عربي
Sunday 29th of May 2022
186
0
نفر 0

بكاء الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) على أبيه الحسين ( عليه السلام )

روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : ان جدّي زين العابدين ( عليه السلام ) بكى على أبيه أربعين سنة ، صائما نهاره ، وقائما ليله ، فاذا حضر الإفطار وجاء غلامه بطعامه وشرابه ، فيضعه بين يديه ويقول : كـل يـا مـولاي .

فـيقول ( عليه السلام ) : ( قتل ابن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عطشاناً ) ، فلا يزال يكرر ذلك ويبكي حتى يبتل طعامه من دموعه ، فلم يزل كذلك حتى لحق بالله عز وجل .

وحدّث مولى له قال : انه برز يوما الى الصحراء فتبعته ، فوجدته قد سجد على حجارة خشنة ، فوقفت وانا اسمع شهيقه ، واحصيت عليه الف مرة يقول : ( لا اله الا الله حقا حقا لا اله الا الله تعبدا ورقا ، لا اله الا الله ايمانا وصدقا ) ثم رفع راسه من سجوده وان لحيته ووجهه قد غمرا من دموع عينيه ، فقلت : يا سيدي اما آن لحزنك ان ينقضي ، ولبكائك ان يقل ؟

فقال : ( ويحك ان يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم كان نبيا وابن نبي ، له اثنا عشر ابنا فغيّب الله واحدا منهم ، فشاب رأسه من الحزن ، واحـدودب ظـهره من الغم ، وذهب بصره من البكاء ، وابنه حي في دار الدنيا ، وأنا رأيت أبي وأخي وسبعة عشر من أهل بيتي ، صرعى مقتولين ، فكيف ينقضي حزني ويقل بكائي ) ؟ .

وذكر اليعقوبي : وجّه المختار برأس عبيد الله بن زياد الى علي بن الحسين في المدينة مع رجل من قومه ، وقال له : قف بباب علي بن الحسين ، فاذا رأيت أبوابه قد فتحت ودخل الناس ، فذلك الذي فيه طعامه ، فادخل اليه ، فجاء الرسول الى باب علي بن الحسين ، فلما فتحت ابوابه ، ودخل الناس للطعام ، دخل ونادى بأعلى صوته : يا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ، ومهبط الملائكة ، ومنزل الوحي ، أنا رسول المختار بن أبي عبيد ، معي رأس عبيد الله ابن زياد ، فلم تبق في شيء من دور بني هاشم امراة الا صرخت ، ودخل الرسول فاخرج الرأس ، فلما رآه علي بن الحسين قال : ابعده الله الى النار .

وروى بعضهم ان علي بن الحسين لم ير ضاحكا قط منذ قتل ابوه ، الا في ذلك اليوم ، وانه كان له ابل تحمل الفاكهة من الشام ، فلما أتي برأس عبيد الله ابن زياد أمر بتلك الفاكهة ، ففرقت بين أهل المدينة ، وامـتشطت نساء آل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) واختضبن ، وما امتشطت امراة ولا اختضبت منذ قتل الحسين بن علي .

الجوانب التربوية في أدعية الإمام زين العابدين ( عليه السلام )

أسرار الدعاء :

الدعاء في الإسلام رُكن رَكين ، وكهف حصين ، وواحة أمان وطمأنينة يلجأ إليه الإنسان المسلم عندما تداهمه الخطوب ، وتنتابه العلل ، وتتلبَّد أمامه الأجواء ، فيحسُّ بالاختناق في كل لحظة ، ويفتش عن المتنَفَّس ، ويبحث عن الانعاش ، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى حيث قال : ( وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا ) يونس : 12 .

وهو شعور فطري بوجود القوَّة الأعظم ، واليد الغيبية التي تمتد في اللحظة المناسبة لإنقاذ الإنسان من محنته .

والأحاديث الشريفة أكَّدت على أنَّ للدعاء أهدافاً وحكماً كثيرة لو عرفها الإنسان لاكتشف كنزاً عظيماً ، اكتشف علاجاً لمشاكل عويصة يعيشها في حياته ، وحلاًّ للمصاعب التي تعترضه ، واكتشف بالتالي شفاءً لما في صدره من الآلام والأدران .

وفي طليعة هذه الأحاديث ما روى عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) ، عن آبائه ، عن الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : ( الدُّعاء سلاح المؤمن ، وعِمَاد الدين ، ونور السماوات والأرض ) .

فالمؤمن يواجه في حياته مخاطر كثيرة ، وذلك بسبب ضعف نفسه ، لأن الإنسان خلق من ضعف ، ورُكِّب في ضعف : ( وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ) النساء : 28 .

فحياته محدودة ، وعمره محدود ، وعلمه محدود ، وأخيراً تحركه في الدنيا محدود .

والسؤال هو : كيف يخرج الإنسان من هذا الضعف الذي يحيط به ؟

وجوابه : أنه يخرج بقوة خارجية ، وبإمداد غيبي ، هو الاتصال بالله سبحانه وتعالى ، والتوكل عليه .

كما أن الدعاء - كما في الحديث - عماد الدين ، فللدِّين مظهر وجوهر ، مظهر الدين هو الصلاة ، والصيام ، والحج ، إلى آخر العبادات ، ولكن ما هو جوهر الدين وعماده ؟

إنه الدعاء ، لأن جوهر الدين هو اتصال الإنسان بالله ، وعماد الدين وهو عروج الإنسان إلى الله .

فإن الله سبحانه وتعالى تحدث إلى الإنسان عبر القرآن الكريم ، ولكن كيف يتحدث الإنسان مع الله سبحانه ؟ فمناجاة الإنسان مع ربِّه هو الدعاء .

التربية الأخلاقية في أدعية الإمام السجاد ( عليه السلام ) :

صاغ الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) أدعية عالية المضامين ، بوحي من القرآن الحكيم ، تعتبر بحقٍّ دائرةُ معارفٍ عُليَا ، لجميع المعارف الإلهية ، ابتداءً من معرفة الله ومعرفة أسمائه الحسنى ، وطرق التوسل إليه ، واستمراراً مع صفات الرسل ، وانتهاءً بتكريس الصفات الرسالية عند الإنسان المسلم .

لنتأمل المقطوعة التالية في التربية الأخلاقية : ( اللَّهُمَّ صَلِّ على محمد وآل محمد ، واحجُبني عن السرف والازدياد ، وقوِّمني بالبذل والاقتصاد ، وعلِّمني حسن التقدير ، واقبضني بلطفك عن التبذير .

وأجر من أسباب الحلال أرزاقي ، ووجِّه في أبواب البرِّ إنفاقي ، وأوزعني من المال ما يحدث إليَّ مخيلة ، أو تأدّياً إلى بغي ، أو ما أتعقب منه طغياناً .

اللَّهُمَّ حَبِّب إليَّ صحبة الفقراء ، وأعنِّي على صحبتهم بحسن الصبر ، وما زويت عنِّي من متاع الدنيا الفانية ، فاذخره لي في خزائنك الباقية .

واجعل ما خوَّلتني من حطامها ، وعجَّلت لي من متاعها بُلْغَة إلى جوارك ، ووصلةً إلى قربك ، وذريعة إلى جَنَّتِك ، إنك ذو الفضل العظيم ، وأنت الجواد الكريم ) .

إن التأمل في فقرات هذا الدعاء الرائع ، يرفع الإنسان أعلى مراتب الشعور الإنساني ، حيث يشعر المرء بحب الصحبة للفقراء ، والابتعاد عن أخلاق الطغاة ، وبالذات الطغيان الناشئ من الغنى والثروة .

كما يعلمنا الإمام ( عليه السلام ) من خلال هذا الدعاء ، كيف ينبغي أن نصرف المال بدون تبذير ، ولكن مع الإنفاق في وجوه البر والإحسان .

كما يذكِّر الإنسان بأن الهدف الأقصى هو بلوغ الآخرة ، عند جوار الرب الكريم ، وليس التلذذ بالمتاع الزائل ، والملذات الفانية في هذه الحياة .

الوعي السياسي في أدعية الإمام السجاد ( عليه السلام ) :

لقد كان واضحاً في عصر الإمام السجاد ( عليه السلام ) مَدَى الخطورة والانهيار الذي بدأ يَدُبُّ في أوصال الأمة المسلمة ، في كيانها ووجودها الاجتماعي ، وذلك إثر الهجوم الواسع النطاق الذي أخذ المفسدون والطواغيت على عاتقهم القيام به .

فقد بدأ هؤلاء يُشِيعون ويروِّجُون الأفكار الهدَّامة ، ويشجعون ألوان المجون والتحلل الأخلاقي ، ويخترعون كلَّ وسيلة لتدمير وتفكيك البنى الاجتماعية والأسريَّة .

ويدلنا على ذلك ويشهد عليه ، ما نقله الأصفهاني في كتابه ( الأغاني ) ، وما أورده المسعودي في ( مروج الذهب ) .

وكذلك كانت عمليات الإفساد الرسمي ، والحفلات الماجنة ، وانتهاك الحرمات نهاراً جهاراً ، ممّا ينبئ بعملية إفساد منظَّم تقف وراءها مؤسسات الدولة .

وإن من يطَّلع على مثل تلك الصور والأرقام ، يدرك ما كان يجري من فسادٍ وإفساد ، وعلى مختلف الأصعدة الاجتماعية ، والاقتصادية ، والفكرية ، والأخلاقية .

وإزاء ذلك ماذا يمكن أن يفعل الإمام السجاد ( عليه السلام ) ، في وضع كانت ترصد فيه أية حركة أو تحرك ؟

وكيف يستطيع ( عليه السلام ) أن يقوم بدوره بصفته إمام الأمة ، والمسؤول الأول عن حماية الشريعة ، وأمن المجتمع المسلم ؟

وقد فرضت عليه العزلة التامة ، وأحيط ( عليه السلام ) بأجواء تحصى فيه الأنفاس ، ويضطهد فيها الناس ، ويؤخذون بالظنة والتهمة كما شَدِّ الرقباء .

وراحت عيونهم تبحث عن كل من يتصل بالإمام ( عليه السلام ) من قريب أو بعيد .

فالوعي العميق بمثل هذه الظروف من جهة ، وبأهمية القيام بدورٍ شجاع وفاعلٍ ولابُدِّيَّة النهوض بمبادرة خلاقة ، فضلاً عن المسؤولية الرسالية .

كل ذلك دفع الإمام السجاد ( عليه السلام ) إلى التحرك الجاد والمناسب ، فشهر سلاح الدعاء في وجه الخصوم والأعداء ، ليكون بادئ ذي بدء ، والنصل المضاد ، والتحصين الضروري ، ولإنقاد ما يمكن إنقاذه ، ثم لينطلق منه وبه لشنِّ الهجوم المضاد ، ولقد كان هذا الاختيار موفقاً جداً .

إن الإمام السجاد ( عليه السلام ) ينطلق في ذلك من وعي تام بأن التوعية الفكرية تبقى باردة ، ولا تؤدي إلى تفعيل الحياة الثقافية والسياسية للأمة ، وتحصين المسلمين ضد عوامل الهدم الفكري ، والإفساد السياسي والأخلاقي .

نعم إن التوعية الفكرية وحدها ما لم تمتزج بالنداوة الروحية ، وتنفعل بالحرارة العاطفية لا تثمر الثمرة المَرجُوَّة .

ومن هنا رأى الإمام السجاد ( عليه السلام ) أن يتلقَّى المسلم التوعية الفكرية من خلال المناجاة ، حيث يكون وجدان المسلم عادةً في سخونة كافية ، فتكون قادرة حينئذ على أن تأخذ مداها الكامل ، وتترسخ في أعماق النفس ، وتستقر في صفحة الذهن ، وبتحقق عملية الانفعال تلك تتم عملية التحصين .

إن علينا هنا أن نَتَبَيَّن مدى ما حقَّقه الإمام السجاد ( عليه السلام ) من ظفر ونجاح ، وليس عسيراً أن نعثر على عشرات الشواهد التي تدلُّنا على أن الأدعية السجادية صارت معشوقة ، ومتبناة من قبل قطاعات واسعة في الأمة .

ونظرةً عُجْلى على أسانيد الصحيفة ورواتها وحَفَظَتها ، وتناقلها بأمانة ودِقَّة ، وبما لم يتوفر مثله للكثير من المأثورات تشير لنا تلك الحقيقة بوضوح وتؤكد مدى النجاح والظَّفْر .

ويظهر لنا وجه آخر في هذه القضية المُهمة ، وهو أن الإمام السجاد ( عليه السلام ) بحكم مسؤوليته الرسالية ، ولكونه المسؤول الأول في تلك الفترة عن الحفاظ على أصالة الفكر الإسلامي ، ونقائه ، ثم إيصاله إلى الأجيال اللاحقة ، سليماً معافىً من التشويش والتحريف ، وبعيداً عن أباطيل الخصوم وتشويهاتهم ، سواء منهم من كان يكيد للإسلام ، كالمنافقين ، أم من كان يتربص الدوائر للانقضاض عليه .

حَمَلَته تلك المسؤولية على استخدام هذه الوسيلة بلحاظ أنَّها فيما تستبطنه من مضامين بعيداً عن أعين الرقباء ، ووسائل رصدهم العادية .

على أنه يقتضي التنبيه إلى أن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) من بعده ( عليه السلام ) ، وبالأخص ولده الإمام الباقر ( عليه السلام ) ، ثم حفيده الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، قد نَهَضا بدورهما الريادي والقيادي في مجال بَثِّ علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ونشر فقههم ، ومعارفهم ، بالوسائل المألوفة والمُتاحة .

إلا أنه مع ذلك كله حرصوا ( عليهم السلام ) بدورهم على نقل وترويج أدعية الصحيفة السجادية ، ودعوة شيعتهم ومريديهم إلى حفظها والاهتمام بها .

وذلك لتبقى دائماً وأبداً في كل عصر تدلُّهم فيه الخطوب ، فيكون الفكر الإسلامي النقي الذي تحمله مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) عُرضَةً للاضطهاد والتدمير ، تبقى تلك الصحيفة تحمل الأمانة وتصونها .

واستناداً إلى هذا ، فإنَّ الرجوع إلى الصحيفة السجادية يُعدُّ رجوعاً إلى الينابيع الأصيلة والنقية .

وإن البحث في مضامينها الراقية سواء في المجال الفكري ، والسياسي ، أو الاجتماعي ، والأخلاقي ، ومحاولة استكشاف المفاهيم والنظريات ، والآراء الشديدة ، سيغني ولا شكَّ مسيرة الفكر الإسلامي .

وما أجمل أن نختم الحديث عن أدعية الإمام السجاد ( عليه السلام ) بمقطوعة رائعة من أدعيته ، التي تُعلِّم المؤمنين كيف ينبغي الانقطاع إلى الله ، والاستغناء عن الخلق ، والذلَّة لهم .

فيقول ( عليه السلام ) : ( اللَّهُمَّ إني أعتذر إليك من مظلوم ظُلِم بحضرتي فلم أنصره ، ومن معروف أُسدِيَ إليَّ فلم أشكره ، ومن مُسِيء اعتَذَر إليَّ فلم أعذره ، ومِن ذِي فَاقَةٍ سلني فلم أوثِرْه ، ومن حَقِّ ذي حقٍّ لَزمَني لِمُؤمن فلم أوفره ، ومن عَيبِ مُؤمنٍ ظهرَ لي فلم أستره ، ومن كل إثْم عُرِضَ لي فلم أهجُرْه ) الصحيفة السجادية : 147 .

186
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:
لینک کوتاه

آخر المقالات

ملامح شخصية الإمام جعفر الصادق عليه السلام
وقفوهم إنهم مسئولون
ارتباط قضية المهدي (ع) بنهاية حركة التاريخ
مصداق ومعنى أهل البيت
في رحاب العدالة العلويّة (1)
الجزع على الإمام الحسين (عليه السّلام)
بحث وتحقيق حول السيدة رقية بنت الحسين (عليه ...
السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام)
الحديث السابع : حديث الرفع المشهور
العلم والاقتصاد عند الامام الباقر (ع)

 
user comment