عربي
Tuesday 19th of January 2021
787
0
0%

الإمامة والحركة الإسلامية

انعكست فكرة الإمامة عند أهل السنة على الحركة الإسلامية وبدا أثرها واضحا على مواقف الحركة وممارستها وتصورها في مواجهة الواقع.

وعلى رأس التيارات الإسلامية التي تطبعت بفكرة الإمامة التيار السلفي التقليدي الذي يسير على الخط الوهابي السعودي. فقد جعل هذا التيار من طاعة الحكام شعارا له مما أدى إلى أن يفرط في الاعتدال تجاه الواقع.

وقد تسلح تيار الإخوان بنصوص السمع والطاعة في محاولة منه لدرء الشبهات من حوله والتميز عن التيارات الإسلامية الأخرى التي تبنت فكرة الصدام مع الواقع.. وعلى مر الزمان كانت نصوص السمع والطاعة هي السلاح الذي يشهره فقهاء السلاطين في وجه كل فئة تشق عصا الطاعة.

ولا تزال هذه السنة باقية ومستمرة في زماننا في مواجهة التيارات الإسلامية.

يؤديها فقهاء السلاطين، كما ورثوها عن سلفهم.

لقد أوقعت مثل هذه النصوص الحركة الإسلامية المعاصرة في مآزق فكرية وحركية جعلتها سهلة الاحتواء والإجهاض من قبل القوى الحاكمة المتربصة بها.

ومن المآزق الفكرية التي تعيشها الحركة الإسلامية اليوم بسبب غياب فكرة الإمامة مأزق الحاكمية. وقد نتج عن هذا المأزق الفكري مآزق حركية مثل مأزق الخروج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد.

ولكون التيارات الإسلامية اليوم قد سيطر عليها التصور السلفي خاصة التصور الذي طرحته مدرسة ابن تيمية التي بعثتها الدعوة الوهابية في العصر الحديث فقد أصبحت الحركة الإسلامية تعيش حالة من الصراع الفكري بين

 

 


ولائها للماضي ولرموزه المقدسة وبين متطلبات الواقع الذي تتحرك على ساحته والتي كثيرا ما تصطدم مع الماضي وتتناقض مع أطروحته.

ولقد تسبب الطرح السلفي الذي تبنته الحركة في تذويب القاعدة الفكرية التي ترتكز عليها. وبدلا من أن تكون لها قاعدة واحدة أصبحت لها قواعد متباينة ومتناحرة فيما بينها.. القاعدة الفكرية عند تيار الإخوان تصطدم مع القاعدة الفكرية عند التيار السلفي، والقاعدة الفكرية عند التيار السلفي تصطدم مع القاعدة الفكرية عند تيار الجهاد، والقاعدة الفكرية عند تيار التكفير تصطدم مع الجميع.

وجميع هذه التيارات تستمد تصورها من التراث السلفي وتتبنى أطروحته بكل مقوماتها وتوجهاتها، وفي مقدمتها أطروحة الإمامة.

إلا أنه يمكن القول بإن فكرة الإمامة انعكست على تيار الجهاد بشكل أكثر فاعلية من دون بقية التيارات الأخرى. لتبني هذا التيار أسلوب الصدام مع الواقع ورفعه شعار إقامة الخلافة الإسلامية.

وتبدو قضية الحاكمية التي تعد الوجه العصري لفكرة الإمامة هي المحور الذي تدور من حوله الحركة الإسلامية، وهي أيضا مرتكز الخلاف بين هذه التيارات، وباعث النظريات الحديثة في الوسط الإسلامي اليوم.

   مأزق الحاكمية:

كان أول طرح لفكرة الحاكمية على يد الخوارج حين واجهوا الإمام عليا عليه السلام بقول الله تعالى: (إن الحكم إلا لله).

ثم ظهر هذا الشعار في العصر الحديث على يد أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان. وحسن البنا زعيم الإخوان، سيد قطب في كتابيه (في ظلال القرآن) و (معالم في الطريق).

ويعد سيد قطب أول من أبرز فكرة الحاكمية كاملة الأركان واضحة المعالم في ساحة الحركة الإسلامية، وتلقفتها منه التيارات الإسلامية التي نشأت في مرحلة ما بعد الإستعمار.

 

 


إلا أن طرح سيد قطب لقضية الحاكمية استفز الإخوان لكونه كان يمثل في نظرهم طرحا متشددا لها ومستفزا من جانب آخر لنظام الحكم.

وهو فوق هذا يعد طرحا براقا للشباب جذبهم إلى خطه بعيدا عن خط حسن البنا (1).

وفي فترة الستينات بدأ سيد قطب يبرز على ساحة الحركة الإسلامية في مصر وبدا وكأنه التيار الذي يمثل المرحلة. مما دفع بالإخوان إلى الصدام به. وقد برز هذا الصدام بصورة واضحة داخل المعتقلات حين وجه عبد الناصر ضربته الثانية لتيار الإخوان، وقد أدى هذا الصدام إلى تصدع جماعة الإخوان وانقسامها إلى تيارين: تيار انحاز إلى سيد قطب وتيار بقي على خط البنا (2).

وكان خط سيد قطب يمثل تمردا على فكرة الإمامة عند أهل السنة (3).

وكان خط البنا يمثل الالتزام بهذه الفكرة (4).

إلا أن بعض أتباع قطب تناولوا أطروحته بشئ من الغلو ولم يحصروها في مواجهة الحكام فقط بل تعدوا إلى توجيهها للمخالفين لهم وللناس بشكل عام. وكانت هذه بداية ظهور خط التكفير في الوسط الإسلامي.

____________

(1) طرح سيد قطب فكرة الحاكمية بصورة صدامية مع القوى الحاكمة، وفي هذا تحرر من عقيدة أهل السنة التي توجب طاعة الحكام والصبر عليهم ونصحهم، مما دفع بالإخوان المتقيدين بعقيدة أهل السنة إلى الصدام معه. وقد شكل طرح سيد قطب هذا جاذبية كبيرة للشباب المسلم آنذاك الذي استفزه عبد الناصر وهجمته الشرسة على جماعة الإخوان كما شكل جاذبية للشباب فيما بعد مما استفز الإخوان ودفعهم إلى مهاجمته ومحاولة عزل الشباب عن طرحه.

(2) أنظر لنا الحركة الإسلامية في مصر. ط. القاهرة.

(3) ينادي سيد قطب بالجهاد وتكفير الحكومات، انظر معالم في الطريق..

(4) ارتبط حسن البنا بحكومات عصره، وكان على صلة بالقصر، وقد تصدى الإخوان لطرح قطب داخل المعتقلات في فترة الستينات، وكذلك طرح تيار التكفير الذي انبثق عنه، وكتبوا الردود ضدهما. وقد جمعت هذه الردود بعد ذلك في كتاب تحت عنوان: \" دعاة لا قضاة \"، وهو من نشر الإخوان وتأليف المرشد الراحل حسن الهضيبي.

 

 


ثم تلقف تيار الجهاد فكرة الحاكمية من سيد قطب بعد ذلك، وجعلها مرتكز نظريته الجهادية، ثم ارتد عنها تحت تأثير الموجة السلفية السعودية التي أغرقت الواقع الإسلامي بمصر في فترة السبعينات واستبدلها بفكرة ابن تيمية (1).

ويبدو أن طرح السلف لم يعن تيار الجهاد على إبراز فكرة الحاكمية بصورة تحسم الخلاف وتعين على مواجهة الواقع مما فتح ثغرة للتيارات المناوئة له وفي مقدمتها تيار الإخوان والسلفيين اللذان أصدرا الكثير من الكتب لإبراز الفكرة الحقيقية للإمامة كما يراها السلف لا كما يراها تيار الجهاد (2).

ثم انشق عن التيار السلفي تيار جديد يرى فكرة الحاكمية بصورة واقعية وسطية بين طرح السلف وطرح سيد قطب (3).

وبرز تيار تكفيري جديد يؤمن بالجهاد والصدام مع الواقع، وارتبط ببعض الأحداث التي وقعت في الساحة المصرية عام 87 (4).

ومثل هذا الخلاف والتطاحن بين الاسلاميين - والذي يتجلى بصورة واضحة في الساحة المصرية. وقد أدى ولا زال يؤدي إلى انشقاقات وحركة تفريخ مستمرة بين التيارات الإسلامية - مثل هذا الخلاف إنما يعود سببه إلى غياب الفكرة الحقيقية للإمامة عن واقع المسلمين.

____________

(1) أغرق سوق الكتاب بمصر من فترة السبعينات بكتب التيار الوهابي والتي كانت توزع مجانا على طلبة الجامعات، وأسهمت في تشكيل عقولهم وسيادة الطرح السلفي خاصة طرح ابن تيمية على سائر الأطروحات الأخرى السائدة في الوسط الإسلامي بمصر آنذاك وعلى رأسها الطرح الحركي الواقعي وطرح حزب التحرير.

(2) أصدر الإخوان كتاب دعاة لا قضاة للهضيبي. وكتاب الحكم وقضية تكفير المسلم لسالم بهنساوي وأصدر التيار السلفي الكثير من كتب السلف وعلماء السعودية حول هذا الأمر.

(3) أصدر هذا التيار أول منشوراته بتكفير الحكام ورفض الانتخابات التشريعية التي كان قد أسهم فيها التيار الإسلامي. وكان هذا المنشور تحت عنوان: القول السديد في أن دخول مجلس الشعب مناف للتوحيد.

(4) هو التيار الذي قاد حركة اغتيالات غير ناجحة آنذاك ضد وزيري الداخلية النبوي إسماعيل وحسن أبو باشا ومكرم محمد أحمد رئيس تحرير مجلة المصور المصرية. انظر لنا الحركة الإسلامية في مصر.

 

 


وعلى الرغم من أن تيار التكفير قد تحرر من اتباع الرجال وكفر بالتراث السلفي إلا أنه وقع فريسة الأحاديث المتناقضة حول الإمامة. وبالتالي عجز عن استنباط نظرية مواجهة للواقع تكفل له الاستمرار والبقاء.. (1).

كما وقع أيضا تيار الجهاد فريسة عقيدة أهل السنة التي تنص على جواز الصلاة والجهاد وراء كل أمير برا كان أو فاجرا.. وقد دفعت بعناصر الجهاد إلى الهجرة إلى أفغانستان للجهاد هناك تحت رايات يجهلون هوياتها ودوافعها، وقد جذبهم نحوها مظهرها السلفي، ووضوح عقيدة الطرف المحارب وهي الشيوعية.

ولو كانت الفئة المقصودة بالجهاد في أفغانستان ليست شيوعية وكانت تتبنى أي عقيدة أخرى لما شكلت عامل جذب للتيار الإسلامي، حيث أنها في هذه الحالة فيها شبهة إسلامية، والقتال لا يكون إلا لا صحاب الكفر البواح حسب تعبير الأحاديث، أي أن الأمر بصورة أخرى، لو أن الصراع الدائر في أفغانستان كان بين المنظمات الأفغانية وبين اليمينيين أو نظام طاهر شاه ما كان هناك مبرر للجهاد، لأن عقيدة أهل السنة كما بينا لا تجيز قتال الحكام حتى ولو كانوا فجارا ظالمين. ولا تجيز إراقة دماء أهل القبلة من الناطقين بالشهادتين حتى ولو كانوا يتسترون بها. ويجيزون الخروج والقتال في حالة الكفر البواح كما هو حال الشيوعيين الملحدين مع أن هناك الكثير من حالات الكفر البواح ظاهرة في عصر بني أمية وبني العباس من قبل خلفاء يشهد واقعهم وسلوكهم بذلك، إلا أن أهل السنة لم يعلنوا النفير في مواجهتهم وهم قد أعلنوها في أفغانستان لإجماع الحكام على جواز الجهاد فيها (2).

____________

(1) تبنى تيار التكفير فكرة رفض التقليد ووضع قاعدة (من قلد كفر) واستند إلى قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) التوبة.. وهو بالتالي كفر بالتراث ونتاجات الفقهاء. لكنه وقع في حيرة بسبب الأحاديث المتناقضة حول طاعة الحكام والخروج عليهم وكفرهم وحول وضع الصحابة وتجاوزاتهم واجتهاداتهم على النصوص مما دفع به إلى استنباط نظرية سلبية في مواجهة الواقع تقول برفض الجهاد وانتظار حدوث الملحمة الكبرى آخر الزمان.

(2) لو أن السعودية كانت تنازلت عن دعم الثورة الأفغانية لما حدث ذلك الإجماع على تأييد هذه الثورة

=>

 

وقضية جواز الصلاة وراء البر والفاجر جعلت الاسلاميين والتيارات الإسلامية تتفاعل مع واقع هي ترفضه وترتع في مساجد حكومة هي تكفرها وتصلي خلف رجال الدين الحكوميين الذين يضفون الشرعية على الحكومة..

ماذا بقي لها بعد ذلك من عقيدة تواجه بها الواقع؟

وفي الواقع المصري حدثت صدامات كثيرة بين تيار الجهاد وبين تيار الإخوان بسبب الصراع على المساجد في صعيد مصر. كما حدثت صدامات بين التيار السلفي وتيار الإخوان بسبب نفس الأمر، ثم تطور الأمر ليتحول إلى صدام مع الحكومة بسبب هذه المساجد التي اتخذت منها بعض التيارات مقرا لها تبث من خلالها دعوته خاصة تيار الجهاد في الصعيد، مما دفع بالحكومة مؤخرا إلى القيام بعملية مصادرات واسعة لهذه المساجد في بقاع كثيرة في مصر (1).

ولقد شكلت هذه المساجد نقطة ضعف لتيار الجهاد النشط في صعيد مصر وفي بعض أحياء القاهرة وأتاحت للحكومة فرصة رصدها بسهولة.

ويعود تمسك التيارات الإسلامية في مصر بالمساجد إلى أساس سلفي تدعمه النصوص النبوية الواردة في المساجد وأقوال السلف. ولما كانت التيارات الإسلامية في مصر يسيطر عليها العقل السلفي فمن ثم هي لا تهتم بالأبعاد الأمنية والسياسية لعملية استغلال المساجد أو هي في غفلة عنها بسبب عقل الماضي (2).

وكان طرح تيار التكفير الذي ظهر في منتصف السبعينات بمصر قد تحرر إلى حد كبير من فكرة الإمامة، حيث تبنى قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل

____________

<=

ودعمها من قبل دول الخليج وباكستان وغيرها. ولما انزلقت الحركة الإسلامية في متاهة هذه الثورة التي كان وقودها النفط والدولار. ولو لم يكن هناك إجماع من فقهاء النفط على مواجهة الكفر البواح في أفغانستان ما شكلت الثورة الأفغانية أدنى جاذبية للشباب المسلم الذي اندفع أفواجا في صفوفها، وقد أدت الثورة الأفغانية خدمة جليلة لحكام النفط وفقهائهم، إذ صرفت وجوه هؤلاء الشباب عن الكفر البواح في بلادهم.

(1) أنظر لنا الحركة الإسلامية في مصر. وقد تركزت حركة المساجد في صعيد مصر حيث ينشط تيار الجهاد السلفي..

(2) أنظر الحركة الإسلامية، والعقل المسلم بين أغلال السلف وأوهام الخلف.

 

 


الله فأولئك هم الكافرون) وخالف تفسير السلف لهذا النص وأخذه على ظاهره.

   مأزق الوعي:

تشبعت الحركة الإسلامية المعاصرة بالفكر السلفي الذي تمخض عن الحقبة النفطية المعاصرة التي تغذى من قبل النظام السعودي الوهابي. وقد نتج عن هذا التشبع أن زهدت الحركة الإسلامية في فقه الواقع وانكبت على كتب السلف، خاصة كتب ابن تيمية، تستقي منها تصورها وعقائدها وأفكارها في مواجهة الواقع.

وهناك عدة كتب تراثية متداولة بين أيدي الشباب المسلم اليوم خاصة في مصر كان لها أثرها الفعال في دعم حالة اللاوعي التي تعيشها التيارات الإسلامية أمام الأحداث والمتغيرات الراهنة.

وفي مقدمة هذه الكتب كتب محمد بن عبد الوهاب وكتاب العقيدة الواسطية لابن تيمية والعقيدة الطحاوية للطحاوي والعواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي. وهذه الكتب الأربعة هي أعمدة الخط السلفي المعاصر وأساس التربية الفكرية للعاملين في ساحة الحركة الإسلامية (1).

ونحن هنا لن نعرض لهذه الكتب أو نناقش المفاهيم التي تطرحها وإنما يعنينا الدور الذي تلعبه هذه الكتب وغيرها في مأزق الوعي الذي تعيشه الحركة الإسلامية اليوم والذي يمكن تجسيمه في فكرة الإمامة المنعكسة في هذه الكتب على حركة التاريخ بحيث قتلت حدثيته وعومت حركته وشوهت معالمه مما أدى إلى اضمحلال الوعي التاريخي لدى أجيال الحركة المعاصرة ونتج عن الأخير تخبط الحركة في مواجهة الواقع.

فهذه الكتب، خاصة العواصم من القواصم، تعمى على الصراعات التي دارت بسبب الإمامة بين الصحابة وبعضهم وبين الإمام علي عليه السلام وعائشة ثم معاوية.

____________

(1) أنظر مناقشة هذه الكتب الثلاثة في كتابنا فقه الهزيمة.

 

 


وتخوف المسلم من الخوض في تفاصيلها ومعرفة دوافعها وأبعادها. وصورت هذا الأمر على أنه مهلكة من الممكن أن تدمر عقيدة المسلم وتنقله من الصراط المستقيم إلى أصحاب الجحيم. وقد اعتبر صاحب العواصم أن السكوت عن هذه الخلافات والصراعات بمثابة عاصمة والخوض فيها بمثابة قاصمة، فكتابه مجموعة من العواصم تقي المسلم من القواصم.

ولقد دخل أمر السكوت عن هذه الأحداث في صلب الاعتقاد، بحيث أصبح المساس بها وبالشخصيات التي ارتبطت بها يعتبر مساسا بالعقيدة.

تقول العقيدة الطحاوية: ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس، فقد برئ من النفاق.. وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل.

وتقول العقيدة الواسطية: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم مراتبهم، ويفضلون من أنفق من قبل الفتح وقاتل على من أنفق من بعد وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار.. ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كاذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه الصحيح منه، هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون.

وهم مع ذلك لا يعتقدون إن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل لا يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر عنهم إن صدر. حتى أنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم.

 

 


ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه أو أتى بحسنات تمحوه أو غفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق بشفاعته. أو ابتلى ببلاء في الدنيا كفر به عنه.

فإذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين وإن أصابوا فلهم أجران وإن أخطأوا فلهم أجر واحد والخطأ مغفور.

وتقول جوهرة التوحيد: لما ذكر أن صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم خير القرون أحتاج للجواب عما وقع بينهم من المنازعات الموهمة قدحا في حقهم مع أنهم لا يصرون على عمل المعاصي. وإن لم يكونوا معصومين، وقد وقع تشاجر بين علي ومعاوية وقد افترقت الصحابة ثلاث فرق:

فرقة اجتهدت فظهر لها أن الحق مع علي عليه السلام فقاتلت معه.

وفرقة اجتهدت فظهر لها أن الحق مع معاوية فقاتلت معه.

وفرقة توقفت..

وقد قال العلماء: المصيب بأجرين والمخطئ بأجر واحد.

وقد شهد الله ورسوله لهم بالعدالة. والمراد من تأويل ذلك أن يصرف إلى محمل حسن لتحسين الظن بهم فلم يخرج واحد منهم عن العدالة بما وقع بينهم لأنهم مجتهدون.

ينص متن الجوهرة على ما يلي: وأول التشاجر الذي ورد، إن خضت فيه واجتنب داء الحسد.

ويعلق الشارح قائلا: أي إن قدر أنك خضت فيه فأوله ولا تنقص أحدا منهم، وإنما قال المصنف ذلك لأن الشخص ليس مأمورا بالخوض فيما جرى بينهم، فإنه ليس من العقائد الدينية، ولا من القواعد الكلامية، وليس مما ينتفع به في الدين، بل ربما ضر في اليقين، فلا يباح الخوض فيه إلا للرد على المتعصبين أو للتعلم. أما العوام فلا يجوز لهم الخوض فيه.

فتأمل كلام ابن تيمية تجده يضفي العصمة على جميع الصحابة ويبرر انحرافاتهم ويضمن لهم مغفرة هذا الانحراف

 

 


وتأمل قول صاحب الجوهرة.

وأمام هذا الكلام يجب أن يتوقف العقل عن التفكير ويكف اللسان عن الكلام وإلا حاد عن طريق الفرقة الناجية وأصبح في عداد الهالكين.

ويقول ابن حنبل: والكف عن مساوئ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، تحدثوا بفضائلهم وأمسكوا عما شجر بينهم، ولا تشاور أحدا من أهل البدع في دينك، ولا ترافقه في سفرك. ولا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم. فمن فعل ذلك وجب على السلطان تأديبه وعقوبته. ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ثم يستتيبه فإن تاب قبل منه وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة وجلده في المجلس حتى يتوب (1).

لقد اعتبر أهل السنة كل من يخرج عن هذا المنهج مبتدعا، يجب اعتزاله ومعاقبته، وها هو ابن حنبل يحرض السلاطين على ردع المخالفين من أصحاب العقول الذين يريدون فهم التاريخ وأحداثه كمقدمة لفهم دينهم.

وهذا نداء وجهه مجموعة من فقهاء النفط إلى المسلمين يطالبون فيه المسلمين بالسمع والطاعة للحكام، عدلوا أو جاروا ما أقاموا الصلاة وإقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبرارا كانوا أو فجارا. متبرئين فيه من الخوارج والمعتزلة الذين يرون الخروج على الأئمة، بمجرد الجور والمعصية.

داعين إلى التمسك بسنة الخلفاء الراشدين محذرين من البدع ومحدثات الأمور (2).

لقد أدت هذه القواعد السلفية الجامدة إلى تكبيل العقل المسلم وتعطيله عن القيام بدوره الذي خلق من لأجله وهو التفكير والتدبر والبحث والتأمل (3).

ولا شك أن الاعتقاد بصواب موقف عائشة وطلحة والزبير وعثمان ومعاوية سوف يؤدي بلا شك إلى تمييع فكرة الحق في نفوس المسلمين وتسطيحها.

____________

(1) ابن حنبل، السنة وعقيدة أهل السنة والجماعة.

(2) نداء من علماء البلد الحرام في معتقد أهل الإسلام ط. السعودية.

(3) أنظر لنا العقل المسلم.

 

 


ومثل هذا التمييع والتسطيح سوف ينتج عنه مفهوم غير واع بالإسلام وبالقوى التي تتربط به وتهدد مسيرته.

إن أخطر النتائج من وراء الاعتقاد بعدالة جميع الصحابة وعدم الخوض في مساوئهم وانحرافاتهم هي ضياع فقه العدو الذي يعد الركن الأساسي لقيام مواجهة واعية وفاعلة من أجل التغيير وتمكين الإسلام.

وإن مثل هذا العقائد إنما هي من اختراع السياسة بهدف حماية الحكام وأصحاب المصالح والنفوذ. وقد طوعت لأجلها الكثير من النصوص من أجل إضفاء الصبغة الشرعية عليها حتى يقبلها الناس.

فما دام معاوية أصبح إماما ومجتهدا مأجورا عدلا وكل حكام المسلمين ممن على شاكلته أصبحوا أئمة للمسلمين يجب السمع والطاعة لهم، فمن هو الذي يتآمر على الإسلام إذن؟! ومن الذي عوق مسيرته وأوصلنا إلى مرحلة السقوط والضياع والانحطاط التي نعيشها اليوم..؟!

ولقد تفرخ عن هذا الاعتقاد إضفاء الشرعية على نظام آل سعود الذي يعد امتدادا للأنظمة السابقة التي حكمت المسلمين من بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله والذي تمكن بعون الفقهاء وبعض التيارات الإسلامية وفي مقدمتها تيار الإخوان المسلمين من اختراق الحركة الإسلامية واحتوائها، وهذه النتيجة هي أخطر نتائج هذا الاعتقاد السلفي. أن أصبحت التيارات الإسلامية ألعوبة في يد الحكام وعلى رأسهم آل سعود..

ولقد عايشنا ولا زلنا نعايش تجربة الإخوان المسلمين مع آل سعود ومدى الآثار السلبية التي نتجت عن هذا التعايش بين الإخوان والسعوديين على الحركة الإسلامية بشكل عام.

وهنا نصل إلى تشخيص مأزق الوعي الذي تعيشه الحركة الإسلامية اليوم تشخيصا واقعيا له امتداداته من الماضي.

كيف يمكن للحركة الإسلامية أن تبني خطة فاعلة في مواجهة الواقع وهي لا تملك القدرة على التمييز بين العدو والصديق..؟

 

 


إن الذين لم يفرقوا بين علي ومعاوية في الماضي لن يفرقوا بين آل سعود والإسلام في الحاضر..

ولن يفرقوا بين الجهاد في فلسطين والجهاد في أفغانستان.

إنني لا أجد بين التيارات الإسلامية المعاصرة وبين الرموز البارزة في ساحتها من يجرؤ على الخوض في آل سعود أو سحب الاعتراف بهم كنظام إسلامي.

ذلك لأن بركات النفط قد حلت على الجميع وعلى رأسها التيارات الإسلامية، والفضل يرجع في ذلك كله إلى الإخوان المسلمين الذين لاذوا بهذا النظام واحتموا به، ووجدت التيارات الإسلامية ورموزها البارزة ما يبرر موقفها من آل سعود في عقائد السلف التي أضفت الشرعية على الأمويين والعباسيين وحتى المماليك.

والسعوديون لا يختلفون عن هؤلاء في شئ، وهم يرفعون راية السلف وينشرون دعوتهم في الآفاق، ففي نصرة دعوة السلف نصرة لهم. فعقائد السلف تمنحهم الشرعية كما منحت بني أمية وبني العباس، وتعتبرهم أئمة يجب على المسلم أن يسمع لهم ويطيع ويقاتل تحت رايتهم إيران والعراق وسائر البغاة المارقين ويصلي ويحج معهم.

إن تلك هي النتيجة الطبيعية لكل الذين يسيرون على خط بني أمية أن يكونوا في النهاية من السائرين على خط آل سعود..

وهذه النتيجة التي أوصلت الحركة الإسلامية إلى مأزق الوعي الذي تعيشه والذي أوقعها فريسة الأخطبوط السعودي.

  مأزق الخروج:

يعد تيار الجهاد من أكثر التيارات الإسلامية حيرة في مواجهة الواقع.

فالتيار السلفي وتيار الإخوان قد تبنيا موقف السلف وعقائدهم في مواجهة الواقع والتي تحض على الاستسلام له والتعايش معه.

 

 


أما تيار الجهاد فيسعى جاهدا للصدام مع الواقع، غير أنه لا يجد في الأطروحة السلفية التي يتبناها ما يعينه على ذلك، فالنصوص النبوية التي تحدد علاقة الحاكم بالمحكوم تقيده..

والنصوص السلفية التي ألحقت بهذه النصوص النبوية زادت الأمور تعقيدا ووضعت عشرات العراقيل أمام أية محاولة للخروج والانتفاضة في وجه الحكام. والتيارات الإسلامية الأخرى التي تتحصن بهذه النصوص تتربص به..

ومن ثم اندفع هذا التيار يخوض في تراث السلف عسى أن يجد شيئا يدعم به تصوره ويضفي عليه المشروعية.

وسرعان ما تم اكتشاف موقف لابن تيمية وبعض فتاوى خاصة به وببعض أتباعه تلقفها تيار الجهاد في شغف وصدع بها في مواجهة الواقع والتيارات الأخرى المناهضة. أما الموقف فيتمثل في رؤية ابن تيمية لحادثة وقعت في عصره لمجموعة من التتار الذين أسلموا ثم قاموا بإعداد دستور للحكم أسموه (الياثق) وهو خليط من أفكار جنكيز خان على آيات من القرآن والإنجيل والتوراة. فحكم ابن تيمية بكفرهم وردتهم عن الإسلام واعتبرهم من معطلي الشرائع الذين تستباح دماؤهم وأموالهم، وله فتوى كبيرة حول هذا الأمر (1).

وهذه الفتوى اعتمدها تيار الجهاد وطبقها على الواقع والحكام وجعل منهما منطلقه الفكري العقائدي في مواجهة الواقع بالإضافة إلى فتاوى أخرى له موجهة إلى أهل الذمة من اليهود والنصارى تستبيح أموالهم ودماءهم في أحوال معينة.

وقد نسي تيار الجهاد أو تناسى أن طرح ابن تيمية هذا يعد شاذا في وسط أهل السنة كحال أطروحاته الأخرى في مسائل الفقه والاعتقاد.

إلا أن ما يجب أن نبينه هنا أن معظم التيارات الإسلامية المعاصرة، خاصة التيارات الإسلامية في مصر، قد رضعت الفكر الوهابي السعودي

____________

(1) أنظر تفاصيل هذه الفتوى في الفتاوى الكبرى لابن تيمية..

 

 


وارتوت منه طوال فترة السبعينات والثمانينيات وهي فكرة نمو هذه التيارات واشتدادها.

ومن المعروف أن الخط الوهابي نهض أساسا على فكر ابن تيمية وأطروحاته الشاذة التي ضربت تاريخيا وتم بعثها من جديد على أيدي ابن عبد الوهاب.

وينبغي لنا أن نقرر هنا أن تيار الجهاد في مصر عندما قرر اغتيال السادات واستباحة دمه اعتمد في المقام الأول على فتوى ابن تيمية المتعلقة بالتتار.

كما اعتمد على فتاواه الأخرى المتعلقة بأهل الذمة في استباحة دماء وأموال نصارى مصر (1).

وكتاب \" الفريضة الغائبة \" الذي قام بتأليفه محمد عبد السلام فرج أحد الخمسة الذين أعدموا في عملية اغتيال السادات اعتمد في المقام الأول على آراء ابن تيمية ومن سار على نهجه في تكفير الحكام واستباحة دماء أهل القبلة..

وفتوى قتل السادات إنما صدرت في نهاية عهده أي بعد فترة لا تقل عن عشر سنوات من حكمه، وبعد أن كشر عن أنيابه في وجه التيارات الإسلامية، وأعلن فصل الدين عن الدولة، وقرر أنه لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة، وشبه حجاب النساء بالخيمة، ثم أصدر قراراته بتصفية الحركة الإسلامية.

ومثل هذه المواقف والقرارات من قبل السادات هي التي دفعت تيار الجهاد إلى البحث في أمر قتله واستصدار الفتوى التي تبيح ذلك.

ولو لم يكن السادات قد أقدم على هذه الأمور ما كان قد استفز التيار الإسلامي وعجل بصدور فتوى استباحة دمه.

إن القاتل الحقيقي للسادات هو ابن تيمية وما كان الذين أطلقوا الرصاص عليه سوى أدوات عصرية حركها عقل الماضي، لأجل ذلك فإن هذه العملية

____________

(1) جمعت هذه الفتاوى وغيرها في كتاب الفريضة الغائبة الذي ألفه محمد عبد السلام فرج وكان يوزع سرا في الوسط الإسلامي، وعمليات السطو على محلات الذهب التي يملكها المسيحيون تعتمد على هذه الفتاوى، وكذلك عمليات حرق الكنائس..

 

 


المذهلة لم تكن في حقيقتها سوى طفرة حركية بدأت وانتهت وقعدت في مكان الحادث ولم تتجاوزه.

ويعود السبب في ذلك إلى أن منطلق التحرك لقتل السادات لم يكن منطلقا سياسيا تغييريا وإنما منطلقا شرعيا على أساس فتوى صادرة فيه وحده دون من حوله، حرص منفذوها على ألا تصيب رصاصاتهم غير السادات من باب الحرص الشرعي.

ومثل هذه الحادثة التاريخية التي عجزت الحركة الإسلامية في مصر عن استثمارها إنما تؤكد الانتكاسة الحركية التي منيت بها الحركة بسبب تلك الأفكار السلفية العقيمة التي تتعلق بفكرة الإمامة التي تضع عشرات المحاذير حول الخروج على الحكام والصدام معهم والتي هي في الأصل من اختراع السياسة..

لقد كان طرح تيار الجهاد يعد طرحا سياسيا سلفيا مهزوزا في مواجهة طرح التيارات الأخرى التي ترفض فكرة الخروج وتدين بالسمع والطاعة للحكام.

والمتأمل في الردود التي تصدت لتيار الجهاد من قبل الأزهر وفقهاء السلطة والتيار السلفي سوف يتبين له قوة هذه الردود وتحصنها بالنصوص التي تعصم دماء الحكام وتوجب السمع والطاعة لهم وهي مروية في الغالب في الصحيحين مما يجعل فرصة نقدها أو تضعيفها غير واردة.

من هنا يتبين لنا مدى جسامة المأزق الحركي (مأزق الخروج) الذي يعانيه تيار الجهاد بسبب هذا الكم الهائل من النصوص النصوص المتعلقة بالإمامة عند أهل السنة والتي تجعل مسألة الخروج على الحكام والصدام تتطلب الخروج على هذه النصوص وتحطيم الأطر السلفية واستبدالها بأطر أخرى أكثر وعيا وارتباطا بالواقع. وهذا ما يجرؤ أحد على فعله.

والتيار الإسلامي الوحيد الذي تجرأ على هذه الأطر السلفية هو تيار التكفير غير أنه لم يوظف تصوره توظيفا صحيحا.

787
0
0%
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

التوحید والتوسل
بحوث تمهيدية لتفسيرآية العصمة من الناس
النبوّة والمعجزة
دور المحبة في تكوين الأسرة مفهوم (الحب)
المناظرة العاشرة/سماحة الشيخ مصطفى الطائي
هل هذه من ألقاب الرضا (ع)؟
تمثال السيد المسيح في ألبرازيل
عقيدتنا في النبوّة
تعريف الجوهر والعرض ـ عدد المقولات
العدل أساس الملك

 
user comment