عربي
Wednesday 23rd of September 2020
  424
  0
  0

في ظلال القرآن والسنة (آية التطهير)

في ظلال القرآن والسنة (آية التطهير)

في ظلال القرآن والسنة

 

عني الاسلام كتابا وسنة بشأن الامام الحسين (ع) وأولاه المزيد من العناية والاهتمام لانه من مراكز القيادة العليا في الاسلام التي تطل على هذا الكون فتشرق على معالمه، وتصلح من شأن الانسان، وتدفعه إلى السلوك النير، والمنهج السليم.

 

لقد قابل الاسلام بكل تكريم واحتفاء الامام الحسين كما عنى به مع أبويه وأخيه، فرفع ذكرهم وحث باصرار على اتباع سلوكهم، والاقتداء بهم، وضمن للامة أن لا تزيغ عن طريق الهدى اذا لم تتقدم عليهم في مجالات الحكم والتشريع وغيرهما، ونشير - بإيجاز - إلى بعض ما أثر في الكتاب والسنة في حقهم:

 

في ظلال القرآن:

أما كتاب الله العظيم -الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- فقد أعلن فضل الامام الحسين في اطار أهل البيت (ع) وله في كتاب الله غنى عن مدح المادحين ووصف الواصفين، وهذه بعض الآيات الناطقة في فضلهم.

 

 

آية التطهير

 

قال تعالى:﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾(1) ولابد لنا من وقفة قصيرة للبحث عن هذه الآية.

أ- من هم أهل البيت؟

وأجمع المفسرون وثقاة الرواة (2) أن أهل البيت هم الخمسة أصحاب الكساء وهم: سيد الكائنات الرسول (ص) وصنوه الجاري مجرى نفسه أمير المؤمنين (ع) وبضعته الطاهرة عديلة مريم بنت عمران سيدة النساء فاطمة الزهراء التي يرض الله لرضاها ويغضب لغضبها، وريحانتاه من الدنيا سبطاه الشهيدان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ولم يشاركهم أحد من الصحابة وغيرهم في هذه الآية، ويدل على هذا الاختصاص ما يلي:

 

أولاً- إن أم سلمة قالت: نزلت هذه الآية في بيتي، وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين فجللهم رسول الله (ص) بكساء كان عليه ثم قال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا " يكرر ذلك، وأم سلمة تسمع وترى فقالت: وأنا معكم يا رسول الله، ورفعت الكساء لتدخل فجذبه منها، وقال لها: " انك على خير " وتواترت الصحاح بذلك(3)، وهي حسب رواية أم سلمة تدل - بوضوح - على الحصر بهم، وامتيازهم عن غيرهم بهذه المأثرة المشرفة.

 

ثانياً - إن الرسول (ص) قد سلك كل مسلك في اعلان اختصاص الآية بهم، فقد روى ابن عباس قال: " شهدت رسول الله (ص) سبعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب عند وقت كل صلاة فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " الصلاة رحمكم الله، كل يوم خمس مرات "(4)، وروى أنس بن مالك أن النبي (ص) كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر اذا خرج إلى الفجر فيقول: الصلاة يا أهل البيت " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (5) وروى أبوبرزة قال: صليت مع رسول الله (ص) سبعة أشهر فاذا خرج من بيته أتى باب فاطمة (ع) فقال: السلام عليكم " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (6).

 

وقد أكد النبي (ص) اختصاص الآية بأهل بيته ونفاها عن غيرهم ارشادا للامة وإلزاما لها باتباعهم وتسليم قيادتها لهم.

 

ثالثاً- احتجاج العترة الطاهرة على اختصاص الآية بهم، فقد قال الامام الحسن الزكي (ع) في بعض خطبه: " وأنا من أهل البيت الذي كان جبرئيل ينزل إلينا، ويصعد من عندنا، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا"(7) وتواترت الاخبار من طرق العترة الطاهرة معلنة اختصاص الآية بالخمسة من أصحاب الكساء وعدم تناولها لغيرهم من اسرة النبي.

 

ب- خروج نساء النبي:

وليس النساء النبي (ص) أي نصيب في هذه الآية فقد خرجن عنها موضوعا أو حكما - كما يقول علماء الاصول - وللتدليل على ذلك نذكر ما يلي:

1- إن الاهل - في اللغة - موضوع لعشيرة الرجل وذوي قرباه(8) ولا يشمل الزوجة، وأكد هذا المعنى زيد بن أرقم حينما سئل عن أهل بيت النبي (ص) هل يشمل زوجاته ؟ فأنكر ذلك، وقال:

" لا - وأيم الله - إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها...

أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده " (9).

2- إنا لو سلمنا أن الاهل يشمل الزوجة ويطلق عليها فلابد من تخصيصه بالاخبار المتقدمة فانها توجب التخصيص من دون شك، فقد بلغت حد التواتر اللفظي أو المعنوي.

 

ج - مزاعم عكرمة ومقاتل:

وهناك جماعة من صنائع بني أمية ودعاة الخوارج حاولوا صرف الآية عن العترة الطاهرة، واختصاصها بنساء النبي (ص) متمسكين بسياق الآية ومن الذاهبين إلى ذلك عكرمة، ومقاتل بن سليمان، وكان عكرمة من أشد الناس تحاملا على أصحاب الكساء، وكان ينادي بذلك في السوق (10) وبلغ من اصراره وعناده أنه كان يقول:

"من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي" (11)، ومن الطبيعي أن نداءه في السوق، وعرضه للمباهلة انما يدل على بغضه الشديد للعترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم، ولابد لنا من النظر في شؤون عكرمة ومقاتل حتى تبين اندفاعهما لما زعماه.

 

عكرمة في الميزان:

عكرمة البربري هو أبو عبد الله المدني أصله من البربر كان مولى للحصين ابن أبي الحر العنبري فوهبه لابن عباس لما ولي البصرة من قبل الامام أمير المؤمنين (ع) وبقى رقا حتى توفي ابن عباس فباعه علي بن عبد الله ثم استرده (12) وقد جرح في عقيدته واتهم في سلوكه، فقد ذكر المترجمون له ما يلي:

 

1- إنه كان من الخوارج (13) وقد وقف على باب المسجد فقال ما فيه إلا كافر (14) لان الخوارج ذهبوا إلى كفر المسلمين، أما موقفهم من الامام أمير المؤمنين فمعروف بالنصب والعداء.

 

2- إنه عرف بالكذب، وعدم الحريجة منه، وقد اشتهر بهذه الظاهرة فعن ابن المسيب أنه قال لمولاه برد: "لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس" (15)، وعن عثمان بن مرة أنه قال للقاسم:

إن عكرمة حدثنا عن ابن عباس كذا، فقال القاسم: يابن أخي إن عكرمة كذاب يحدث غدوة حديثا يخالفه عشيا (16).

 

ومع اتهامه بالكذب لا يمكن التعويل على أي رواية من رواياته فان اقتراف الكذب من أظهر الاسباب التي توجب القدح في الراوى.

 

3- إنه كان فاسقا يسمع الغناء، ويلعب بالنرد، ويتهاون في الصلاة وكان خفيف العقل (17).

 

4- ان المسلمين قد نبذوه وجفوه، وقد توفي هو وكثير عزة في يوم واحد فشهد الناس جنازة كثير ولم يشهدوا جنازته (18).

 

ومع هذه الطعون التي احتفت به كيف يمكن الاعتماد على روايته والوثوق بها وقد اعتمد عليه البخاري وتجنبه مسلم (19) قال البخاري: ليس أحد من أصحابنا إلا وهو يحتج بعكرمة (20) ومن الغريب أن البخاري يعتمد في رواياته على عكرمة وأمثاله من المطعونين في دينهم، ويتحرج من رواية العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم.

 

مقاتل بن سليمان:

أما مقاتل بن سليمان بن بشير الازدي الخراساني، فهو كصاحبه عكرمة كان متهما في دينه، وذكر المترجمون له ما يلي:

 

1- إنه كان كذابا، قال النسائي: كان مقاتل يكذب (21) وكذلك قال وكيع: وقال اسحاق بن ابراهيم الحنظلي: أخرجت خراسان ثلاثة لم يكن لهم نظير - يعني في البدعة والكذب -: جهم ومقاتل، وعمر بن صبح، وقال خارجة بن مصعب: كان جهم ومقاتل عندنا فاسقين فاجرين (22) ومع اتهامه بالكذب لا يصح الاعتماد على روايته، ويسقط حديثه عن الاستدلال به.

 

2- إنه كان متهما في دينه، وكان يقول بالتشبيه، قال ابن حبان: كان مقاتل يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان مشبها يشبه الرب سبحانه بالمخلوقين وكان يكذب في الحديث (23) وقد استحل بعض الاخيار دمه يقول خارجة: لم استحل دم يهودي ولا ذمي، ولو قدرت على مقاتل بن سليمان في موضع لا يرانا فيه أحد لقتلته(24).

 

3- عرف مقاتل بالنصب والعداء لامير المؤمنين (ع) وكان دأبه صرف فضائل الامام (ع) وقد أثر عن الامام أنه كان يقول:"سلوني قبل أن تفقدوني" فأراد مقاتل أن يجاريه في ذلك فكان يقول: "سلوني عما دون العرش " فقام إليه رجل فقال له: إخبرني عن النملة أين أمعاؤها فسكت ولم يطق جوابا (25) وقال مرة: سلوني عما دون العرش فقام إليه رجل فقال له: إخبرنى من حلق رأس آدم حين حج ؟ فحار ولم يطق جوابا (26).

 

وهذه البوادر تدل على فساد آرائه، وعدم التعويل على أي حديث من أحاديثه.

 

وهن استدلالهما: واستدل عكرمة ومقاتل بسياق الآية على أنها نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وآله ولا تشمل أهل بيته، وقد عرض الامام شرف الدين بصورة موضوعية إلى ابطال ذلك، قال رحمه الله: ولنا في رده وجوه: " الأول ": إنه اجتهاد في مقابل النصوص الصريحة، والاحاديث المتواترة الصحيحة.

 

"الثاني": إنها لو كانت خاصة في النساء - كما لا يزعم هؤلاء - لكان الخطاب في الآية بما يصلح للاناث، ولقال عز من قائل: عنكن ويطهركن، كما في غيرهما في آياتهن، فتذكير ضمير الخطاب فيها دون غيرها من آيات النساء كاف في رد تضليلهم.

 

"الثالث": إن الكلام البليغ يدخله الاستطراد والاعتراض وهو تخلل الجملة الاجنبية بين الكلام المتناسق، كقوله تعالى في حكاية خطاب العزيز لزوجته إذ يقول لها: " إنه من كيدكن ان كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك " فقوله: " يوسف أعرض عن هذا " مستطرد بين خطابيه معها - كما ترى - ومثله قوله تعالى:﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ/ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ فقوله:﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ مستطرد من جهة الله تعالى بين كلام بلقيس، ونحوه قوله عز من قائل:

 

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾.

﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾.

وإنه لقرآن كريم " تقديره أفلا أقسم بمواقع النجوم.

 

إنه لقرآن كريم، وما بينهما استطراد على استطراد وهذا كثير في الكتاب والسنة وكلام العرب وغيرهم من البلغاء.

 

وآية التطهير من هذا القبيل جاءت مستطردة بين آيات النساء، فتبين بسبب استطرادها أن خطاب الله لهن بتلك الاوامر والنواهي والنصائح والآداب لم يكن إلا لعناية الله تعالى بأهل البيت " أعني الخمسة " لئلا ينالهم " ولو من جهتهن " لوم أو ينسب إليهم " ولو بواسطة " هناة أو يكون عليهم للمنافقين " ولو بسببهن " سبيل ولو لا هذا الاستطراد ما حصلت النكتة الشريفة التي عظمت بها بلاغة الذكر الحكيم، وكمل اعجازه الباهر كما لا يخفى (27).

 

ورأى الامام شرف الدين رأي وثيق فقد قطع به تأويل المتأولين، ودحض به أو هام المعاندين، وتمت به الحجة على المناوئين.

 

دلالتها على العصمة:

ودلت الآية بوضوح على عصمة الخمسة من أهل البيت (ع) فقد أذهب تعالى عنهم الرجس - أي المعاصي - وطهرهم منها تطهيرا وهذا هو واقع العصمة وحقيقتها.

 

وقد تصدرت الآية للدلالة على ذلك بكلمة "إنما" التي هي من أقوى أدوات الحصر، ويضاف اليه دخول اللام في الكلام الخبري، وتكرار لفظ الطهارة، وكل ذلك يدل - بحسب الصناعة - على الحصر والاختصاص وارادة الله في ذلك إرادة تكوينية يستحيل فيها تخلف المراد عن الارادة "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون".

 

ويقول الامام شرف الدين:

إنها دلت بالالتزام على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام لانه ادعى الخلافة لنفسه، وادعاها له الحسنان وفاطمة، ولا يكونون كاذبين، لان الكذب من الرجس الذي أذهبه الله عنهم، وطهرهم منه تطهيرا (28).
 
 

1- سورة الاحزاب آية 22.

2- تفسير الفخر 6 / 783، النيسابوري في تفسير سورة الاحزاب صحيح مسلم 2 / 331، ما نزل من القرآن في أهل البيت (ص 41)، من المخطوطات المصورة في مكتبة الامام الحكيم نقلت من الخزانة المستنصرية سنة (666 ه) تأليف الحسين بن الحكم الخنزي، الخصائص الكبرى 2 / 264، الرياض النضرة 2 / 188، خصائص النسائي، تفسير ابن جرير 22 / 5، مسند أحمد بن حنبل 4 / 107، سنن البيهقي 2 / 150 مشكل الاثار 1 / 334. وقد أورد جلال الدين السيوطي في (الدر المنثور) عشرين رواية من طرق مختلفة في اختصاص الآية بأهل البيت، وأورد ابن جرير في تفسيره خمس عشرة رواية بأسانيد مختلفة في قصر الآية عليهم بالخصوص.

3- مستدرك الحاكم 2 / 416، أسد الغابة 5 / 521.

4- الدر المنثور 5 / 199.

5- مجمع الزوائد 9 / 169، أنساب الاشراف ج 1 ق 1 ص 157.

6- ذخائر العقبى (ص 24).

7- مستدرك الحاكم 3 / 172.

8- القاموس المحيط 1 / 331، أقرب الموارد.

9- تفسير ابن كثير 3 / 486، صحيح مسلم 2 / 238.

10- أسباب النزول للواحدي (ص 268 )

11- الدر المنثور 5 / 198.

12- تهذيب التهذيب 7 / 263

13- ميزان الاعتدال 3 / 95، طبقات القراء 1 / 15، طبقات ابن سعد 5 / 216.

14- ميزان الاعتدال 3 / 95.

15- ميزان الاعتدال 3 / 96.

16- معجم الادباء.

17- تهذيب التهذيب 7 / 263.

18- تهذيب التهذيب 7 / 271

19- ميزان الاعتدال 3 / 93.

20- تهذيب التهذيب 7 / 271.

21- ميزان الاعتدال 4 / 173.

22- تهذيب التهذيب 10 / 281

23- تهذيب التهذيب 10 / 284، ميزان الاعتدال 4 / 175

24- تهذيب التهذيب 10 / 281

25- تهذيب التهذيب 10 / 283

26- وفيات الاعيان.

27- الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء (ع) (ص 196 - 197).

28- الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء (ع) (ص 201).


source : هدی القران
  424
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

رسالة في حديث الوصية بالثقلين (الكتاب والسنة)
تعريف المال عند علماء الشريعة
تأريخ المباهلة عاماً وشهراً ويوماً
شعر الإمام الحسين
احادیث عن الامام الرضا (ع)
سيرة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
اعتناق بولس للنصرانية
فى ليلة عاشوراء
الحقوق العامة
قم وأهلها فی روایات أهل البیت (علیهم السلام)

 
user comment