عربي
Wednesday 10th of August 2022
0
نفر 0

الفتنة

الفصل الثالث

الفتنة



 

 


 

 

 


الفتنـة

 

إن موضوع الفتنة التي نشبت في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، هي أحد أكثر الاُمور حساسية في التاريخ الاسلامي دون شكّ، وذلك لما أورثته هذه الفتنة من مصائب ابتليت بها الاُمة، وكانت فاتحة للحروب التي دارت بين أبناء الاُمة الواحدة. فالفتنة هي التي أدت الى أن يتواجه المسلمون بسيوفهم في معارك طاحنة لأول مرة، مخلّفة آلاف الضحايا من المسلمين، ومن بينهم عدد من كبار الصحابة.

وقد كثر التأليف في موضوع الفتنة في عصرنا الحاضر، فلا تكاد تجد باحثاً يؤرخ لبعض قضايا الاسلام، إلاّ ويذكر في مقدمة أسباب الخلاف بين المسلمين - قديماً وحديثاً- موضوع الفتنة هذه التي فرقت شمل المسلمين.

إلاّ أن آراء الباحثين في الفتنة قد تشعبت بحسب الميول والاتجاهات، فاختار بعضهم الركون الى المصادر القديمة بشكل تقليدي محض، ودون أية محاولة للتمحيص أو تحليل للأحداث تحليلا نقدياً موضوعياً، مكتفين بالقاء تبعات الفتنة على أشخاص - وكما ورد في تاريخ الطبري- كأمثال عبدالله بن سبأ وأعوانه، معتبرين أن هؤلاء هم المسؤولون وحدهم عما جرى من أحداث أدت الى وقوع هذه الفتنة وما أنتجت بعد ذلك، وفي غمرة انسياق هؤلاء الباحثين وراء هذا الرأي الذي تولد من اعتمادهم على تاريخ الطبري -

 

 


برواية سيف بن عمر- الذي تفرد بذكر هذا السبب، متناسين أن القول بذلك يجرّ الى الاعتراف بأن الاُمة الإسلامية -ومن ضمنها بعض كبار الصحابة- قد بلغت بهم الغفلة والسذاجة درجة جعلتهم يصبحون أتباعاً لهذا اليهودي المنافق الذي دخل الاسلام كيداً بأهله، واستطاع بدهائه الخارق ومكره أن يستخف عقولهم ويجعلهم أداة طيعة في يده، يؤلبهم على بعضهم حتى نجح في دفعهم للانتقاض على خليفتهم وقتله في عقر داره على مرأى ومسمع من اُلوف الصحابة الذين لم يحركوا ساكناً لدفع هذا المنكر. ولعل هذا الأمر قد أوقع القدماء أيضاً في حرج شديد، فلم يجدوا تبريراً لهذا الفعل المشين إلاّ الادعاء بأن عثمان قد استسلم لقتلته بوصيته من النبي (صلى الله عليه وآله) حقناً لدماء المسلمين -كما يدعون- ولسوف نناقش هذا الادعاء فيما بعد.

أما القسم الآخر من الباحثين - ممن أدرك عقم النظرية السابقة وتهافتها- فقد اتّجه الى إلقاء التبعة على الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وما حدث من تغيّر في تركيبة المجتمع الاسلامي ودور الأعراب والعصبية القبلية في تأجيج هذه الفتنة، ومعظم هذه الآراء متأثرة بالأبحاث الاجتماعية التي تتبناها بعض مدارس الغرب بعد عصر النهضة، ومع أهمية هذه الاُمور فعلا ودورها في وقوع الفتنة، إلاّ أنها ليست كل الأسباب، بينما ألقى البعض اللوم على سياسات عثمان المالية والإدارية وتعيين الولاة غير الأكفاء من ذوي قرباه، مما أثار موجة السخط العام.

والحقيقة فإن بعض تلك العوامل مجتمعة. إضافة الى عوامل اُخرى، قد تضافرت لتؤدي في النهاية الى إشعال نيران هذه الفتنة التي هزت أركان المجتمع الإسلامي وأدت الى التخلي في النهاية عن مبدأ الشورى أو الاختيار،

 

 


وتحوّل الخلافة الإسلامية الى ملك وراثي تتداوله قبائل معينة من قريش، أدت بدورها في نهاية المطاف الى حدوث تغييرات مهمة في المجتمع الإسلامي الذي بدأ يفقد تماسكه الروحي، وتحول الصراع على السلطة الى داء عضال، كان من نتائجه تطرّق الضعف الى المجتمع الإسلامي، وتحوّل خلفاء المسلمين - فيما بعد- الى اُلعوبة في أيدي المتسلطين من الغرباء، حتى جاءت الضربة القاضية بسقوط الخلافة وإلغائها بشكل نهائي.

مقدمات الفتنة

إن من الاُمور المسلَّم بها عقلا، أن الفتنة لا تتولد من الفراغ أو تقع دون أسباب ومقدمات تمهد لها، إلاّ أن بعض الباحثين والمؤلفين - قديماً وحديثاً- يحاولون إقناع القارئ بأن ذلك قد حدث فعلا، وأن الفتنة قد وقعت بدون أسباب، ومن الأمثلة على ذلك، قول القاضي ابن العربي:

"قالوا مبعدين، متعلقين برواية كذابين: جاء عثمان في ولايته بمظالم ومناكير (ثم يعددها) معلقاً عليها بقوله:

هذا كله باطل سنداً ومتناً، أما قولهم: جاء عثمان بمناكير، فباطل، وأما ضربه لعمار وابن مسعود ومنعه عطاءه فزور، وضربه لعمار إفك مثله، ولو فتق أمعاءه ما عاش أبداً. وقد اعتذر عن ذلك العلماء بوجه لا ينبغي أن نشتغل بها لأنها مبنية على الباطل، ولا يبنى حق على باطل، ولا تذهب الزمان في مماشاة الجهال، فإن ذلك لا آخر له"(1).

ويستدرك محمود مهدي الاستانبولي معلقاً على كلام ابن العربي بقوله:

____________

1- العواصم من القواصم: 76.

 

 


"وزاد عثمان في عطاء الناس مائة مائة... بل روي ما يدل على ما كان من كثرة الخير في زمنه والتوسع في العطاء وتنويعه، حيث روي عن الحسن البصري من علماء التابعين، قال: شهدتُ منادي عثمان ينادي: أيها الناس، اغدوا على أرزاقكم، فيغدون ويأخذونها وافية، حتى والله سمعته اُذناي يقول: اغدوا على كسوتكم، فيأخذون الحلل، واغدوا على السمن والعسل. أرزاق دارّة وخير كثير وذات بين حسن، ما على الارض مؤمن يخاف مؤمناً إلاّ يرده وينصره ويألفه، فلو صبر الأنصار على الاثرة لوسعهم ما كانوا فيه العطاء والرزق..."(1).

إن التدقيق في مقولة القاضي ابن العربي يكشف عن الخلل الواضح فيها، فهو يورد نفيه للاتهامات الموجهة الى عثمان دون أن يقيم دليلا على قوله، ثم يطلب من القارئ التسليم بمقولته دون اعتراض، إلاّ أنه سرعان ما يعود فيناقض نفسه، حينما يعترف بأن العلماء قد اعتذروا لعثمان عن كل ذلك فلو لم يكن في الأمر ما يوحي بصحة هذه الاتهامات، فما حاجة العلماء للاعتذار عنها؟!

أما الرواية التي يوردها الاستانبولي فهي أكثر عجباً، إذ لو كانت الاُمور كما تصف الرواية، فما المشكلة إذاً؟ أيعقل أن يخرج المئات من أمصارهم البعيدة ويتوجهوا الى عاصمة الاسلام ومدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) ليقتلوا خليفة المسلمين على مرأى ومسمع من أهل المدينة دونما سبب؟ ثم ما معنى قول الحسن البصري "فلو أن الانصار صبروا على الأثرة...؟" ألا يعني ذلك أن الأنصار قد عانوا من الأثرة، وأن ذلك الخير العميم قد شمل بعض الناس

____________

1- المصدر السابق.

 

 


دونهم، فضلا عن أن هذا القول يثبت أن الأنصار - بسبب هذه الأثرة- كانوا في جملة الثائرين على الخليفة ومن مؤججي الفتنة، ومن هم الأنصار؟ أليسوا من الصحابة؟!

بل أن الأخبار تشير الى أن عمر بن الخطاب قد حبس عدداً من الصحابة القرشيين وليس الأنصار، خوفاً من تأجيجهم لنار الفتنة فللفتنة إذاً جذور عميقة وأسباب ممتدة، فقد "روي عن عامر الشعبي أنه قال: ما قُتل عمر بن الخطاب حتى ملّته قريش واستطالت خلافته، وقد كان يعلم فتنتهم، فحصرهم في المدينة وقال لهم: إن أخوف ما أخاف على هذه الاُمة انتشاركم في البلاد. وأن كان الرجل ليستأذنه في الغزو، فيقول: إن لك في غزوك مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما يكفيك، وهو خير لك من غزوك الروم، وخير لك من الغزو ألاّ ترى الدنيا ولا تراك. فكان يفعل هذا بالمهاجرين من قريش، ولم يكن يفعله بغيرهم من أهل مكة.

فلما ولي عثمان الخلافة خلّى عنهم، فانتشروا في البلاد، وخالطهم الناس، وأفضى الأمر الى ما أفضى اليه، وكان عثمان أحب الى الرعية من عمر"(1).

فليس ابن سبأ، ولا الأسباب الاقتصادية والسياسية، ولا عثمان وولاته، ولا الأنصار هم السبب فقط في اشتعال الفتنة، بل أن للصحابة - القرشيين منهم خاصة- دورهم أيضاً في هذه الفتنة، وقد اعترف الخضري بك بذلك إذ قال:

" إذا انصدع شمل القلوب، وحلّت الكراهة محل المحبة، والتحاسد محل التناصر، انفسح المجال لرواد الفتن ومحبي الاضطراب، وعلى هذا كان الحال في المدينة حاضرة الخلافة ومجمع رؤساء المسلمين، والمرشحين منهم

____________

1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 159.

 

 


لولاية الأمر، فإن من يتصفح أحوالهم وما كان يبدو على ألسنتهم من الكلمات الشديدة المؤلمة في حق عثمان، سواء في وجهه أو في غيبته، يحكم أن النفوس قد انطوت على مكروهه، حتى كانوا يلقبونه في بعض الأحيان نعثلا"(1).

والسؤال الذي يطرح نفسه تعليقاً على كلام الشيخ الخضري هو: من الذي كان يبهت عثمان في وجهه أو في غيبته ويؤلمه بالكلام القارص ويسميه نعثلا، أهو ابن سبأ وأعوانه أم هم الصحابة أنفسهم؟!

إن هذا الاعتراف وأمثاله من عدد من المؤلفين - قديماً وحديثاً- ليؤكد أن إنكار ابن العربي وغيره بعدم وجود اُمور أثارت حفيظة الناس - ومنهم الصحابة- لا أساس له من الصحة. ولقد أكدت روايات المحدثين في أوثق المصادر الحديثية على هذه الحقيقة، ففي الصحيحين - واللفظ لمسلم- عن اُسامة بن زيد، قال: قيل له: ألا تدخل على عثمان فتكلمه. فقال: أترون أني لا اُكلمه إلاّ اُسمعكم؟ والله لقد كلمته فيما بيني وبينه، ما دون أن أفتح أمراً لا أُحب أن أكون أول من فتحه، ولا أقول لأحد يكون عليّ أميراً إنه خير الناس، بعدما سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى بالنار" فتندلق أقتاب بطنه فيدور فيها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان، مالك، ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه".

وأخرج البخاري الرواية في موضعين من صحيحه، ولكنه أبدل إسم عثمان بـ (فلاناً) مرة و (هذا) مرة اُخرى(2).

____________

1- الدولة الاُموية: 250.

2- صحيح البخاري 4: 147 كتاب بدء الخلق، باب صفة النار 9: 69 كتاب الفتن، باب الفتنة التي تموج

=>

 

 


إن(1) إضمار البخاري لاسم الخليفة عثمان، واستبداله بفلان أو هذا، إنما يدل على خطورة الموضوع، وتلك عادة بعض المحدثين والمؤرخين في إضمار الأسماء إذا كان الأمر يتعلق ببعض كبار الصحابة.

والرواية على اختصارها وغموضها تكشف عن أن بعض الصحابة قد كلفوا اُسامة بن زيد بنصح عثمان والإقلاع عن بعض الاُمور التي يكرهونها، وجواب اُسامة الذي يكشف عن إلحاح هؤلاء عليه أكثر من مرة، والذي نستشف منه أن عثمان كان لا يلتفت الى هذه النصائح رغم تكررها.

واعترف ابن تيمية أيضاً ببعض تلك الاُمور التي نقمت على عثمان، دون أن يجد لعثمان عذراً غير ضعفه واستئثار أقاربه بالأموال والولايات، في قوله: "وأما عثمان، فقد بنى على أمر قد استقر قبله بسكينة وحلم وهدي ورحمة وكرم، ولم يكن فيه قوة عمر ولا سياسته، ولا فيه كمال عدله وزهده، فطُمع فيه بعض الطمع، وتوسعوا في الدنيا، ودخل بسبب أقاربه في الولايات والأموال اُمور أنكرت عليه، فتولد من رغبة الناس في الدنيا وضعف خوفهم عن الله ومنه، ومن ضعفه هو، وما حصل من أقاربه في الولاية والمال ما أوجب الفتنة"(2).

ويلاحظ على عبارة ابن تيمية في قوله "فتولد من رغبة الناس في الدنيا وضعف خوفهم من الله" ما يوحي بأن هؤلاء الذين يتهمهم ابن تيمية بحب الدنيا، إما أن يكونوا هم الأنصار -كما في الرواية المنسوبة الى الحسن البصري- أو من المهاجرين القرشيين الذين استغلوا إطلاق عثمان سراحهم،

____________

<=

كموج البحر، صحيح مسلم 4: 229 كتاب الزهد والرقاق، باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله.

2- منهاج السنّة النبوية 4: 121.

 

 

وقال ابراهيم بن جابر الفقيه: سمعت الصاغاني، وذكر الواقدي، فقال:

وهم كلهم من الصحابة أيضاً، فمن يكون السبب في إثارة الفتنة إذاً؟

إلاّ أن رواية سعيد بن المسيب توضح الاُمور أكثر، قال:

"لما ولي عثمان، كره ولايته نفر من الصحابة، لأن عثمان كان يحب قومه، فولي الناس اثنتي عشرة حجة، وكان كثيراً ما يولي بني اُمية ممن لم يكن له مع النبي (صلى الله عليه وآله) صحبة، فكان يجيء من اُمرائه ما ينكره أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)، وكان يُستعتب فيهم فلا يعزلهم، فلمّا كان في الستّ الأواخر، استأثر بني عمه فولاّهم، وولى عبدالله بن سعد بن أبي سرح مصر، فمكث عليها سنين; فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلمون منه، وقد كانت من عثمان قبل هناتٌ الى عبدالله بن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر، فكان في قلوب هذيل وبني زهرة وبني غفار وأحلافها من غضب لأبي ذر ما فيها، وحنقت بنو مخزوم لحال عمار بن ياسر; فلما جاء أهل مصر يشكون ابن أبي سرح، كتب إليه كتاباً يتهدده فيه، فأبى أن ينزع عما نهاه عثمان عنه، وضرب بعض من كان شكاه الى عثمان من أهل مصر حتى قتله; فخرج من أهل مصر سبعمائة الى المدينة فنزلوا المسجد، وشكوا ما صنع بهم ابن أبي سرح في مواقيت الصلاة الى أصحاب محمد، فقام طلحة الى عثمان فكلمه بكلام شديد، وأرسلت اليه عائشة(رض) تسأله أن ينصفهم من عامله، ودخل عليه علي بن أبي طالب - وكان متكلم القوم- فقال له: إنما يسأله القوم رجلا مكان رجل، وقد ادعوا قبله دماً، فأعزله عنهم واقض بينهم فإن وجب عليه حق فانصفهم منه.

فقال لهم: اختاروا رجلا أولّيه عليكم مكانه، فأشار الناس عليهم بمحمد ابن أبي بكر الصديق، فقالوا: استعمل علينا محمد بن أبي بكر.

 

 


فكتب عهده على مصر ووجه معهم عدة من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن أبي سرح"(1).

ورغم أن هذه الرواية تبدو مبتورة، إذ أنها لا تبيّن عما حدث بعد ذلك، إلاّ أنها تلخص الأحداث التي سبقت اشتعال الفتنة. ومن هذه الأسباب الهنات التي ارتكبها عثمان قبل عمار وابن مسعود وأبي ذر -كما أسماها ابن المسيب- وهي الاُمور التي أنكرها ابن العربي بشدة، فضلا عن مواقف كبار الصحابة من عثمان، فلا يبقى سوى تفصيل تلك الحوادث بمختلف الروايات واستخراج الحقائق منها.

عثمان وابن مسعود

أعرض الطبري عن ذكر قصة عبدالله بن مسعود، واكتفى ـ عند ذكره حوادث سنة 32 هـ ـ بالقول: وفيها توفي عبدالله بن مسعود بالمدينة، فدفن بالبقيع رحمه الله، فقال قائل: صلى عليه عمار، وقال قائل: صلى عليه عثمان(2).

أما ابن كثير فألمح الى طرف من القصة - بعد تعديلها- فقال في ترجمته لعبدالله بن مسعود:... ثم قدم الى المدينة فمرض بها، فجاءه عثمان بن عفان عائداً، فيروى أنه قال له: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي. قال: ألا آمر لك بطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني. قال: ألا آمر لك بعطائك - وكان قد تركه سنتين- فقال: لا حاجة لي فيه. فقال: يكون لبناتك من بعدك. فقال: أتخشى على بناتي الفقر أني أمرت بناتي أن يقرأن كل ليلة سورة

____________

1- أنساب الأشراف 6: 134.

2- الطبري 4: 308.

 

 


الواقعة، وإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: "من قرأ الواقعة كلّ ليلة لم تصبه فاقة أبداً".

وأوصى ابن مسعود الى الزبير بن العوام، فيقال إنه هو الذي صلى عليه ليلا، ثم عاتب عثمان الزبير على ذلك. وقيل بل صلى عليه عثمان، وقيل عمار فالله أعلم(1).

يمكننا أن نلاحظ بكل وضوح لهجة الجفاء التي قابل بها ابن مسعود عثمان بن عفان - رغم محاولة ابن كثير تلطيفها وحذف أجزاء منها- كما أن ادعاء ابن كثير أن ابن مسعود قد ترك عطاءه سنتين أمر غير معقول، وليس له أساس من الصحة، وما الذي يدعوه الى هذا العمل كما ويحاول ابن كثير الايحاء بأن ابن مسعود قد مرض بعد مجيئه الى المدينة بشكل طبيعي دون أن يشير الى السبب الحقيقي للمرض، إلاّ أنّ دفن ابن مسعود ليلا وعدم إخبار الخليفة بذلك، ومعاتبة الخليفة للزبير على عدم إخباره تدل على أن ابن مسعود قد رحل الى جوار ربه وهو واجد على عثمان، كما سوف يتضح.

أما البلاذري، فقد أورد تفاصيل القصة بشكل أكثر دقة، فروى عن عباس بن هشام:

"أن عبدالله بن مسعود حين ألقى مفاتيح بيت المال(2) إلى الوليد بن عقبة، قال: من غيَّر، غيَّر الله ما به، ومن بدّل أسخط الله عليه، وما أرى صاحبكم إلاّ وقد غيّر وبدّل. أيعزل مثل سعد بن أبي وقاص ويولّي الوليد وكان يتكلم بكلام لا يدعه، وهو: إن أصدق القول كتاب الله، وأحسن

____________

1- البداية والنهاية 7: 163.

2- لأن عثمان عزله عن عمله كخازن لبيت المال في الكوفة.

 

 


الهدي هدي محمد (صلى الله عليه وآله)، وشرّ الاُمور محدثاتها، وكل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فكتب الوليد الى عثمان بذلك وقال: إنه يعيبك ويطعن عليك. فكتب إليه عثمان يأمره بإشخاصه.

وشيّعه أهل الكوفة; فأوصاهم بتقوى الله ولزوم القرآن; فقالوا له: جُزيت خيراً، فلقد علّمت جاهلنا وثبتّ عالمنا وأقرأتنا القرآن وفقّهتنا في الدين، فنعم أخو الاسلام أنت ونعم الخليل، ثم ودّعوه وانصرفوا.

وقدم ابن مسعود المدينة وعثمان يخطب على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما رآه قال: ألا أنه قدمت عليكم دُويبة سوء، من تمشِ على طعامه يقيء ويسلح.

فقال ابن مسعود: لستُ كذلك، ولكني صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم بدر ويوم بيعة الرضوان.

ونادت عائشة: أي عثمان، أتقول هذا لصاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم أمر عثمان به فاُخرج من المسجد إخراجاً عنيفاً. وضرب به عبدالله بن زمعة بن الأسود بن المطلب الأرض. ويقال: بل احتمله يحموم غلام عثمان ورجلاه تختلفان على عنقه حتى ضرب به الأرض فدق ضلعه، فقال علي: يا عثمان، أتفعل هذا بصاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقول الوليد بن عقبة فقال: ما بقول الوليد فعلتُ هذا، ولكن وجّهت زبيد بن الصلت الكندي الى الكوفة، فقال له ابن مسعود: إن دم عثمان حلال فقال علي: أحلت من زبيد على غير ثقة...

وقام علي بأمر ابن مسعود حتى أتى به منزله، فأقام ابن مسعود بالمدينة لا يأذن له عثمان في الخروج منها الى ناحية من النواحي، وأراد حين برئ الغزو فمنعه من ذلك، وقال له مروان: إن ابن مسعود أفسد عليك العراق، أفتريد أن يفسد عليك الشام؟! فلم يبرح المدينة حتى توفي قبل مقتل عثمان بسنتين...

 

 


ولما مرض ابن مسعود مرضه الذي مات فيه، أتاه عثمان عائداً فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربّي. قال: ألا أدعو لك طبيباً؟ قال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا آمر لك بعطائك؟ قال: منعتنيه وأنا محتاج اليه، وتعطنيه وأنا مستغن عنه قال: يكون لولدك. قال: رزقهم على الله. قال: استغفر لي يا أبا عبدالرحمان. قال: أسأل الله أن يأخذ لي منك بحقّي وأوصى أن لا يصلي عليه عثمان، فدفن بالبقيع وعثمان لا يعلم، فلمّا علم غضب وقال: سبقتموني به. فقال له عمار بن ياسر: إنه أوصى أن لا تصلي عليه، وقال الزبير:

 

لأعرّفنك بعد الموت تندبني

وفي حياتي ما زوّدتني زادي

 

وكان الزبير وصيّ ابن مسعود في ما له وولده، وهو كلّم عثمان في عطائه بعد وفاته حتى أخرجه لولده، وأوصى ابن مسعود أن يصلي عليه عمار بن ياسر، وقوم يزعمون أن عماراً كان وصيّه، ووصيّه الزبير أثبت"(1).

وأورد المسعودي طرفاً من الحوار بين ابن مسعود وعثمان، وفيها قول ابن مسعود له: إنك أمرت بي فوطئ جوفي، فلم أعقل صلاة الظهر ولا العصر، ومنعتني عطائي، وقول عثمان له: فهذا عطاؤك فخذه، قال: منعتنيه وأنا محتاج إليه، وتعطينه وأنا غني عنه، لا حاجة لي به، فانصرف، فأقام ابن مسعود مغاضباً لعثمان حتى توفي، وصلى عليه عمار بن ياسر، وكان عثمان غائباً فستر أمره.."(2).

فالروايات متظافرة على ضرب عثمان عبدالله بن مسعود ومنعه عطاءه رغم نفي ابن العربي لذلك، وتغيير ابن كثير لألفاظها.

____________

1- أنساب الأشراف 6: 146.

2- تاريخ اليعقوبي 2: 170.

 

 


عثمان وأبو ذر الغفاري

إنّ من الاُمور التي أصبحت معروفة أن نجد بعض كبار المؤرخين والباحثين قديماً وحديثاً يتناولون الصحابي أبا ذر الغفاري بشكل يدعو الى النفور منه، وإظهاره كشخصية غريبة الأطوار لا يستطيع صاحبها أن ينصهر في بوتقة المجتمع الجديد كما يفعل كل إنسان سوي، بل يصورونه كشخص شاذ غريب عن عرف الناس والمجتمع، فهو شخصية منغلقة متطرفة لا تفهم شيئاً من متغيرات الحياة ولا تستطيع هذه الشخصية الانعزالية التعايش السلمي مع المجتمع، وهي تريد من الناس - كل الناس- أن يتخلوا عن جميع ثرواتهم وممتلكاتهم، وأن يعيشوا مثله حياة ملؤها الزهد والتقشف، حتى لقد حاول بعض الباحثين المعاصرين الادعاء بأنه الاشتراكي أو الشيوعي الأول في الإسلام وقد ظن بعض المؤلفين أن الصورة التي يقدمونها لأبي ذر تحفظ له بعض ماء وجهه لصحبته وسابقته في الاسلام، ومن هؤلاء القاضي ابن العربي الذي ذكر قصة أبا ذر قائلا: وأما نفيه (عثمان) أبا ذر الى الربذة، فلم يفعل.

كان أبو ذر زاهداً، وكان يقرّع عمال عثمان، ويتلو عليهم (وَالذينَ يَكنزونَ الذَّهبَ والفضةَ ولا يُنفقونَها في سَبيلِ اللهِ فبشّرهم بِعذاب أليم)(1).

ويراهم يتّسعون في المراكب والملابس حيث وجدوا، فينكر ذلك عليهم، ويريد تفريق ذلك من بين أيديهم، وهو غير لازم. قال ابن عمر وغيره من الصحابة -وهو الحق-: إن ما أدّيت زكاته فليس بكنز.

فوقع بين أبي ذر ومعاوية كلام بالشام، فخرج الى المدينة، فاجتمع إليه

____________

1- سورة التوبة: 34.

 

 


الناس، فجعل يسلك تلك الطرق، فقال له عثمان: لو اعتزلت.

معناه: إنّك على مذهب لا يصلح لمخالطة الناس، فإن للخلطة شروطاً وللعزلة مثلها، ومن كان على طريقة أبي ذر، فحاله يقتضي أن ينفرد بنفسه، أو يخالط ويسلّم لكل أحد حاله مما ليس بحرام في الشريعة. فخرج الى الربذة زاهداً فاضلا، وترك جلّة فضلاء، وكل على خير وبركة وفضل، وحال أبي ذر أفضل، ولا تمكن لجميع الخلق، فلو كانوا عليه لهلكوا، فسبحان مرتّب المنازل.

ووقع بين أبي ذر ومعاوية كلام، وكان أبو ذر يطلق من الكلام ما لم يكن يقوله في زمن عمر، فأعلم معاوية بذلك عثمان، وخشي من العامة أن تثور منهم فتنة، فإن أبا ذر كان يحملهم على التزهد واُمور لا يحتملها الناس كلهم، وإنّما هي مخصوصة ببعضهم، فكتب اليه عثمان أن يقدم المدينة، فلما قدم اجتمع اليه الناس، فقال لعثمان: اُريد الربذة. فقال له: افعل، فاعتزل، ولم يكن يصلح له إلاّ ذلك لطريقته(1).

هذا هو أمثل ما ارتآه ابن العربي في قصة أبي ذر، ظناً منه أنه بذلك يوفّق بين الاتجاهات المتناقضة بما يحفظ كرامة كل من عثمان وأبي ذر، ولكنه نسي أن القصة كما يوردها تسيء الى أبي ذر أكثر مما تحسن اليه، فضلا أن روايته تحمل تناقضات عديدة.

فما هي الفتنة التي خافها معاوية من دعوة أبي ذر الناس الى الزهد، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن أبا ذر لم يكن يملك السلطة التي تتيح له أن يفرض شيئاً على أحد، وغاية ما في الأمر أنه كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر،

____________

1- العواصم من القواصم: 85.

 

 


والناس ليسوا ملزمين باتّباع طريقته في الزهد، فمن شاء فعل ومن شاء ترك، كما لا أعرف كيف يطلب أبو ذر أن ينفي نفسه بنفسه الى البادية مع نهي النبي (صلى الله عليه وآله) من التعرب بعد الهجرة، وكان باستطاعته أن يعتكف في بيته ويترك مخالطة الناس، فيما لو صح كلام ابن العربي وغيره ممن ينحو هذا المنحى.

وإذا كان ابن العربي قد حاول أن يخفف من لهجة الهجوم على أبي ذر، فإن هناك آخرين لم يرضوا إلاّ بالأخذ برواية الطبري عن سيف بن عمر، والتي جعلت من أبي ذر تابعاً ذليلا لعبد الله بن سبأ، ذلك اليهودي المنافق الذي يحمل كل أوزار الفتنة -كما تدعي تلك الرواية- فأصبح أبو ذر بالنتيجة شريكاً له في تلك المؤامرة.

ومن أعجب العجب، أن معظم المؤلفين الذين يوردون تلك القصة في مؤلفاتهم، هم أنفسهم الذين يحاولون تبرئة سيف بن عمر من تهمة الزندقة لدفاعه عن الصحابة -كما يزعمون- وهم التيار الذي يحمل لواء تنزيه الصحابة مما يشنّع عليهم!

إن من يطلع على مصدر الرواية -وهو تاريخ الطبري- يستطيع أن يلحظ بكل وضوح دور الرأي العام في تقييم الأحداث وصبغها بتلك الصبغة التي جعلت هذا الصحابي يدفع ثمن تمرده على السلطة، وذلك مما يمكن فهمه من قول الطبري الذي قدّم للقصة بقوله: فأما العاذرون لمعاوية في ذلك، فإنهم ذكروا في ذلك، كتب اليّ بها السري، يذكر أن شعيباً حدّثه عن سيف، عن عطية، عن يزيد الفقعسي، قال: لما ورد ابن السوداء الشام لقي أبا ذر فقال: يا أبا ذر، ألا تعجب الى معاوية، يقول: المال مال الله إلاّ أن كل شيء لله، كأنه يريد أن يحتجنه دون المسلمين، ويمحو اسم المسلمين.

 

 


فأتاه أبو ذر، فقال: ما يدعوك الى أن تسمي مال المسلمين مال الله؟

قال: يرحمك الله يا أبا ذر، ألسنا عباد الله، والمال ماله، والخلق خلقه، والأمر أمره؟ قال: فلا تفعله. قال: إني لا أقول إنه ليس لله، ولكن سأقول: مال المسلمين.

قال: وأتى ابن السوداء أبا الدرداء، فقال له: من أنت؟ أظنك والله يهودياً.

فأتى عبادة بن الصامت فتعلق به، فأتى به معاوية، فقال: هذا والله الذي بعث عليك أبا ذر.

وقام أبو ذر بالشام وجعل يقول: يا معشر الأغنياء، واسوا الفقراء، بشّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم.

فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك، وأوجبوه على الأغنياء، وحتى شكا الأغنياء ما يلقون من الناس.

فكتب معاوية الى عثمان: إن أبا ذر قد أعضل بي. وقد كان من أمره كيت وكيت. فكتب اليه عثمان: إن الفتنة قد أخرجت خطمها وعينها، فلم يبق إلاّ أن تشب، فلا تنكأ الجروح، وجهّز لي أبا ذر، وابعث معه دليلا وزوّده، وارفق به، وكفكف الناس ونفسك ما استطعت، فإنّما تمسك ما استمسكت.

فبعث بأبي ذر ومعه دليل، فلما قدم المدينة ورأى المجالس في أصل سلع، قال: بشّر أهل المدينة بغارة شعواء وحرب مذكار.

ودخل على عثمان فقال: يا أبا ذر، ما لأهل الشام يشكون ذربك؟

فأخبره أنه لا ينبغي أن يقال: مال الله، ولا ينبغي للأغنياء أن يقتنوا مالا.

فقال: يا أبا ذر، عليّ أن أقضي ما عليّ، وآخذ ما على الرعية، ولا أجبرهم

 

 


على الزهد، وأن أدعوهم الى الاجتهاد والاقتصاد.

قال: فتأذن لي في الخروج، فإن المدينة ليست لي بدار؟

فقال: أو تستبدل بها إلاّ شراً منها قال: أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أخرج منها إذا بلغ البناء سلعاً.

قال: فانفذ لما أمرك به.

قال: فخرج حتى نزل الربذة، فخط بها مسجداً، وأقطعه عثمان صرمة من الابل وأعطاه، مملوكين، وأرسل اليه: أن تعاهد المدينة حتى لا ترتد أعرابياً، ففعل(1).

إلاّ أن الذين أخذوا بهذه الرواية - بسندها المعروف- لم يذكروا سبب سكوت معاوية عن اليهودي عبدالله بن سبأ بعد أن فضحه عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وأخبرا معاوية بأنه الرجل الذي بعث أبا ذر عليه واكتفى معاوية بالكتابة الى عثمان في شأن أبي ذر وحده، فترك رأس الفتنة وأخذ ذيلها.

وقد فطن بعض الباحثين الى تهافت الرواية، فتصدوا لدحضها، فقد قال الدكتور طه حسين: ومن أغرب ما يروى من أمر عبدالله بن سبأ، أنه هو الذي لقّن أبا ذر نقد معاوية... ومن هذا التلقين الى أن يقال: إنه هو الذي لقّن أبا ذر مذهبه كله في نقد الاُمراء والأغنياء... وأبو ذر سبق الأنصار جميعاً وسبق كثيراً جداً من المهاجرين الى الاسلام، وهو قد صحب النبي فأطال صحبته، وحفظ القرآن فأحسن حفظه، وروى السنّة فأتقن روايتها، وشهد سيرة النبي وسيرة صاحبيه في الأموال والحقوق، وعرف من الحلال والحرام ما عرف غيره من أصحاب النبي الذين لزموه فأحسنوا لزومه.

____________

1- الطبري 4: 283.

 

 


فالذين يزعمون أن ابن سبأ قد اتصل بأبي ذر فألقى اليه بعض مقاله، يظلمون أنفسهم ويظلمون أبا ذر، ويرقون بابن السوداء هذا الى مكانة ما كان يطمع في أن يرقى إليها.

والرواة يقولون: إن أبا ذر قال ذات يوم لعثمان بعد رجوعه من الشام الى المدينة: لا ينبغي لمن أدى الزكاة أن يكتفي بذلك حتى يعطي السائل ويطعم الجائع وينفق من ماله في سبيل الله، وكان كعب الأحبار حاضراً هذا الحديث فقال: من أدى الفريضة فحسبه; فغضب أبو ذر وقال لكعب: يابن اليهودية ما أنت وهذا أتعلمنا ديننا ثم وجأه بمحجنه(1).

فأبو ذر ينكر على كعب الأحبار أن يعلمه دينه، بل أن يدخل في اُمور المسلمين حتى بإبداء الرأي، مع أن كعب الأحبار مسلماً أبعد عهداً بالاسلام من ابن سبأ، وكان مجاوراً في المدينة يصبح ويمسي بين أصحاب النبي، وكان معاشراً لعمر وعثمان، ثم لا يتحرج من أن يتلقى من عبدالله بن سبأ أصلا من اُصول الاسلام وحكماً من أحكام القرآن فأعجب لرجل من أصحاب النبي يُنكر على كعب أن يجادل في الدين، ثم يتلقى الدين نفسه من عبدالله بن سبأ(2).

أما ابن كثير - الذي بدا غير مقتنع هو الآخر برواية الطبري تلك- فيكتفي بذكر القصة باختصار حيث يقول عن أبي ذر: كان ينكر على من يقتني مالا من الأغنياء ويمنع أن يدخر فوق القوت، ويوجب أن يتصدق بالفضل، ويتأول قول الله سبحانه وتعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في

____________

1- مسند أحمد 1: 63، مجمع الزوائد 10: 239، السيرة الحلبية 1: 160، حياة الصحابة 2:157 2- الفتنة الكبرى: 327 ضمن المجموعة الكاملة.

 

 


سبيل الله فبشّرهم بعذاب أليم) فينهاه معاوية عن اشاعة ذلك فلا يمتنع...(1).

وقد ذكر المؤرخون الآخرون روايات مختلفة تماماً عن رواية الطبري التي تمثل وجهة نظر العاذرين لمعاوية -كما اعترف الطبري نفسه-، ويبدو أن سوء تصرف بعض ولاة عثمان، والسياسة المالية التي كان يتبعها عثمان، كانت هي السبب الرئيسي في انتفاضة أبي ذر، وليس مجرد الدعوة الى الزهد والتقشف -كما يحاول البعض تصويرها تبعاً لرواية الطبري - وكما يبدو واضحاً أن ثورة أبي ذر كانت موجهة الى السلطة وليس الى الناس جميعاً.

ذكر البلاذري أنه "لما أعطى عثمان مروان بن الحكم ما أعطاه، وأعطى الحارث بن الحكم بن أبي العاص ثلاثمائة ألف درهم، وأعطى زيد بن ثابت الأنصاري مائة ألف درهم، جعل أبو ذر يقول: بشّر الكافرين بعذاب أليم; ويتلو قول الله عزّوجل (والذين يكنزون الذهب والفضة)... الآية.

فرفع مروان بن الحكم الى عثمان، فأرسل الى أبي ذر ناتلا مولاه أن انتهِ عما يبلغني عنك، فقال: أينهاني عن قراءة كتاب الله وعيب من ترك أمر الله. فوالله لأن أرضي الله بسخط عثمان، أحب إليّ وخير لي من أن أسخط الله برضاه.

فأغضب عثمان ذلك وأحفظه. وقال عثمان يوماً: أيجوز للإمام أن يأخذ من المال، فإذا أيسر قضى؟

فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك. فقال ابو ذر: يابن اليهودية، أتعلمنا ديننا؟ فقال عثمان: ما أكثر أذاك لي وأولعك بأصحابي، الحق بمكتبك، وكان مكتبه بالشام إلاّ أنه كان يقدم حاجّاً ويسأل عثمان الإذن له في مجاورة قبر

____________

1- البداية والنهاية 7: 155.

 

 


رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فيأذن له في ذلك، وإنما صار مكتبه بالشام، لأنه قال لعثمان حين رأى البناء قد بلغ سلعاً، فالهرب، فاذن لي آت الشام فاغزو هناك، فأذن له. وكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها، وبعث اليه معاوية بثلاثمائة دينار فقال: إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا قبلتها، وإن كانت صلة فلا حاجة لي فيها، وبعث إليه حبيب بن مسلمة الفهري بمائتي دينار، فقال: أما وجدت أهون عليك مني حين تبعث إليّ بمال؟ وردّها.

وبنى معاوية الخضراء بدمشق فقال: يا معاوية إن كانت هذه الدار من مال الله فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهذا الاسراف، فسكت معاوية.

وكان أبو ذر يقول: والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله ولا سنّة نبيه، والله إني لأرى حقاً يطفأ وباطلا يحيا وصادقاً يُكذب واثرة بغير تقى وصالحاً مستأثراً عليه.

فقال حبيب بن مسلمة لمعاوية: إن أبا ذر مفسد عليك الشام فتدارك أهله إن كانت لكم به حاجة.

فكتب معاوية الى عثمان فيه، فكتب عثمان الى معاوية:

أما بعد، فاحمل جندباً اليّ على أغلظ مركب وأوعره.

فوجّه معاوية من سار به الليل والنهار، فلما قدم أبو ذر المدينة جعل يقول: يستعمل الصبيان ويحمي الحمى ويقرّب أولاد الطلقاء.

فبعث اليه عثمان: إلحق بأي أرض شئت.

فقال: بمكة.

فقال: لا.

قال: فبيت المقدس

 

 


قال: لا.

قال: فبأحد المصرين.

قال: لا، ولكني مسيّرك الى الربذة، فسيره اليها فلم يزل بها حتى مات.

ورواية اليعقوبي قريبة من رواية البلاذري، وفيها نقاط ملفتة للنظر، قال: وبلغ عثمان أيضاً أن أبا ذر يقع فيه، ويذكر ما غيّر وبدّل من سنن رسول الله وسنن أبي بكر وعمر، فسيّره الى الشام الى معاوية، وكان يجلس في المسجد فيقول كما كان يقول: ويجتمع اليه الناس حتى كثر من يجتمع اليه ويسمع منه.

وكان يقف على باب دمشق إذا صلّى الصبح، فيقول: جاءت القطار تحمل النار. لعن الله الآمرين بالمعروف والتاركين له، ولعن الله الناهين عن المنكر والآتين له.

وكتب معاوية الى عثمان: إنك قد أفسدت على نفسك بأبي ذر، فكتب إليه: أن احمله على قتب بغير وطاء، فقدم به الى المدينة وقد ذهب لحم فخذيه، فلمّا دخل اليه وعنده جماعة قال:

بلغني أنك تقول: سمعت رسول الله يقول: "إذا كملت بنو اُمية ثلاثين رجلا اتخذوا بلاد الله دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دغلا"(1).

فقال: نعم، سمعت رسول الله يقول ذلك(2).

فالملاحظ مما سبق تطابق أكثر الروايات التي جاءت عن المؤرخين، ومخالفتها لما جاء في الطبري بطريق سيف الذي تشذ رواياته عن روايات الجميع.

____________

1- الحديث في مسند أحمد 3: 80 عن أبي سعيد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إذا بلغ بنو أبي فلان ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله دولا ودين الله دخلا وعباد الله خولا".

2- تاريخ اليعقوبي 2: 171.

 

 


ولم تقتصر الجملة على أبي ذر بجعله تابعاً لابن سبأ، إذ أن أحد الباحثين المعاصرين قد تفتقت عبقريته بأبعد من ذلك، فجعله تابعاً لمزدك، عن طريق بعض الفرس الذين تأثر بهم أبو ذر - على حد زعمه- حيث يقول الدكتور أحمد أمين بعد ايراده رواية الطبري تلك:

فمن المحتمل القريب أن يكون قد تلقى هذه الفكرة من مزدكية العراق أو اليمن، واعتنقها أبو ذر حسن النية في اعتقادها، وصبغها بصبغة الزهد التي كانت تجنح إليها نفسه...(1).

وقد نسي الدكتور أمين أن موطن الفرس وتعاليم مزدك كانت في بلاد فارس وأجزاء من العراق.

وقد أنصف الدكتور عمارة إذ أشار الى هذا الخطأ بقوله:

وليس من دليل يدعو الى أن نقبل ما ارتآه بعض الناس من أن أبا ذر(رضي الله عنه)اقتبس هذه الأفكار من الفرس الذي يتبعون رأي مزدك. أو أن الذي أوحى بها اليه هو عبدالله بن سبأ، فلا دليل على أنه كانت هناك أية صلة بينه وبين الفرس، أو أنه كان يعرف لغتهم، وربما لم يكن سمع بمزدك هذا أبداً.

وأما ابن سبأ - وإن كان هذا قد نقله المؤرخون عن الطبري- قد حمل أكثر مما يحتمل، ونسبت اليه أكثر الآراء التي لم يكن جمهور الاُمة راضياً عنها، وجُعل على حد تعبير حديث (كبش الفداء) في كل هذه الفتن التي وقع فيها من الحوادث ما يثير مشاعر المسلمين. وما الذي - بعد هذا كله- يمنع صحابياً من القراء أي من العلماء، عابداً زاهداً أن يكوّن رأياً كهذا من تلقاء نفسه، وهذا هو استشهاده بالآيات واستدلاله بروح الإسلام(2).

____________

1- فجر الاسلام: 111.

2- النظريات السياسية في الإسلام: 57.

 

 


لقد أعطى الطبري وجهة نظر العاذرين لمعاوية -كما أسماهم- وهو مؤيدو السلطة بشكل عام- تبعاً لرواية سيف- ولاحظنا أن وجهة نظر هؤلاء تحاول الحط من مقام صحابي كبير وتظهره بمظهر التابع لمؤجج الفتن ابن سبأ، ولابد من تسجيل هذه الملاحظة على اولئك الذين يدّعون ان سيف بن عمر كان يدافع عن الصحابة، لذا حاولوا تبرأته من تهمة الزندقة، ولكن قصة أبي ذر سجّلت النقطة الاُولى على أولئك المؤيدين لمنهج سيف، وسوف تكشف الأحداث اللاحقة عن خطل رأي اولئك في سيف.

لقد كان جديراً بهؤلاء المؤرخين والباحثين أن ينظروا الى موقف أبي ذر من وجهة نظر الإسلام، لا من وجهة نظر الوضاعين أمثال سيف، وبين أيديهم كتب الحديث وفيها من الروايات الصحيحة في فضل أبي ذر والثناء عليه من الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) ما لا يحصى، ومما يجعل الجميع يفهمون حقيقة موقف أبي ذر.

لكن المشكلة -كما قلنا- تتلخص في موقف (الرأي العام) الذي يسير في ركاب السلطة عادة، والقناعات التي تراكمت على مر السنين، وهذا ما سوف نتطرق إليه بشكل أكثر تفصيلا في مبحث خاص، بما يجلو الغموض عن سرّ ذلك الموقف. لقد كان التناقض بين موقف أبي ذر وموقف السلطة واضحاً، وبشكل كان يؤدي الى التصادم بينها، ولم يكن أبو ذر وحده في هذا الميدان، وإلاّ لما ألقت السلطة إليه بالا، ولكن "لم يكن في أهل المدينة إلاّ من كان راضياً بقوله، عاتباً بمثل عتبه، إلاّ أنهم كانوا بين مجاهر بما في نفسه مخف ما عنده، وما في أهل المدينة الاّ من رثى لأبي ذر مما حدث عليه ومن استفظعه،

 

 


ومن رجع الى كتب السيرة عرف ما ذكرناه"(1).

لقد كان موقف أبي ذر - وكما في الروايات التي سقناها- يتلخص في الطلب من عثمان اتباع سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والشيخين أبي بكر وعمر، ولقد اعترف القاضي ابن العربي نفسه بأن أبا ذر لم يكن يقول ما يقول في زمن عمر، أفليس هذا دليلا على أن موقف أبي ذر كان موجهاً لحكومة عثمان وليس الى الناس جميعاً ودعوتهم الى ترك الدنيا، بل كان يدعوالى عدم الاساءة في التصرف بأموال المسلمين، وكان نقده موجهاً بالدرجة الاولى الى عثمان ومعاوية، حيث لم يذكر التاريخ أن مشادة وقعت بين أبي ذر وأحد من الناس لهذا السبب.

ولقد بذل أبو ذر النصح لعثمان، لكن عثمان كان يأبى الاستماع الى النصح، ويتخذ موقفاً متشدداً من أبي ذر، حتى يجابهه بقوله: "كذبت ولكنك تريد الفتنة وتحبها، وقد انغلْت الشام علينا.

فيقابله أبو ذر بطلب بسيط: اتبع سنة صاحبيك، لا يكن لأحد عليك كلام"(2).

إن تكذيب عثمان لأبي ذر، هو في الحقيقة جرأة على النبي (صلى الله عليه وآله)، ولقد أشار أبو ذر إلى ذلك، فيما أخرج البلاذري عن قتادة، قال: تكلم أبو ذر بشيء كرهه عثمان، فكذبه، فقال: ما ظننت أن أحداً يكذبني بعد قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): "ما أقلّت الغبراء، ولا أطبقت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر".

ثم سيّره الى الربذة، فكان أبو ذر يقول: ما ترك الحق لي صديقاً.

____________

1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي 3: 58.

2- شرح نهج البلاغة 3: 56.

 

 


فلما سار الى الربذة، قال: ردّني عثمان بعد الهجرة اعرابياً(1).

وقد حاول ابن كثير أن يرجّح كفّة عثمان على أبي ذر، إذ ادعى ضعف هذا الحديث، مع أن الحاكم قد أورده في مستدركه، بقول النبي (صلى الله عليه وآله): "ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء، على رجل أصدق لهجة من أبي ذر".

وفي رواية: "ما تقل الغبراء، ولا تظل الخضراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر، شبيه عيسى بن مريم"، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، فنعرف ذلك له؟ قال: "نعم، فاعرفوه له"(2).

فيتبين من كل ذلك أن أبا ذر لم يكن مبتدعاً، ولا كان يريد حمل الناس على شريعة ومنهاج غريب عن روح الإسلام، -كما يحاول بعض المؤلفين الايحاء بذلك- ولا كانت دعوته بأن يتخلى الناس عن ثرواتهم كلّها ويعيشوا عيشة الزهد والتقشف التي الزم نفسه بها، فلقد "كان كثير من الصحابة كعبد الرحمان بن عوف وطلحة بن عبيدالله"رضي الله عنهم" يقتنون الأموال ويتصرفون فيها، وما عابهم أحد ممن أعرض عن القُنية لأن الاعراض اختيار الأفضل"(3).

ولم يذكر التاريخ أن مشادة وقعت بين أبي ذر وأحد من اولئك الصحابة بسبب اقتنائهم الأموال، بل كان الصراع متركزاً بين أبي ذر والسلطة المتمثلة بعثمان بن عفان وبعض ولاته كمعاوية.

____________

1- أنساب الأشراف 6: 186.

2- المستدرك على الصحيحين 3: 338 وصححه ولم يعترض الذهبي عليه. واُنظر سنن الترمذي 5:628 ح3801، 3802، سنن ابن ماجة 1: 55 ح156، مسند أحمد 2: 163، 175، 223، ح 1975، 6:442، مصنف ابن أبي شيبة 12:124، المعجم للطبراني 2: 149، مصابيح السنة 4: 220، الطبقات الكبرى 4: 228، الاستيعاب: ترجمة أبي ذر، الجامع الصغير 2: 485 ح7825، كنز العمال 11: 666 - 668 ح 33221 - 33229، 13: 316 ح 36888.

3- الكشاف للزمخشري 2: 267.

 

هذه هي حقيقة موقف أبي ذر، وليس كما يصورها بعض المؤلفين كابن العربي وغيره، ممن يميلون الى مناصرة موقف السلطة، مقتفين أثر سيف بن عمر الذي يبدو واضحاً أنه يقلب الحقائق رأساً على عقب، فانتصاره للصحابة لا يشمل جميعهم، بل بعضهم كما نلاحظ.

"لقد جاءت انتفاضة أبي ذر ضد طغيان الأقلية، أول مصادمة علنية بين الاتجاه الإسلامي، وبين الخلافة التي فقدت مع عثمان هالتها الكبيرة، بعد ما أصبحت مظلة لأصحاب الاتجاه القبلي(1).

عثمان وعمار بن ياسر

لقد كان عمار أحد أقطاب المعارضة في زمن عثمان، لذا فقد نال نصيبه الأوفى من التشنيع والحط من المكانة وذلك في الروايات التي أخرجها الطبري في تاريخه بطريق سيف، وتابعه على ذلك جمع من المؤلفين قديماً وحديثاً.

فتارة نجد عمار بن ياسر وقد أصبح هو الآخر ذيلا لعبد الله بن سبأ، يشاركه في حياكة المؤامرات للاطاحة بالخلافة الاسلامية المتمثلة بعثمان بن عفان، وليس من سبب وجيه تذكره هذه الروايات لتفسير انقلاب عمار بن ياسر على السلطة، سوى أن عثمان قد اقتصّ منه لسبب تافه أيضاً، وهو: أن عماراً قد عارك عتبة بن أبي لهب، مما دفع عثمان - وهو الخليفة- الى الاقتصاص منهما وتأديبهما بالضرب.

هذه القصة المتهافتة التي تصوّر لنا عمار بن ياسر - وهو من السابقين

____________

1- من دولة عمر إلى دولة عبدالملك، إبراهيم بيضون: 107.

 

 


الأولين الذين شهد لهم النبي (صلى الله عليه وآله) ولاُمه وأبيه بالجنة كما هو معلوم -وبعد أن أربى على السبعين أو الثمانين من عمره، يعارك عتبة بن أبي لهب حتى يضطر الخليفة الى تأديبه كما يُفعل بالصبيان مع العلم أن الرواية لم تُشر الى سبب هذا العراك وهذا الصحابي الكبير الذي عاش في كنف العهد النبوي منذ بدايته، وعاصر أيام الخليفتين أبا بكر وعمر، لم يفهم بعد كل هذا الوقت أن إقامة الحد عليه إذا ارتكب جريمة، حق لا ينبغي أن يماري فيه، ولا أن يغضب منه، لأن هذا التصرف إنما يليق بأعرابي حديث الاسلام، وليس بصحابي كبير، فإذا بهذا الصحابي ينقلب الى رجل حاقد مبغض للخليفة بسبب ذلك، ثم لا يتورع عن الانضمام الى عصابة ذلك اليهودي المنافق الذي يستهدف الاطاحة بالسلطة الاسلامية المتمثلة بالخليفة، بعد بث الدعايات التي تشوه صورة هذا الخليفة الذي لم يكن له من ذنب تجاه عمار، سوى أنه أقام عليه حداً شرعياً من حدود الله ولا يستغرب القارئ مما نقول ويظن في ذلك مبالغة منا، لأننا - وكما وعدنا القارئ- سوف نستعرض هذه الأقوال وننسبها الى أصحابها حتى يتمكن القارئ الكريم من مقارنة الروايات واستنباط الحقائق منها.

تقول رواية الطبري عن السري عن شعيب عن سيف بن عمر عن شيوخه:

كان عبدالله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء، اُمّه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثم تنقّل في بلدان المسلمين، يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام!! فأخرجوه حتى أتى مصر، فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول:

العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذّب بأن محمداً يرجع، وقد قال

 

 


الله عزّوجل: (إنَّ الذي فَرضَ عليكَ القرآنَ لرادّكَ إلى معاد)، فمحمد أحق بالرجوع من عيسى.

قال: فقُبل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة، فتكلموا فيها.

ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان ألف نبي، ولكل نبي وصي، وكان علي وصي محمد. ثم قال: محمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء.

ثم قال بعد ذلك: من أظلم ممن لم يُجز وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ووثب على وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتناول أمر الاُمة!

ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدؤا بالطعن على اُمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، تستميلوا الناس، وادعوهم الى هذا الأمر.

فبث دعاته، وكاتب من كان استفسد في الأمصار وكاتبوه، ودعوا في السر الى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون الى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم، ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، ويكتب أهل كل مصر منهم الى مصر آخر بما يصنعون، فيقرؤه اُولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم، حتى تناولوا بذلك المدينة، وأوسعوا الأرض إذاعة، وهم يريدون غير ما يظهرون، ويسرّون غير ما يبدون، فيقول أهل كل مصر: إنا لفي عافية مما فيه الناس.

قالوا: فأتوا عثمان، فقالوا: يا أمير المؤمنين، أيأتيك عن الناس الذي يأتينا؟

قال: لا والله، ما جاءني إلاّ السلامة.

قالوا: فإنا قد أتانا... وأخبروه بالذي أسقطوا إليهم.

 

 


قال: فأنتم شركائي وشهود المؤمنين فأشيروا عليَّ.

قالوا: نشير عليك أن تبعث رجالا ممن تثق بهم الى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم.

فدعا محمد بن مسلمة، فأرسله الى الكوفة، وأرسل اُسامة بن زيد الى البصرة، وأرسل عمار بن ياسر الى مصر، وأرسل عبدالله بن عمر الى الشام، وفرّق رجالا سواهم، فرجعوا جميعاً قبل عمار! فقالوا: أيها الناس، ما أنكرنا شيئاً، ولا أنكره أعلام المسلمين، ألا إن اُمراءهم يقسطون بينهم، ويقومون عليهم.

واستبطأ الناس عماراً، حتى ظنوا أنه قد اُغتيل، فلم يفجأهم إلاّ كتاب من عبدالله بن سعد بن أبي سرح، يخبرهم أن عماراً قد استماله قوم بمصر، وقد انقطعوا إليه، منهم عبدالله بن السوداء، وخالد بن ملجم، وسودان بن حمران، وكنانة بن بشر(1).

هذه القصة أصبحت مستنداً لمعظم المؤرخين وحتى المؤلفين في الفرق والمذاهب أيضاً قديماً وحديثاً، واستغلها بعض المستشرقين الحاقدين على الاسلام للطعن عليه.

وما هو سرّ سكوت عبدالله بن سعد بن أبي سرح -والي عثمان على مصر- على ابن سبأ وعصابته وهو يرى ما يكيدون للاسلام وللخليفة، كما سكت معاوية قبله عندما قبض أبو الدرداء عليه وأخذه الى معاوية؟!

هذه بعض الأسئلة التي لن تجد عند اولئك المروجين لهذه القصة جواباً عليها، إلاّ أن يغالطوا أنفسهم ويُلغوا عقولهم وينفوا حقائق التاريخ.

____________

1- الطبري 4: 340.

 

 


وتابع محب الدين الخطيب الطبري في روايته للأحداث معلقاً عليها بقوله:

إن الطبري روى أنه كان بين عمار وعباس بن عتبة بن أبي لهب خلاف حمل عثمان على أن يؤدبهما عليه بالضرب (وبعد أن يستشهد برواية الطبري) يعلق قائلا:

ولما نظم السبئيون حركة الاشاعات، وصاروا يرسلون الكتب من كل مصر الى الأمصار الاُخرى بالأخبار الكاذبة، فأشار الصحابة على عثمان بأن يبعث رجالا ممن يثق بهم الى الأمصار حتى يرجعوا إليه بحقيقة الحال، تناسى عثمان ما كان من عمار، وأرسله الى مصر ليكون موضع ثقته في كشف حاله، فأبطأ عمار في مصر، والتفت السبئيون ليستميلوه إليهم، فتدارك عثمان وعامله في مصر هذا الأمر، وجيء بعمار الى المدينة مكرماً. وعاتبه عثمان لما قدم عليه فقال له - على ما رواه الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق-: يا أبا اليقظان، قذفت ابن أبي لهب أن قذفك... وغضبت على أن أخذت لك بحقك وله بحقه. اللهم قد وهبت ما بيني وبين اُمتي من مظلمة، اللهمّ إني متقرب اليك بإقامة حدودك في كل أحد، ولا اُبالي، اُخرج عني يا عمار! فخرج، فكان إذا لقي العوام نضح عن نفسه وانتفى من ذلك، وإذا لقي من يأمنه أقرّ بذلك وأظهر الندم، فلامه الناس وهجروه وكرهوه...(1).

فالخطيب لم يكفه أن يكون عمار تابعاً لابن سبأ، بل هو يظهره هنا منافقاً ذا وجهين، يصرّح للعوام بما في نفسه - بشكل يوحي بأنه أحد أفراد التنظيم السبئي فعلا ـ محاولا استدراج اُولئك السذج وجرّهم للإنخراط في ذلك التنظيم

____________

1- العواصم من القواصم: 87 الهامش.

 

 


التخريبي، وبذلك يصبح عمار بن ياسر - في رأي القائلين بمثل هذه المقالات- أحد العناصر الفعالة في هذا التنظيم، ثم هو بعد هذا يقابل الصحابة بوجه آخر -كما هو شأن المنافقين- فيكذب عليهم بافتعال التظاهر بالتوبة والندم، فصار مثله كمثل الذين قال الله تعالى فيهم (وإذا لقُوا الذينَ آمَنوا قالوا آمنّا وإذا خَلَوا الى شياطينهمْ قالوا إنّا مَعَكم إنّما نحنُ مُستهزؤنَ)(1).

والدكتور العش أيضاً يتابع المؤرخين، ويدلي في القضية بدلوه ويضيف الى المتآمرين عنصراً جديداً وهم اتباع عمرو بن العاص، فيقول:

اجتمع في مصر بعض الحانقين على عثمان من اتباع عمرو بن العاص الذي اُقيل من ولاية مصر، واجتمع فيها اتباع محمد بن أبي حذيفة وعمار ابن ياسر وكثير من الاعراب، فجمعوا أمرهم وخرجوا من مصر يريدون أمراً في المدينة، وخرج من الحانقين والأعراب من الكوفة والبصرة جمع غفير أيضاً يريدون نفس الشيء، وابن سبأ يجمع بين الطرفين(2).

والحافظ شمس الذهبي - من القدماء- يورد في كتابه قصة اُخرى عن الطبري بطريق سيف، ولكن دون أن يشير الذهبي الى مدى صحة هذه الرواية من عدمها، كما هي عادته في معظم الروايات الاُخرى التي يوردها في تاريخه، يقول عن محمد بن سعد: قدم عمار بن ياسر من مصر، وأبي شاك، فبلغه فبعثني اليه أدعوه، فقام معي وعليه عمامة وسخة وجبة فراء، فلما دخل على سعد قال له: ويحك أبا اليقظان، إن كنت فينا لمن أهل الخير، فما الذي بلغني عنك من سعيك في فساد بين المسلمين والتأليب على أمير المؤمنين، أمعك عقلك أم لا؟

____________

1- البقرة: 104.

2- الدولة الاُموية: 69.

 

 


فأهوى عمار الى عمامته، وغضب فنزعها وقال: خلعت عثمان كما خلعت عمامتي هذه فقال سعد: (إنَّا لله وإنّا إليه راجعونَ) ويحك حين كبرت سنك ورقّ عظمك ونفد عمرك، خلعت ربقة الاسلام من عنقك وخرجت من الدنيا عرياناً، فقال عمار مغاضباً مولياً وهو يقول: أعوذ بربّي من فتنة سعد.

فقال سعد: ألا في الفتنة سقطوا، اللهم زد عثمان بعفوه وحلمه عندك درجات منه، فإنه من الأمانة، وإني أكره أن يتعلق به الناس يتناولونه، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "الحق مع عمار مالم تغلب عليه دلهة الكبر" فقد دله وخرف(1).

يورد الذهبي هذه الرواية دونما إشارة الى أن في إسنادها سيف بن عمر الوضاع، ومبشر بن المفضل الضعيف(2)، كما يفعل مع بعض الروايات الاُخرى، حيث يذكر مدى صحتها من عدمه، ولكنه هنا يسكت عن ذلك، في الوقت الذي نجده يورد ترجمة وافية لعمار بن ياسر في نفس ذلك الجزء من تاريخه الذي يحوي هذه الرواية -تستغرق أكثر من خمسة عشر صفحة ـ يورد فيها مجموعة كبيرة من الأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة في الثناء على عمار، أكتفي برواية واحدة منها، عن عائشة، قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "عمار ما عُرض عليه أمران إلاّ اختار أرشدهما"(3).

فالنبي (صلى الله عليه وآله) يخبر أن عماراً لا يختار إلاّ الطريق الأرشد والأقوم، لكن سيف بن عمر - ومن تبعه من بعده- يجعله ضالا يختار طريق ابن اليهودية.

فهذا هو الجزاء الأوفى لعمار من اُولئك المؤلفين، بسبب تصديه للسلطة، ولم تشفع له صحبته وسابقته ولا أقوال النبي (صلى الله عليه وآله) فيه، وهذه نقطة اُخرى نثبتها

____________

1- تاريخ الاسلام 3: 434.

2- الضعفاء الكبير للعقيلي 4: 236.

3- تاريخ الاسلام 3: 569.

 

 


في سجل سيف بن عمر رداً على المدعين منافحته من الصحابة.

إننا إذا غضضنا الطرف عن سند رواية الطبري حول ابن سبأ وافترضنا أن الرواية قد جاءت بأسانيد مقبولة، فاننا حينما نحاكم متن الرواية ـ وهو الأمر الذي يغفله المؤرخون والباحثون غالباً ـ فسوف نجد أنفسنا أمام تساؤلات واستنتاجات غريبة جداً، إذا لماذا يختار عبدالله بن سبأ علي بن أبي طالب دون غيره من الصحابة ليقول فيه مقالته عن الوصية؟ أهي قرابته من النبي (صلى الله عليه وآله)؟ إن هناك أقرباء آخرين من عمومته وابنائهم، أم هي سابقته وفضله ـ مع أن هذه لا يمكن أن تكون مما يتوخاه ابن سبأ لتحقيق أهدافه ـ فان في الصحابة سابقون وأفاضل يقدّمهم الجمهور حتى على علي أو يساوونه بهم على الأقل، فلماذا علي إذاً؟

إن الاستنتاج الذي يُفترض الخروج به من ذلك، هو أن يكون ابن سبأ من أتباع علي بن أبي طالب، وربما يكون على هو الموجّه له في هذه المؤامرة وقد يكون هو الرأس المدبّر لها، وابن سبأ ينفذ تعليماته في هدم الإسلام.

وفي هذه الحالة يجب إعادة النظر في علي بن أبي طالب وفي كل ما يقال عنه وعن فضله وسابقته وإلاّ فلماذا يسكت على ابن سبأ وخبره قد ملأ الأمصار؟

أو أن يكون الاستنتاج الثاني الي يفترض أن يكون عبدالله بن سبأ على عكس الصورة التي تصورها الرواية، فهو رجل صالح قد اقتنع بشكل من الأشكال أن علياً مظلوم وأن هناك وصية حقيقية من النبي العلي وأنه كان يسعى لاعادة الحق لأصحابه. ولا اعتقد أن أيّاً من الرأيين يمكن أن يكون مقبولاً من أحد من المسلمين.

 

 


إذاً أين كان أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)، وكيف لم يواجه أحدهم ابن سبأ ويقول له من اين لك هذا الكلام وأنت لم تصحب النبي بينما نحن صحبناه وسمعناه فلم نسمع مثل ما سمعت؟

أن قضية الخلاف بين عمار وبين ابن أبي لهب ليست مبرراً يستحق الثورة ضد عثمان، فماهي الأسباب والدوافع الحقيقية لذلك يا ترى؟

أورد البلاذري بعض هذه الأسباب في روايته عن عباس بن هشام، قال:

كان بيت المال بالمدينة سفط فيه حلي وجوهر، فأخذ منه عثمان ما حلّى به بعض أهله، فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك، وكلّموه فيه بكلام شديد حتى أغضبوه، فخطب فقال:

لنأخذن حاجتنا من هذا الفيء وإن رغمت اُنوف أقوام.

فقال له علي: إذاً تُمنع من ذلك ويحال بينك وبينه.

وقال عمار بن ياسر: اُشهد الله أن أنفي أول راغم من ذلك.

فقال عثمان: أعليَّ يا بن المتكاء تجترئ؟ خذوه، فأخذوه، ودخل عثمان فدعا به فضربه حتى غشي عليه، ثم أخرج فحمل فأتي به منزل اُم سلمة زوج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلم يُصلّ الظهر والعصر والمغرب. فلما أفاق توضأ وصلى وقال: الحمد لله، ليس هذا أول يوم اُوذينا فيه في الله.

وقام هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان عمار حليفاً لبني مخزوم فقال: يا عثمان، أما عليّ فاتقيته وبني أبيه، وأما نحن فاجترأت علينا وضربت أخانا حتى أشفيت به على التلف...

ويقال: إن المقداد بن عمرو وعمار بن ياسر وطلحة والزبير في عدّة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتبوا كتاباً عددوا فيه أحداث عثمان وخوفوه ربه،

 

 


وأعلموه أنهم مواثبوه إن لم يقلع.

فأخذ عمار الكتاب وأتاه به، فقرأ صدراً منه، فقال له عثمان:

أعليَّ تقدم من بينهم؟

فقال عمار: لأني أنصحهم لك.

فقال: كذبت يابن سمية!

فقال: أنا والله ابن سيمة وابن ياسر.

فأمر غلماناً له فمدوا بيديه ورجليه، ثم ضربه عثمان برجليه وهي في الخفّين على مناكيره، فأصابه الفتق، وكان ضعيفاً كبيراً فغشي عليه.

وقد قيل: إن عثمان مرّ بقبر جديد فسأل عنه، فقيل: قبر عبدالله بن مسعود، فغضب على عمار لكتمانه إياه موته، إذ كان المتولي للصلاة عليه والقيام بشأنه، فعندها وطئ عماراً حتى أصابه الفتق.

وقد روي أيضاً أنه لما بلغ عثمان موت أبي ذر بالربذة قال:

رحمه الله، فقال عمار بن ياسر: نعم، فرحمه الله من كلُ أنفسنا، فقال عثمان: أتراني ندمت على تسييره؟

وأمر فدفع في قفاه وقال: الحق بمكانه.

فلما تهيأ للخروج جاءت بنو مخزوم الى علي فسألوه أن يكلم عثمان فيه، فقال له علي: يا عثمان، اتق الله، فإنك سيّرت رجلا صالحاً من المسلمين فهلك في تسييرك، ثم أنت الآن تريد أن تنفي نظيره.

وجرى بينهما كلام حتى قال عثمان: أنت أحقّ بالنفي منه.

فقال علي: رُم ذلك إن شئت.

واجتمع المهاجرون فقالوا: إن كنت كلّما كلّمك رجل سيّرته ونفيته، فإن

 

 


هذا شيء لا يسوغ. فكف عن عمار(1).

فالروايات مختلفة في سبب أو مناسبة ضرب عثمان لعمار، ولكنها متفقة تقريباً على قضية الضرب، وأعتقد أن اعتراضات عمار على عثمان قد تكررت، حتى غضب عثمان في إحدى المرات غضباً شديداً فأمر بضربه. إلاّ أن السؤال هو: بماذا استحق عمار أن يُضرب! هل ارتكب أمراً محرّماً أو جناية يستحق عليها العقاب؟ أم أن ذلك كان بسبب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ونصحه لعثمان، وهو أمر كان ينبغي أن يشكره له عثمان لا أن يبادر الى ضربه عليه.

إن الروايات الأكثر وثاقة من رواية سيف غير المعقولة، تبدي لنا أن اعتراضه كان إما على تصرف عثمان بن عفان في بيت المال بغير حق، أو لأنه استاء من نفي أبي ذر الى الربذة، أو أنه أراد أن ينصح لعثمان وبالاتفاق مع عدد من الصحابة لصرفه عن بعض الأعمال التي كانت من أسباب النقمة عليه ولعله يجدر بنا بهذه المناسبة أن نُذكّر القارئ برواية الصحيحين المتفق عليها حول نصح اُسامة بن زيد لعثمان وللأسباب نفسها بتحريض ودفع من بعض الصحابة، إلاّ أن الفرق ان عماراً كان أكثر جرأة في إبداء رأيه والاعتراض على الخليفة من اُسامة، فكان جزاؤه على ذلك الضرب الموجع.

فمبقارنة هذه الروايات مع رواية سيف، وبالنظر الى مجمل الأحداث في عهد عثمان يمكننا أن نكتشف الخلل في رواية الطبري عن سيف، والتي يبدو واضحاً منها أن نفس تأييد السلطة كان غالباً عليها، فهي رواية العاذرين لعثمان، ولكن على حساب صحابي كبير من السابقين الأولين، فكان الدفاع

____________

1- أنساب الأشراف 6: 161، تاريخ اليعقوبي 2: 173.

 

 


عن بعض الصحابة يستلزم من سيف أن يحط من مكانة صحابة آخرين، فظهرت بذلك إزدواجية النظرة عند المؤلفين الذين تابعوا رواية الطبري مدّعين أنها تتضمن الدفاع عن الصحابة، وكأنهم ينسون أن عمار بن ياسر - مثل أبي ذر- صحابي كبير أيضاً!

عثمان وولاته وعمّاله

إن من جملة الأسباب التي أدت الى النقمة على عثمان هو الولايات، والولاة الذين كان يختارهم عثمان لإدارتها، وفي الحقيقة فإنّ هذا المطلب يرتبط بشكل من الأشكال بالمطالب السابقة. ألا وهو سوء الإدارة الذي أدى الى اعتراض عدد من كبار الصحابة كابن مسعود وأبي ذر وعمار وغيرهم. ذلك لأن أكثر الذين كانوا سبباً في الفساد المالي والإداري، هم ولاة عثمان أنفسهم، وقد رأينا كيف تصدى أبو ذر لمعاوية الذي جعله عثمان والياً على بلاد الشام كلها، كما وكان اعتراض ابن مسعود على تولية الوليد وتصرفه في بيت المال سبباً في اعتزال ابن مسعود العمل لعثمان، كما سوف نبيّن. لقد ولّى عثمان أقاربه على أهم الولايات وأكثرها غنىً في العالم الإسلامي، فمعاوية على الشام كلها - بعد أن كان على بعضها-، وعبدالله بن سعد بن أبي سرح -أخا عثمان من الرضاعة- على مصر، والوليد بن عقبة على الكوفة، كما اتخذ عثمان مروان بن الحكم بن أبي العاص وزيراً وأغدق عليه الأموال، الى غير ذلك من الاُمور التي أثارت نقمة الناس، ولم يكن لعثمان ما يعتذر به عن ذلك، الاّ إدعاؤه محبته لأقاربه وأرحامه.

ولربما يكون هذا عذراً وجيهاً ومقبولا ويتماشى مع روح الإسلام، لو

 

 


كان هؤلاء الأقارب ممن يستحقون هذا التكريم لسابقتهم أو فضلهم وتقواهم، أو على الأقل لم يكن هناك مطعن عليهم. لكن من المؤسف أنّنا نجد أن معظم هؤلاء الولاة لم يكونوا يحملون شيئاً من هذه المؤهلات، مما أثار حفيظة معظم الصحابة.

ولقد اتبع عثمان سياسة مغايرة لسياسة سلفيه أبا بكر وعمر اللذان لم يكونا يولّيان من أقاربهما إلاّ عدداً ضئيلا جداً، أو لم يكونا يوليان أحداً منهم بتاتاً، وذلك بالقياس الى العدد الكبير الذي استعمله عثمان من أقاربه وعشيرته، "فمن بين إحدى عشرة ولاية، لم يكن لاُمية سوى ولاية واحدة، ولم يكن لقريش سوى ثلاث ولايات، ولم يكن لعدي - فرع عمر- ولاية واحدة من هذه الولايات"(1).

إلاّ أن ذلك كلّه تغيّر بعد استلام عثمان مهام الخلافة بفترة قصيرة، فبدأ يعزل ولاة عمر - من غير الاُمويين- وكان فيهم بعض الصحابة، كسعد بن أبي وقّاص الذي عزله عثمان عن ولاية الكوفة، وعمرو بن العاص الذي عزله عن ولاية مصر، فقد "كان هناك في عهد عثمان انعكاس تام للأوجه الأساسية في سياسة سلفه العظيم، ذلك انه لم يكتف بعزل الأكفاء الذين ولاّهم عمر على الولايات فحسب، بل إنّه عهد الى تعيينات جديدة إرضاء لمطالب أقاربه"(2).

لقد كان عثمان يحب أفراد عشيرته حقاً، ولكن الحب قد يتحول الى ضعف يؤدّي بدوره الى عواقب وخيمة، وهذا ما حدث فعلا. فقد استسلم عثمان لرغبات أقاربه الذين كانوا يلحّون عليه -فيما يبدو- لتسليطهم على الولايات والأمصار المهمة، مما يتيح لهم التحكم في البلاد واكتساب النفوذ

____________

1- الخلافة ونشأة الأحزاب السياسية، محمد عمارة: 96.

2- مختصر تاريخ العرب: 66.

 

 


والمال والجاه، وإرضاء لشهوة السلطة عندهم.

وفي الحقيقة فإنّ انبعاث الروح القبلية قد بدأ يتجدد في تلك الفترة، وأصبح التنافس على المفاخر أمراً مألوفاً، خصوصاً عند بني اُمية - الذين تأخر إسلام أكثرهم الى ما بعد فتح مكة - فكان ذلك سبباً في الرغبة لدى هؤلاء لكبح جماح الصحابة الذين كانوا يُدلون بسابقتهم وفضلهم من القبائل الاُخرى ومن بعض المستضعفين والموالي، وكان بنو اُمية يرون اُولئك جميعاً دونهم في الفضل والسؤدد من وجهة النظر القبلية.

"إن بني اُمية وآل أبي مُعيط كانوا يتعجلون الولاية ويحتالون في الوصول إليها، ويلحون على عثمان في أن يمهد لهم إليها الطريقة، وآية ذلك أن عثمان حينما عزل سعداً لم يول على الكوفة أحداً من كبار أصحاب النبي، لا من المهاجرين ولا من الأنصار، لم يرسل إليها طلحة ولا الزبير ولا عبدالرحمان ولا محمد بن مسلمة ولا أبا طلحة، وإنما أرسل إليها الوليد بن عقبة بن أبي معيط"(1).

فمن هو الوليد بن عقبة، وما هي مكانته، وما مقدار كفاءته وورعه حتى يولّيه عثمان مكان سعد بن أبي وقاص؟

الوليد بن عقبة

لابد لنا أن نستعرض أوّلا آراء بعض المؤلفين من القدامى والمعاصرين في الوليد، لننقل مختلف وجهات النظر -كما هو منهجنا- ثم المقارنة بين هذه الآراء على ضوء الأدلة التي نضعها بين يدي القارئ، حتى يتمكن من

____________

1- الفتنة الكبرى: 288 ضمن المجموعة.

 

 


استخلاص الحقائق منها، مع بيان بعض الدوافع الخاصة لاولئك المؤلفين، بغية الخروج بالحكم النهائي على الأحداث.

قلنا فيما سبق إن المؤلفين الأوائل قد نقلوا إلينا أخباراً متضاربة فيما يتعلق بسير الأحداث التاريخية في تلك الفترة، وقد انقسم المؤلفون فيما بعد الى تيارين، أحدهما تيار محافظ يتشبث بروايات معينة لا يريد تجاوزها الى غيرها، بينما راح آخرون يستعرضون روايات اُخرى قد تختلف أو تتعارض مع روايات الاتجاه الأول.

فممن يمثل الاتجاه الأول المحافظ، القاضي ابن العربي الذي ينبري للدفاع عن الوليد بن عقبة، ويتهم كل من يخالف رأيه بأنّه فاسد النية، إذ يقول:

وأما تولية الوليد بن عقبة، فلأن الناس - على فساد النيّات- أسرعوا الى السيئات قبل الحسنات. فذكر الاسفرائيون أنه إنما ولاّه للمعنى الذي تكلم به.

قال عثمان: ما ولّيته لأنه أخي، وإنما ولّيته لأنه إبن اُم حكيم البيضاء عمة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتوأمة أبيه...(1).

وقبل الاسترسال في عرض الآراء حول الوليد، فإنّه تستوقفنا بعض عبارات القاضي ابن العربي، فهو يتّهم الناس - لفساد نياتهم- بأنهم يسارعون الى ذكر السيئات قبل الحسنات، ويعبر عن هذه الآراء بعبارة - للمعنى الذي تكلم به- الغامضة.

ولم يذكر ابن العربي أسماء الناس من أصحاب النوايا الفاسدة، فهل هم اُناس عاديون، أم هم جملة من الائمة العلماء الذين ذكروا أخبار الوليد وأدلوا بآرائهم فيه -كما سوف يتبين فيما بعد- فهل كل هؤلاء من أصحاب النوايا

____________

1- العواصم من القواصم: 98.

 

 


الفاسدة؟!

وأما احتجاج ابن العربي، بأن عثمان قد ولّى الوليد لأنه ابن البيضاء عمة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، -وهذا هو ما ادعاه عثمان- فهو احتجاج شديد التهافت، لأن في الصحابة من هو أكثر قرابة وأمس رحماً بالنبي من الوليد بن عقبة، ولو أننا أعرضنا عن أقارب النبي المقربين، كعلي بن أبي طالب أو ابن عباس أو غيرهما، فالزبير بن العوام كان ابن صفية، وهي عمة النبي (صلى الله عليه وآله) أيضاً، فضلا لما للزبير من فضل على الوليد في الصحبة والسابقة!

أما العذر الآخر الذي يحاول ابن العربي أن يلتمسه لعثمان في تولية الوليد، فهو:

" إن الولاية اجتهاد، وقد عزل عمر بن سعد بن أبي وقاص وقدّم أقل منه درجة "(1).

ولكن عمر بن الخطاب لم يكن ليعزل والياً كسعد بن أبي وقاص، إلاّ أن اشتكى منه أهل الكوفة وطلبوا الى الخليفة عزله عنهم، وكان عمر يراعي مشاعر الناس، فلا يفرض عليهم والياً وهم له كارهون. "وكانت الأمصار في عهد عمر تسخط أحياناً على ولاتها، ولا سيما في العراق، غير أن حنكة عمر وسياسته الصائبة كانت لا تسمح للامتعاض أن يتحول الى فتنة وعصيان، حيث كان الخليفة عمر يسارع الى عزل غير المرغوب فيه من ولاته - الذين كانوا يرهبون جانبه، مهما كانت مكانتهم- بعد التأكد من عدم جدوى بقائهم، ولكن عثمان رغم علمه بسوء تصرف ولاته وموظفيه، أصرّ على بقائهم مما زاد في نقمة الساخطين عليه"(2).

____________

1- العواصم من القواصم: 100.

2- موجز تاريخ العرب والاسلام، د. حسين قاسم العزيز: 158.

 

 


لذا فإن عمر لم يواجه مشكلة كبيرة بهذا الصدد، فضلا عن أنه كان لا يختار أمثال الوليد بن عقبة لإدارة الولايات.

وعند استعراض آراء المؤلفين نجد بعضهم أو معظمهم يكيلون للوليد ابن عقبة من المدائح ما يفوق التصور، ويظهرونه في صورة البطل الاُسطوري صاحب المآثر الخالدة، معتقدين بأن ذلك يمكن أن يكون عذراً وجيهاً يبين صحة موقف الخليفة من توليته للوليد بن عقبة، وإلقاء اللوم كله على الذين ثاروا على هذه التولية، وبالتالي يصبح المسؤول الأول عن سير الأحداث المأساوية التي أدت الى إشعال نار الفتنة، هم الرعية، ولا دخل للسلطة في وقوع شيء من ذلك، ومن الأمثلة على ذلك قول بعضهم: عثمان ما حاد عن الحق في سيرته، ولا فارق الجادة في خلافته، ولا خالف قواعد العدل في سياسته(1).

قلنا: أن الأعذار التي ساقها ابن العربي لتصحيح تولية الوليد بن عقبة، لم تكن مقنعة على الاطلاق، لذا انبرى الشيخ محب الدين الخطيب -كعادته- الى إعطاء تفصيلات أكثر عن الوليد بن عقبة بقوله:

قد يظن من لا يعرف صدر هذه الاُمة، أن أمير المؤمنين عثمان جاء بالوليد بن عقبة من عرض الطريق فولاّه الكوفة. أما الذين أنعم الله عليهم بنعمة الاُنس بأحوال ذلك العصر وأهله، فيعلمون أن دولة الإسلام الاُولى من خلافة أبي بكر، تلقفت هذا الشاب الماضي العزيمة! الرضي الخلق! الصادق الإيمان! فاستعملت مواهبه في سبيل الله، الى أن توفي أبو بكر.

وأول عمل له في خلافة أبي بكر، أنه كان موضع السر في الرسائل الحربية

____________

1- تاريخ الدولة العربية. ثابت الراوي: 242.

 

 


التي دارت بين الخليفة وقائده خالد بن الوليد في وقعة (المذار) مع الفرس سنة (12 هـ)، ثم وجهه مدداً الى قائده عياض بن غنم الفهري.

وفي سنة (13 هـ) كان الوليد يلي لأبي بكر صدقات قضاعة.

ثم لما عزم الصديق على فتح الشام، كان الوليد عنده بمنزلة عمرو بن العاص في الحرمة والثقة والكرامة، فكتب الى عمرو بن العاص والى الوليد ابن عقبة يدعوهما لقيادة فيالق الجهاد، فسار ابن العاص بلواء الإسلام نحو فلسطين، وسار الوليد بن عقبة قائداً الى شرق الأردن.

ثم رأينا الوليد في سنة (15 هـ) أميراً على بلاد بني تغلب وعرب الجزيرة، يحمي ظهور المجاهدين في شمال الشام لئلا يؤتوا من خلفهم، فكانت تحت قيادته ربيعة وتنوخ، مسلمهم وكافرهم.

وانتهز الوليد بن عقبة فرصة ولايته وقيادته على هذه الجبهة التي كانت لا تزال مليئة بنصارى القبائل العربية - فكان مع جهاده الحربي وعمله الإداري- داعياً الى الله، يستعمل جميع أساليب الحكمة والموعظة الحسنة لحمل نصارى أياد وتغلب على أن يكونوا مسلمين كسائر العرب. وهربت منه أياد الى الأناضول وهو تحت حكم البيزنطين، فحمل الوليد خليفة عمر على كتابة كتاب تهديد الى قيصر القسطنطينية بأن يردهم الى حدود الدولة الإسلامية.

وحاولت تغلب أن تتمرد على الوليد في نشر الدعوة الإسلامية بين شبابها وأطفالها، فغضب غضبته المضرية المؤيدة بالإيمان الإسلامي، وقال فيهم كلمته المشهورة:

 

إذا ما عصبت الرأس مني بمشوذ

فغيّك مني تغلب ابنة وائل

 

وبلغت هذه الكلمة عمر، فخاف أن يبطش قائده الشاب بنصارى تغلب،

 

 


فيفلت من يده زمامهم، في الوقت الذي يحاربون فيه مع المسلمين حمّية للعروبة، فكف عنهم يد الوليد ونحاه عن منطقتهم.

وبهذا الماضي المجيد، جاء الوليد في خلافة عثمان فتولى الكوفة له، وكان من خير ولاتها عدلا ورفقاً وإحساناً، وكانت جيوشه مدة ولايته على الكوفة تسير في آفاق الشرق فاتحة ظافرة موفقة...(1).

على الرغم من أن المصدر الذي اعتمده الشيخ محب الدين الخطيب، هو تاريخ الطبري برواية سيف بن عمر، فإن الدور الذي قام به الوليد في المراسلات الحربية بين خالد بن الوليد وبين الخليفة أبي بكر ليس بمثل هذا التهويل الذي يوحي به الشيخ الخطيب، فعندما نراجع رواية الطبري - في ذكر حوادث سنة (12 هـ) - نجد ما يلي:

ولما انتهى الخبر الى خالد عن قارن، قسّم الفيء على من أفاءه الله عليه، ونفَّل من الخمس ما شاء الله، وبعث ببقيته وبالفتح الى أبي بكر، وبالخبر عن القوم وباجتماعهم الى الثني المغيث المغاث، مع الوليد بن عقبة...(2).

وعلى الرغم من أن سيف بن عمر قد انفرد بذكر دور الوليد بن عقبة في هذه الواقعة - خلافاً لجميع المؤرخين- فإنّ الدور لو صحّ للوليد، لوجدناه دور مراسل حربي مكلف بإيصال رسالة من قائد عسكري الى الخليفة يخبره بسير المعركة ونتائجها، وهو دور قد قام به آلاف المسلمين على مرّ العصور، فلم يستحقوا عليه هذا التكريم الذي يخص به الشيخ الخطيب الوليد بن عقبة.

أما الاعمال الاسطورية التي يذكرها الخطيب للوليد، فهي أيضاً مما انفرد به سيف بن عمر، وخالفه فيها بقية المؤرخين.

____________

1- العواصم من القواصم: 98 هامش: 108.

2- تاريخ الطبري 3: 351.

 

وحتى الطبري نفسه، قد أخرج روايات بغير طريق سيف، ليس فيها ذكر للوليد بن عقبة ولا أثر، فقد أخرج عن أبي زيد(1):

أن أبا بكر وجّه بعد خروج يزيد بن أبي سفيان موجهاً الى الشام بأيام، شرحبيل بن حسنة... فسار في سبعة آلاف. ثم أبا عبيدة بن الجراح في سبعة آلاف، فنزل يزيد البلقان. ونزل شرحبيل الاردن -ويقال بصرى- ونزل أبو عبيدة الجابية، ثم أمدهم بعمرو بن العاص، فنزل بغمر العربات.

ثم رغب الناس في الجهاد، فكانوا يأتون المدينة فيوجههم أبو بكر الى الشام، فمنهم من يصير مع أبي عبيدة، ومنهم من يصير مع يزيد، يصير كل قوم مع من أحبوا(2).

كما وروى الطبري عن ابن حميد بسنده:

لما قفل أبو بكر من الحج سنة اثنتي عشرة، جهّز الجيوش الى الشام، فبعث عمرو بن العاص قبل فلسطين، فأخذ طريق المعرقة على أيلة، وبعث يزيد بن أبي سفيان وأبا عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة -وهو أحد الغوث- وأمرهم أن يسلكوا التبوكية على البلقاء من علياء الشام.

كما وروى عن عمر بن شبه أيضاً قال:

ثم وجه أبو بكر الجنود الى الشام أول سنة ثلاث عشرة، فأول لواء عقده لواء خالد بن سعيد بن العاص، ثم عزله قبل أن يسير، وولّى يزيد بن أبي سفيان، فكان أول الاُمراء الذين خرجوا الى الشام، وخرجوا في سبعة آلاف(3).

____________

1- هو عمر بن شبَه.

2- تاريخ الطبري 3: 406.

3- الطبري 3: 387.


 


وقال المسعودي:

ولما أنفذ أبو بكر الاُمراء الى الشام، كان فيما أوصى به يزيد بن أبي سفيان وهو مشيّع له، فقال له: إذا قدمت على أهل عملك فعدهم الخير وما بعده...(1)

وقال اليعقوبي:

ثم نادى في الناس بالخروج، وأميرهم خالد بن سعيد... فحلّ لواءه، ودعا يزيد بن أبي سفيان، وأبا عبيدة بن الجراح، وشرحبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص، فعقد لهم وقال: إذا اجمعتم فأمير الناس أبو عبيدة(2).

وقال البلاذري: لما فرغ أبو بكر من أمر أهل الردّة، رأى توجيه الجيوش الى الشام، فكتب الى أهل مكة، والطائف، والعين، وجميع العرب بنجد والحجاز يستنفرهم للجهاد ويرغبهم فيه وفي غنائم الروم.

فسارع الناس إليه من بين محتسب وطامع، وأتوا المدينة من كل حدب، فعقد ثلاثة ألوية لثلاثة رجال: خالد بن سعيد بن العاصي بن اُمية، وشرحبيل ابن حسنة حليف بني جمح، وعمرو بن العاص بن وائل السهمي(3).

فنلاحظ أن الروايات - حتى التي أوردها الطبري ولكن بغير طريق سيف -وكذلك في باقي المصادر التاريخية المهمة، لا تذكر الوليد بن عقبة هذا في جملة القادة الذين أرسلهم أبو بكر لفتح الشام أو غيرها، كما ولا نجد شيئاًمن تلك المآثر التي يوردها له الشيخ الخطيب في أية رواية اُخرى ولا في أي مصدر آخر، إلاّ اللهم استعماله على صدقات قضاعة، وهو عمل يمكن أن

____________

1- مروج الذهب 3: 44.

2- تاريخ اليعقوبي 2: 133.

3- فتوح البلدان: 115.

 

 


يقوم به أيُّ شخص.

ولقد نبّه الطبري نفسه القارئ الى مخالفة روايات سيف لبقية الروايات في بعض المواضع -كما في حادثة فتح الأبلة ـ فبعد أن يذكر رواية سيف عنها، يقول: وهذه القصة في أمر الأبلة وفتحها خلاف ما يعرف أهل السير، وخلاف ما جاءت به الآثار الصحاح(1).

وهنا لابد وأن يقف الباحث مستغرباً هذا الدفاع المستميت عن الوليد من قبل بعض المؤلفين الذين يعرضون عن الروايات الاُخرى التي وردت عند الطبري وعند المؤرخين الآخرين، والتي تخالف رواية سيف، وما سرّ دفاع سيف عن الوليد بن عقبة، ومن هم أصحاب النوايا الفاسدة الذين يذكرون سيئات الوليد قبل حسناته الوهمية؟..

حقيقة الوليد بن عقبة

بعد أن أوردنا إجماع المؤرخين - عدا الطبري برواية سيف فقط- على نفي حسنات الوليد الاسطورية، حان الوقت لايراد جملة من الأخبار عن سيئاته التي يتصدى ابن العربي وغيره لنفيها، فلنبدأ بمقولة ابن العربي، حيث يقول:

وأما الوليد، فقد روى بعض المفسرين أن الله أسماه فاسقاً في قوله: (إنْ جاءكُمْ فاسقٌ بنبأ فتبيّنوا أَنْ تُصيبوا قوماً بجهالة)(2).

فإنّها -في قولهم- نزلت فيه. أرسله النبي (صلى الله عليه وآله) الى بني المصطلق، فأخبر عنهم أنهم ارتدوا، فأرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليهم خالد بن الوليد فتثبت في

____________

1- الطبري 3: 35.

2- سورة الحجرات: 6.

 

 


أمرهم، فبيّن بطلان قوله.

وقد اُختلف فيه، فقيل: نزلت في ذلك، وقيل: في عليّ والوليد في قصة اُخرى.

وقيل: إن الوليد سيق يوم الفتح في جملة الصبيان الى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فمسح رؤوسهم وتبرك عليهم، إلاّ هو، فقال: إنه كان على رأسي خلوق، فامتنع (صلى الله عليه وآله) من مسه.

فمن يكون في مثل هذه السن يُرسل مصدقاً!(1).

ثم يتصدى الشيخ محبّ الدين الخطيب معلقاً على قول ابن العربي:

كنت فيما مضى أعجب كيف تكون هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة، ويسميه الله فاسقاً، ثم تبقى له في نفس خليفتي رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبي بكر وعمر المكانة التي سجلها له التاريخ، وأوردنا الأمثلة عليها في هامش ص98 عند استعراضنا ماضيه في بضعة عشر عاماً قبل أن يوليه عثمان الكوفة.

إن هذا التناقض - بين ثقة أبي بكر وعمر بالوليد بن عقبة، وبين ما كان ينبغي أن يعامل به لو أن الله سماه فاسقاً- حملني على الشك في أن تكون الآية نزلت فيه، لا استبعاداً لوقوع أمر من الوليد يعد به فاسقاً، ولكن استبعاداً لأن يكون الموصوم بالفسق في صريح القرآن محل الثقة من رجلين لا نعرف في أولياء الله عزّوجل بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) من هو أقرب الى الله منهما...(2).

هذا التناقض الّذي صيّر الشيخ الخطيب، مرجعه إلى استناده إلى رواية سيف بن عمر حول استعمال أبي بكر وعمر للوليد بن عقبة، مع ان أي رواية

____________

1- العواصم من القواصم: 102.

2- العواصم من القواصم، هامش: 115.

 

 


اُخرى وفي أي مصدر تاريخي موثوق، لم تُشر الى هذا الاستعمال كما أسلفنا.

ولكي نزيل شكوك الخطيب ومن قبله ابن العربي في قضية نزول الآية في الوليد بن عقبة، فإننا نلفت انتباه القارئ أولا الى أن ابن العربي قد خلط بين قصتين في تفسير آيتين، ولا أدري أذاك عن جهل منه -وهو الإمام المفسر- أم تعمد. فالآية التي نزلت في الوليد وفسقه هي الآية السادسة من سورة الحجرات، والتي ذكر القاضي قصتها كما أوردها المفسرون.

أما قوله تعالى (أفمَنْ كانَ مؤمناً كمنْ كانَ فاسقاً لا يَستَوونَ)، فهي الآية الثامنة عشرة من سورة السجدة، وقصتها عن ابن عباس قال:

قال الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط لعلي بن أبي طالب(رضي الله عنه): أنا أحدُّ منك سناناً، وأبسط منك لساناً، وأملأ للكتيبة منك، فقال له علي: اسكت فإنما أنت فاسق. فنزل (أفمن...) الآية. قال: يعني بالمؤمن علياً، وبالفاسق الوليد بن عقبة(1).

فالقرآن الكريم قد أخبر عن فسق الوليد، ثم أكد ذلك في آية اُخرى.

قال ابن عبد البر:

ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن - فيما علمت- أن قوله عزّوجل (إنْ جاءَكُمْ فاسقٌ بنبإ) نزلت في الوليد بن عقبة، -ومن حديث الحكم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: نزلت في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة في قصة ذكرها (أَفمنْ كانَ مُؤمناً كمنْ كانَ فاسِقاً لا يَستوونَ).

ثم ولاّه عثمان الكوفة، وعزل عنها سعد بن أبي وقاص، فلمّا قدم الوليد

____________

1- أسباب نزول القرآن للواحدي: 362، وانظر ما قاله المفسرون في تفسير الآية.

 

 


على سعد، قال له سعد: والله ما أدري أكست بعدنا أم حمقنا بعدك!

فقال: لا تجزعن أبا إسحاق، فإنما هو الملك، يتغداه قوم ويتعشاه آخرون!

فقال سعد: أراكم والله ستجعلونها ملكاً.

وروى جعفر بن سليمان، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، قال: لما قدم الوليد بن عقبة أميراً على الكوفة، أتاه ابن مسعود فقال له:

ما جاء بك؟

قال: جئت أميراً.

فقال ابن مسعود: ما أدري أصلحت بعدنا أم فسد الناس؟

وله أخبار فيها نكارة وشناعة تقطع على سوء حاله وقبح أفعاله..

وكان الأصمعي وأبو عبيدة وابن الكلبي وغيرهم يقولون:

كان الوليد بن عقبة فاسقاً شريب خمر... وخبر صلاته بهم وهو سكران، وقوله: أزيدكم - بعد أن صلى الصبح أربعاً- مشهور من رواية الثقات من نقل أهل الحديث وأهل الأخبار..

وقد روي - فيما ذكر الطبري- أنه تعصب عليه قوم من أهل الكوفة بغياً وحسداً، وشهدوا عليه زوراً أنه تقيأ الخمر، وذكر القصة وفيها: إن عثمان قال له: يا أخي إصبر، فإنّ الله يأجرك ويبوء القوم بإثمك.

وهذا الخبر من نقل أهل الأخبار(1)، ولا يصح عند أهل الحديث، ولا له عند أهل العلم أصل(2).

وقال ابن الأثير:

____________

1- الذي نقل هذا الخبر، هو سيف بن عمر.

2- الاستيعاب في معرفة الاصحاب 4: 1552.

 

 


روى عمر بن شبة... قال: صلى الوليد بن عقبة بأهل الكوفة صلاة الصبح أربع ركعات ثم التفت اليهم فقال: أزيدكم؟

فقال عبدالله بن مسعود: ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم...(1)

وقال ابن حجر:

وقصة عزله بعد أن ثبت عليه شرب الخمر مشهورة أيضاً مخرجة في الصحيحين(2).

وقال أيضاً:

والرجل فقد ثبتت صحبته، وله ذنوب أمرها إلى الله تعالى(3).

وقال ابن أبي الحديد المعتزلي:

كان الوليد زانياً يشرب الخمر، فشرب بالكوفة وقام يصلي بهم الصبح في المسجد الجامع، فصلى بهم أربع ركعات ثم التفت إليهم فقال: أزيدكم؟ وتقيأ في المحراب بعد أن قرأ بهم رافعاً صوته في الصلاة:

 

علقَ القلبُ الربابا

بعد ما شابت وشابا(4)

 

فهذه الطائفة من أقوال بعض الأئمة الأعلام، يثبتون فيها خبر نزول الآية في الوليد بن عقبة، ويؤكدون فساد حاله وشربه للخمر، فهل هؤلاء أيضاً من أصحاب النيات الفاسدة الذين يشير اليهم ابن العربي؟! وفيهم أمثال الشيخين البخاري ومسلم وابن حجر وابن الأثير وابن عبد البر وغيرهم.

____________

1- اُسد الغابة 4: 675.

2- الاصابة في تمييز الصحابة 6: 321.

3- تهذيب التهذيب 11: 125.

4- شرح نهج البلاغة 17: 230.

 

 


التشبث بقشة الغريق

لم يكتف الشيخ الخطيب بهذا الدفاع المستميت عن الوليد بن عقبة، فعلق على قضية سن الوليد بن عقبة بقوله:

هذا الحديث عن سن الوليد بن عقبة يوم فتح مكة رواه الامام أحمد في مسنده... وعلى روايته وأمثالها اعتمد القاضي ابن العربي في الحكم على سن الوليد بن عقبة بأنه كان صبياً عند فتح مكة، وأن الذي نزلت فيه آية (إن جاءكم فاسق بنبأ) هو شخص آخر.

ومن عجيب أمر الذين كان لهم هوىً في تشويه سمعة هذا الصحابي الشاب المجاهد الطيب النفس الحسن السيرة في الناس! أنهم حاولوا إدحاض حجة صغر سنه في ذلك الوقت بخبر آخر روي عن قدومه مع أخيه عمارة الى المدينة في السنة السابعة للهجرة، ليطلبا من النبي (صلى الله عليه وآله) ردّ أُختهما اُم كلثوم الى مكة.

وأصل هذا الخبر - إن صح - مقدم فيه اسم عمارة على إسم الوليد، وهذا مما يستأنس به في أن عمارة هو الأصل في هذه الرحلة. وأن الوليد جاء في صحبته، وأي مانع يمنع قدوم الوليد صبياً بصحبة أخيه الكبير.. فإذا تقرر عندك أن جميع الأخبار الواردة بشأن الوليد بن عقبة في سبب نزول آية (إن جاءكم فاسق بنبأ) لا يجوز علمياً أن يبنى عليها حكم شرعي أو تاريخي.

وإذا أضفت إلى ذلك حديث مسند الإمام أحمد عن سن الوليد في سنة الفتح، يتبين لك بعد ذلك حكمة استعمال أبي بكر وعمر للوليد، وثقتهما به

 

 


واعتمادهما عليه مع أنه كان لا يزال في صدر شبابه(1).

إن محب الدين الخطيب يظل متشبثاً بقشة الغريق، وكلما حاول إخراج نفسه من ورطة أوقعها في أدهى منها، فهل سأل نفسه إذا كان سن الوليد عند فتح مكة صغيراً -أي أنه كان طفلا- لا يصلح لأن يرسله النبي (صلى الله عليه وآله) مصدقاً، فكم هي المدة بين فتح مكة وبين تولي أبي بكر الخلافة؟!

أفبهذه السرعة صار الوليد رجلا في خلافة أبي بكر -أي بعد ثلاث سنوات فقط- وظهرت مواهبه وعبقريته الفذّة فجأة، حتى صار موضع ثقة أبي بكر ومن بعده عمر، فراحا يوليانه هذه المناصب المهمة!!

وأما كون الوليد صبياً عند فتح مكة، فقد قال الحافظ ابن عبد البر في ذلك:

وهذا الحديث رواه جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، عن أبي موسى الهمداني، ويقال الهمداني، كذلك ذكره البخاري على الشك عن الوليد ابن عقبة.

قالوا: وأبو موسى هذا مجهول، والحديث منكر مضطرب لا يصح، ولا يمكن أن يكون من بعث مصدقاً في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) صبياً يوم الفتح، ويدل أيضاً على فساد ما رواه أبو موسى المجهول، أن الزبير وغيره من أهل العلم بالسير والخبر ذكروا أن الوليد وعمارة بن عقبة، خرجا ليروا اُختهما أُم مكتوم عن الهجرة، فكانت هجرتها في الهدنة بين النبي (صلى الله عليه وآله) وبين أهل مكة، ومن كان غلاماً مخلقاً يوم الفتح، ليس يجيء منه مثل هذا...(2).

وقد أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) بأن الوليد من أهل النار -وهي من دلائل النبوة- وذلك فيما جاءت به الأخبار من أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان قد توعّد عقبة بن أبي معيط بعد أن

____________

1- العواصم من القواصم: 103 هامش: 117.

2- الاستيعاب 4: 1552.

 

 


اشتد أذاه لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما أسره النبي (صلى الله عليه وآله) أخذه "حتى إذا كان بعرف الظبية، قتل عقبة بن أبي معيط، فقال حين أمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يُقتل: فمن للصبية يا محمد؟ قال: "النار"(1).

مروان بن الحكم

لقد كان لمروان بن الحكم دور رئيس في مسيرة الأحداث الدامية دون شك. وقبل التطرق الى دور هذا الرجل في الفتنة، يجدر بي أن أستعرض أقوال بعض المؤلفين فيه ومواقفهم منه، وإصرار هؤلاء على إظهار مروان على غير صورته الحقيقية وتبرأته هو الآخر مما وقع من أحداث.

يقول القاضي ابن العربي فيه:

مروان رجل عدل من كبار الاُمة عند الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين.

أما الصحابة فإنّ سهل بن سعد الساعدي روى عنه، وأما التابعون فأصحابه في السن، وإن كان جاوزهم باسم الصحبة في أحد القولين، وأما فقهاء الأمصار فكلهم على تعظيمه، واعتبار خلافه، والتلفت الى فتواه والانقياد الى روايته، وأما السفهاء من المؤرخين والأدباء فيقولون على أقدارهم(2).

لو كان الأمر متوقفاً على المؤرخين والاُدباء - حتى غير السفهاء- لهان الأمر، لكن صورة مروان بن الحكم التي ينقلها إلينا ثقاة العلماء والمحدثون، أكثر جهامة مما يقوله المؤرخون والاُدباء.

فقد أخرج كبار المحدثين روايات تكشف عن البدع التي أحدثها مروان

____________

1- تاريخ الطبري 2: 459 ذكر وقعة بدر الكبرى، الكامل في التاريخ 2: 74 ذكر المستهزئين ومن كان اشد الأذى للنبي(ص)، تاريخ الاسلام للذهبي: المغازي: ص 64 - 65.

2- العواصم من القواصم: 101.

 

 


في الاسلام، فضلا عن جرائم قتل لبعض كبار الصحابة، وهي كلها مسجلة في كتب الحديث، والتي تكشف أيضاً عن سوء رأي بعض كبار الصحابة في مروان واتهامهم إياه.

ففي الصحيحين -واللفظ للبخاري- عن أبي سعيد الخدري قال:

كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخرج يوم الفطر والأضحى الى المصلى، فأول شيء يبدأ به: الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم. فإن كان يريد أن يقطع بعثاً قطعه، أو يأمر بشيء أمر به ثم ينصرف، فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبرٌ بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، فجبذت بثوبه فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلاة; فقلت له: غيّرتم والله! فقال: يا أبا سعيد، قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم; فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة!!(1).

وفي لفظ الإمام أحمد، قال: فقام رجل فقال: يا مروان خالفت السنّة! أخرجت المنبر يوم عيد ولم يك يُخرج به في يوم عيد، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة ولم يكن يُبدأ بها! قال: فقال أبو سعيد الخدري: من هذا؟ قالوا: فلان ابن فلان.

قال: فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: "من رأى منكم منكراً فإن استطاع أن يغيّره بيده فليفعل". وقال مرة: "فليغيّره بيده فإن لم يستطع بيده فبلسانه فإن لم يستطع بلسانه فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"(2).

____________

1- صحيح البخاري 2: 22 باب الخروج الى المصلى بغير منبر، صحيح مسلم 2: 605 كتاب صلاة العيدين.

2- مسند أحمد 3: 10.

 

 


هذه الرواية وأمثالها مما أخرجه كبار المحدثين -ويكفي اتفاق الشيخين عليها- تشير إلى اُمور منها:

إن مروان بن الحكم قد تعمد تغيير السنّة النبوية الشريفة في صلاة العيدين ومخالفة النبي (صلى الله عليه وآله) ومن جاء بعده بالصلاة قبل الخطبة، فجعل الخطبة قبل الصلاة، ولم يكن ذلك عن سهو أو خطأ منه -كما يدل لفظ الرواية- حيث إنه أصرّ على فعله بعد تنبيه أبي سعيد الخدري له، وقوله: قد ذهب ما تعلم، يدل على إصراره على تغيير السنّة النبوية، وكأن هذه السنّة قد صارت عفا عليه الزمن وينبغي تغييره.

كما وأن تبرير مروان عمله ذلك بأن الناس لم يكونوا يجلسون لسماع الخطبة بعد الصلاة، فإن هذا لهو أكبر دليل على أن أهل المدينة -وفيهم بقية الصحابة وخيار التابعين- لم يكونوا يعتقدون بصلاح مروان وعدالته ونصحه للاُمة حتى يستمعوا إليه.

كما وأن شهادة أبي سعيد الخدري للرجل الذي عارض مروان في إخراج المنبر بأنه قد أدى الذي عليه بالنهي عن المنكر، واستشهاده بقول النبي (صلى الله عليه وآله) لأكبر دليل على اعتقاد هذا الصحابي بأن مروان بن الحكم ممن يأتون المنكر الذي أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بتغييره.

ولم يكن أبو سعيد الخدري الصحابي الوحيد الذي يعتقد بعدم صلاح مروان بن الحكم، بل كان ذلك رأي جلّ الصحابة، ويدل على ذلك ما أخرجه الامام أحمد أيضاً، عن داود بن أبي صالح قال:

أقبل مروان يوماً فوجد رجلا واضعاً وجهه على القبر; فقال: أتدري ما تصنع؟ فأقبل عليه، فإذا هو أبو أيوب; فقال: نعم، جئت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم آتِ

 

 


الحجر! سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: "لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله"(1).

فها هو الصحابي الكبير أبو أيوب الأنصاري يعرّض بمروان بن الحكم ويتّهمه بأنه ليس من أهل الدين.

وأما كتب التراجم، فهي طافحة بذكر نتف من أخباره بما لا يُسرّ ابن العربي وأضرابه، فقد قال ابن عبد البر في ترجمته:

ولد على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) سنة اثنتين من الهجرة... ولم يره لأنه خرج الى الطائف طفلا لا يعقل، وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان قد نفى أباه الحكم إليها، فلم يزل بها حتى ولي عثمان، وتوفي أبوه فاستكتبه عثمان، وكتب له، فاستولى عليه، الى أن قُتل عثمان، ونظر إليه عليٌّ يوماً، فقال له: ويلك، وويل اُمة محمد منك ومن بنيك إذا ساءت درعك.

وكان مروان يقال له (خيط باطل)، وضُرب به يوم الدار على قفاه، فجرى لقبه، فلما بويع له بالامارة، قال فيه أخوه عبدالرحمان بن الحكم - وكان ماجناً شاعراً محسناً- وكان لا يرى رأي مروان:

 

لحا الله قوماً أمَّروا خيط باطل

على الناس يعطي ما يشاء ويمنع(2)

 

وقال ابن عبدالبر في شرحه لمعنى قول عبدالرحمان بن حسان بن ثابت في عبدالرحمان بن الحكم يهجوه:

____________

1- مسند أحمد 5: 422، المستدرك 4: 512، مجمع الزوائد 4: 2، وفاء الوفا 4: 1359، شفاء الاسقام: 126، المنتقى لابن تيمية 2: 161.

2- الاستيعاب 3: 444.

 

 


 

إن الّلعين أبوك فارم عظامه

إن تَرمِ ترمِ مخلّجاً مجنونا

يمسي خميص البطن من عمل التقى

ويظل من عمل الخبيث بطينا

 

فأما قول عبد الرحمان بن حسان إن اللعين أبوك; فروي عن عائشة من طرق ذكرها ابن أبي خيثمة وغيره أنها قالت لمروان، إذ قال في أخيها عبدالرحمان ما قال: أما أنت يا مروان فأشهد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعن أباك وأنت في صلبه(1)..

وقال ابن الأثير:

وتزوج مروان أُم خالد بن يزيد ليضع من خالد.

وقال يوماً لخالد: يابن الرطبة الاست. فقال له خالد: أنت مؤتمن خائن. وشكى خالد ذلك يوماً إلى أُمه، فقالت: لا تُعلمه أنك ذكرته لي. فلما دخل إليها مروان، قامت إليه مع جواريها فغمّته حتى مات... وهو معدود فيمن قتله النساء.

كما روى عن جبير بن مطعم، قال: كنا مع النبي (صلى الله عليه وآله) فمرّ الحكم بن أبي

____________

1- الاستيعاب 1: 415، أُسد الغابة ترجمة مروان بن الحكم. وفي مستدرك الحاكم 4: 481 عن محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية لابنه يزيد قال مروان: سنة أبي بكر وعمر، فقال عبدالرحمان بن أبي بكر، سنة هرقل وقيصر، فقال: أنزل الله فيك (والذي قال لوالديه أُف لكما)، قال: فبلغ عائشة(رض) فقالت: كذب والله، ما هو به، ولكن رسول الله(ص) لعن أبا مروان ومروان في صلبه، فمروان فضض من لعنة الله عزّوجل. وانظر السنن الكبرى للنسائي 6: 485 ح 18491 صحيح البخاري 6: 167 تفسير سورة الاحقاف، ارشاد الساري 11: 69، الكشاف للزمخشري 4: 304، الفائق في غريب الحديث 4: 102، التفسير الكبير للرازي 28: 523 الجامع لاحكام القرآن للقرطبي 16: 131 تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4: 159، الدر المنثور 6: 41، فتح القدير 5: 21 تفسير الآلوسي 26: 20، الاجابة للزركشي: 129، اسد الغابة 2: 38 رقم 1217 السيرة الحلبية 1: 337، سيرة دحلان 1: 117 هامش الحلبية، حياة الحيوان للدميري 2: 399.

 

العاص، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): "ويلٌ لاُمتي مما في صلب هذا"(1).

مروان وطلحة

لم يقتصر مروان بن الحكم على مخالفة السنّة النبوية الشريفة فحسب، بل تعداه الى قتل الصحابة أيضاً، إلاّ أن من المستغرب أن يحاول بعض المؤلفين تبرأة مروان من هذا الفعل، فقد قال القاضي ابن العربي، في معرض حديثه عن أحداث معركة الجمل:

وقد روي أن مروان لما وقعت عينه في الاصطفاف على طلحة قال: لا أطلب أثراً بعد عين، ورماه بسهم فقتله. ومن يعلم هذا إلاّ علاّم الغيوب، ولم ينقله ثبت! وقد روي أنه أصابه سهم بأمر مروان، لا أنه رماه(2).

ويمكننا ملاحظة بعض الاُمور على مقولة ابن العربي، وهي ادعاؤه أولا أن هذا الخبر لم ينقله ثبت، وثانياً: محاولته تبرير عمل مروان بأنه لم يباشر قتل طلحة بنفسه، بل أمر من يرميه بسهم قاتل. ولا أدري ما الفرق بين أن يباشر المرء القتل بنفسه وبين أن يوكله الى من ينفذه نيابة عنه!

أما محب الدين الخطيب، فيعلق على الخبر بقوله:

آفة الآخبار رواتها، وفي العلوم الاسلامية علاج آفة الكذب الخبيثة، فإن كل راوي خبر يطالبه الاسلام بأن يعين مصدره على قاعدة من أين لك هذا؟

ولا تعرف اُمة مثل هذه الدقة في المطالبة بمصادر الأخبار كما عرفه المسلمون، ولا سيّما أهل السنّة منهم، وهذا الخبر من طلحة ومروان لقيط، لا

____________

1- اُسد الغابة 1: 514.

2- العواصم من القواصم: 160.

 

 


يُعرف أبوه ولا صاحبه، وما دام لم ينقله ثبت بسند معروف عن رجال ثقات، فإن للقاضي ابن العربي أن يقول بملء فيه: ومن يعلم هذا إلاّ علام الغيوب(1).

إن من أشد الاُمور أسفاً وإيلاماً، هي أن يدّعي مؤلف أنه يدافع عن الاسلام ثم يسيء الى الاسلام إساءة عظيمة بمخادعة المسلمين واستغفالهم، لأن هذه الادعاءات إن كان مصدرها جهل الخطيب بالموضوع -ولا أظن ذلك- فليس له أن يخالف شرطه ويتصدى للكتابة قبل استكمال عدته، وأما إن كان عالماً بالموضوع -وهذا هو ظني- فهذا أكبر عيب عليه، لأن عمله هذا ليس إلاّ خداعاً مفضوحاً للمسلمين، فإن الادعاء بأن خبر قتل مروان لطلحة لم ينقله ثبت، لا أساس له من الصحة! فإن الخبر قد نقله الاثبات، وأخرجه المحدثون في كتبهم بروايات لا مغمز فيها، فقد أخرج الحاكم النيسابوري قال:

1 - أخبرني محمد بن يعقوب الحافظ، ثنا محمد بن إسحاق الثقفي، ثنا عباد بن الوليد العنزي، ثنا صبان، ثنا شريك بن الحباب، حدثني عقبة بن صعصعة بن الأحنف، عن عكراش، قال: كنا نقاتل علياً مع طلحة ومعنا مروان، قال: فانهزمنا، قال فقال مروان: لا أدرك بثأري بعد اليوم من طلحة. قال: فرماه بسهم فقتله.

2 - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد الدوري، ثنا أشهل بن حاتم، عن ابن عون، قال: قال نافع: طلحة بن عبيدالله قتله مروان ابن الحكم.

____________

1- العواصم من القواصم: 160.

 

 


3 - حدثنا علي بن حماد العدل، ثنا محمد بن غالب، ثنا يحيى بن سليمان الجعفي، ثنا وكيع، عن اسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة بن عبيدالله يومئذ، فوقع في ركبته، فما زال يسبح الى أن مات.

4 - حدثني محمد بن ظفر الحافظ، وأنا سألته، حدثني الحسين بن عياش القطان، ثنا الحسين، ثنا يحيى بن عياش القطان، ثنا الحسين بن يحيى المروزي، ثنا غالب بن جليس الكلبي أبو الهيثم، ثنا جويرية بن أسماء عن يحيى بن سعيد، ثنا عمي قال: لما كان يوم الجمل، نادى علي في الناس: لا ترموا أحداً بسهم، ولا تطعنوا برمح، ولا تضربوا بسيف، ولا تطلبوا القوم، فإنّ هذا مقام من أفلح فيه أفلح يوم القيامة. قال: فتوافقنا، ثم إن القوم قالوا بأجمع:يا ثارات عثمان، قال: وابن الحنفية أمامنا بربوة معه اللواء، قال: فناداه علي، قال: فأقبل علينا يعرض وجهه فقال: يا أمير المؤمنين، يقولون يا ثارات عثمان، فمد علي يديه وقال: اللهم أكب قتلة عثمان اليوم بوجوههم. ثم إن الزبير قال للأساورة، كانوا معه، قال: ارموهم برشق، وكأنه أراد أن ينشب القتال، فلما نظر أصحابه الى الانتشاب لم ينتظروا، فحملوا فهزمهم الله، ورمى مروان بن الحكم طلحة بن عبيدالله بسهم فشك ساقه بجنب فرسه، فقبض به الفرس حتى لحقه فذبحه فالتفت مروان الى أبان بن عثمان وهو معه فقال: لقد كفيتك أحد قتلة أبيك(1).

فهذه أربع روايات مسندة سكت الذهبي عن ثلاث منها واعترف بصحة

____________

1- المستدرك على الصحيحين 3: 370، وسكت الذهبي عن الروايات الاولى والثانية والرابعة، وقال عن الثالثة: صحيح.

 

 


واحدة، وكما أخرج عدد من الحفاظ روايات اُخرى مسندة تعترف بقتل مروان لطلحة، فقد روى عمر بن شبة، عن عبدالرحمان بن أبي ليلى، قال: قال لي عبدالملك بن مروان: أشهدت الدار؟ قلت: نعم، فليسل أمير المؤمنين عما أحب. قال: أين كان علي؟ قلت: في داره. قال: فأين كان الزبير؟ قلت: عند أحجار الزيت. قال: فأين طلحة؟ قلت: نظرت فإذا مثل الحرة السوداء، فقلت ما هذا؟ قالوا: طلحة واقف، فإن حال حائل دون عثمان قاتله. فقال: لولا أن أبي أخبرني يوم مرج راهط أنه قتل طلحة، ما تركت على وجه الأرض من بني تيم أحداً إلاّ قتلته(1).

فها هو ابن مروان يخبر بأن أباه قد اعترف بقتل طلحة يوم الجمل، والاعتراف سيد الأدلة كما يقال(2).

وقال ابن حجر: روى ابن عساكر من طرق متعددة أن مروان بن الحكم هو الذي رماه فقتله. منها: وأخرجه ابو القاسم البغوي بسند صحيح عن الجارود بن أبي سبرة، قال: لما كان يوم الجمل، نظر مروان الى طلحة فقال: لا أطلب ثاري بعد اليوم، فنزع له بسهم فقتله(3).

وقال محدث الدين الطبري: المشهور أن مروان بن الحكم هو الذي قتله، رماه بسهم وقال: لا أطلب ثأري بعد اليوم، وذلك أن طلحة زعموا أنه كان ممن

____________

1- تاريخ المدينة 2: 1170.

2- وانظر أيضاً، أنساب الاشراف 3: 29، تاريخ الاسلام للذهبي 3: 486، طبقات ابن سعد 3: 223، تاريخ خليفة بن خياط: 135، 139 عن الجارود بن أبي سبرة وابن سيرين ويحيى بن سعيد عن عمه، تهذيب التهذيب 5: 22 العقد الفريد 4: 128، مروج الذهب 2: 382، الكامل في التاريخ 2: 338، دول الاسلام: 23، صفة الصفوة 1: 341 رقم 6، تاريخ ابن شحنة 1: 217، تذكرة الخواص: 77 وكلها تدل على صحة الخبر.

3- الاصابة 2: 30، تاريخ دمشق 25: 112 رقم 8983، مختصر تاريخ دمشق 11: 207.

 

 


حاصر عثمان واشتد عليه(1).

وقال ابن عبدالبر: لا يختلف العلماء الثقات في أن مروان قتل طلحة يومئذ، وكان في حزبه(2).

وقال ابن حجر العسقلاني: وعاب الاسماعيلي على البخاري تخريج حديثه، وعدّ من موبقاته أنه رمى طلحة، أحد العشرة المبشرة يوم الجمل وهما جميعاً مع عائشة فقُتل، ثم وثب على الخلافة بالسيف(3).

سعد بن عبد الله بن أبي سرح

كان هذا الوالي لعثمان على مصر بعد عزل عمرو بن العاص، وهو أحد الذين أهدر النبي (صلى الله عليه وآله) دمهم وأمر بقتلهم ولو وجدوا متعلقين بأستار الكعبة.

وسبب ذلك أن ابن أبي سرح أسلم، وكان يكتب بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فيملي عليه (الكافرين) فيجعلها (الظالمين)، ويملي عليه (عزيز حكيم) فيجعلها (عليم حكيم)، وأشباه هذا; فقال: أنا أقول كما يقول محمد وآتي بمثل ما يأتي به محمد، فأنزل الله فيه (وَمَنْ أَظلمُ مِمَّنْ افترى على اللهِ كذِباً أو قالَ اُوحيَ إليَّ وَلَمْ يوحَ إليهِ شيٌ وَمَنْ قالَ سأنزِلُ مثلَ ما أَنزلَ اللهُ)(4).

وهرب الى مكة مرتداً، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقتله، وكان أخا عثمان بن عفان من الرضاع.

فطُلب فيه أشد الطلب، حتى كف رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقال: "أما كان فيكم من

____________

1- الرياض النضرة 4: 230.

2- الاستيعاب رقم 1280.

3- تهذيب التهذيب 10: 82.

4- الأنعام: 93.

 

 


يقوم الى هذا الكلب قبل أن أُؤمنه فيقتله؟".

فقال عمر -ويقال أبو اليسر- لو أومأت إلينا قتلناه، فقال "إني ما أقبل باشارة، لأن الأنبياء لا يكون لهم خائنة الأعين".

وكان يأتي النبي (صلى الله عليه وآله) فيسلم عليه.

وولاّه عثمان مصر، فابتنى بها داراً، ثم تحول الى فلسطين فمات بها(1).

وكان ابن أبي سرح مختبئاً عند عثمان بن عفان عندما طلبه المسلمون بعد فتح مكة، وجاء به عثمان الى النبي (صلى الله عليه وآله)، وطلب منه مبايعته، فتريّث النبي (صلى الله عليه وآله) رجاء أن يقوم أحد المسلمين فيقتله، فلما لم يقم أحد، وألح عثمان على مبايعته حتى كرر ذلك ثلاثاً، عند ذلك بايعه النبي (صلى الله عليه وآله) كارهاً، ووبخ المسلمين لعدم مبادرتهم الى قتله، كما مر في الرواية.

ولا شكّ ان هذا الرجل لم يكن محط احترام المسلمين بعد ذلك، فقد ارتد وافترى على الله الكذب، وكان يقول للمشركين - بعد ردته -: دينكم خير من دين محمد.

ولولا تدخل عثمان -تجاوزاً لأمر النبي- للقي حتفه، ولاشك أن تردد النبي (صلى الله عليه وآله) في مبايعته، ومن ثم وصفه بذلك النعت المشين، ليدل على مدى احتقار النبي له، وعدم تصديقه في عرض إسلامه وبيعته التي جاءت خوفاً من القتل.

لهذه الأسباب كانت تولية عثمان لهذا الرجل على مصر، وعدم محاسبته

____________

1- البداية والنهاية 4: 340، أنساب الاشراف 1: 454، الكامل في التاريخ 1: 616، دلائل النبوة للبيهقي 5: 59، ترجمته من كتب تراجم الصحابة تفسير القرطبي 7: 40، تفسير البيضاوي 1: 391، الكشاف 1: 461، تفسير الرازي 4: 96، تفسير الخازن 2: 37، تفسير النسفي هامش الخازن 2: 37، فتح القدير للشوكاني 2: 133، جامع البيان مجلد 5 ج7:274.

 

 


على ما ارتكبه في حق أهل مصر، من الأسباب التي عجلت في إثارة النقمة على عثمان.

هذا، إذا أضفنا الى كل ذلك تصرفات بعض الولاة الآخرين -وأهمهم جميعاً معاوية بن أبي سفيان- في ولاية الشام واحتجازه الأموال واضطهاده الصحابة المنكرين عليه، لوجدناها أهم العوامل في سرعة اشتعال الفتنة.

ولعل المنطق كان يفترض أن نقدم الكلام عن معاوية على غيره من الولاة، ولكنني قررت تأجيل الكلام عن معاوية الى محله، حيث سنقوم بتفصيل أحواله اعتماداً على الروايات الموثوقة التي جاءت عن الأئمة الأعلام.

يتبين مما سبق أن موقف عثمان من تولية الولاة، كان من الأسباب الرئيسية التي أدت الى توتر الوضع بشكل خطير جداً، وبالتالي تهيئة الأجواء المناسبة لنشوء الفتنة التي أطاحت رياحها العاتية بالخليفة فيما بعد، خصوصاً موقف أحد الولاة، وهو سعيد بن العاص من بعض أهل الكوفة، وتسيير الخليفة على أثر ذلك بعض أهل الكوفة والبصرة الى الشام، حتى انتهى الأمر بخروج جحافل المتمردين من الأمصار الثلاثة (الكوفة والبصرة ومصر) وتحركها الى عاصمة المسلمين وما جرى بعد ذلك من أحداث تناولتها أقلام المؤلفين قديماً وحديثاً، مما يدعونا الى تخصيص فصول مهمة لاستعراض تلك الأحداث الخطيرة التي أدت الى النتائج المعروفة، والتي كانت في الحقيقة هي السبب المباشر التي أدت الى الأحداث المأساوية التي تلاحقت فيما بعد.

ومواقف المؤلفين من هذه الأحداث هو الذي يهمنا بالدرجة الاولى، بسبب حملة التزييف التي تعرضت لها تلك الأحداث، وهذا ما سوف نحاول

 

 


كشف النقاب عنه بهدف إماطة اللثام عن حقيقة ما جرى، وكشف الدوافع الخفية لاولئك المؤلفين، بعد مقارنة الروايات وتحليلها ونقدها بعد ذكر بعض الحوادث الاُخرى التي كانت عاملا مساعداً لتصاعد الأحداث والله المستعان.

حوادث اُخرى

الى جانب موقف عثمان من بعض الصحابة وإيذائه لهم بالضرب أو النفي، وإضافة الى توليته لبعض أقاربه من غير ذوي الفضل والسابقة، وما أثار ذلك من موجات من السخط عليه، فإنّ هناك اُموراً اُخرى فعلها عثمان، أثارت حفيظة المسلمين، رغم أن هذه الاُمور تعد من أضعف الأسباب التي أدت الى التمرد عليه في اعتقادي، إلاّ أنها كانت وقوداً اضافياً زاد من حدة اشتعال الغضب الذي بدأت علاماته تتضح أكثر فأكثر حتى انتهى الأمربالثورة على عثمان. فمن تلك الاُمور:

ردّ الحَكم

الحكم بن أبي العاص بن اُمية، عثمان بن عفان بن أبي العاص بن اُمية.

كان جاراً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في الجاهلية، وكان أشد جيرانه أذىً له في الإسلام، وكان قدومه الى المدينة بعد فتح مكة، وكان مغموصاً عليه في دينه، فكان يمر خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيغمز به ويحكيه ويخلج بأنفه وفمه، وإذا صلى قام خلفه فأشار بأصابعه; فبقي على تخليجه، وأصابته ضلة(1)، واطلع على

____________

1- قيل: لدعاء النبي(ص) عليه. المؤلف.

 

 


رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم وهو في بعض حجر نسائه، فعرفه وخرج إليه بعنزة وقال: "من عذيري من هذا الوزغة اللعين".

ثم قال: "لا يساكنني ولا ولده" فغرّ بهم جميعاً الى الطائف.

فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كلّم عثمان أبا بكر فيهم وسأله ردّهم، فأبى ذلك وقال: ما كنت لآوي طرداء رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ثم لما استخلف عمر، كلّمه فيهم، فقال مثل قول أبي بكر.

فلما استخلف عثمان أدخلهم المدينة وقال: قد كنت كلمت رسول الله فيهم وسألته ردهم فوعدني أن يأذن لهم، فقُبض قبل ذلك.

فأنكر المسلمون عليه إدخالهم إياهم المدينة..

ومات الحكم بن أبي العاص بالمدينة في خلافة عثمان، فصلى عليه وضرب على قبره فسطاطاً"(1).

وقد أثار ردّ الحكم الى المدينة حفيظة بعض الصحابة الذين استنكروا ذلك، حتى روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: خطب عثمان فأمر بذبح الحمام وقال: إن الحمام قد كثر في بيوتكم حتى كثر الرمي ونالنا بعضه. فقال الناس: يأمر بذبح الحمام وقد آوى طرداء رسول الله (صلى الله عليه وآله)!(2).

ولم يكتف عثمان برد الحكم، بل أغدق عليه أموالا طائلة من بيت مال المسلمين، فقد روي عن ابن عباس أنه قال:

____________

1- أنساب الاشراف 6: 137، أسد الغابة 1: 514 وانظر المعارف لابن قتيبة: 194، العقد الفريد 4: 103، تاريخ الاسلام حوادث سنة 31 ص 365، مرآة الجنان لليافعي 1: 85، محاضرات الراغب ج 2 ج 4 / 476، السيرة الحلبية 2: 76، وفي رواية أن كلا من أبي بكر وعمر قالا له لا أحل عقدة عقدها رسول الله(ص)، الرياض النضرة 2: 143، أسد الغابة 2: 53 رقم 1217، السيرة الحلبية 1: 337، الاصابة 1: 342 رقم 1781.

2- أنساب الأشراف 6: 137، والمصادر السابقة.

 

 


كان مما أنكروا على عثمان أنه ولّى الحكم بن أبي العاص صدقات قضاعة، فبلغت ثلاثمائة ألف درهم، فوهبها له حين أتاه بها(1).

لكن بعض المؤلفين يحاولون أن يجدوا لعثمان مخرجاً، إما بنفي قصة رد الحكم من أساسها، أو بالبحث عن تأويلات للحادثة، فقد قال ابن العربي:

وأما ردّ الحكم، فلم يصح! وقال علماؤنا في جوابه: قد كان أذن له فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله). وقال (أي عثمان) لأبي بكر وعمر، فقالا له: إن كان معك شهيد رددناه. فلما ولي، قضى بعلمه في رده.

وما كان عثمان ليصل مهجور رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولو كان أبوه، ولا لينقض حكمه(2).

إن عدم اقتناع الخليفتين أبي بكر وعمر بحجة عثمان ورفضهما ردّ الحكم بدون شاهد أو شهود يقرّون بصحة دعواه، يعني أن عثمان بعد توليه الحكم لم يكن يحق له أن يقضي في هذا الأمر، لذا فقد عرض نفسه للنقد من قبل المسلمين، لأن أحداً لم يشهد له بصحة دعواه، فكان عمله هذا مجازفة في غير محلها.

وسيرة عثمان في مخالفة أوامر النبي (صلى الله عليه وآله) تلقي ظلالا من الشكوك حول صحة مدّعاه، فهو قد آوى ابن أبي سرح، في حين كان الواجب يحتم عليه -تبعاً لأمر النبي- أن يبادر الى قتله حين لجأ إليه، لا أن يؤويه ويطلب له الأمان. ولو كانت هذه هي السابقة الوحيدة لعثمان في هذا الشأن، فلربما كان يمكن التماس بعض العذر له، ولكنها كانت تكراراً لحادثة مشابهة وقعت قبل

____________

1- المصدر السابق.

2- العواصم من القواصم: 89.

 

 


عدة سنوات، بعد معركة اُحد مباشرة، حينما آوى معاوية بن المغيرة الذي قيل إنه هو الذي جدع أنف حمزة ومثّل به، ثم انهزم يوم اُحد فمضى على وجهه، فبات قريباً من المدينة، فلما أصبح دخل المدينة، فأتى منزل عثمان بن عفان بن أبي العاص -وهو ابن عمه لحاً- فضرب بابه، فقالت اُم كلثوم زوجته -وهي ابنة رسول الله- (صلى الله عليه وآله): ليس هو هنا. فقال: ابعثي إليه، فإن له عندي ثمن بعير ابتعته منه عام أول، وقد جئته به، فإن لم يجيء ذهبتُ.

فأرسلت إليه وهو عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما جاء قال لمعاوية:

أهلكتني وأهلكت نفسك، ما جاء بك؟!

قال: يابن عم، لم يكن لي أحد أقرب إليّ ولا أمسّ رحماً بي منك، فجئتك لتجيرني، فأدخله عثمان داره وصيّره في ناحية منها، ثم خرج الى النبي (صلى الله عليه وآله) ليأخذ له منه أماناً، فسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول:

"إن معاوية في المدينة، وقد أصبح بها، فاطلبوه".

فقال بعضهم: ما كان ليعدو منزل عثمان، فاطلبوه به.

فدخلوا منزل عثمان، فأشارت اُم كلثوم الى الموضع الذي صيّره فيه، فاستخرجوه من تحت حمارة لهم.

فانطلقوا به الى النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال عثمان حين رآه: والذي بعثك بالحق، ما جئت إلاّ لأطلب له الأمان، فهبه لي.

فوهبه له، وأجّله ثلاثاً، وأقسم لئن وجده بعدها يمشي في أرض المدينة وما حولها ليقتلنه.

وخرج عثمان، فجهزه واشترى له بعيراً، ثم قال: ارتحل.

وسار رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى حمراء الأسد، وأقام معاوية الى اليوم الثالث

 

 


ليعرف أخبار النبي (صلى الله عليه وآله)، ويأتي بها قريشاً.

فلما كان في اليوم الرابع، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إن معاوية أصبح قريباً لم ينفذ فاطلبوه".

فأصابوه وقد أخطأ الطريق، فأدركوه.

وكان اللذان أسرعا في طلبه: زيد بن حارثة وعمار بن ياسر، فوجداه بالجماء، فضربه زيد بالسيف، وقال عمار: إن لي فيه حقاً، فرمياه بسهم فقتلاه. ثم انصرفا الى المدينة بخبره...(1).

ونعود الى أقوال المؤلفين في قضية ردّ الحكم، فابن العربي -كعادته- يقول الشيء ثم ينقضه بنفسه، فنجده أولا يدعي أن قضية رد الحكم لم تصح، ثم يعود فيقول بأن العلماء قد أجابوا عن هذه المسألة، أي ايجاد المبررات التي تصحح موقف عثمان.

أما ابن تيمية فيقول: لم تكن الطلقاء تسكن بالمدينة، فإن كان طرده فإنما طرده من مكة لا من المدينة، ولو طرده من المدينة لكان يرسله الى مكة.

وقد طعن كثير من أهل العلم في نفيه وقالوا ذهب باختياره!

وقصة نفي الحكم ليست في الصحاح!

وإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد عزّر رجلا بالنفي، لم يلزم أن يبقى منفياً طول الزمان، فإن هذا لا يعرف في شيء من الذنوب، ولم تأت الشريعة بذنب يبقي صاحبه منفياً دائماً...(2).

أما أن الطلقاء لم تكن تسكن المدينة، فنحن نعلم أن أبا سفيان وابنه

____________

1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 15: 46، مغازي الواقدي 1: 333، سيرة ابن هشام 3: 111، السيرة الحلبية 2: 261، الكامل في التاريخ 2: 165، البداية والنهاية 4: 59 وغيرها.

2- منهاج السنّة النبوية 3: 196.

 

 


معاوية كانا من الطلقاء، وقد قيل إن معاوية كان يكتب بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله)، بل قيل إنه قد كتب له الوحي، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) حين قبض كان أبو سفيان عامله على الصدقات، وقد عاد الى المدينة وقد بويع لأبي بكر، فنخلص من هذا أنه إما أن تكون هذه الأخبار غير صحيحة بتاتاً، وإما أن ابن تيمية لا يعلم هذا الأمر.

أما أن الحكم قد نفى نفسه باختياره، فهذا مثل خبر نفي أبي ذر نفسه باختياره ولا أفهم، ولا أظن أحداً يفهم كيف يختار الانسان النفي بارادته!

وأما أن قصة رد الحكم ليست في الصحاح، فقد قلنا إن الصحاح لم تشتمل على كثير من الاُمور والحوادث، لكن العجب من ابن تيمية انه ينفي قصة الحكم لعدم اشتمال الصحاح عليها، ولكنه يثبت قصة عبدالله بن سبأ التي لم تشتمل عليها الصحاح ولا المسانيد ولا السنن ولا كتب التاريخ ولا غيرها، عدا تاريخ الطبري برواية سيف بن عمر الوضّاع المتهم بالزندقة، فأي تناقض هذا!

أما أن نفي النبي (صلى الله عليه وآله) للحكم لا يستلزم بقاءه منفياً أبد الدهر، فالعجب من الشيخين أبي بكر وعمر كيف لم يفطنا الى ما فطن اليه ابن تيمية حين رفضا ردّ الحكم الى المدينة!

الحمــى

ومن الاُمور الاُخرى التي أثارت الرأي العام على عثمان هو أمر الحمى.

وهذا الأمر أيضاً قد اختلفت فيه وجهات النظر، فأما ابن العربي فقال: أما أمر الحمى، فكان قديماً، فيقال: إن عثمان زاد فيه لما زادت الرعية.

وإذا جاز أصله للحاجة إليه، جاءت الزيادة لزيادة الحاجة(1).

____________

1- العواصم من القواصم: 84.

 

 


أما محب الدين الخطيب، فيعلق على الأمر بذكر رواية عن ابن عمر:

أن النبي (صلى الله عليه وآله) ضمن النقيع للخيل..

قال حماد بن خالد راوي هذا الحديث عن عبدالله بن عمر العمري: يا أبا عبدالرحمان، خيله؟

قال: خيل المسلمين (أي المرصودة للجهاد، أو ما يملكه بيت المال).

والنقيع هذا في المدينة على عشرين فرسخاً منها، ومساحته ميل في ثمانية أميال، كما في موطأ مالك برواية ابن وهب.

ومعلوم أن الحال استمر في خلافة أبي بكر على ما كان عليه في زمن النبي (صلى الله عليه وآله)، لأن أبا بكر لم يخرج عن شيء كان عليه الحال في زمن النبي (صلى الله عليه وآله)، لا سيّما وأن حاجة الجهاد الى الخيل والابل زادت عن قبل.

وفي زمن عمر اتسع الحمى فشمل (سرف) و (الربذة)، وكان لعمر عامل على الحمى، هو مولىً له يدعى هنياً.

وفي كتاب الجهاد من صحيح البخاري من حديث زيد بن أسلم عن أبيه نص وصيته أمير المؤمنين عمر لعامله هذا على الحمى، بأن يمنع الأثرياء كعبدالرحمان بن عوف وعثمان بن عفان، وأن يتسامح مع رب الغنيمة ورب الصريمة لئلا تهلك ماشيتهما.

وكما اتسع عمر في الحمى عما كان عليه في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) وأبي بكر لزيادة سوائم بيت المال في زمنه، اتسع عثمان بعد ذلك لاتساع الدولة وازدياد الفتوح، فالذي أجازه النبي (صلى الله عليه وآله) لسوائم بيت المال، ومضى على مثله أبو بكر وعمر، يجوز مثله لبيت المال في زمن عثمان، ويكون الاعتراض عليه اعتراضاً على أمر داخل في التشريع الاسلامي.

 

 


ولما أجاب عثمان على مسألة الحمى، عندما دافع عن نفسه على ملأ من الصحابة، أعلن أن الذين يلون له الحمى اقتصروا فيه على صدقات المسلمين يحمونها لئلا يكون بين من يليها وبين احد تنازع، وأنهم ما منعوا ولا نحوا منها أحداً، وذكر عن نفسه أنه قبل أن يلي الخلافة كان أكثر العرب بعيراً وشاةً، ثم أمسى وليس له غير بعيرين لحجه، وسأل من يوف ذلك من الصحابة: أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم(1).

إن المتبادر الى الذهن من أقوال ابن العربي والخطيب ومن تابعهما، أن عثمان بن عفان قد سار بنفس سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) والشيخين أبي بكر وعمر في مسألة الحمى، فإذا كان الأمر كذلك، فما سبب اعتراض الناس إذاً، أيعقل أن يعترضوا على تخصيص الحمى لرعي خيل الجهاد؟ ولماذا لم يعترضوا على عمر بن الخطاب عندما توسع في الحمى!

إن الرواية التي استشهد بها الخطيب، والتي تتضمن وصية عمر بن الخطاب بمنع سوائم كل من عبدالرحمان بن عوف وعثمان بن عفان من الحمى، تؤكد صدق حدس عمر بن الخطاب في عثمان وقلقه من أن يستغل عثمان هذا الحمى لماشيته وماشية أقربائه.

وأورد ابن أبي الحديد المعتزلي جملة من الاُمور التي نقمها الناس على عثمان وكان منها: أنه "حمى المراعي حول المدينة كلها من مواشي المسلمين كلهم الاّ عن بني اُمية"(2).

والحقيقة، فإن المعروف من سيرة عثمان تؤكد صحة هذه المقولة.

أما الرواية التي يستشهد بها الخطيب في احتجاج عثمان على ملأ من

____________

1- العواصم من القواصم: 85 هامش.

2- شرح نهج البلاغة 1: 199، 3: 39، السيرة الحلبية 2: 78.

 

 


الصحابة حول موقفه من الحمى، وأنه لم يبق له من أمواله غير بعيرين لحجّه، فهي رواية سيف بن عمر في الطبري، والشواهد كلها تكذبها، فقد أخرج جمع من المؤرخين - واللفظ لابن سعد- عن عبدالله بن عتبة قال:

كان لعثمان بن عفان عند خازنه يوم قُتل ثلاثون ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم، وخمسون ومائة الف دينار انتهبت وذهبت، وترك ألف بعير بالربذة، وترك صدقات كان تصدق بها ببراديس وخيبر ووادي القرى قيمة مائتي ألف دينار(1).

ومعلوم أن الربذة كانت من مواطن الحمى، وترك عثمان ألف بعير بها يدل على أنه كان يرعى ماشيته في حمى المسلمين.

حادثة الهرمزان

كانت حادثة مقتل الهرمزان اُولى المشاكل التي اعترضت عهد عثمان وفي أول يوم من خلافته، ولعل هذه الحادثة لم تكن من الاُمور المهمة جداً، أو من الأسباب الرئيسية التي أدت الى وقوع الفتنة، لأن الحادثة -كما قلنا- وقعت في بداية عهد عثمان، قبل أن تحدث التغيرات السياسية التي وقعت فيما بعد، الاّ أن هذه الحادثة قد كشفت عن جوانب الخلل الكبير في سياسة عثمان وإدارته للاُمور.

وهذه الحادثة قد تعرضت هي الاُخرى الى عملية تزييف وتشويه للحقائق لأغراض خاصة، لذا ارتأيت ايرادها ومناقشتها وبيان وجه الخلل في الأعذار التي افتعلت لعثمان في كيفية معالجته هذه القضية، فالحادثة وإن كانت

____________

1- الطبقات الكبرى: ترجمة عثمان بن عفان.

 

 


ثانوية إلاّ أنها تتعلق بحد من حدود الله، فضلا عن مساسها بحياة المجتمع الاسلامي.

وخلاصة القصة -كما ذكرها المؤرخون -: أن عبيد الله بن عمر قتل جُفينة والهرمزان وبنت أبي لؤلؤة، وجعل عبيدالله يقول: والله لأقتلن رجالا ممن شرك في دم أبي -يعرّض بالمهاجرين والأنصار- فقام إليه سعد فنزع السيف من يده وجبذه بشعره حتى أضجعه وحبسه، فقال عثمان لجماعة من المهاجرين:

أشيروا عليَّ في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق.

فقال علي: أرى أن تقتله.

فقال بعضهم: قُتل أبوه بالأمس ويُقتل هو اليوم؟

فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الحدث ولك على المسلمين سلطان، وإنما تم هذا ولا سلطان لك.

قال عثمان: أنا وليُّهم وقد جعلتها دية احتملتها من مالي(1).

وقد تباينت وجهات النظر حول الحادثة ونتائجها من تصرف عثمان في الأمر.

فأما القاضي ابن العربي، فقد حاول -كعادته- نسف القضية في البداية، ثم عاد فحاول أن يجد الأعذار لعثمان، اعتماداً على رواية في تاريخ الطبري، وقد تناقلها المؤرخون من بعده، فقال:

وأما امتناعه (عثمان) عن قتل عبيدالله بن عمر بن الخطاب بالهرمزان، فإن ذلك باطل.

____________

1- تاريخ الاسلام للذهبي 3: 306، تاريخ الطبري 4: 204، الكامل لابن الأثير 3: 75.



وإن كان لم يفعل والصحابة متوفرون والأمر في أوله.

وقد قيل: إن الهرمزان سعى في قتل عمر، وحمل الخنجر وظهر تحت ثيابه.

وكان قتل عبيدالله له وعثمان لم يلِ بعد.

وأيضاً فإنّ أحداً لم يقم بطلبه.

فكيف يصح مع هذه الاحتمالات كلها أن ينظر في أمر لم يصح(1).

أما موقف الصحابة، فقد أعلن عدد منهم عن رأيه، فأشار بعضهم على عثمان بقتل عبيدالله، فقد ذكر اليعقوبي أن الناس قد أكثروا في دم الهرمزان وإمساك عثمان عبيدالله بن عمر، فصعد عثمان المنبر فخطب الناس ثم قال: ألا إني وليّ دم الهرمزان، وقد وهبته لله ولعمر وتركته لدم عمر.

فقام المقداد بن عمرو فقال: إن الهرمزان مولى لله ولرسوله، وليس لك أن تهب ما كان لله ولرسوله، قال: فننظر وتنظرون.

ثم أخرج عثمان عبيدالله بن عمر من المدينة الى الكوفة، وأنزله داراً، فنسب الموضع إليه (كوفية ابن عمر)، فقال بعضهم:

 

أبا عمرو وعبيدالله رهن

فلا تشكك بقتل الهرمزان(2)

 

أما البلاذري فذكر أن عثمان صعد المنبر فقال:

أيها الناس، إنا لم نكن خطباء، وإن نعش تأتكم الخطبة على وجهها إن شاء الله. وقد كان من قضاء الله أن عبيدالله بن عمر أصاب الهرمزان، وكان الهرمزان من المسلمين ولا وارث له الاّ المسلمون عامة، وأنا إمامكم وقد عفوت، أفتعفون؟ قالوا: نعم. فقال علي: أقِد الفاسق فإنه أتى عظيماً، قتل

____________

1- العواصم من القواصم: 116.

2- تاريخ اليعقوبي 2: 163.

 

 


مسلماً بلا ذنب، وقال لعبيدالله: يا فاسق، لئن ظفرت بك يوماً لأقتلنك بالهرمزان(1).

وعند ابن أبي الحديد أنه لما بلغ خبر عفو عثمان عن عبيدالله، علي بن أبي طالب، تضاحك وقال: سبحان الله، لقد بدأ بها عثمان، أيعفو عن حق امرئ ليس بوليه! تالله إن هذا لهو العجب.

قالوا: فكان ذلك أول ما بدأ من عثمان مما نُقم عليه(2).

أما عمرو بن العاص فقد جعل عثمان في حل من أمر عبيدالله لأنه لم يكن قد ولي الخلافة بعد، وهو الرأي الذي مال اليه القاضي ابن العربي.

ولا أدري كيف يكون ابن العربي قاضياً، واُولى مهمات القضاء رد المظالم وإقامة الحدود على الجناة، ولكنا نجده هنا يتسامح مع عبيدالله بن عمر تجاوباً مع رأي ابن العاص، وتبريراً لموقف عثمان.

إن الأخذ برأي عمرو بن العاص يعني أن كل وال ليس مطالباً باقامة الحدود إذا وقعت الجرائم قبل توليه منصبه. فلو تأخر تنصيب الخلافة -تبعاً لهذا الرأي- بضعة أيام، واستغل بعض أصحاب النفوس المريضة الفرصة وارتكبوا جرائم قتل وانتهاك حرمات المسلمين، فالخليفة ينبغي أن لا يكون مسؤولا عن رد المظالم ومعاقبة الجناة وإقامة حدود الله لأنها وقعت قبل توليه الخلافة، فتذهب الدماء والحقوق هدراً.

إننا ونحن ننقل رأي عمرو بن العاص هذا، نذكر المتحمسين له، بأن قتل عثمان بن عفان قد وقع قبل تولي علي بن أبي طالب الخلافة، فلماذا لم يعتذر عمرو بن العاص بهذا العذر لعلي ويقنع معاوية بذلك، بدلا من أن ينظم الى

____________

1- أنساب الأشراف 6: 130.

2- شرح نهج البلاغة 9: 55.

 


فئته ويشن الحرب على علي ويريق دماء عشرات الاُلوف من المسلمين بدم عثمان.

ومثل هذا يقال أيضاً لاُم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير، وهم الذين خرجوا يطالبون علياً بإقامة الحدّ على قتلة عثمان، ولم يعذروه بأن الحادثة وقعت قبل توليه مهام الخلافة!

بقي أن نناقش الرواية التي أورد ابن العربي طرفاً منها حول تآمر الهرمزان على قتل الخليفة عمر، وقضية الخنجر المزعوم الذي وجد تحت ثيابه... الخ، ومعرفة مصدرها، وكيف يتشبث البعض بها لتزييف الحقيقة، وهي الرواية التي أوقع واضعها نفسه في تناقضات مضحكة، وكذلك الذين جاءوا بعده وأخذوا بها.

نقل محب الدين الخطيب رواية عن سعيد بن المسيب: أن عبد الرحمان بن أبي بكر الصديق قال غداة طعن عمر: مررت على أبي لؤلؤة عشي أمس ومعه جفينة (وكان نصرانياً من أهل الحيرة ظئراً لسعد بن أبي وقاص)، والهرمزان وهم نُجّى، فلمّا رهقتهم ثاروا، وسقط منهم خنجر له رأسان نصابه في وسطه... فانظروا بأي شيء قتل؟ وخرج في طلبه رجل من بني تميم، فرجع اليهم التميمي، وكان قد ألظّ بأبي لؤلؤة منصرفه عن عمر حتى أخذه، وجاء بالخنجر الذي وصف عبدالرحمان بن أبي بكر، فسمع بذلك عبيدالله بن عمر، فأمسك حتى مات عمر، ثم اشتمل على السيف فأتى الهرمزان فقتله(1).

هذه الرواية التي يذكرها الخطيب، سندها في الطبري: كتب الي السري، عن شهيب، عن سيف، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب!

____________

1- هامش 139 من كتاب العواصم من القواصم.

 

 


ولا أجد حاجة لمناقشة هذا السند الذي أصبح يعرفه القارئ، وهي محاولة فاشلة من سيف لتبرأة عبيد الله ومن خلفه عثمان، وإلقاء اللوم على الهرمزان. وإضافة لما تقدم، فقد حاول البعض نفي اسلام الهرمزان مقدمة لاهدار دمه لأنه لا يقتل مسلم بكافر، كما أخبر النبي (صلى الله عليه وآله)، فقد قال الذهبي: ويروى أن الهرمزان لما عضّه السيف قال: لا إله الاّ الله(1).

ولكن الذهبي كان قد قال في ترجمة الهرمزان -قبل ذلك بقليل-:

والهرمزان هو ملك تُستر، وقد تقدم إسلامه، قتله عبيدالله بن عمر لما اُصيب عمر، فجاء عمار بن ياسر فدخل على عمر فقال: حدث اليوم حدث في الاسلام.

قال: وما ذاك؟ قال: قتل عبيدالله الهرمزان. قال: (إنّا للهِ وإنّا إليهِ راجعون)، عليَّ به، وسجنه(2).

فهذا يثبت اسلام الهرمزان، خصوصاً إذا تذكرنا قول المقداد وعلي بن أبي طالب وردهما على عثمان فيما أوردنا عن البلاذري واليعقوبي.

كما وتثبت هذه الرواية عدم صحة إدعاء سيف بن عمر أن عبيدالله تريث الى أن توفي عمر ثم باشر قتل الهرمزان.

ولم يكتف الشيخ الخطيب بكل ما سبق، بل استشهد برواية غريبة عجيبة -كما أوردها الطبري عن سيف- وتخالف كل ما أخرج المؤرخون من روايات، قال سيف فيها نقلا عن أحد شيوخه: سمعت القماذبان يحدّث عن قتل أبيه... قال: فلما ولي عثمان دعاني فأمكنني منه (أي من عبيدالله بن

____________

1- تاريخ الاسلام 3: 307.

2- تاريخ الإسلام 3: 306.

 

 


عمر بن الخطاب)(1).

ثم قال: يا بني، هذا قاتل أبيك، وأنت أولى به منا، فاذهب فاقتله.

فخرجت به وما في الأرض أحد الاّ معي، الاّ أنهم يطلبون إلي فيه; فقلت لهم: إليَّ قتله؟ قالوا: نعم. وسبّوا عبيدالله، فقلت: أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا، وسبّوه. فتركته لله ولهم، فاحتملوني، فوالله ما بلغت المنزل إلاّ على رؤوس الرجال وأكفّهم.

قال الخطيب: هذا كلام ابن الهرمزان، وان كل منصف يعتقد (ولعل ابن الهرمزان كان يعتقد) أن دم أمير المؤمنين عمر في عنق الهرمزان، وأن أبا لؤلؤة لم يكن إلاّ آلة في يد هذا الفارسي، وأن موقف عثمان واخوانه أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) من هذا الحادث لا نظير له في تاريخ العدالة الانسانية(2).

لا شك أن ذلك الموقف بالغ العظمة لو صدقت الرواية التي جاءت عن شيخ الوضاعين سيف، فضلا عن أن الخطيب نسي أنه ينقض أقوال استاذه ابن العربي الذي كان من جملة تبريراته لعمل عثمان، أن الهرمزان لم يكن له ولي يطلب بدمه ـ وكما أكد عثمان نفسه على المنبر - فمن أين جاء هذا القماذبان الذي لم تذكره رواية اُخرى، مما يثبت أن القماذبان ليس له وجود إلاّ في خيال سيف الواسع.

إن هذه الرواية التي يوردها سيف بن عمر، تؤكد أن سيف نفسه كان مقتنعاً بخطأ موقف عثمان، فحاول أن يصححه بوضع هذه الرواية، ولقد ذكر ابن الاثير هذه الرواية، وردّها، فقال بعد ايرادها:

والأول أصح، في اطلاق عبيدالله، لأن علياً لما ولي الخلافة أراد قتله،

____________

1- هذا التعليق من الخطيب.

2- العواصم من القواصم: الهامش 137.

 

 


فهرب الى معاوية بالشام، ولو كان اطلاقه بأمر ولي الدم، لم يتعرض له علي(1).

بقي لنا أن نناقش الحساب اولئك الذين أهدروا دم الهرمزان (لأنه ليس له ولي)،أو كما قال ابن العربي: (أن أحداً لم يقم بطلب دمه)، والذي يعني أن كل ضعيف في المجتمع الإسلامي، ليس له ولي، فلا ينبغي النظر في مظلمته إذا تعرض للقتل، طالما أن ليس هناك من يطلب بدمه.

ولا أدري كيف يسمح القاضي ابن العربي لنفسه أن يصدر مثل هذا الحكم الذي يضع في أيدي أعداء الإسلام ومنتقديه سلاحاً ماضياً للطعن في قوانينه وشرائعه، والتي من اُولى مهامها ردّ المظالم، وهو الأمر الذي يشكل مصدر فخر للمسلمين، مع العلم أن القانون الذي يطلب ابن العربي تطبيقه، تأنف منه حتى القوانين الوضعية التي لا يرتضيها الاسلام، فكيف يرضى بهذا القانون!

فعثمان بتعطيله إقامة الحد على عبيدالله، قد فتح الباب للمجترئين على الشريعة، ولم يكتف بذلك، بل قام بتهريب عبيدالله الى الكوفة وأنزله داراً فيها، حتى نسب الموضع إليه -كما ذكر اليعقوبي ـ.

"فعبيدالله لم يعاقب على شيء مما أتى، وإنما احتمل العقوبة عنه عثمان حين أدى الديّة من ماله هو، ولو قد عفا فحقن دم عبيدالله، ثم فرض عليه وعلى اُسرته ديّة القتلى، لأقام الحدّ في غير ريبة، ولما استطاع أحد أن ينكر من قضائه شيئاً.

ولو أنه إذ أدى الديّة من ماله رفقاً بآل الخطاب، أمسك عبيدالله في السجن تعزيراً له وتأديباً حتى يتوب الى الله من إثمه ويندم على إراقة الدم في غير

____________

1- الكامل في التاريخ 3: 76.

 

 


حقه، وعلى الاستخفاف بالسلطان استجابة للحفيظة الجاهلية، لو قد فعل ذلك لكان له مخرج من هذا الحرج، ولأعلم فتيان قريش من أمثال عبيدالله أن دماء المسلمين والذميين أعظم حرمة عندالله وعند السلطان من أن تراق بغير الحق، ثم لا يعاقب من اراقها عقاباً يسيراً أو خطيراً(1).

وهذا الذي طالب الدكتور طه حسين، هو في الحقيقة أضعف الإيمان، ولكن عثمان لم يعمل به، على الأقل تثبيتاً لهيبة الخلافة في أول يوم من توليه ناصيتها، وهكذا ذهب دم الهرمزان -كما قال سعيد بن المسيب- هدراً(2).

إتمام الصلاة

من الاُمور الثابتة، أن عثمان بن عفان كان أول من أتمّ الصلاة في السفر، خلافاً لما كان عليه في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وزمن الخليفتين أبي بكر وعمر.

فعن ابن عباس: إن أول ما تكلم الناس في عثمان ظاهراً، أنه صلّى بالناس بمنى في ولايته ركعتين، حتى إذا كانت السنة السادسة أتمّها. فعاب ذلك غير واحد من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) وتكلم في ذلك من يريد أن يكثر عليه، حتى جاءه عليٌّ فيمن جاءه فقال: والله ما حدث أمر ولا قدم عهد، ولقد عهدت نبيك (صلى الله عليه وآله) يصلي ركعتين، ثم أبا بكر، ثم عمر، وأنت صدراً من ولايتك، فما أدري ما ترجع إليه!

فقال: رأي رأيته(3).

ولقد أورث عثمان الفقهاء مشكلة، وهم يحاولون أن يخرّجوا عمله الذي

____________

1- الفتنة الكبرى: 263 ضمن المجموعة.

2- الاصابة 3: 619، طبقات ابن سعد 5: 108.

3- تاريخ الطبري: 4 ـ 267.

 

 

 

 


هو مخالفة صريحة للسنة النبوية المتواترة، ولا يمكن الادعاء أن عثمان قد اطّلع على ما لم يطّلع عليه غيره من سنة النبي (صلى الله عليه وآله)، لأن صلاة النبي في الموسم كانت مشهودة من عشرات الاُلوف من المسلمين، فضلا عن أن استمرار أبي بكر وعمر، بل وحتى عثمان نفسه شطراً من خلافته على قصر الصلاة يثبت ذلك.

وأمام هذه الحقيقة، لم يجد بعض العلماء من عذر لعثمان سوى دعوى الاجتهاد، ومن القائلين بذلك، أبو بكر بن العربي، إذ قال:

وأما ترك القصر، فاجتهاد، إذ سمع أن الناس افتتنوا بالقصر، وفعلوا ذلك في منازلهم، فرأى أن السنّة ربما أدت الى إسقاط الفريضة، فتركها مصلحة خوف الذريعة، مع أن جماعة من العلماء قالوا: إن المسافر مخيّر بين القصر والاتمام، واختلف في ذلك الصحابة(1).

لكن هذه الأعذار التي يسوقها ابن العربي لا تبرر عمل عثمان، وهي كلها من التأويلات التي استحدثت فيما بعد تصحيحاً لموقف عثمان، إذ ما وجه الاجتهاد أمام سنة نبوية لا تقبل شكاً ولا جدلا، وخوف عثمان من إفتتان الناس بالقصر - لو صح ذلك- لا يبرر تغيير هذه السنّة، بل كان في مقدوره أن يجمع الناس في الموسم ويلقي عليهم خطبة يبين فيها الوجه الصحيح، ويؤيده الصحابة في ذلك، وفيه الكفاية، وهذا هو في الحقيقة واجب الخليفة الذي قام مقام النبي (صلى الله عليه وآله).

وموقف الصحابة من عثمان يكفي لاثبات خطئه،وإن كانت هذه المواقف قد تعرضت لبعض التزييف أيضاً، كما سوف يتبين بعد قليل.

____________

1- العواصم من القواصم: 90.

 

 


لقد اعترض علي بن أبي طالب على عثمان الذي لم يجد تبريراً لعمله سوى أنه كما قال: رأي رأيته، وقد جابهه عبدالرحمان بن عوف أيضاً بما يدحض حججه، قائلا له:

ألم تصلِّ في هذا المكان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ركعتين؟ قال: بلى. قال: أفلم تصلِّ مع أبي بكر ركعتين؟ قال: بلى. قال: أفلم تصل مع عمر ركعتين؟ قال: بلى. قال: ألم تصلِّ صدراً من خلافتك ركعتين؟ قال: بلى.

قال: فاسمع مني يا أبا محمد، اني أخبرت أن بعض من حج من أهل اليمن وحفاة الناس قد قالوا في عامنا الماضي: إن الصلاة للمقيم ركعتان، هذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين، وقد اتخذت بمكة أهلا، فرأيت أن أُصلي أربعاً لخوف ما أخاف على الناس. واُخرى، قد اتخذتُ بها زوجة، ولي بالطائف مال، فربما اطلعته فأقمت فيه بعد الصدر.

فقال عبد الرحمان بن عوف: ما من هذا شي لك فيه عذر.

أما قولك: اتخذت أهلا، فزوجتك بالمدينة تخرج بها إذا شئت، وتقدم بها إذا شئت; إنما تسكن بسكناك.

وأما قولك: ولي بالطائف مال، فإن بينك وبين الطائف مسيرة ثلاث ليال، وأنت لست من أهل الطائف.

وأما قولك: يرجع من حج من أهل اليمن وغيرهم فيقولون: هذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين وهو مقيم، فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ينزل عليه الوحي والناس يومئذ الإسلام فيهم قليل، ثم أبو بكر مثل ذلك، ثم عمر. فضرب الاسلام بجرانه، فصلى بهم عمر حتى مات ركعتين.

فقال عثمان: هذا رأي رأيته.

 

 


فخرج عبدالرحمان فلقي ابن مسعود، فقال: أبا محمد غير ما يعلم. قال: لا، قال: فما أصنع؟ قال: اعمل أنت بما تعلم.

فقال ابن مسعود: الخلاف شر، قد بلغني أنه صلى أربعاً فصليت بأصحابي أربعاً، فقال عبدالرحمان بن عوف: قد بلغني أنه صلى أربعاً، فصليت بأصحابي ركعتين. وأما الآن فسوف يكون الذي تقول -يعني نصلي معاً أربعاً(1).

يمكن أن نلاحظ مما سبق، أن عبدالرحمان بن عوف قد أسقط جميع الحجج التي تذرع بها عثمان لإتمام صلاته، الاّ أن الغريب في هذه الرواية، هو المقطع الأخير منها، والذي لاشك أنه قد زيد عليها، إذ ما معنى أن يصلي ابن مسعود بأصحابه، وعبدالرحمان بن عوف بأصحابه، فهل كان كل صحابي يصلي (في موسم الحج) بمجموعة من الناس كأنهم أتباع له؟

وماذا كان يفعل عثمان إذاً، وبمن كان يصلي؟!

إن من المعلوم لدى الجميع، أن المسلمين قديماً والى يومنا هذا يصلّون جميعاً خلف أمير الحج، الذي يكون إما الخليفة - من بعد النبي- أو من ينوب عنه بأمره، حيث يأتم المسلمون جميعاً وبكافة طوائفهم ومذاهبهم - التي ظهرت فيما بعد- بأمير الحج هذا، ويصلون صلاة واحدة قصراً، كما كانت على عهد النبي (صلى الله عليه وآله)، ولم نعلم أن كل مجموعة من المسلمين تصلي بمفردها ويؤمّها شخص ما غير أمير الحج!

____________

1- الطبري 4: 267.

995
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:
لینک کوتاه

آخر المقالات

اليوم السابع من محرم..يوم مخصص للعباس بن علي (ع)
معجزات الإمام الحسين (عليه السلام)
القصيدة التائية لدعبل الخزاعي
نصائح لخدام المنبر الحسيني
زيارة أم البنين عليها السلام
العمل والانتاج في الإسلام
العاشر من ربيع الثاني..ذكرى وفاة السيدة فاطمة ...
قيمة العمر
دعاء وداع الامام الرضا عليه السلام
دخول جيش السفياني الى العراق

 
user comment