عربي
Monday 23rd of November 2020
  392
  0
  0

العقل بين بصائر الوحي والتصورات البشرية

العقل بين بصائر الوحي والتصورات البشرية

نظرية المعرفة من مختصات البشر ، بما خص به من آلية تقييم ادراكاته المختلفة والمتباينة ، ومن هنا حفل التاريخ بإنتاجيات متعددة في عالم الأفكار ، وبزخم هائل في عالم النظريات ، مما أوجد تحد حقيقي أمام الانسان وهو تحدي صراع الأيدلوجيات ، فحتم على الضرورة العلمية حسم هذا الصراع ، في انتاج معيارية لتلقيح الأفكار وتقييم النظريات ، فأنتج علم المنطق ومناهج البحث التي تحاول إيجاد آلية تعصم بمراعاتها الذهن عن الخطأ ، فتشكل وفق هذه المناهج نظرية المعرفة ، لكي تقف على المعرفة وأدواتها .

ولتلمس مواضع الخطأ والصواب في هذه المناهج لا بد ان نتوقف على الدوافع العلمية لتأسيس هذه المناهج ، فهل العقل البشري إذا تسالمنا على كونه اداة المعرفة للإنسان قادر على كشف الواقع بتمامه أم أنه قاصر على إدراك جزء منه ؟ ، ومن ثم ما الطريقة التي يتم من خلالها إدراك الواقع ( إن تلك المعارف والعلوم ومجمل الأفكار البشرية لا يقام لها وزن ، ولا اعتبار ما لم تعلم قيمة نفس المعرفة بأبعادها المختلفة بالدرجة الأولى اتخاذ موقف حاسم فيما يرجع إلى وجود عالم واقعي وراء الذهن أولا ، ثم على فرض وجوده ، بيان مدى قدرة الذهن وأدواته التي يستعين بها على كشف ما وراءها ، هل تكشفه كشفا تاما أو أنها لا تكشف عن صورته ناقصة له ) (1) .

ولمعرفة الإجابة على تلك الأسئلة بدأ علم المنطق في تعريف العلم الذي نطل به على الواقع الخارجي من خلال ( هو الصورة الحاصلة من الشيء في الذهن ) وبالرغم من الانتقادات التي وجهت لهذا التعريف من بعض الفلاسفة والمناطقة إلا أنها لم تتجاوز النقطة الجوهرية وهو كونه إدراك الواقع عن طريق الصورة ، فانحصرت الانتقادات على كون التعريف ليس جامعا مانعا ، فلم يشمل العلم الحضوري والمقدمات المنطقية الثانوية ، والمقدمات الفلسفية الثانوية ، والعلم بالمستحيلات والحساب .

هكذا تحول العلم عندهم إلى سلسة من المعلومات اختزنت في الذهن في شكل صور تم التعرف عليها عن طريق اتحاد النفس المدركة ، مما أطر علم المنطق لإنتاج قواعد تهيكل وتنظم تلك الصور والمعلومات الذهنية لضمان طريقة واحدة عند البشر في استخراج النظريات من الضروريات ، لهذا اكتشفنا دواعي تأسيس علم المنطق فلا حاجة إلى نقض مباني المنطق بشكلها التفصيلي وإنما بهدم المرتكز الأساسي الذي يبتنى عليه ، وهو كون العلم تلك الصور الذهنية في مرحلتها التصورية والتصديقية فينهار به تلك الأسس ، وهذا من إبداعات النهج الإلهي المتمثل في القرآن الكريم وأحاديث المعصومين (عليهم السلام) عندما بيّنوا أن حقيقة العلم هي الكشف التام .

يتعلق العلم بالواقع بما هو واقع بحيثياته الخارجية وليس عن طريق المفاهيم والصور الذهنية ، وللوقوف على هذه المفارقة نذكر بعض الاعتراضات الجوهرية على العلم بكونه صورة ..

1/ إذا كان الواقع محجوباً عنا ونحن نسعى على إدراكه فكيف يا ترى تحدث تلك الصورة من ذلك الواقع الذي فرض جهلنا التام به ؟ .

2/ إذا سلمنا بحدوث الصورة كيف تحدث المطابقة بينها وبين الواقع الخارجي ؟ ، فإن كان معلماً فهذا خلف ، وإن لم يكن معلوماً يستحيل بذلك التطابق .

3/ إن الصورة مع فرض وجودها لا تخرج عن كونها معلومة لشيء آخر وهو على حد تعبيرهم بالنفس المدركة ، فكيف تخرج من كونها معلومة إلى علم كاشف للواقع .

4/ هل تلك الصورة هي علة للعمل أم معلولة له ؟ ، في اعتقادنا أن صورة الشيء تحدث بعد العلم به ، فتتأخر رتبة عن العلم ، ولا يكون المتأخر شرط على المتقدم عليه ، ذلك لأنه مفهوم العلم يأتي بعد العلم وليس المفهوم هو الذي يعطينا العلم ، لأن المفهوم المنتزع عن صنع النفس البشرية والعلم يكشف الحقائق الخارجية (2) .

5/ إن العلم هو صورة علمية للواقع يتم التعرف علبها عن طريق إتحادها مع النفس المدركة ، والنفس هنا كيفية نفسانية لا يمكن إتحادها مع العينات الخارجية فبالتالي لا يكون هناك معلوم على صفحة الوجود معلوما بالحقيقة إلا تلك الصور الذهنية ، وما اعترضوا به هذه الصورة لها جهة كاشفية عن الواقع هي محاولة للقفز على عقولنا ، فقولهم العلم بالشيء هو عين الكشف عن الصورة وليس الواقع الخارجي ، وحط الإنسان عندئذ بإدراك الواقع هو إدراك صورة علمية منه لا الواقع نفسه ، إذ من الضروري أن الواقع له آثار حقيقية كالحرارة والبرودة ، والإنسان عندما يشاهد النار والثلج لا ينال منها إلا لصورة العلمية لا الآثار الواقعية الموجودة فيها ) (3) .

والموضوعية العلمية في المعرفة قائمة على أساس أن الصور الذهنية لا تختلف عن الموجودات الخارجية في الماهيات ، إنما تختلف في الوجود فحسب (4) .

وهذا الوجود الذي إسثناه هو نفس الوجود الذي نسعى لإدراكه وهذه مفارقة جوهرية بين الخطيين .

العلم الحقيقي :

العلم في المنهج الإلهي هو نور خارج ذواتنا وعن أدوات الأشياء ، به نعلم أنفسنا ، ونعلم الواقع الخارجي ، والعلم يكشف بذاته لا بشيء آخر حتى يصبح معلومة ، وهذا العلم مخلوق إلهي يضعه الله في قلب ما يشاء ، قال الله تعالى: ( ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ) النور - 40 .

وقال الله تعالى ( أوَمَن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زُيّن للكافرين ما كانوا يعملون) الأنعام - 122

وقال الله تعالى ( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويلٌ للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين ) الزمر - 22 .

وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : " إن العلم نور بقذفه الله في قلب من يشاء " ، فتنبي بذلك أن العلم نور مجرد يتفضل به الله الذي جرت سنته بأن يفيض هذا النور على الإنسان فيعلم ويشهد ويرى ، فيقبضه عند النوم والإغماء والغضب فيجهل ولا يعرف ، ومن أعظم آيات القبض والبسط لنور العلم هو النسيان بعد العلم بالشيء ، والطريق إلى العلم والعقل عند الإنسان هو التذكير والإرشاد إلا ما يجده من الشعور بهذا العلم من قبيل هل تعرف نفسك ؟ هل تعرف أولادك ؟ .

إن هذه الأسئلة بسيطة في معناها ولكن تذكر بحقيقة العلم الذي من شدة ظهوره أصبح مخفيا ، ولا يفهم أن هذا التذكير من باب الاستدلال عليه ، لأن ذلك يستلزم تصور العلم نفسه ، بل هو تذكرة وإشارة إلى العلم بالمعلوم .أما كيفية تفعيل العقل في دائرة العلم والمعرفة هو مجرد إثارة العقل بالتذكير ، ومن هنا لم يكن العقل طريق في قبال القرآن ، إنما كليهما نوران من مصدر واحد . قال الإمام الكاظم (عليه السلام) : " إن لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة ، فأما الظاهرة فالرسول والأنبياء والأئمة وأما الباطنة فالعقول " ، فالخطاب القرآني لم يكن ناظراً إلى تأسيس معارف غير موجودة في واقع الفطرة وإنما جاء بلسان التذكير للعلم والمعرفة التي غطتها حجب الغفلة ، قال تعالى ( فإنما يسّرناه بلسانك لعلّهم يتذكرون ) الدخان - 85 .

( نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبّار فذكّر بالقرآن من يخاف وعيد ) ق - 45

( إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) ق- 37 .

فبالتالي يكون دور العقل في باب المعارف هو :

1- تصديق الوحي .

2- فقه الشرائع باستلهام العقل للأصول العامة ثم التدرج بمعرفة جميع الأحكام .

3- معرفة المصاديق لتلك الأصول العامة وربط الوقائع المحدثة بها وتلك هي حركة الاستنباط في الأحكام الشرعية ، فبمعرفة العقل الفطري وتزكيته بآيات القرآن ليستضيء ويستبصر بها نكون قد اكتشفنا المعيار والمصباح الذي نلج به إلى عالم المعرفة .

-----------------------------------

(*) عالم دين من السودان ، صاحب كتاب (الحقيقة الضائعة)

(1) نظرية المعرفة – السبحاني

(2) العرفان الإسلامي- السيد محمد تقي المدرسي 243

(3) نظرية المعرفة - السبحاني 21

(4)نظرية المعرفة – السبحاني-302

  392
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

لقاء مع الأمين الخاص لمزار "الحمزة الغربي" (ع)
لطف الميل في المرأة
الراسخون وعلم التأویل
الإمام الحسن (عليه السلام) ومصلحة الإسلام العليا
الآداب الموضوعية للتفسير
امرأة.. اسمها زينب (رواية)
خصائص النبیّ فی القرآن الکریم
مناسبات شهر ربيع الأول
الرسول و مکارم الاخلاق
ولادة الإمام المهدي (عج)

 
user comment