاد يوم المحشر والحساب والعقاب قال تعالى:

(إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ).[سورة الأنعام: الآية 95].

هذا من جانب حشر الأبدان وإمكانية ذلك أما الحديث عن الأرواح فأنها لا تفنى وقد قرأت في كتاب(ظواهر الخروج من الجسد) للدكتور رؤوف عبيد ويذكر فيه الكثير الكثير من تداعي الخواطر وحضور الأرواح ولقاءاتها بالأرقام والشواهد والأسماء، قصص حصلت في الشرق كما حصلت في الغرب دون فرق لهذه الأرواح التي تلتقي فيما بينها أنها أرواح عائدة لأجسام نائمة أو ميتة وكذلك مسألة تحضير الأرواح الميتة ومسألة التنويم المغناطيسي أيضاً وحتى بعض الأحكام التي تتحقق بذاتها وتفاصيلها فيما بعد.

فالعلم أقر بأن الأرواح لا تفنى مطلقاً بموت الأجسام. وعليه تفهم مسألة إلحاق هذه الأرواح بأبدانها مسألة غير عسيرة الاستيعاب هذا فضلاً عن إيماننا بالقدرة الإلهية القادرة على كل شيء فالله عز وجل خلقنا وهو الذي يميتنا وهو الذي يحيينا ـ جسماً وروحاً ـ يوم الحشر الأكبر فقد قال الإمام علي(عليه السلام) في خطبته (رقم 107): (حتى إذا بلغ الكتاب أجله، والأمر مقاديره. والحق آخر الخلق بأوله وجاء من أمر الله ما يريده من تجديد خلقه، أماد السماء وفطرها وأرجّ الأرض وأرجفها وقلع الجبال ونسفها ودك بعضها بعضاً من هيبة جلالته ومخوف سطوته. وأخرج من فيها فجددهم بعد أخلاقهم وجمعهم بعد تفريقهم ثم ميزهم لما يريد من مسألتهم عن خفايا الأعمال وخبايا الأفعال وجعلهم فريقين: أنعم على هؤلاء وانتقم من هؤلاء).

7 ـ المعاد ضرورة سلوكية أخلاقية

للإنسان قوة هائلة على التمرد من القانون مهما كان نوعه ومستواه من فردي أو اجتماعي أو حكومي أو ديني أخلاقي وكلما ازداد الضغط على الإنسان في تطبيق القوانين المشار إليها تفجرت ـ بالمقابل ـ في ذاته طاقات بديلة معاكسة يستطيع أن ينفلت من القانون بواسطتها فينفذ مآربه وأهدافه ولسنا بحاجة إلى تقديم دليل على ذلك وتكفينا نظرة عامة على القوانين الحكومية المفروضة على الناس كيف يتم الاحتيال من بعض الناس والالتفاف حول القوانين هذه بشكل ذكي ومن دون أن يشعر به المراقبون ويمكن أن يكون الإنسان مجرماً يدخل المحكمة ليخرج منها بريئاً يعتذر منه الحاكمون، علاوة على ذلك إن الإنسان يمتلك قوة حادة في الذكاء وقدرة عالية في المكر والخداع للدفاع عن نفسه والتبرير لأعماله ومواقفه المنحرفة بشتى الوسائل والحجج.

المهم أمام هاتين القدرتين ينهدم صرح السلوك الحسن والأخلاق الفاضلة فيشاع الفساد والإنحراف والتآمر والاعتداء والاختلاس والسرقة وما شابه ذلك مما تعج به دوائر القانون والمحاكم الجنائية في العالم..

والشريعة الإسلامية تعالج هذه الظواهر السلبية من الجذور بدلاً من أن تأتي للمعالجة من السطوح الفوقية كما في القوانين البشرية والعقوبات البدنية التي يطمئن البعض نفسه لها بل ويتكيف لها مهما بلغت من البطش والقوة فيأتي الإسلام لينصب رقيباً داخلياً في ذات الإنسان يسهر هذا الرقيب ليحصي تصرفات الإنسان وكلامه وسلوكه ثم تجتمع هذه الأمور ضمن صحف دقيقة يتلقاها الإنسان بنفسه يوم المعاد وهي التي تحدد مصيره إلى الجنة أو إلى النار.

قال سبحانه: (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ).[سورة ق: الآية 18].

وقال أيضاً: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيق،ٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيد،ُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ).[سورة هود: الآيات 106 - 108].

إذن الإيمان بالمعاد الرقابة الذاتية لجميع التصرفات الأخلاقية والسلوكية على كافة المستويات سواء كانت في وضح النهار أم في جنح الليل فالمسألة واحدة والمؤمن لا يعصي و لا يعتدي ولا يسرق ولا يكذب ولا يخون خوفاً من الرقابة الذاتية (الوجدان) وخوفاً من يوم المعاد حيث تبلى السرائر كما قال سبحانه في محكم الكتاب العزيز:

(إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِر،ٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ).[سورة الطارق: الآيتان 8-9].

(كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ).[سورة المدثر: الآية 38].

فالأسرار تكشف والخفايا تعلن فلا خير في لذة عاجلة أمام عقوبة دائمة خالدة فالمؤمن بالمعاد يحسن تصرفه في الحياة الدنيا فيكبت عواطفه ويصبر على آلام الدنيا وصعوباتها وللصابرين أجورهم:

(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ).[سورة البقرة: الآية 25].

(وبشر الصابرين).[سورة البقرة: الآية 155].

فعواطف المؤمن مهذبة ضمن الحدود المشروعة فحلال الدنيا حساب وحرامها عقاب وشبهاتها عتاب على هذه الأسس يسلك الإنسان المؤمن بالمعاد سلوكه وطريقته في الحياة..

وبهذا نلاحظ ان المعاد ضرورة سلوكية خلقية على كافة مستويات الحياة.. وفي الحقيقة هذه المحكمة الكبرى المنتظرة في يوم المحشر هي من مظاهر العدالة الإلهية فلا بد ـ كما قلنا سابقاً ـ من إتمام الصورة للعدل الإلهي حيث انتصار المظلوم والانتقام من الظالم هذا الانتصار وهذا الانتقام اللذان لم يستوفيا ثأرهما في الدنيا يراه المظلوم ويراه الظالم أيضاً في الآخرة ـ كما مر في بحثنا حول العدالة ـ وبعد هذه الجولة من الضرورات العامة التي توصلنا إلى الإيمان بالمعاد تقدم لنا الطبيعة المحيطة بنا مثالاً رائعاً للعودة بعد الموت وهذا ما نراه في النباتات في فصل الشتاء حيث السبات العام لهذه الكائنات الحية فتتساقط الأوراق والأزهار وتتعرى الحدائق من الجمال الطبيعى... ويبدأ المزارعون بإدخال عملياتهم الجراحية على بعض الأشجار من التقليم والتطعيم والنقل في فترة السبات لأنها فترة تخدير عام للنباتات وبعد هذه المرحلة الراكدة تعود النباتات إلى ابتسامتها الخضراء فتورق وتزدهر وتنتج الأزهار والثمار فتعود للحياة بحيوية عالية بعد أن ماتت (نسبياً) في فترة معينة فهذه صورة تجسد ظاهرة المعاد بالنسبة للإنسان ـ نسبياً ـ.

قال سبحانه: (وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ).[سورة ق: الآيات 9-11].

وفي آية كريمة أخرى: (وَتَرَى الأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج،ٍ ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ).[سورة الحج: الآيتان 5-6].

فهذه تجربة حية تخوضها النباتات كشاهد ميداني على عودة الإنسان بعد موته فقد قال عز من قائل:

(فَلْيَنْظُرِ الإِنْسانُ مِمَّ خُلِق،َ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِق،ٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ، إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ).[سورة الطارق: الآيات 5-8].

www.14masom.com

 


1 . حق اليقين السيد شبر ج 2 ص 36.

2 . البحار ج 6 ص 249.

3 . ميزان الحكمة، ري شهري ج 7 ص 54.

4 . معاني الأخبار ص 290.

5 . ميزان الحكمة ج 9 ص 246.

6 . المحجة البيضاء ج 2 ص 427.

7 . ميزان الحكمة ج 9ص 225.

8 . عقائد المظفر ص 126.

9 . ميزان الحكمة ج 7 ص 55.

10 . حق اليقين للسيد شبر ج 2 ص 36.

11 . نفس المصدر ص 37.

12 . نفس المصدر ص 35.

13 . نفس المصدر ص39-40.

14 . ميزان الحكمة ج 7 ص 54.

15 . ميزان الحكمة ج 7 ص 73.

16 . المنسوب إلى العالم الفسيولوجى...

17 . مجمع البيان للطبرسي ج 10 ص 460.

18 . الكافي ج 2 ص 53.

19 . الروايات الثلاث من ميزان الحكمة ج 7 ص 54.

20 . ميزان الحكمة ج 7 ص 57-95.

21 . عقائد المظفر ص 126.

22 . ميزان الحكمة ج 7 ص 106.

23 . إثبات وجود الله ص 261 نقلاً عن الدروس ص 19.

24 . نقلاً عن الدروس ص 27.

25 . عقيدتنا الشيخ نعمة ص 315.


source : http://www.sadeqin.com
  1074
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

أحاديث في رؤية الهلال
ضع نفسك مكانه
في علمه تعالى
النبوة بين اللغة العربية واصطلاح علماء الإسلام
((المدخل إلى عقيدة الشيعة الإمامية في ولادة الإمام ...
من هم الشيعة من خلال الروايات
العصمة
الحلقة الاولى البحث العلمي لتزكية النفس
اصل في معرفة ذوات المعصومين (ع ) وحياتهم بالاجمال وفيه ...
المراة الاولي في حياة النبي صلى الله عليه وآله

 
user comment