عربي
Sunday 20th of September 2020
  707
  0
  0

مفهوم العدالة عند المولى محمد مهدي النراقي قدس سره

مفهوم العدالة عند المولى محمد مهدي النراقي قدس سره

عبد الكريم آل نجف

لكل مبدأ وعقيدة شعاراتها ومعالمها الخاصة بها التي تميزها عن غيرها وتكشف عن جوهرها وفلسفتها الاجتماعية، ومن هنا يجري التأكيد باستمرار على إبراز هذه الشعارات والمعالم، وتسخر من أجل ذلك مختلف الاجهزة والوسائل ذات العلاقة بالاعلام والتربية والفن.

وعندما نلقي نظرة فاحصة على طبيعة الشعارات التي طرحها الانسان على الساحة الانسانية حتى الآن نستطيع أن نستخلص وجود شعارين مركزيين تدور سائر الشعارات من حولهما، هما الحرية والعدالة، وهما شعاران مستقطبان انقسم المجتمع البشري بسببهما الى معسكرين أيديولوجيين متعارضين، ففي هذا الجانب انصار الحرية يدعون الى أن يتمتع الانسان بالحد الاعلى من الحرية وان يعيش ويفكر بالصورة التي تحلو له دون قيود أو حدود الا بالحد الادنى منها، وفي الجانب الآخر انصار العدالة يدعون الى ضرورة تنظيم الحياة الاجتماعية بنحو يضمن العدالة بين الناس وان استلزم ذلك تقييد الحريات، ومن هنا جاءت حالة الاستقطاب بين الطرفين، فان العدالة تعني أن نبدأ من المجتمع وننتهي بالفرد، بينما الحرية تعني أن نبدأ من الفرد وننتهي بالصورة الاجتماعية التي تفرزها الحريات المعطاة له، العدالة تعني وجود قيم ونظم سابقة على اختيارات الفرد، وعلى الفرد أن يتقيد بها، بينما الحرية تعني فتح الابواب على مصراعيها امام الفرد ليمارس الحياة بالصورة التي يختارها هو.

وإذا سألت انصار الحرية عن مصير العدالة حينئذ، يجيبون: بان الحرية تجعل كل فرد يحتل الموقع المتناسب مع مؤهلاته وقابلياته على الساحة الاجتماعية، وهذه الحالة يطلقون عليها تسمية عدالة الطبيعة ويدعون ان ما عدا ذلك عدالة خيالية لا تقبل التحقق، لان كل هدف لا يساير الحرية محكوم عليه بالفشل وان ناضلت من اجله ثورات وحركات كبرى.

وإذا سألت انصار العدالة عن مصير الحرية عندهم يجيبون: بان العدالة إذا ضمنت على اساس نظام اجتماعي صارم فالانسان سوف لا يحتاج الى المناداة بالحرية، والحرية عندهم وسيلة يراد منها هدف معين، فإذا حصل الهدف وهو العدالة اصبح الانسان في غنى عن الوسيلة وهي الحرية.

وفي خضم هذا الصراع المحتوم بين الطرفين يشعر الانسان بان كلا من الطرفين عنده حق ممزوج بباطل، وان هناك حقيقة ضائعة لو تم العثور عليها لأمكننا بها حل هذه الجدلية الشائكة بين الحرية والعدالة. وان فقدان هذه الحقيقة هو الذى جعل كلا من الطرفين يملك نصفا من الحقيقة ويفقد نصفها الآخر.

صحيح ان كل هدف انساني يعارض الحرية لا يقبل التجسيد، ولكن هذا لا يعني أن نرفع اليد عن الاهداف النبيلة ومسايرة الحرية الى حيث تريد حتى وان اخذت بنا الى حياة الغاب، ثم إذا وصلنا هناك نقول: هنا عدالة الطبيعة وكل ما عداها خيال؟ فان مثل هذه النتيجة تكشف عن خلل في المسيرة الانسانية.

وفي الجانب الآخر نقول: صحيح ان العدالة هي الهدف النبيل للمسيرة الانسانية وان هذا الهدف إذا تحقق يصبح الانسان مستغنيا عما فقده من الحرية بسببه ولكننا في هذا المضمار نواجه مشكلتين :

1ـ مشكلة المعيار الموضوعي للعدالة.

2ـ مشكلة الشعور الذاتي عند الانسان.

فمن الذي قال: ان العدالة تتحقق بهذا النظام الاجتماعي دون سواه؟

فإننا قبل أن نطالب الفرد بان يتسامح في بعض حرياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية من أجل إقرار العدالة في الحياة لابد لنا من اقناعه بان النظام الاجتماعي الذي سنقيمه سوف يكون نظاما عادلا وان اقرار العدالة في الحياة الاجتماعية منحصر بهذا الطريق، فان الفرد يضحي من اجل هدف مضمون، اما إذا كان الهدف مشكوكا فإن من العبث السعي لاقناعه بالتضحية من اجل هذا الهدف، وهذه هي المشكلة الاولى، ولنفترض ان المشكلة الاولى قد حلت، فستواجهنا مشكلة اخرى هي مشكلة هذا الانسان الذي قد يعيش ظروفا بحيث ينتفع من الحرية ويتضرر من العدالة كالرأسماليين الكبار واصحاب الشركات الاقتصادية أو الافراد الذين لا يملكون مثل هذا الموقع المتنفذ فعلا ولكنهم من حيث القوة يرون ان بوسعهم الوصول الى مثل هذا الموقع لو أعطيت لهم حرية اقتصادية كافية فكيف يتاح لنا اقناع مثل هؤلاء بالتضحية باهدافهم الشخصية من اجل هدف اجتماعي عام هو العدالة؟ وهنا تسري المشكلة الاولى ويتفاقم الأمر ويبدأ هؤلاء يتصورون ان النظام الذي يختلس منهم اهدافهم الشخصية بالجبر والاكراه لا يمكن أن يكون نظاما عادلا.

وهذه الجدلية الشائكة بين الحرية والعدالة لا تجد حلها الا في الاسلام. ففي جانب الحرية قال تعالى: «ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم» (1)

وفي جانب العدالة قال تعالى «لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد» (2)

والمسألة ليست مسألة ألفاظ بقدر ما هي مسألة نظرة واقعية للكون والحياة إذا اخذنا بها والتزمنا بلوازمها كانت النتيجة حلولا واقعية ومتكاملة لمسائل الانسان المختلفة، ولذا كانت مناداة الليبريالية بالحرية فاشلة لأنها تنتج حرية طاغية لا تمثل مطلبا انسانيا حقيقيا بل حالة مرضية خطيرة وتستلزم هدر العدالة ، كما كانت مناداة الاشتراكية بالعدالة فاشلة يخسر بسببها الانسان العدالة والحرية معا، لان الطرفين لم ينطلقا من نظرة واقعية للكون والحياة، بينما يفوز الاسلام بالمطلبين معا لانه يحضى بهذه النظرة. ونحن هنا لسنا في مقام الاستدلال التفصيلي على ذلك. وليست الفرصة فرصته، وإنما غرضنا من هذا التمهيد بيان الاسلام هو دين المطالب الانسانية وعلى رأسها الحرية والعدالة الا ان قلة اهتمام المفكرين والكتاب الاسلاميين بابداء ذلك والتركيز عليه استدلالا وبرهنة وتعميقا ونشرا وتبليغا، اعطى الفرصة للغرب بان يبدي نفسه على انه مهد الحرية، وللنظم الاشتراكية بان تعرف على انها أساس العدالة، حتى نجد كاتبا كالدكتور حسن سعفان ينص على القول بأن: «العدالة الاجتماعية ليست الا حصيلة المبادي التي تكلم عنها كارل ماركس وتود وكارل مانهايم وكيس وغيرهم من المفكرين ذوي النزعات الاشتراكية» (3)

وكأن احدا غيرهم لم يناد بالعدالة قبلهم ولا معهم ولا بعدهم، وهذه المفارقة إنما تولدت على حساب الاسلام لان الاسلاميين لم يقرنوا بين الاسلام وبين المطالب والشعارات الانسانية الملحة، مما أعطى الفرصة لان تنسب للغرب تارة وللشرق تارة اخرى، رغم ان تيارا واسعا من علماء الاسلام ومنذ القرن الهجري الثالث قد عدوا العدل من جملة اصول الدين واطلق عليهم لاجل ذلك تسمية «العدلية» ، وهم علماء المعتزلة والامامية.

ان الضرورة العقائدية تفرض تاكيد العلاقة بين الاسلام وبين المطالب والشعارات الانسانية الملحة واثبات ان الاسلام هو الطريق الحقيقي الوحيد لاستنجاز هذه المطالب والشعارات وما عداه طرق قاصرة زائفة. قال تعالى «والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء» (4)

ومن الضروري أن يصل هذا التأكيد حدا بحيث تتداعى من ذكر الاسلام العدالة والحرية والاخلاق، ويتداعى من ذكرها ـ ايضا ـ الاسلام، وهذا يستدعي الشروع بأعمال فكرية واسعة النطاق وتلافي النقص الموجود على الساحة الفكرية الاسلامية في هذا المضمار.

وهذه المقالة محاولة للاطلال على مفهوم العدالة عند علم من اعلام فلسفة الاخلاق ألا وهو المولى الشيخ محمد مهدي النراقي المتوفى 1209 ه واثارة متواضعة في هذا الاتجاه.

قراءة سريعة لفكرة العدالة عند النراقي:

أودع الشيخ النراقي افكاره عن العدالة في 30 صفحة ضمن الباب الثاني من الجزء الاول من كتابه الفريد جامع السعادات.

فذكر ان العدالة قد تعد بلحاظ معين كمالا للقوة العملية فقط وقد تعد بلحاظ آخر كمالا لقوى النفس الاربعة كلها العاقلة والعاملة والشهوية والغضبية معا، فإذا كانت العاقلة مهيمنة على النفس وسائر القوى طائعة لها تابعة لاشارتها «كأن تصرف كل منها وجه الاعتدال وانتظمت امور النشأة الانسانية وحصل تسالم القوى الاربع وتمازجها فتهذب كل واحد منها ويحصل له ما يخصه من الفضيلة، فيحصل من تهذيب العاقلة العلم وتتبعه الحكمة ومن تهذيب العاملة العدالة... وعلى هذا تكون العدالة كمالا للقوى العملية» (5)

ولكن قيل بلحاظ آخر : «ان النفس لما كانت ذات قوى اربع العاقلة والعاملة والشهوية والغضبية فان كانت حركاتها على وجه الاعتدال وكانت الثلاث الاخيرة مطيعة للاولى واقتصرت من الافعال على ما تعين لها حصلت اولا فضائل ثلاث هي الحكمة والعفة والشجاعة، ثم يحصل من حصولها المترتب على تسالم القوى الاربع وتمامها وهي العدالة، وعلى هذا لا تكون العدالة كمالا للقوة العملية فقط بل تكون كمالا للقوى باسرها» (6)

وحينئذ فتعريف العدالة باللحاظ الاول هو: «انقياد العقل العملي للقوة العاقلة وتبعيته لها في جميع تصرفاته، أو ضبطه الغضب والشهوة تحت اشارة العقل والشرع الذي يحكم العقل ايضا بوجوب اطاعته، أو سياسة قوتي الغضب والشهوة وحملها على مقتضى الحكمة» (7)

وتعريفها باللحاظ الثاني هو: «ائتلاف جميع القوى واتفاقها على امتثالها للعاقلة بحيث يرتفع التخالف والتجاذب وتحصل لكل منها فضيلته المختصة به، ولا ريب في ان اتفاق جميع القوى وائتلافها هو كمال لجميعها لا للقوة العملية فقط» (8)

ثم انه قدس سره اختار اللحاظ الاول على الثاني فقال : «الحق ان حقيقة العدالة هو التفسير الاول المذكور في الطريق الاول، اعني انقياد العقل العملي للقوة العاقلة وسائر التفاسير المذكورة في الطريقين لازمة له إذ الانقياد المذكور يلزمه اتفاق القوى وقوة الاستعلاء والسياسة للعقل العملي على قوتي الغضب والشهوة» . (9)

ثم قال: «فالحق ان حقيقة العدالة هو مجرد انقياد العاملة للعاقلة، ومثل الضبط والاستعلاء والسياسة من لوازمه، والفضائل الصادرة عن القوى الاخرى بتوسط العقل العملي إنما تندرج تحت لوازم العدالة لا عينها فمن ادرج جميع الفضائل تحت العدالة نظره الى اعتبار ما يلزمها ومن لم يدرجه تحتها نظره الى عدم اعتباره، وعلى هذا لا بأس بأن يقال ان للعدالة اطلاقين احدهما العدالة بالمعنى الاخص، وثانيهما العدالة بالمعنى الاعم» (10)

ولازم ذلك أن يكون للظلم اطلاقان ايضا احدهما الظلم بالمعنى الأعم وثانيهما الظلم بالمعنى الاخص، وقد التزم المصنف بذلك فكتب يقول : «والحق العدالة مع ملاحظة ما لاينفك عنها من لازمها لها طرف واحد يسمى جورا وظلما وهو يشمل جميع ذمائم الصفات» وهذا هو الظلم بالمعنى الأعم «ولا يختص بالتصرف في حقوق الناس واموالهم بدون جهة شرعية» وهذا هو الظلم بالمعنى الأخص، ثم اضاف عن الظلم بالمعنى الاعم قائلا: «لان العدالة بهذا المعنى كما عرفت عبارة عن ضبط العقل العملي جميع القوى تحت اشارة العقل النظري فهو جامع للكمالات باسرها، فالظلم الذى هو مقابله جامع للنقائص بأسرها، إذ حقيقة الظلم وضع الشي ء في غير موضعه وهو يتناول جميع ذمائم الصفات والافعال..» . (11)

وقال في موضع آخر: «اعلم ان الظلم قد يراد به ما هو ضد العدالة، وهو التعدي عن الوسط فى أي شي ء كان، وهو جامع للرذائل بأسرها كما اشير إليه وهذا هو الظلم بالمعنى الاعم وقد يطلق عليه الجور ايضا وقد يراد به ما يرادف الاضرار والايذاء بالغير...وهذا هو الظلم بالمعنى الاخص وهو المراد إذا اطلق في الايات والاخبار وفي عرف الناس» (12)

ثم قال: «ضد الظلم بالمعنى الاخص هو العدل بالمعنى الاخص، وهو الكف عنه ورفعه والاستقامة واقامة كل واحد على حقه، والعدل بهذا المعنى هو المراد عند اطلاقه في الآيات والاخبار .» . (13)

وبعدما قسم العدالة الى قسمين ذكر ان الاخلاقيين جعلوا كل «واحد من الفضائل الاربع أنواعا فكما أدرجوا تحت كل من الحكمة والعفة والشجاعة أنواعا فكذا ادرجوا تحت العدالة ايضا أنواعا كالوفاء والصداقة والعبادة وغيرها» . وهذا ما لم يقبل به المصنف واعترض عليه بقوله : «ان كل فضيلة ورذيلة اما متعلق بالقوة العقلية أو بقوتي الغضب والشهوة بتوسط العاملة وليس لها في نفسها فضيلة ورذيلة على حدة كما لا يخفى مع انه لو كان الاستعمال والضبط منشأ لاستناد ما يحصل من الفضائل إليها لزم أن تستند إليها جميع الفضائل، فكان اللازم إدخال جميع الفضائل تحت العدالة، ... وعلى هذا فيلزم من عدهم بعض الفضائل من أنواع العدالة دون بعض آخر تخصيص بلا مخصص، فالفضائل التي جعلوها أنواعا مندرجة تحت العدالة بعضها من أنواع الشجاعة أو لوازمها، وبعضها من أنواع العفة او آثارها، وان كان للعاملة من حيث التوسط مدخلية في حصول الجميع فنحن لا نتابع القوم ونجري على مقتضى النظر من جعل أنواع الفضائل والرذائل واصنافها ونتائجها متعلقة بالقوى الثلاث دون العقل العملي وإدخال جميعها تحت اجناسها على ما ينبغي من دون ادخال شي ء منها تحت العدالة وضدها» (14)

بعد ذلك جعل فصلا جديدا أكد فيه على ان «العدالة أشرف الفضائل وافضلها...فجميع الفضائل مترتبة على العدالة ولذا قال افلاطون الإلهي: العدالة إذا حصلت للانسان اشرق بها كل واحد من اجزاء نفسه وسيضي ء بعضها من بعض فتنتهض النفس حينئذ لفعلها الخاص على افضل ما يكون فيحصل لها غاية القرب الى مبدعها سبحانه» (15)

ثم قال: «وإذا عرفت شرف العدالة وايجابها للعمل بالمساواة ورد كل ناقص وزائد الى الوسط فاعلم انها اما متعلق بالاخلاق والافعال أو بالكرامات وقسمة الاموال أو بالمعاملات والمعاوضات أو الاحكام والسياسات والعادل في كل واحد من هذه الامور ما يحدث التساوي فيه برد الافراط والتفريط الى الوسط ولا ريب في انه مشروط بالعلم بطبيعة الوسط حتى يمكن رد الطرفين إليه وهذا العلم في غاية الصعوبة ولا يتيسر الا بالرجوع الى ميزان معرف للاوساط في جميع الاشياء وما هو إلا ميزان الشريعة الالهية الصادرة عن منبع الوحدة الحقة الحقيقية فانها هي المعرفة للاوساط في جميع الاشياء على ما ينبغي والمتضمنة لبيان تفاصيل جميع مراتب الحكمة العملية، فالعادل بالحقيقة يجب أن يكون حكيما عالما بالنواميس الإلهية الصادرة من عند الله سبحانه لحفظ المساواة، وقد ذكر علماء الاخلاق ان العدول ثلاثة: الاول العادل الاكبر وهو الشريعة الإلهية الصادرة من عند الله سبحانه لحفظ المساواة، الثاني العادل الاوسط وهو الحاكم العادل التابع للنواميس الإلهية والشريعة النبوية فانه خليفة الشريعة في حفظ المساواة، الثالث العادل الصامت وهو الدينار لانه يحفظ المساواة في المعاملات والمعاوضات.... وقد اشير الى العدول الثلاثة في الكتاب الإلهي بقوله سبحانه: «وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس» ، فان الكتاب اشارة الى الشريعة، والميزان الى آلة معرفة النسبة بين المختلفات ومنها الدينار، والحديد الى سيف الحاكم العادل المقوم للناس على الوسط، هذا والمقابل للعادل أعني الجائر المبطل للتساوي أيضا أما جائر اعظم وهو الخارج عن حكم الشريعة ويسمى كافرا أو جائر أوسط وهو من لا يطيع عدول الحكام فى الاحكام ويسمى طاغيا وباغيا أو جائر اصغر وهو من لا يقوم على حكم الدينار فيأخذ لنفسه اكثر من حقه ويعطي غيره اقل من حقه ويسمى سارقا وخائنا» (16)

ثم بين ان العدالة تجري في ثلاثة مجالات أحدها ما يجري بين العباد وبين خالقهم، والثاني ما يجري بين الناس بعضهم لبعض، والثالث ما يجري بين الاحياء وذوي حقوقهم من الاموات» (17)

ثم قال قدس سره: «وغير خفي ان أشرف وجوه العدالات وهمها وافضل صنوف السياسات واعمها هو عدالة السلطان إذ غيرها من العدالات مرتبطة بها ولولاه لم يتمكن احد من رعاية العدالة» (18)

وختم افكاره عن العدالة بقوله : «لو استحكمت رابطة المحبة وعلاقة المودة بين الناس لم يحتاجوا الى سلسلة العدالة... والسر ان رابطة المحبة أتم واقوى من رابطة العدالة لان المحبة وحدة طبيعية جبلية والعدالة وحدة قهرية قسرية..» . (19)

هذه خمسة عشر اقتباسا تمثل خلاصة افكار الشيخ النراقي عن العدالة. بقي ان نلقي بعض الاضواء ونطرح بعض التأملات حولها.

تأملات في مفهوم العدالة عند الشيخ النراقي 1ـ لقد ركز الشيخ النراقي في تعريفه للعدالة على الناحية التي هو بصددها ألا وهي فلسفة الاخلاق، كما هو شأن كل صاحب اختصاص، فان تعريف العدالة عند الفقيه شي ء وعند اللغوي شي ء آخر وعند الحقوقي شي ء ثالث وعند فيلسوف الاخلاق امر رابع، فذكر للعدالة تعريفين بلحاظين مختلفين كما هو مذكور في الاقتباس الثالث، لكنه مع ذلك لم يغفل الناحية الحقوقية فمر بها ضمن كلامه عن كون العدالة أشرف الفضائل . فقال كما هو مذكور في الاقتباس الثاني عشر ـ : «إذا عرفت شرف العدالة وايجابها للعمل بالمساواة...الخ» وهذه هي الناحية الحقوقية التي يعنى بها علماء الحقوق والسياسة التي لم تلق عناية كافية من عند الاسلاميين، وربما كانت عناية القدماء بها اكثر من عناية المحدثين، فالذي يراجع تهذيب الاخلاق لاحمد بن مسكويه (توفي 421 ه) يجد فيه الترابط بين العدالة والمساواة اكثر مما هو موجود في جامع السعادات مع ان النراقي قد استعان كثيرا على ابن مسكويه وربما كانت الكثير من عبارات تهذيب الاخلاق مكررة بنفسها في جامع السعادات، فضلا عن المضامين والافكار، كما سيأتي، وقد ذكر نفسه كما في الاقتباس الرابع عشر من كلامه: ان أشرف وجوه العدالات واهمها وافضل صنوف السياسات واعمها هو عدالة السلطان ...الخ اي الناحية الحقوقية من العدالة، كما اكد في الاقتباسين السابع والثامن ان المقصود من العدل والظلم في لسان الآيات والروايات هو المعنى الخاص المرتبط بحقوق الناس، والعدالة بالمعنى الاعم وان كانت في حد نفسها كمالا. والكمال يطلب لذاته، ولكن ذلك بلحاظ عطاءه للحياة الاجتماعية، وكل كمال ينقطع عن الحياة يفقد مضمونه، كالعبادة التي لا تنهى عن الفحشاء والمنكر ولا اثر لها في استقامة الفرد والمجتمع، والعلم الذي لا يقدم شيئا للانسان ، ولا نقول: ان الاصل في كل فضيلة وكمال هو ما يقدمه للانسان من عطاء، فان هذا معنى برغماتيا ينسجم مع المذاهب المادية ولا يتطابق مع الحقائق الدينية والإلهية، فالفضيلة بحد نفسها فضيلة، والكمال بحد نفسه كمال، ولكن ما كان الكمال كمالا إلا لأن الحياة تتقوم به ولا تستقيم بدونه، والفرق بين المعنيين هو الفرق بين من يجعل الاصل والفرع كل في موضعه وبين من يجعل احدهما في محل الآخر.

2ـ ذكر الشيخ النراقي في الاقتباس الثاني عشر احتياج العدالة في الحياة الاجتماعية الى الشريعة باعتبارها الميزان الذي يعين نقطة الوسط بين طرفين، الافراط والتفريط في كل الامور، واشار الى كلام علماء الاخلاق عن العدول الثلاثة وعدهم للشريعة بانها العادل الاكبر، ثم حاول أن يستنبط هذه الفكرة من آية: «وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ...» ، واشار في نهاية الاقتباس الى الجائرين الثلاثة الذين يقفون بازاء العدول الثلاثة.

ولابد من الاشارة هنا الى ان فكرة العدول الثلاثة والجائرين الثلاثة فكرة مقتبسة من تهذيب الاخلاق ذكرها ابن مسكويه هناك (20) ونسبها الى ارسطو، إلا ان الذي يراجع كتاب الاخلاق لارسطو قد يجد فيه هذا الكلام المنسوب إليه.

كما ان فكرة دور الشريعة في تحديد نقطة الوسط التي هي نقطة الاعتدال بين طرفي الافراط والتفريط هي الاخرى مقتبسة من تهذيب الاخلاق (21) وهي فكرة رائعة وضرورية جدا تجسد نباهة واصالة علماء الاخلاق الاسلاميين، إذ لو لم يكن للشريعة دور على صعيد العدل لما كان لها وجهة عقلية تكون علة لبعثة الانبياء والرسل الى الناس، كما هو المصرح به في القرآن الكريم، ولو لم تكن الشريعة باحكامها وحدودها نقطة الوسط بين الافراط والتفريط لكانت اما في جانب الانظلام الذي هو حد الافراط أو في جانب الظلم الذي هو حد التفريط، وكلاهما قبيح، وإنما احتاج الناس الى الشريعة لعلل منها خفاء نقطة الوسط واشتباهها بغيرها بالنحو الذي يثير النزاع بين الناس فيتصور كل منهم ان ما يقوله هو العدل القائم في نقطة الوسط، وما يقوله غيره اما افراط أو تفريط، اي اما ظلم او انظلام، فتأتي الشريعة لتبين الاحكام والحدود التفصيلية ولتعين من خلال ذلك نقطة الوسط في كل ما تصدت لبيانه من احكام وحدود.

ثم ان نقطة الوسط لا يمكن أن تكون اكثر من واحدة، ولا يمكن أن تكون الاخرى إلا من احدى الجهتين الافراط أو التفريط، ولو كانت اكثر من واحدة لا يبقى معنى للقول بان هناك نقطة وسط، فهي نقطة واحدة يبحث عنها الانسان في مختلف جهات ومجالات سلوكه اليومي، وبالتالي فليس للعدالة إلا مفهوم واحد ومقتضى واحد على الانسان أن يبحث عنه ويلتزم به فى كل زمان ومكان، ولذا لا نجد معنى واقعا لكلام البعض عن المفهوم النسبي المتغير للعدالة، أمثال الدكتور فؤاد زكريا الذي ترجم كتاب الجمهورية لافلاطون وكتب في مقدمته يقول: «كانت مواقف الفلاسفة تتحدد تبعا لطريقة اجابتهم عن هذا السؤال الرئيسي المتعلق بطبيعة العدالة فإذا كانوا من المحافظين اتجهوا الى الربط بين معنى العدالة ومعنى الازلية والثبات والالوهية، وإذا كانوا ذوي نزعة ثورية ديمقراطية اتجهوا الى الدفاع عن المفهوم النسبي المتغير للعدالة وليس من الصعب أن يدرك المرءالخصومة الاساسية بين سقراط والسفسطائيين على النحو الذي عرضت به في كثير من محاورات افلاطون وضمنها محاورة الجمهورية مرتد اساسا الى هذا الخلاف الاساسي حول طبيعة العدالة، فالسفسطائيون من انصار التغيير والحركة والنسبية وهم لا يؤمنون بما هو ازلي وثابت، اما سقراط فهو اشد انصار الثبات والاستقرار تحمسا» (22) .

فان المفهوم النسبي للعدالة يعني انتفاءها، فيلزم من وجوده عدمه لانه يعني ان ما يراه زيد عدالة يراه عمر ظلما، وانها في حد نفسها لا تقرر لها في صقع الواقع بل هي امر اعتباري يختلف من شخص الى آخر ومن حالة الى اخرى، وحينئذ فما يراه انصار النسبية والتعددية عدالة يراه غيرهم ظلما، فهو عدالة وظلم في آن واحد، وهذا كلام لا يفهم له معنى، ثم ما هو المبرر الحقوقي والفلسفي والوجداني لمناداة انصار النسبية بمفهومهم الخاص عن العدالة وتطبيقه على من يرونه ظلما وجورا؟ فهل هذا من خصائص النزعة الثورية الديمقراطية؟ وهل تعني هذه النزعة تغليف العدوان والظلم بشعار العدالة النسبية؟ .

وقد أنصف الدكتور زكريا حين ربط هذا المفهوم بالسفسطة ولم ينصف حينما ربط بينه وبين النزعة الثورية التغييرية التي يتبادر منها معنى المطالبة بالحق والعدل وقد اتضح انتفاء هذه الرابطة كما انه انصف حينما جعل المفهوم المطلق للعدالة مرتبطا بمعنى الازلية والالوهية، ولم ينصف حينما ربط بين هذا المفهوم وبين الاتجاه المحافظ الثابت المقابل للنزعة الثورية التغييرية، فان معنى المحافظة والثبات أن كان هو ابقاء الحالة القائمة على ما هي عليه سواء كانت متصفة بالعدل أو الظلم فمن الواضح ان مفهوم العدل يقاوم هذا المعنى ويرفضه ويتبنى النزعة الثورية التغييرية تجاهه، وهذا ما دعا إليه القرآن الكريم ونصوص السنة النبوية وسيرة أئمة اهل البيت عليهم السلام والصالحين من اتباعهم حتى الآن.

وإذا كان معنى المحافظة والثبات المحافظة على الحالة القائمة والحيلولة دون تغييرها إذا كانت متصفة بالعدل والاستقامة، فهذا المعنى هو مقتضى العدل وجوهره والنزعة الثورية التغييرية ليست مطلوبة على كل حال، ولا تتصف بحسن ذاتي دائمي، وإنما هي مطلوبة كطريق لمقاومة الظلم واقرار العدل وهذا يتطلب الانتصار للحالة القائمة إذا كانت عادلة، ويجعل الانتفاض عليها سلوكا ظالما يتناقض مع معنى الحركة الثورية التغييرية ويخالف اهدافها الطبيعية.

ان العدالة لا تاخذ معناها الصحيح الواقعي، ولا تأخذ طريقها الى الواقع حينما ترتبط بمعنى الألوهية وتاخذ طابعا دينيا، كما ان دور الدين في العدالة لا ينحصر بجانب الشريعة ودورها في بيان الاحكام والحدود التي هي عبارة عن نقطة الوسط بين طرفي الافراط والتفريط، بالنحو الذي يفهم من كلام ابن مسكويه والنراقي، وإنما للعقيدة قبل الشريعة دور اهم من ذلك، فان العدالة إذا كانت هي: انقياد العقل العملي للقوة العاقلة وتبعيته لها في جميع تصرفاته أو ضبطه الغضب والشهوة تحت اشارة العقل...الخ، كما هو تعريفها المختار عند النراقي، فان القدرة التي تقوم بهذه العملية التنظيمية لقوى الانسان الداخلية، وتنقلها من حالة التعارض والتكالب الى حالة الائتلاف والتوافق، وتجعل كل واحدة منها في محلها المناسب لها إنما هي قدرة العقيدة الصحيحة الفعالة، والا فالمفهوم النظري التجريدي للعدالة لا يصنع شيئا بالنسبة الى الانسان، والذي يقوم بذلك كله إنما هو العقيدة الصحيحة التي تلزم الانسان بهذه العملية التنظيمية بما تمتلكه من إلزامات آخروية وسلطان روحي فعال يدعم دور العقل ويهذب باقي القوى ويمكن العقل من السيطرة عليها، ودور العقيدة هذا في اقامة العدالة على صعيد النفس اهم من دور الشريعة فيها على صعيد المجتمع، وليس بوسع الشريعة أن تقوم بدورها هذا بنجاح ما لم تنهض العقيدة قبل ذلك ك بدورها التربوي التمهيدي المطلوب .

وقد كان ضروريا من مثل ابن مسكويه والنراقي التنويه بهذا الدور والاهتمام به بالقدر الذي يستحقه، ومن المؤسف أن لا نجد له محلا في تراثهما سوى اشارة فلسفية صوفية من واد آخر غير الذي نأمله بحلها، النراقي بين فيها ضمن بحثه عن كون العدالة أشرف الفضائل ان «من خواص العدالة انها أقرب الصفات الى الوحدة... وان الوحدة أشرف من الكثرة» وان «اختلاف الاشياء في الكمال والنقص بحسب اختلافها في الوحدة والكثرة فأشرف الموجودات هو الواحد الحقيقي الذي هو موجد الكل ومبدؤه ويفيض نور الوحدة على كل موجود بقدر استعداده كما يفيض عليه نور الوجود كذلك فكل وحدة من الوحدات جوهرية كانت أو خلقية أو فعلية أو عدمية أو مزاجية فهو ظل من وحدته الحقة وكلما كان اقرب اليها يكون أشرف وجودا ولولا الاعتدال والوحدة العرضية التي هي ظل الوحدة الحقيقية لم تتم دائرة الوجود» (23) .

وهذا بيان يساعد على دحض المفهوم النسبي للعدالة وعلى تشييد المفهوم المطلق لها، ثم انه سجل في ذيل هذا البيان قوله: «لو استحكمت رابطة المحبة وعلاقة المودة بين الناس لم يحتاجوا الى سلسلة العدالة فان اهل الوداد والمحبة في مقام الايثار ولو كان بهم خصاصة فكيف يجور بعضهم على بعض؟ والسر رابطة المحبة اتم واقوى من رابطة العدالة لان المحبة وحدة طبيعية جبلية، والعدالة وحدة قهرية قسرية، على انها لا تنتظم بدون المحبة لكونها باعثة للايجاد... فالمحبة هو السلطان المطلق والعدالة نائبها وخليفتها» (24) وهذا الكلام يعود بالاشكال على كلام النراقي وسائر الاخلاقيين الذين عدوا العدالة أشرف الفضائل، إذ كيف تكون العدالة أشرف الفضائل وتكون المحبة في نفس الوقت اتم واقوى منها وهي السلطان المطلق والعدالة نائبها وخليفتها؟ وكيف يكون النائب أشرف من الاصل المنوب عنه؟ اليس هذا كلاما متهافتا؟

هذا الاشكال لم يتطرق إليه النراقي ولا سلفه ابن مسكويه، ولكنهما ذكرا اشكالا آخر وأجابا عليه، وربما يتمسك البعض بهذه الاجابة في رفع الاشكال الجديد ايضا، والاشكال الذي ذكراه هو ان العدالة إذا كانت هي المساواة بين طرفين فلازم ذلك ان المتفضل الذي يعطي من نفسه اكثر مما يجب عليه غير عادلا، ويكون التفضل مذموما حينئذ وهو خلاف الوجدان؟ .

وقد اجابا بما حاصله: ان التفضل وان كان زيادة إلا ان هذه الزيادة ليست من النوع الذي يخرج بصاحبه عن حد الوسط وإنما من النوع الذي يراد به التاكيد على هذا الحد والاحتراز عليه، فهو من باب الاحتياط لضمان هذا الحد والحفاظ عليه وليس من باب الخروج عليه «فان الزيادة في السخاء إذا لم يؤد الى الاسراف احسن من النقصان عنه واشبه بالمحافظة على شرائطه فالتفضل إنما يصدر عن فضيلة العدالة... وهذه الزيادة ليست مذمومة بل هي العدالة مع الاحتياط فيها» (25) .

وقد يجاب بالجواب نفسه عن الاشكال الجديد فيقال: بان المحبة توجب زيادة من هذا النوع فتجعل الشخص يؤثر الاخرين على نفسه ولو كان ذا خصاصة وهذه الزيادة لا تؤدي به الى طرف مذموم، لا من افراط ولا من تفريط وإنما تجعله اكثر احتياطا على الوسطية واكثر احترازا عن الوقوع في الطرفين المذمومين ولكن الوجدان لا يساعد على هذا الجواب، فان المتفضل غير المحب، المتفضل يعرف نقطة الوسط ويريد الزيادة عليها من باب الاحتياط بينما المحب يؤثر محبوبه على نفسه دون أن ينظر الى نقطة هي الوسط واخرى هي التفضل، المتفضل ينظر الى ناحية حقوقية يريد ضمانها لصالح الغير بتقديم زيادة معينة، والمحب ليست في نفسه ناحية حقوقية منظورة وإنما في نفسه قيمة رفيعة يراها جديرة بالعطاء والفداء والتضحية بما يملك، المتفضل ينطلق من موازنة حقوقية معينة، بينما المحب ينطلق من موازنة عاطفية وقلبية.

ولو صح هذا الجواب لكان جوابا عن من يجعل المحبة امرا مخالفا للعدالة فيرد عليه بمثل هذا الكلام، لو كان صحيحا في نفسه، ولكن الاشكال ليس عن مخالفة المحبة للعدالة، ولا عن اشرفية المحبة على العدالة، وإنما عن تهافت كلام الشيخ النراقي بين قول بان العدالة أشرف الفضائل وقول آخر لازمه أن تكون المحبة أشرف من العدالة بما يشعر بوجود خلل ما في فكرة العدالة لديه.

والحق ان العدالة أشرف الفضائل، والمحبة ليست أشرف من العدالة وإنما هي درجة راقية منها، لان المحبة هي الاخرى لا تستقيم إلا في شخصية متعادلة تعرف لمن تعطي الحب وبأي مقدار لئلا تقع في افراط أو تفريط، فالذي يعطي بمقدار ما يأخذ انسان عادل والذي يزيد في حق الغير تحفظا عليه عادل بدرجة اعلى وهو الذي سمي بالمتفضل، والذي يعطي غيره بلحاظ قيمة رفيعة اعلى منزلة من الحق انسان عادل قد بلغ اعلى درجات العدالة وهو الحب.

ومنشأ الاشكال في كلام الشيخ يعود الى عبارته الاخيرة التي جعل فيها المحبة في مقابل العدالة ووصف الاولى بانها وحدة طبيعية والثانية وحدة قسرية، وهذا الفرق صحيح إلا ان المحبة ليست في مقابل العدالة وإنما هي رتبة طولية راقية منها.

3ـ لقد أبدع الشيخ النراقي ايما ابداع في ضم الفضائل بعضها الى بعض وتصنيفها على اساس نظرية الوسط والاطراف التي قال بها علماء اليونان القدامى، وقد نص بنفسه على ذلك إذ كتب يقول: «اعلم ان احصاء الفضائل والرذائل وضبطهما وإدخال البعض في البعض والاشارة الى القوة الموجبة لها على ما فصلناه مما لم يتعرض له علماء الاخلاق بل إنما تعرضوا لبعضها ويظهر من كلامهم في بعض المواضع المخالفة في الادخال» (26) .

وقد اختص لنفسه بانفرادات فكرية مهمة خالف فيها اسلافه من علماء الاخلاق القدامى، وأهمها ما نقلناه عنه في الاقتباس العاشر من مخالفته لاسلافه في تقسيمهم الفضائل الى اربعة اجناس هي الحكمة والعفة والشجاعة والعدالة، فانه اعترض عليهم في عدهم العدالة جنسا في مقابل سائر الاجناس، بل العدالة عنده أم الفضائل، كما ان الظلم اسن الرذائل، وكل الفضائل تدخل عنده تحت العدالة.

وقد اعترض الشيخ محمد رضا المظفر في المقدمة التي كتبها لجامع السعادات على هذه النتيجة بقوله: ولا أظن أحدا يقره عليه ولا يثبت لنا النقد (27) .

الهوامش:

.1 الاعراف / .157

.2 الحديد / . 25

.3 معجم العلوم الاجتماعية / نخبة من الكتاب / ص 385 ط مصر.

.4 النور / .39

.5 جامع السعادات / ج 1 / ص 69 ط نجف.

.6 المصدر نفسه / ص .70

.7 المصدر نفسه / ص .70

.8 المصدر نفسه / ص .70

.9 المصدر نفسه / ص 71ـ . 72

.10 المصدر نفسه / ص .72

.11 المصدر نفسه / ص . 81

.12 جامع السعادات / ج 2 / ص .219

.13 المصدر نفسه/ ث .223

.14 جامع السعادات / ج 1 / ص .73

.15 المصدر نفسه / ث .91

.16 المصدر نفسه / ص 92ـ .94

.17 المصدر نفسه / ص 94ـ .95

.18 المصدر نفسه / ص .98

.19 المصدر نفسه / ص .99

.20 تهذيب الاخلاق / ص 110 ط ايران.

.21 المصدر نفسه / ص .110

.22 الجمهورية / افلاطون / ترجمة د. فؤاد زكريا / ص 80 ط مصر.

.23 جامع السعادات / ج 1 / ص 91ـ .92

.24 المصدر نفسه / ص .99

.25 المصدر نفسه / ص 96ـ 97 انظر كذلك: تهذيب الاخلاق / ص 121ـ .122

.26 المصدر نفسه / ص 86ـ . 87

.27 المصدر نفسه / ص .21


source : http://www.naraqi.com
  707
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

عصمة يوسف (عليه السلام ) وقول الله (... وهمّ بها )
المُناظرة التاسعة والاربعون /مناظرة السيد محمد تقي ...
صفات الله الثبوتيّة
لماذا السجود على التربة ؟
إثبات الأشاعرة لرؤيته تعالى في الآخرة
المرأة في نظر بعض الفلاسفة
العلاقة بین القضاء والقدر
البرزخ في کلام امير المؤمنين (عليه السلام)
المُناظرة الحادية والعشرون /وأمَّا الآية السابعة فقول ...
الصفات الذاتية الثبوتية

 
user comment