عربي
Wednesday 23rd of September 2020
  337
  0
  0

فكرة الحوار وحوار الفكر في القرآن

 بسم الله الرحمن الرحيم


المقدمة :

قد أولى القرآن الحوار أهمية بالغة إلی حد لم ینظر إلیه کوضع مقبول وشأن مطلوب فحسب ، بل ذهب إلی أبعد وأعمق من ذلك، واعتبرأن الحوار وسيلة قویة لاستحضار العقل ومنطلق داعم للحركية الاجتهادية في الفکر الإنساني وأرضیة مشترکة للحرکة السياسية والإجتماعية والفكرية في المسائل الاختلافیة ومجال شامل لإیجاد العلاقات والأواصر الإجتماعیة . وبتعبیر آخر خرج الحوار في القرآن عن حدود کونه ذا وضع مطلوب لیبلغ مستوی خصلة إنسانیة لایمکن تفکیکها عن الحیاة الدینیة ولاالمادیة .  القرآن هو کتاب حوار،  یأتي بقصص الحوار ویحکي حوارالقصص، یعطي فکرة الحوار ویروي حوارالفکر، دعوته إلی الحوار وحواره للدعوة ، هدفه الحوار وحواره للهدف، یبني الدیانة والحضارة علی الحوار ویدعو إلی حوارالدیانات و الحضارات. یرید هذا الکتاب الحواري إنشاء مجتمع حواري لکي يفكر بكل حرية ویختار بکل إرادة ، ویریه أنه سیختار سلوکاً واعياً یتناسب مع عمق فطرته التي فطره الله علیها .

هذا المقال نرید من خلاله التعرف علی مکانة الحوار وثقافته من وجهة نظر القرآن . وقد توزعت مواضیع المقال في محاورثلاثة:


- تعریف الحوار وفرقه مع الجدال


- مکانة الحوار حسب الرؤیة القرآنیة 


- ثقافة الحوار حسب الرؤیة القرآنیة 

 


المحور الأول : تعریف الحوار وفرقه مع الجدال


الف . تعریف کل من الحواروالجدال : أما الحوار فهو من المُحاورة ؛ وهي المُراجعة في الكلام. قال الزبيدي في تاج العروس: {الحوار أي المحاورة ( و ) المحاورة المجاوبة و ( مراجعة النطق ) والكلام في المخاطبة وقد حاوره (وتحاوروا تراجعوا الكلام بينهم ) وهم يتراوحون ويتحاورون .}[1] وقال الطبرسي: {والتحاور: التراجع ، وهي المحاورة ، يقال : حاوره محاورة أي : راجعه الكلام ، وتحاورا}[2] وقال العلامة الطباطبائي : المحاورة المخاطبة والمراجعه في الكلام[3]


 وأما الجدال ، فقال الراغب الاصفهاني في تعریفه  :


{الجدال المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة وأصله من جدلت الحبل أي أحكمت فتله ومنه الجديل، وجدلت البناء أحكمته ودرع مجدولة . والاجدل الصقر المحكم البنية ، والمجدل القصر المحكم البناء ، ومنه الجدال فكأن المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن رأيه ، وقيل الاصل في الجدال الصراع وإسقاط الانسان صاحبه على الجدالة وهى الارض الصلبة ، قال الله تعالى : ( وجادلهم بالتى هي أحسن - الذين يجادلون في آيات الله - وإن جادلوك فقل الله أعلم - قد جادلتنا فأكثرت جدالنا - وقرئ - جدلنا - ما ضربوه لك إلا جدلا - وكان الانسان أكثر شئ جدلا ) وقال تعالى : ( وهم يجادلون في الله - يجادلنا في قوم لوط - وجادلوا بالباطل - ومن الناس من يجادل في الله - ولا جدال في الحج - يا نوح قد جادلتنا )} [4]


وقال القرطبي :  } والجدل في كلام العرب المبالغة في الخصومة ... ويقال للصقر أيضا أجدل لشدته في الطير.}[5]


وقال الطباطبائي :{... وهو الحجة التي تستعمل لفتل الخصم عما يصر عليه وينازع فيه من غير أن يريد به ظهور الحق بالمؤاخذة عليه من طريق ما يتسلمه هو والناس أو یتسلمه هو وحده في قوله أو حجته}[6]

ب . الفرق بین الحوار والجدال : ویتم البحث عن وجود الفرق بینهما أو عدمه من زاویتین :


الزاویة الأولی : الفرق بینهما من حیث الإحتواء أو عدم الإحتواء للمعنی السلبي : وقد برز من هذا الحیث اتجاهان :


الاتجاه الأول : أن للجدل معنی ً سلبیاً بخلاف الحوار؛ والدلیل الذي قد یطرح لإثبات ذلك أن القرآن يركز في مواقع كثيرة على الحوار، بینما نرى أن القرآن يذكر الجدال في المواضع غير المرضي عنها وكأنه يستنكر الجدال. یقول في الدرالمنثور : {أخرج ابن أبى حاتم عن ابن زيد في قوله وكان الانسان أكثر شئ جدلا قال الجدل الخصومة خصومة القوم لانبيائهم وردهم عليهم ما جاؤا به وكل شئ في القرآن من ذكر الجدل فهو من ذلك الوجه فيما يخاصمونهم من دينهم يردون عليهم ما جاؤا به والله أعلم}[7]


الاتجاه الثاني : أنه لیس للجدل أیضاً معنیً سلبي کما في الحوار؛ وهذا الاتجاه للکثیر من مفسري الشیعة والسنة:


منهم العلامة الطباطبائي ، فإنه بعد أن اعتبر أن الجدال الوارد في القرآن نفس الجدل المنطقي قال : {انه سبحانه قيد ...الجدال بالتى هي أحسن ففيه دلالة على أن من الجدال ما هو أحسن وما ليس بأحسن ولا حسن .... والمجادلة منقسمة إلى حسنة وغير حسنة ثم الحسنة إلى التي هي احسن } وقال أیضاً : {والجدال أحوج إلى كمال الحسن من الموعظة ولذلك أجاز سبحانه من الموعظة حسنتها ولم يجز من المجادلة إلا التي هي احسن .}  وذهب إلی أبعد وأکثر من ذلك في موضع آخر من کلامه واعتبر أن المجادلة یمکن أن تکون من أقسام الدعوة وأسالیبها وقال في ذلك: {ذكرالبعض إن المجادلة بالتى هي احسن ليست من الدعوة في شئ بل الغرض منها شئ آخر مغاير لها وهو الالزام والافحام قال ولذلك لم يعطف الجدال في الاية على ما تقدمه بل غير السياق وقيل وجادلهم بالتى هي احسن . وفيه غفلة عن حقيقة القياس الجدلي فالافحام وان كان غاية للقياس الجدلي لكنه ليس غاية دائمية فكثيرا ما يتألف قياس من مقدمات مقبولة أو مسلمة وخاصة في الامور العملية والعلوم غير اليقينية كالفقه والاصول والاخلاق و الفنون الادبية ولا يراد به الالزام والافحام . على ان في الالزام والافحام دعوة كما ان في الموعظة دعوة وان اختلفت صورتها باختلاف الطرق نعم تغيير السياق لما في الجدال من معنى المنازعة والمغالبة .}[8]


ومنهم القرطبي حیث قال :  }  والجدل في الدين محمود ، ولهذا جادل نوح والأنبياء قومهم حتى يظهر الحق ، فمن قبله أنجح وأفلح ، ومن رده خاب وخسر . وأما الجدال لغير الحق حتى يظهر الباطل في صورة الحق فمذموم ، وصاحبه } [9] 


والنتیجة التي ننتهي الیها أنه لاینبغي لنا أن نظن بأن الجدل مفعم بمفهوم سلبي بحیث لایبدو معنی ولامصداق لترکیب "الجدل الإیجابي " ففي القرآن موارد معتد بها من استخدام معنی هذا الترکیب ، فالجدل لیس أمراً سلبیاً بحد ذاته بل ما رافقه من أوضاع – من قبیل التعصب والجهل -  هو الذي منحه طابعاً سلبیاً . علی أنه بلحاظ کثرة تحقق هذه الحالة ، أي اقتران الوضع الفطري للانسان في الجدل مع شؤون سلبیة ، ترکت انطباع عدم رضا القرآن عن الجدل الذي لاتترتب علیه فائدة.


یقول أحد الکتاب: {... أما كلمة الحوار فهي ذات مضامين معرفية ومدلولات واسعة... صحيح أن كلمة الجدل تنطوي على مفاهيم الأخذ والرد الذي يتحول بموجبه الحوار إلى مجرد جدل عقيم سلبي تكمن الغاية منه في ممارسة ذات الجدل فحسب، دون وجود أهداف حقيقية، لأن المسألة المتحركة في هذا الاتجاه، قد تتحول عند بعض المتجادلين إلى لقلقة فكرية دون محاولة الدخول إلى صلب القناعة الراسخة أو الحقيقة الهادئة... لكن يبقى الجدل متصلاً بأصل وجودنا كأناس نحاول أن نترقب حركة الأحداث، ونفسرها وفق مجريات وقائعنا وتصوراتنا عن أمور الحياة والوجود بما يتصل مع حركتنا اليومية}[10]


الزاویة الثانیة : تعیین النسبة بینهما


ونواجه من هذا الحیث فروضاً وهي ما یلي:


الفرض الأول : هما اصطلاحان لمعنی واحد 


حسب هذا الفرض ، یمتلك هذان الاصطلاحان معنیً واحدا ً , وهو عبارة عن المناقشة بين طرفين أو أطراف، یکون المقصود بها في بعض الموارد إظهار حجَّةٍ لإثبات حقٍ، أو دفع شبهةٍ، وفي موارد اُخری تصحيح كلامٍ، أو ردُّ قول فاسد.

الفرض الثانی : هما اصطلاحان لمعنیین مختلفین


حسب هذا الفرض ، یمتلك کل من الاصطلاحین معنیً خاصاً یختلف عن المعنی الذي للآخر.


والذین قبلوا هذا الفرض یمکن تقسیمهم علی اتجاهین :


الاتجاه الأول : یری أن الحوار والجدل وإن التقيا في کونهما بمعنی حديث أو مناقشة بين طرفين غیر أنهما يفترقان في أن الحوار هو مراجعة الكلام والحديث بين طرفين بحيث ينتقل الحديث من الأول إلى الثاني ،ثم يعود إلى الأول .. وهكذا دون أن يلحظ مستمع أو مراقب أن بين الطرفين ما يدل على وجود خصومة. أما الجدل فهو التخاصم بالكلام ، والنقاش المحتد المفعم بالعناد والتمسك بالرأي والتعصب.


الاتجاه الثاني : یری هذا الاتجاه أن الحوار له أصول لو لم تراع  تلك الأصول حال الحوار، فإنه ينقلب ذلك إلى مفهوم آخر مختلف عنه تماما اسمه الجدل.


الفرض الثالث : هما اصطلاحان لمعنیین بینهما العموم و الخصوص


وهذا الاتجاه لمن ذهب إلی أن الحوار ینقسم إلی قسمین : الحوار البنـّاء والحوار غير البناء، وغیر البناء هو الجدل .

 


المحور الثاني: مکانة الحوار حسب الرؤیة القرآنیة


تأتي المطالب في توضیح ذلك تحت العناوین التالیة :


  * حقائق کونیة تقوم علیها إمکانیة ومعقولیة الحوار


  * نظرة القرآن إلی دور الحوار في الحیاة الإنسانیة


  * انعکاس مکانة الحوار في القرآن من خلال روایاته للحوارات


1 - حقائق کونیة تقوم علیها إمکانیة ومعقولیة الحوار:


هناك حقائق کونیة حول الإنسان طرحها القرآن الکریم ، تمثل هي إطاراً فطریاً وکونیاً تتشکل وتتکون علی أساسه مصداقیة وإمکانیة الحوار للإنسان أومعقولیته له ونقول في توضیح ذلك: إنه یختلف الوضع الفطري بین البشر والملائكة في المجالات التالیة :


الف) الإعتقاد بالحق؛ إن الانسان خلافاً للملائکة – والذین هم مفطورون على اعتقاد الحق [11] - لم یفطر علی امتلا ك الایمان والاعتقاد بالحق منذ الاول، بل کان مفطوراً علی استعدادات نفسیة وإمکانیات عقلیة، تتهیأ بها الارضیة لأن یسعی لأدراك الحق والإیمان به.


ب) الإنقیاد للحق ؛ إن الانسان خلافاً للملائکة - والذین کانوا مفطورین على الإطاعة الدائمیة لله سبحانه -  قد فطر علی الاختيار، فالإطاعة لیست حالة دائمیة له، بل تتم عبر إرادته و إختیاره فإن شاء یعبد وإن  شاء یکفر یقول عز من قائل : {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي[12]} ويقول سبحانه {فأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين[13]} ویقول سبحانه في آیة اُخری : { إنا هدیناه السبیل إما شاکراً وإما کفوراً[14]}.


ج) اختلاف البعض مع البعض ؛ إن الإنسان خلافاً للملائکة – وهم المفطورون على


عدم الاختلاف و التشعب [15] - قد خلقوا مختلفین، وقد نبه القرآن علی ذلك في الآیة الکریمة : {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إ ِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [16]

وهذا الإختلاف یعد من السنن الإلهیة التی لا تبديل لها ولا تحويل ؛یقول سبحانه {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ}[17]


وفي التعرض للاختلاف في اللغة تنبیه إلی وجود اختلافات طبیعیة اُخری لدی الناس ؛ حیث إن الاختلاف في اللغة متأثر من عدة عوامل من أهمها اختلاف الناس في العقول والصفات والطباع والمعنویات ، کما أن الاختلاف في اللغة کان بدوره من العوامل المؤثرة في نشوء التعددیة في الآراء والمُدركات والتوجهات والاتجاهات بین الناس .


وغیر خفي أن اعتبار الاختلاف فی الخلقة کأساسٍ فلسفيٍ للحوار یتم انطلاقاً من أن الحوار لایمکن أن یکون ممکناً ومعقولاً إلا فیما إذا کان هناك اختلاف،  وبتعبیر آخر إن الواقعیة التی تبتني علیها إمکانیة - بل ومعقولیة الحوار- هی وجود الاختلاف الفکري لدی الناس .


د. الجدال ؛ یری القرآن الرغبة والسعي لأجل الحوار من ضمن خصال البشر الذاتیة ،خلافاً للملائکة.  وهذا ما یستفاد من هاتین الآیتین التالیتین :


* {یوم تأتي کل نفس تجادل عن نفسها وتوفی کل نفس ما عملت وهم لایظلمون}  وفقاً لهذه الآیة فإن الجدال من خصائص الإنسان یوم القیامة ، فهویجادل حتی في لحظات الحساب یوم یجازي الإنسان علی أعماله ، ومع الأخذ بنظر الاعتبار زوال صفات الانسان العرضیة یوم القیامة، فإنه یمکن اعتبار بقاء الجدال في الآخرة دلیلاً علی ذاتیة هذه الخصلة . ومن ذلك کله نخلص الی القول بفطریة وذاتیة خصلة الحوار (أو فقل:السعي المنتهي الی الحوار) لدی الإنسان .


* { وکان الإنسان أکثر شیء جدلاً}بناءً علی هذه الآیة یکون الجدل  من جبلة الإنسان ، وأنه جزءٌ  من وضع فطري یسعی باقتضائه لمتابعة الحوادث وحدسها أو التنبؤ بها وتفسیرها بما ینسجم مع تجاربه وتصوراته ورغباته . وخصلة الجدال توجد في الإنسان في أصعب وأحلك الظروف . 


وبهذا کله ننتهي إلی أن هناك مباديء فلسفیة أربعة حول خلقة الإنسان  ، وهي :


الف) کون الإنسان مفطورا علی الفکر


ب) کون الانسان مفطوراً علی الإختیار 


ج) کون الاختلاف لدی الناس سنة كونية


د) کون الجدال خصلة فطریة للإنسان


والفرق بین هذه المبادیء  أن فطریة الجدال للإنسان تفیدها المبادیء الثلاثة الأولی بمعونة التحلیل ، بینما المبدأ الأخیر ینص علیها.


ومع قطع النظر عن هذا الفرق فإن جمیع المبادیء الأربعة تمثل وجود وضعیة للإنسان تدعوه بصورة فطریة إلی الحوار ، کما تقتضي اعتبار الحوار کأمر ممکن ومعقول ، بل وضروري للإنسان.


2 - نظرة القرآن إلی دور الحوار في الحیاة الإنسانیة:


إنه یستفاد:    


أولاً : کون الحوار أرضیة خصبة لحصول المعنویة والکمال الدیني


من وجهة نظر القرآن یعد الحوار مجالاً للعلاقات الانسانیة وأرضیة خصبة للمعنویة فالقرآن یربط بوضوح بین مصیر الانسان المعنوی والحوار ویری أن بینهما ارتباطاً وثیقاً وثابتاً . وهذا الدور یمکن استفادته من الأمرین التالیین :


الأول : کون الحوار حاظیاً بتوجه  البشارة الإلهیة إلیه . 


 وهذا ما یستفاد من الآیة الکریمة: {فبشر عباد الذین یستمعون القول فیتبعون احسنه }


یمکن إثبات مکانة الحوار في هذه الایة من خلال ذکر النقاط التالیة :


النقطة الاولی : إنه طرح في هذه الایة ثلاثة عناصر هی: "القول"  و "استماع القول" و "اتباع احسن القول" وبذلك تتشکل ثلاث مراحل :


المرحلة الاولی : تبلور أجواء تبادل الآراء والأقوال .


 بتبلور فضاء تبادل الآراء والأقوال – والذي یعد الحوار وضعاً أکثر انسجاماً  له -


تظهر الرؤی المختلفة والمتفاوتة .


المرحلة الثانیة: استماع القول والتعرف علی ما استبطن من نکات ومقالات أحسن.


المرحلة الثالثة : اتباع الأحسن .


الکثیر یتحاور لکي یثبت ما یعتقد به ویتبعه ، ومن وجهة نظر القرآن تقع مکانة الاتباع في مرحلة لاحقة للاستماع ، ولو لم یقع الاتباع لایکون معنیً للبشارة . فإن اتضاح الحقائق والواقعیات رمز تبلورت البشری الإلهیة بلحاظه .


ملخص القول : ما لم تتحقق المرحلة الاولی للحوار لاتتبلور أرضیة لاستماع القول والتعرف علی ما استبطن من نکات هي الأحسن ، وما لم تترجم المرحلة الثالثة (الاستماع والتعرف علی القول الأحسن ) إلی عمل لاتتوافر أرضیة اتباع الکلام الأحسن .


النقطة الثانیة : أینما استخدم الله سبحانه مفردة "عبادي" وما شابهها ، لبیان العلاقة بینه وبین البشر ، عرض من خلال ذلك أعمق الأفکار وأساسیاتها . ومن خلال اعتبار هذا القالب البیانی ( إیجاد النسبة بنحو خاص بین الله سبحانه و عباده ) ملاکاً وحاکیاً عن عمق وأصالة الفکر یمکن الوقوف علی علو منزلة الحوار ؛ وذلك لان هذا القالب البیاني استخدم في باب الحوار ؛ حیث قال عز من قائل "بشر عبادی الخ"


النقطة الثالثة : مع الأخذ بنظر الإعتبار أن بشارة القرآن توجهت إلی نعم هي الأکثر أصالة وحقیقة فإن استخدام مفردة "بشر" فیما یخص موضوع الاستماع و اتباع أحسن الکلام یحکي المستوی الرفیع للحوار و کونه حاظیاً بمنزلة مصیریة فی الحیاة المعنویة بالإضافة إلی دوره في الحیاة المادیة للانسان .


 


 الثاني : محوریة الحوار فی الدعوة


إن  القرآن لایری وحدة في الفضاء الذي تبلورت فیه دعوة الرسل ، بل الله سبحانه طلب من الرسل أن یبدوا دعوتهم بالحوار { فقولا له قولاً لیناً لعله یتذکر أو یخشی } [18]


لاشك أن الدعوة إلی الحق أحد المظاهر الاساسیة في هذا الکتاب ؛ لو لم نقل بأنها الأساس  . واللافت هنا کون هذا المظهر الهام والمحوري حاصلاً في إطار دعوة صریحة للحوار ، ومن باب المثال وردت الآیات التالیة :


*  { اُدع إلی سبیل ربك بالحکمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن }[19]


*  { قل هاتوا برهانکم إن کنتم صا دقین }[20] 


مضافاً إلی ذلك فإن سیرة النبي الأکرم وباقي الأنبیاء شاهد علی أن طریق الدعوة والهدایة یمر عبر الحوار ، وقد کان للحوار والجدال الدور المصیري في هذا المجال ، کما ینقل لنا القرآن والتاریخ ، ولم ینقل لنا التاریخ هدایة رسول اُمته بسیف صارم او وعود دنیویة خادعة ، بل الحوار کان دائماً بمثابة الجسر لنقل الهدایة الإلهیة إلی البشریة .


ثانیاً : کون الحوار آلية لاستحصال القابلیات المکنونة في الإختلاف الطبیعي الحاصل بین البشر


إنه کما ذکرنا لا شك في أن الإختلاف یکون من الاٌسس القائمة علیها النظام الكوني الالهی وأنه یعد من السنن الإلهیة التی لا تبديل لها ولا تحويل ، کما لا شك أن الاختلاف لو لم یتم ترشيده فسوف ینتهي بالإنسان ومجتمعه إلی مهالك عظیمة ومخاطر جسیمة ، بینما أنه لو تم توظيفه نحو الرشد فسوف ینتج فوائد عظیمة باهرة ، فانطلاقاً من ذلك کله فإنه لابد من وجود آلية فعالة للتعامل مع هذه الحقيقة الفطریة ، وهذه الآلیة أرشدنا القرآن إلیها واعتبر أنه الحوار فهو الذی یمکننا من الاستفادة من فوائد قضیة الاختلاف الفطری ویجنبنا عن الوقوع فی مخاطرها العظیمة .


3 - انعکاس مکانة الحوار في القرآن من خلال روایاته للحوارات


الحوار في القرآن لیس موضوعاً نادراً ، هناك مجموعة متنوعة من الحوارات رواها القرآن لنا في المجالات المختلفة ، والنظر إلی هذه المجموعة المتنوعة سیکشف لنا عن درجة أهمیة الحوار ومکانته في رؤیة القرآن . وفیما یلي توضیح لأبعاد انعکاس هذه الدرجة تحت محاور :


الأول : کمیة حجم روایات القرآن للحوار


یمکن عرض کمیة روایة القرآن للحوار من خلال الإحصائیات التالیة :


تکرر مفردة "قال" 527 مرة.


ورود مادة الجدل في 29 مورداً ، وکثیر من هذه الموارد استبطنت روایة الحوار .

تکرر مادة الحوار ( سواء علی وزن مفاعلة أو وزن تفاعل ) في موارد ثلاثة وهی ما یلي:


      * (... فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً)[21]


      * (... قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً...)[22]


* (قد سمع اللَّه قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى اللَّه واللَّه يسمع تحاوركما إن اللَّه سميع بصير)[23]


- ورود قصص الحوار في القرآن أكثر من500  مرة .


الثاني: منهج روایة الحوار في القرآن


وهذه المنهجیة تتضح من خلال ذکر نکتتین، وهما :


أولاً: منح الحوار مکانة یتمحور حوله کل شیء 


عندما یطرح القرآن قصة تتضمن حواراً بین طرفین أو أطراف ، یعکس المراحل الواردة في القصة بصورة یتصور القاریء المتأمل أن الحوار هو المحور الأساس لها وأنه العنصر الأساس الذي یأخذ کل شیء ورد في القصة معناه منه ؛ وبتعبیر آخر إن القرآن في خلال ذکره للقصص یمنح الحوار محوریةً إلی درجة یظهر کأنه هي الروح الواقعیة التي تجری في جمیع مراحل ما یرویه من حکایة أو قصة ؛ فمثلاً إن القرآن عند ما ینتهي الحوار القائم بین طرفین في قصة إلی مستوی الإهانة والایذاء وما شابهه ، لا یترك الحوار ولا یلقیه إلی جانب ، بل یختار أسلوباً یکشف لنا عن الهزیمة الحواریة لأحد الطرفین . ومثل هذا المنهج یتضمن التاکید علی منطق الحوار ، وأن الحوار فی هذه الموارد یحظی باهمیة تفوق الروایة إلی حد تنعدم اهمیة کل شیء فی قباله. ویمکن مشاهدة نماذج لإستخدام هذا المنهج فی عدة الموارد من القرآن : منها الموارد التالیة :


- یحکی القرآن فقدان قوم لوط للاجوبة المنطقیة فی الحوار قائلاً: { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اخرجوا آل لوط من قریتکم }


- کما یحکی فقدان قوم ابراهیم للاجوبة المنطقیة عن التسائلات الواردة فی الحوارات الطویلة ویقول : { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه } 


هذا التعبیر یستبطن نسبة السفاهة الیهم ؛ لانهم عند ما بلغوا طریقا مسدوداً وافتقدوا الدلیل قالوا: لاتحاجوه بل اقتلوه لکی تتخلصوا منه .


یقول الشیخ الطوسی : "انهم لما عجزوا عن جوابه بحجة عدلوا إلى ان قالوا اقتلوه أو حرقوه" [24]


کما یقول الشیخ الطبرسی :


"وفي هذا تسفيه لهم إذ قالوا حين انقطعت حجتهم لا تحاجوه ، ولكن اقتلوه أو حرقوه ، ليتخلصوا منه" [25].


وکما هو معلوم فإن إطلاق کلمة الجواب – والذي یتجلی ویتمثل معناه الحقیقي في کلام یذکره أحد طرفي الحوار لرد کلام الطرف الآخر – علی اعمال وحشیة وأسالیب غیر إنسانیة مثل القتل والتحریق یدل علی أن التوجه القرآني یکون توجهاً حواریاً وأن للقرآن ترکیز علی إعتبار الحوار کعنصر أساسي في الروایة. 


ثانیاً: عرض مقولات أطراف الحوار بتأنٍ تام


إنه بالنظر إلی القرآن یعلم مدی إهتمامه بنقل أقوال أطراف الحوار وأفکارهم ، والشاهد علی ذلک ما ذکرناه من ورود مفردة "قال"527 مرة .   


المحور الثالث:  ثقافة الحوار حسب الرؤیة القرآنیة 


ونتحدث عن موضوعین :


  * آدابه   


  * مجالاته


أولاً: آداب الحوار في القرآن


 تستفاد من القرآن الآداب التالیة للحوار :


1 - تکافؤ وتساوی طرفی المناظرة


ینبغي في الحوار ابتنائه علی أصل المساواة وعلی الجمیع أن یستهدف البحث عن الحقائق والواقعیات والکشف عنها وإلا فلانتیجة یمکن توخیها من الحوار ، ورغم أن أحد الأطراف قد یکون بمستوی علمي أرفع من الطرف الآخر ألا أن شرط الحوار - من وجهة نظر القرآن- سعي أطراف الحوار لإیجاد فضاء الإستماع وما یمکنه أن یکشف عن الحقیقة . وهذا التكافؤ بین الطرفین لابد یترسخ ویتعمق إلی حدٍ یکونا متکافئین من حیث الإستعدادات النفسية أیضاً ، حتی یتمکنا بذلك من الحوار واستمراره بهدوء.


الایة { فبشر عباد الذین الخ } ترسم لنا وضعاً لایکون الکلام فیه صادراً عن فرد بل عن جمع - أی عباد - والعمل بالایة یعني سعي الجمیع لاستماع کلام بعضهم الاخر  .
یمکن استفادة هذا المبدأ أیضاً من الآیات التالیة :


{إنا أو إیاکم لعلی هدیً أو في ضلال مبین}[26]


{ قل لاتسألون عما أجرمنا ولانسأل عما تعملون } [27] 


2 – الإستماع إلی الإدعاء والتأني فیه


علی المحاور أن یصغي إلی مدعیات المخاطب بدقة تامة . وهذا المبدأ یستفاد بوضوح من الآیة الکریمة {فبشر عباد الذین یستمعون القول فیتبعون أحسنه } إن من یرید أن يتكلم ولایستمع إلی الآخرین وأن یستمع الآخرون إلیه ولایتکلمون لیس ممن تشمله البشارة الإلهیة الواردة في الآیة الشریفة . وکما هو معلوم فإن مقاطعة من یتحدث أوممارسة العنف ضده  تنافیان قاعدة "الإستماع" القرآنیة.


3 – تحکیم الجو العلمي وتجنب العاطفة


علی طرفي البحث أن یسعیا لأن تکون مطارحاتهما علمیة متجنبین بذلک الأجواء العاطفیة ومایثیر الأحاسیس. ینظر لإثبات ذلک إلی الآیات التالیة :


"هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ" [28]


"إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إلاّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ" [29]

"أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ ، فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ " .[30]


وشدة تأکید القرآن علی علمیة وموضوعیة الحوار بلغت إلی حد برز خطاب "هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ" کشعار للقرآن یمثل أهمیة الحوار ومکانته فيه ، فقد ورد هذا الخطاب في أربعة  مواضع في القرآن : [البقرة:111 ، الأنبياء:24 ، النمل:4،القصص:75] 


4 – فسح المجال لطرح الأفکار


رغم أن بعض الأفکار تعد ساقطة علمیاً من وجهة نظر الإسلام ألا أنه لا یرید للإنسان أن یعیش حالة من الخوف في مجال العقیدة والفکر ، کما لایرید أن تتخلل عقائده فراغات أو نقاط سوداء ، بل یرید له التفکیر بحریة تامة ، فاتحاً أمامه الآفاق لکي یکون علی بصیرة . وهذا ما یمکن استفادته من هذه الآیة :


{ وإنا أو إیاکم لعلی هدیً أو ضلال مبین } 


 5 – البدأ بالنقاط المشترکة واعتماده في المناظرة


یستفاد من الآیة { تعالوا إلی کلمة سواء } أن علی أطراف الحوار أن یکتشفوا قبل کل شیء نقاط الاشتراک بینهم لاعتمادها في بناء الحوار ، فإن الکلمة تشکل المادة في الحوار، والتي عبارة عن عملیة تعتمد تبادل الکلمات . إن الحوار لایثمر في الفراغ وفیما إذا لم ینطلق من مشترکات ، فلابد لأجل أن یثمر الحوار أن یسعی الطرفان لإفتراض المشترکات یعتمدونها في کلماتهم . حکي أن سقراط كان يبدأ المناظرین بنقاط الاتفاق بينهما، ويسأله أسئلة لم یکن لخصمه تجاهها إلا أن يجيب عليها: بنعم، فكلما عرض علیه سؤالاً قال: نعم، ويظل ينقله إلى الجواب تلو الجواب، حتى يرى المناظر أنه أصبح يقر بفكرة كان يرفضها من قبل.

6 –التجنب عن الطعن والسب :
 من المحاور الأساسیة لوصایا القرآن في مجال الحوارالتجنب عن استخدام الطعن والاستهزاء والتحقیر ، یقول سبحانه : ولاتسبوا الذین یدعون من دون الله فیسبوا الله عدواً بغیر علم }[31]  

7 – ختم الحوار بهدوء:
  إن نهایة الحوار کبداية الحوار لابد أن تتم في جو هادئ بعید عن أي انفعال مهما كانت النتائج، یقول سبحانه : "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنْ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ"[32] ، ویقول أیضاً : "وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُواعَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ  سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ[33] .
 

 ثانیاً : مجالات الحوار
إن توصیات وتعلیمات القرآن حول الحوار – والتي أشرنا إلیه - تهدفان إلی تعميق أبعاد الحركة الفكرية الفاعلة علی ثلاثة مستویات:


- العلاقات الانسانیة الحاصلة بین إنسان وإنسان مع قطع النظر عن دینهما وفکرهما.


إن الأصل في العلاقات القائمة بین الشعوب بعضهم مع البعض أن يعيشوا في إطار التفاهم والتعاون وذلک لأنه :


أولاً: إن الجميع یریدون لأنفسهم الخیر، والخیر لایمکن حصوله إلا بأن يستفید البعض من البعض.


ثانیاً : الاختلاف سنة كونية حسب ما جاء في القرآن {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} ففرض بعضهم لغتهم أو دينهم علی البعض الآخر تصرف لاینتهي إلی نتائج منطقیة ومرضیة .


أن الإسلام لا يكره أحدا على الدخول فيه قال سبحانه :


{لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي }[34]


وقال سبحانه :


{أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}[35]


وقال تعالى:


{ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} [36]
- المواجهات الدینیة الحاصلة بین المسلمین وأصحاب الدیانات الأخری .


الحوار في القرآن ضرورة تقتضیها جمیع الظروف، وانطلاقاً من هذا الأصل فقد دعا إلی حوار أهل الكتاب : {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن.. وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون}.
کما قال سبحانه : {قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم}.
کما قال تعالی : {قل یا أهل الکتاب تعالوا إلی کلمة سواء بیننا وبینکم }


إذا کان القرآن یركز على الحوار بين الاسلام وبين أصحاب الدیانات الاخری ویدعو المسلمین لأن یوجهوا  دعوتهم إلی متدینی الدیانات للانطلاق من القواسم المشتركة بینهم في المبادئ والقيم نحو اتخاذ قرارات تنفع الجمیع ، فالحوار بین أبناء الامة الاسلامیة یحظی بأهمیة أزید وضرورة أکثربلا شك. وبتعبیر آخر إذا كان من اللازم أن یکون للمسلم موقف حواري في مقابل أهل الكتاب - الذين يخالفونه في أصل دينه – فأهمیة اتخاذ مثل هذا الموقف بین بعضهم تجاه البعض الآخر یحظی بدرجة أکبر بلاشك.

- اللقائات الاسلامیة الحاصلة بین مسلمین بما أنهم مسلمون مع قطع النظر عن المذاهب التي ینتمون إلیها .

إن الاُمة الإسلامیة بحاجة إلى حوارات علمية وإجتماعیة بشكل مستمر ، فالحوارات تطور مستویهم  في الفهم والمعرفة والتفاهم  والتعارف وتمکنهم من الخروج من دهاليز سوء ظن بعضهم بالبعض.

فالحوار حسب النظرة القرآنیة يشكل آلیةً أساسيةً للتقارب بین المذاهب والتحالف بین الدول الإسلامیة ویمثل وسیلة فاعلة تحشد طاقات الأمة في مواجهتها للتحدیات العالمیة. وفیما یلي توضیح أکثر لدور الحوار في التقریب :
دور الحوار في التقریب 

وهذا الدور یتبین بالالتفات إلی المقدمتین التالیتین :

الأولی: إن الوحدة الإسلامية تعني أن یتوفرما یلي :

- اجتماع الجميع على الجوامع المشتركة في عمل موحّد
- عدم تحويل الخلاف المذهبي إلى صراع
- تجنب المعارك الجانبية
- عدم التنافس على إلغاء الآخر

- توظيف جميع الطاقات في مشاريع متّسقة يشدُّ بعضها بعضا ً.
الثانیة : الموارد الخمس المشار إلیها لایمکن أن تتوفر إلا بتوفر أموریلعب الحوار دوراً فعالاً في إیجادها ، وهذه الأمور تمثل بعضها وضعیة فکرية بینما البعض الآخر تمثل وضعیة روحیة في حین أن قسماً ثالثاً منها مرتبطة بالعمل: 

الف . ما یرتبط بالفکر:

- لزوم الإنتهاء إلى نتائج علمیة أفضل ؛

 ودور الحوار في ذلك یتبین بالالتفات إلی أن من خلاله یتم تعاون من جانب الطرفین على معرفة الحقيقة والتَّوصُّل إليها ، وذلك لإن الحوار في واقعه یکون أدة للبحث والتنقيب يكشف بها كل طرف ما خفي على صاحبه  وآلیة للاستقصاء والاستقراء في تنويع الرُّؤى یتمکن بها الطرفان من الإنتهاء إلى نتائج أفضل وأمْكَنَ.

- لزوم التعارف؛

إنه بالحوار یتعرف کل طرف على وجهة نظر الآخر فیستدرك المفاهيم الخاطئة لديه عنه. ویتجلی هذا الدور بالإلتفات إلی أنه إذا لم يكن هناك حوار فإن کل طرف إما یبقی علی جهله بالطرف الاخر ولاتتم له معرفة به أصلاً أو أنه وإن تمت له معرفة إلا أنها تحصل عن طریق واسطة ربما لاتکون المعلومات الحاصلة من جانبها دقيقة وصحيحة .

ب.ما یمثل وضعیة روحیة :

- التفاهم؛

إن عدم استعداد کل طرف للتفاهم مع الطرف الآخر من الأسباب الکبری للنزاعات والخلافات المذهبیة، وقد نشأ ذلك – أي :عدم الإستعداد للتفاهم - نتیجة لسوء فهم البعض للبعض الآخر ، فالواقع أن الذي مرت به المذاهب من تجارب في مراحل من التاریخ قد جعل أنصار کل مذهب شكّوا بالآخرین شکوکاً سيئة ،وقد ترسخت هذه الشکوك في أنفسهم إلی حد بنوا علی أساسها تحلیلاتهم واستنتاجاتهم وقراراتهم ، فحصلت من جانبهم مواقف انفعالية لاتزال تستمر جملة عظیمة من هذه المواقف . والذي یحمل قابلیة کبیرة لأیجاد الأرضیة للتفاهم ورفع الشكوك الناشئة من دواع واهمة بین المذاهب بعضها مع البعض ، هو تشکل الحوار المذهبی علی مستوی واسع . نحن تعودنا أن ننظر إلی مثل آیة حرمة سوء الظن بالعین الفردیة وأن نحملها علی إسائة ظن فرد مسلم بفرد مسلم آخر مع أن الآثار التي تترکها إسائة الظن الاجتماعیة الحاصلة بین المجموعات الإسلامیة بعضها مع البعض عظیمة وجسیمة وخطیرة أکثرجداً .
- تقليص شدة التعصب وبعث مشاعرالمحبة .
من المشاكل التي تواجهها الحركة التقریبیة وجود عصبية حادة ترسخت جذورها في الموروثات الفكرية والمواقف الإجتماعية التاریخیة ، ولا شك أن في الأجواء المملوة من التعصب والظروف المشحونة بالعداء لاتنفع أي محاولة للتقريب بين المذاهب . والدورالذي یلعبه الحوار في مثل هذه الأجواء والظروف تخفیف شدة التعصب وتقویة الأرضیة للتحبب ، وذلك لأن الحوار يجعل كلاًّ من الطرفین يلتقي بالآخر ، يتکلم له ویستمع إلیه، وهذه العملیة لو تحولت إلی ممارسة دائمیة فسوف تساهم مساهمة جذریة في تقليص حدة الخصومة وإيجاد المناخات الملائمة والداعیة إلی الوحدة.

إن تقريب النفوس خصلة لازمة للحوار وإنها من نتائجه الأولیة ، فلونتمکن من تحصینه برعایة ضوابطه القرآنیة ونسعی لمحافظته من استغلاله للتفرقة بالإلتزام بآدابه العقلائیة، فسوف تزداد قابلیاته التقریبیة .
ج. ما یرتبط بالعمل:

- التفاعل للخروج من الواقع المأزوم ؛

إن الحوار هوالذي يمكن أن یعطي الأمل المشرق في الخروج من الأزمة الحالیة ، والتحديات المصيرية التي شهدتها ولا تزال تشهدها وتمر بها الأمة الإسلامية في شتی المجالات .

-التعامل والتعاون لبناء مجتمع أمثل ؛

إن الامة الاسلامیة لو تمکنت في ضوء الحوار من أن تزید من معارفها وتحصل علی التعارف فیما بینها وتحقق الأرضیة لتفاهم بعضها مع البعض وتحل مشاکلها بالتعاون فسوف تتمکن من أن تتخذ خطوات فاعلة في عملية النهوض وصنع القرارات المصيرية بهدف بناء حالة مجتمعية إنسانية راقیة تقوم علی المبادى ء الإسلامیة .

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] تاج العروس ، الزبيدي ج 3   ص 162.
[2] تفسير مجمع البيان ، الطبرسي ج 9   ص 408 .
[3] تفسير الميزان ، السيد الطباطبائي ج 13   ص 309 .

 

 

[4] مفردات غريب القرآن قال الراغب الاصفهاني  ص 89 :
[5] تفسیر القرطبي ج 9 ص 28
[6] المیزان ج 12 ص 371 .
[7] الدر المنثور لجلال الدين السيوطي ج 4   ص 228
[8] المیزان ج 12 ص 374 .
[9] تفسير القرطبي ج 9   ص 27  , صفحة 28
[10] هو نبیل علي صالح .
[11]  یقول الامام علی بن الی طالب (ع ) : { لم ترم الشکوک بنوازعها عزیمة إیمانهم -  أي الملائکة – ولم تعترک الظنون علی معاقد یقینهم.... وقطعهم الإیقان به إلی الوله إلیه }( نهج البلاغة الخطبة 90 . )

[12] البقرة 256
[13] یونس 99

[14] انسان 3
[15] یقول الامام علی بن ابی طالب علیه السلام : {...لم یختلفوا في ربهم باستحواذ الشیطان علیهم ، ولم یفرقهم سوء التقاطع ، ولاتولاهم غل التحاسد ، ولاتشعبتهم مصارف الریب ولااقتسمتهم أخیاف الهمم .} 
[16] هود: 118- 119.
[17] الروم:22
[18] طه 44
[19] نحل 125
[20] بقرة 111
[21] الكهف: 34.

[22] الكهف : 37.

[23] المجادلة: 1.

[24] التبيان ، الشيخ الطوسي ج 8   ص 199 :

 

 

[25] تفسير مجمع البيان - الشيخ الطبرسي ج 8   ص 19

 

 

[26] سبأ 24
[27] سبأ 25
[28] آل عمران:66.

[29] غافر:56.
[30] الصافات:156-157
[31] انعام 108
[32] هود:35
[33] القصص:55
[34] بقرة 256
[35] یونس 99
[36] بقرة 272

  337
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

رسالة في حديث الوصية بالثقلين (الكتاب والسنة)
تعريف المال عند علماء الشريعة
تأريخ المباهلة عاماً وشهراً ويوماً
شعر الإمام الحسين
احادیث عن الامام الرضا (ع)
سيرة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
اعتناق بولس للنصرانية
فى ليلة عاشوراء
الحقوق العامة
قم وأهلها فی روایات أهل البیت (علیهم السلام)

 
user comment