عربي
Wednesday 25th of November 2020
  523
  0
  0

الرمز في القرآن الكريم وتفسيره

الرمز في القرآن الكريم وتفسيره

أنا لا أعمل في تفسير القرآن ولست ((فقيهاً)). ولا أعتقد أنني أستطيع أن أحترف تلك المهنة الشاقة ذات يوم. كل ما في الأمر، أنني كنت أقوم بدراسة في ((الكلمة والصورة)) محاولاً أن أتعرف على أبعاد الرمز وراء حدود اللفظ. وقد قادتني مراجعي منذ البداية إلى كلام الله في القرآن، وبذلت جهداً جانبياً لفهم النص المقدس ضمن إطار دراستي، ورغم اعتقادي بأنني وجدت طريقاً سليماً وواضحاً، فقد آثرت أن أنتظر نشر نتائجي ريثما أنال فرصة أكثر ثباتاً لمواصلة المراجعة.
وهنا، في هذا المكان العام، بعد سنتين من التردد، أنا أزمع أن أنشر ما لدي، ولست ((فقيهاً)) ولا أعمل في تفسير القرآن. ولا أريد أن أحقق شيئاً سوى أن أعرض محاولتي لفهم النصوص المقدسة بأبعاد الرمز. وذلك يعني أن بعض الآيات يمكن تفسيرها طبقاً لوحدات رمزية معينة وراء حدود اللفظ وأنني أزمع أن أعرض هنا هذه الآيات مقترحاً حلّ مشكلة الرمز داخل أبعادها.
بدايتي من سورة الكهف. من هذه الآية الكريمة: (ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعاً).
والسؤال: هل يروي القرآن هنا حدوث معجزة؟ وهل نام أصحاب الكهف ثلاثة قرون حقاً؟
وليس ثمة شك أن المرء يستطيع أن يعتمد الإجابة باعتبار أن المعجزة ظاهرة في معظم الديانات، وأن الله على كل شيء قدير؟
ولكن! أليس ثمة طريق آخر؟
أنا سأفترض أن القصة بأسرها حادثة رمزية تهدف في الظاهر إلى الحديث عن بضعة من القديسين المطاردين في الجبال، وتهدف في الواقع إلى الحديث عن تاريخ المسيحية ذاتها.
وهذا طريقي إلى ذلك الافتراض.
المسيح لم يولد في الخامس والعشرين من ديسمبر كما يزعم الانجيل. وقد ثبت الآن بأدلة لا تقبل الشك أن عيسى قد ولد قبل التاريخ المعتمد حالياً بخمس سنين على الأقل.
والقرآن يذكر أن مريم جاءها المخاض بجانب نخلة، وقد أشار القرآن إلى هذا المكان بالذات لكي يشير بعد ذلك إلى أن بلح النخلة كان قد استوى وصار رطباً.
ولأن البلح لا ينضج في ديسمبر، فمن الواضح أن القرآن يرفض تاريخ الميلاد الحالي الذي يحتفل به المسيحيون. ولعله من المدهش أن يثبت علماء المسيحيين بعد ثلاثة عشر قرناً من نزول القرآن أن المسيح لم يولد في شهر ديسمبر فعلاً. ثم أثبت الأسقف ((بارنز)) أن تاريخ الميلاد ذاته ليس صحيحاً، ((وأن عيسى كان قد ولد قبل ذلك بخمس أو ست سنين)).
فإذا افترض المرء أن المسيح بدأ في نشر دعوته ـ مثل كل الأنبياء ـ بعد أن بلغ مبلغ الرجال. فإن المسيحية تكون قد بدأت في السنة الخامسة والعشرين للميلاد، وليس في السنة الثلاثين كما يزعم القس.
وهذه السنوات الخمس مهمة للغاية. فبعد ثلاثمائة وخمسة وعشرين عاماً بالضبط أصبحت المسيحية دين الدولة الرسمي، وفقدت وحدانيتها لأول مرة عندما اعتمد الامبراطور نظرية الثالوث.
وعملية الحساب العادية تثبت أن الدين الجديد ظل مطارداً ثلثمائة عام بالضبط. وظل عبادة سرية يزاولها القديسون في الكهوف طبقاً لكل المراجع المعتمدة حتى عصر قسطنطين.
ألا يفسر ذلك قول القرآن: (ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين)؟
أليس هذه بالضبط نقطة الإعجاز التي وقفت تتحدى محاولات الشعراء لتقليده. فالشاعر يستطيع أن يجد اللفظ، ولكنه لا يستطيع أن يتجاوز معلومات عصره التاريخية. وليس ثمة شك أن أحداً في العالم بأسره لم يكن يعرف تفاصيل حادثة الميلاد إلى هذا الحد.
ثمة نقطة أخرى: إن القرآن يقول: (ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين، وازدادوا تسعاً).
فما هي السنوات الزائدة؟
الإجابة المذهلة أن كل مائة سنة شمسية تزيد بمقدار ثلاث سنوات عن كل مائة سنة قمرية. والمسيحيون يحسبون تاريخ الميلاد بالتاريخ الشمسي والعرب يحسبون بالتاريخ القمري. وإشارة القرآن إلى الفرق دليل حاسم على أنه يتحدث هنا عن حقيقة تاريخية تتطلب كثيراً من الدقة، وليس من المحتمل أن تكون تلك الحادثة شيئاً آخر غير التأريخ المسيحي الذي يتبناه العالم الآن.
الرمز لم يكتمل بعد.
فباقي الآيات تتحدث بوضوح عن كهف معين عندما تقول: (وترى الشمس إذا طلعت تزور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله).
وحركة الشمس هنا ليست معجزة.
فأي كهف ذي مدخل شمالي يقع فوق مدار السرطان في نصف الكرة الشمالي لا تصله الشمس في أي وقت من أوقات النهار، فإذا أضاف المرء إلى هذه الحقيقة، أن المسيحية انتشرت أولاً في أوروبا فوق مدار السرطان فإن الرمز يصل نهايته من الدقة، وتتحول الحادثة إلى صورة بلاغية معجزة.
فالكلمات تروي قصة أصحاب الكهف كما تناقلها الناس في عصر النبي.
والرموز وراء الكلمات تتحدث عن حقائق تاريخية خفية لا علم لأحد بها. والنص بأسره متناسق ومنطقي بصورة مقنعة في كلا الحالتين.
وأنا أزمع أن أواصل عرض هذا التناسق تحت سطح الكلمات، فالحديث عن مجموعة من القديسين في أحد الكهوف يستطيع أن يكون مجرد مدخل إلى كليات تاريخية عامة.
وهذا العمل معروف في آداب العالم المعاصرة، ولعل القصة القصيرة أهم مسارح هذه الظاهرة كما نعيشها الآن.
فالقصاص يعمل بوحدات الرمز لتحقيق الشمول.
والقرآن يتبع منهج القصة عبر هذا الطريق. وليس ثمة ما يمنع الباحث من اكتشاف نقطة الشمول في ذلك المنهج. فلعل قصص القرآن كلها مسخرة لأهداف الرمز.
ولعل لدينا تفسيراً معاصراً لهذه الرموز.
وأصحاب الكهف قصة قصيرة كاملة.
وطريقة القرآن في روايتها منهج قصصي آخر. وأنا أعتقد أن مواصلة الحديث عن أبعاد الرمز وراء حدود اللفظ، ستقودني في النهاية إلى موقف مفصل للقصة الحقيقية الكامنة تحت سطح الكلمات.
فالآية: (فضربنا على آذانهم) تعني ((منعناهم من السمع))، وأحد معاني ((ضرب)): سدّ وأغلق. ولكن الآية تعني أيضاً ((عزلناهم عن العالم من حولهم))، واللغة العربية ما تزال تستعمل جملة ((ضرب حوله ستاراً من العزلة)) وتعني ((عزلة كلية عما يحيط به)).
فأي التفسيرين أقرب؟
المعروف أن كتب التفسير تتبنى فكرة العزلة بطريق النوم، وهي فكرة تستند في الدرجة الأولى إلى أسطورة مسيحية تقول إن سبعة من أتباع المسيح لجأوا إلى أحد الكهوف هرباً من الاضطهاد الديني في عصر الامبراطور ((ديكيوس))، وقد اكتشف الشرطة أمرهم وسدّوا عليهم منفذ الكهف، فظلوا نائمين بداخله مائة وسبعة وثمانين عاماً طبقاً لإحدى الروايات وثلثمائة وخمسة وسبعين عاماً طبقاً لرواية أخرى.
والقرآن لا يثبت هذا الزعم ولا ينفيه.
وخلوا النص من التفاصيل يشير إلى فكرة التعمد القرآني لاختيار هذا الموقف الوسط. وتجنب كلمة ((النوم)) بالذات تبدو بمثابة اقتراح محدد للبحث عن تفسير آخر أكثر شمولاً.
إلى جانب ذلك يبدو الإصرار على ذكر كلمة ((الرقيم)) ظاهرة أكثر مدعاة للتريث في قبول الأسطورة المسيحية. ((فالرقيم)) رمز واضح محدد للنشاط التجاري الذي تميزت به الأمم المسيحية في العصور الحديثة. و ((الكهف)) رمز آخر محدد للنشاط الكهنوتي في الأديرة المتوحدة وبقاع النساك في الجبال. وترتيب وضع الكلمتين في النص ((الكهف والرقيم)) يبدو بمثابة تلخيص مذهل لتاريخ المسيحية بأسرها التي بدأت في كهوف الرهبان وانتهت في بورصات المدن الكبيرة والبنوك وهو أيضاً نبوءة واضحة بالمصير المادي لتعاليم المسيح.
وهذا الاقتراح لابد أن يدعو في النهاية إلى اعتبار القصة كلها عملاً رمزياً متعمداً. فالشواهد تشير بوضوح إلى أن القرآن لا يسرد حادثة معينة داخل أية تفاصيل. ونقاط الاقتراح تتوالى على هذا النحو:
أولاً: تعمد النص إغفال كلمة ((النوم))، وهي في الواقع الكلمة الوحيدة التي كان بوسعها أن تؤكد حدوث المعجزة.
ولو أن القرىن يرمي إلى الحديث عن ((خارقة)) غير طبيعية، فمن المستبعد حقاً أن يتعمد إغفال تلك الكلمة أو يتجنب ذكرها بوضوح كلي.
ثانياً: وردت كلمة ((الرقيم)) في نصّ بالغ الإيجاز دون أن يكون لها ثمة علاقة مباشرة بتفاصيل المعجزة. ولو كانت القصة تروي حدوث خارقة غير طبيعية فقط لما كان ثمة حاجة ملحة إلى ذكر ((الرقيم)) أصلاً.
ثالثاً: قدمت الآيات الكريمة صورة غير محصورة لمجموعة من النساك لجأوا إلى كهف ما عدداً معيناً من السنين ثم غادروه في النهاية. ولم تتقدم الآيات بأية تفاصيل لتثبيت حدوث المعجزة أو عدم حدوثها. والقرآن لا يتعامل مع الظواهر غير الطبيعية بهذا الاسلوب إلا إذا كان ثمة تفسير آخر أكثر احتمالاً يعترض طريق التحديد.
أما التفاصيل فتبدأ بعد ذلك في هذا النص: (نحن نقص عليك نبأهم بالحق انهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذا قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذا شططاً. هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بيِّن فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً. وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فآووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً).
والواضح حتى الآن أن القرآن يشير إلى أول ثورة دينية في المسيحية، وهي تلك الثورة التي يعرف أتباعها باسم ((الموحدون)) في الشرق، وباسم ((المفكرون)) في الغرب لأنهم يرفضون الاعتراف بعقيدة التثليث.
و ((الآلهة)) هي عيسى المسيح ومريم العذراء.
والآية: (لولا يأتون عليهم بسلطان بيِّن) اشارة مذهلة إلى حجة الموحدين الذين تحدوا القائلين بالتثليث بأن يثبتوا أ، عيسى المسيح قال إنه ابن الله. وذلك بالضبط هو ما سيعمل الرهبان على تزويره في نسخ الانجيل التي كتبت في نهاية القرن الأول.
أما نقطة النقاش هنا فهي قول القرآن: (وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله).
فالاعتزال حادثة معروفة في معظم الديانات، وهي أيضاً حقيقة تاريخية فيما يخص الموحدين بالذات. وليس ثمة اقتراح واحد هنا بحدوث أية معجزة، فهؤلاء الرجال يعتزلون بقية الفرق القائلة بالتثليث التي تقترف إثم الشرك بالله اعتزالاً عادياً خالياً من أية اشارة إلى الخوارق غير الطبيعية.
ثم تصل تفاصيل أكثر:
(وترى الشمس إذا طلعت تزور عن كهفهم ذات اليمين إذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً).
والذي يلفت النظر هنا أكثر هو سرد التفاصيل لمكان الشمس بالنسبة للكهف مما يوحي للوهلة الأولى بأن ذلك هو موطن المعجزة. ولكن المعروف أن أي امرئ ذي معلومات جغرافية محدودة يستطيع أن يؤكد أن حركة الشمس هنا لا تقترح أية معجزة. فالكهف ذو المدخل الشمالي فوق مدار السرطان لا تصله الشمس مباشرة لأنها تشرق من يمينه وتغرب من يساره طوال أيام العام. فماذا يقترح النص على وجه الضبط؟
المعروف أن المفسرين القدامى اعتبروا حركة الشمس جزءاً من المعجزة، وهو تفسير لا يخالف روح النص بأي حال. ولكن معلومات هذا العصر تتقدم بتفسير آخر أكثر مطابقة للظروف الطبيعية السائدة في مناطق انتشار المسيحية الأولى، وتلغي حدوث المعجزة في هذا الموضع على الأقل. وهو عمل يمكن أن يظل قاعدة لمحاولة مخلصة في البحث عن أبعاد الرمز في بقية النص.
ولعل الآيات القادمة تلقي مزيداً من الضوء على هذه النقطة:
(وتحسبهم إيقاظاً وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد).
وهنا ترد أول اشارة إلى ((النوم)) باعتباره عكس اليقظة. وترد بقية التفاصيل الخاصة بكلب الحراسة ومكانه عند المدخل في وضع محدد حافل بالحياة.
والسؤال المباشر: هل هذه طريقة القرآن المتميز بالإيجاز في سرد الحوادث الخارقة؟ وماذا تعني (ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال) إذا كان النص يقترح تفسيراً حرفياً؟
أنا أعتقد أن إجابة الأسئلة ستبدو أكثر يسراً وتحديداً عبر تفسير رمزي لكل وحدات الصورة.


source : البلاغ
  523
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

دعاء الامام الصادق عليه السلام
لماذا الأسلوب القصصي في القرآن؟
حالات النفس
عدد صفوف الناس في القیامة و حملة العرش فيها
كيف ينظر الإسلام إلى المرأة ؟
عيد الأضحى هو ذروة إظهار عبودية الإنسان لله سبحانه
ارتباط البدن بالروح المجردة
الفرق بين القضاء والقدر
التوقف عند الشبهات و الاحتياط في الدين
الفصاحة والجمال في نهج البلاغة

 
user comment