عربي
Sunday 22nd of May 2022
752
0
نفر 0

مفهوم البدعة في النصوص الاسلامية

الفصل الثالث مفهوم البدعة في النصوص الاسلامية

البدعة : تقابل السنة .
البدعة : تعني الغش والضلال واتباع الاهوا.
البدعة : ادنى مراتب الكفر والشرك .
البدعة : موارد وتطبيقات .

مفهوم ( البدعة ) في النصوص الاسلامية

ان الـنـص الاسلامي الصريح هو الذي يمتلك الكلمة الفاصلة في تحديد هوية اية مفردة من مفردات الـثـقـافة الاسلامية , وهو الذي يوضح ما يمكن ان تكتنف به بعض المفاهيم الاسلامية من غموض وابهام .
وبـمـا ان هـنـاك اضـطـرابا واضحا عند بعض المصنفين في تحديد هوية الابتداع في الاصطلاح الـشرعي , وتفاوتا كبيرا في طريقة تطبيقه على مفرداته المختلفة , فنرى ان من المستحسن بنا , وقـبـل الاسـتـرسال في بيان معالم وخصوصيات هذا المفهوم , وذكر قيوده وشروط تطبيقه , ان نستعين بالنصوص الاسلامية التي تعرضت لتحديد هذا المفهوم وابراز هويته .
كـما نتعرض ايضا لبعض التطبيقات الواردة على السنة هذه الاحاديث ,لنرى الضابط والمدار الذي تدور حوله هذه التطبيقات .
وسـوف نـقـوم بتقسيم هذه الاحاديث الى اربعة طوائف , ونمنح كل طائفة منها عنواناخاصا , يمثل القاسم المشترك لمجموع الاحاديث الواردة في الطائفة الواحدة .
ومـن خلال النظرة في هذه العناوين يستطيع القارئ ان يكون نظرة اجمالية اولية عن طبيعة القيود الـتـي ينبغي ان تؤخذ في حد مفهوم ( البدعة ) , وطبيعة الضابطة التي يتم على اساسها تطبيق هذا المفهوم على مورد دون آخر.

( البدعة ) : تقابل السنة

ورد عن رسول اللّه (ص ) انه قال :
(( لا يـذهب من السنة شي , حتى يظهر من البدعة مثله , حتى تذهب السنة ,وتظهر البدعة , حتى يـسـتـوفي البدعة من لا يعرف السنة فمن احيى ميتا من سنتي قداميتت , كان له اجرها , واجر من عمل بها , من غير ان ينقص من اجورهم شيئا , ومن ابدع بدعة , كان عليه وزرها , ووزر من عمل , بها لا ينقص من اوزارهم شيئا )) ((475)) .
وعنه (ص ) انه قال :
(( لا تـرجـعن بعدي كفارا , مرتدين , متاولين للكتاب على غير معرفة , وتبتدعون السنة بالهوى , لان كل سنة وحدث وكلام خالف القرآن فهو رد وباطل )) ((476)) .
وعنه (ص ) :
(( يـاتـي عـلى الناس زمان وجوههم وجوه الادميين , وقلوبهم قلوب الشياطين السنة فيهم بدعة , والبدعة فيهم سنة )) ((477)) .
وعنه (ص ) :
(( من ادى الى امتي حديثا يقام به سنة , او يثلم به بدعة , فله الجنة )) ((478)) .
وعنه (ص ) :
(( ايـاك ان تـسـن سـنـة بـدعة , فان العبد اذا سن سنة سيئة , لحقه وزرها , ووزر من عمل بها )) ((479)) .
وعنه (ص ) :
(( من احدث حدثا , او آوى محدثا , فعليه لعنة اللّه , والملائكة , والناس اجمعين , لايقبل منه عدل ولا صرف يوم القيامة .
فقيل : يا رسول اللّه : ما الحدث ؟.
فقال (ص ) : من قتل نفسا بغير نفس , او مثل مثلة بغير قود , او ابتدع بدعة بغيرسنة )) ((480)) .
وعن ابي بصير عن ابي جعفر الباقر(ع ) قال :
(( لـمـا حـضـر الـنبي (ص ) الوفاة , نزل جبرائيل , فقال له جبرائيل : يا رسول اللّه , هل لك في الـرجوع ؟ قال : لا , قد بلغت رسالات ربي , ثم قال له : يا رسول اللّه اتريدالرجوع الى الدنيا ؟ , قال : لا , بل الرفيق الاعلى , ثم قال رسول اللّه (ص ) للمسلمين ,وهم مجتمعون حوله :
ايـهـا الـنـاس انــه لانـبـي بـعدي , ولا سنة بعد سنتي , فمن ادعى ذلك فدعواه وبدعته في النار )) ((481)) .
وعنه (ص ) :
(( ما من امة ابتدعت بعد نبيها في دينها بدعة , الا اضاعت مثلها من السنة )) ((482)) .
وعن امير المؤمنين علي (ع ) انه قال :
(( وامـا اهـل الـسـنـة , فـالـمتمسكون بما سنه اللّه لهم ورسوله , وان قلوا , واما اهل البدعة , فالمخالفون لامر اللّه تعالى وكتابه ولرسوله , والعاملون برايهم واهوائهم , وان كثروا , وقد مضى منهم الفوج الاول , وبقيت افواج , وعلى اللّه فضها واستيصالها عن جدبة الارض )) ((483)) .
وسال رجل الامام عليا(ع ) عن السنة , والبدعة , والفرقة , والجماعة , فقال (ع ) :
(( امـا الـسـنة : فسنة رسول اللّه (ص ) , واما البدعة : فما خالفها , واما الفرقة , فاهل الباطل وان كثروا , واما الجماعة , فاهل الحق وان قلوا )) ((484)) .
وعنه (ع ) :
(( واعـلـمـوا ان خـيـر ما لزم القلب اليقين , واحسن اليقين التقى , وافضل امورالحق عزائمها , وشرها محدثاتها , وكل محدثة بدعة , وكل بدعة ضلالة , وبالبدع هدم السنن )) ((485)) .
وعنه (ع ) :
(( ما احدثت بدعة الا ترك بها سنة , فاتقوا البدع , والزموا المهيع , ان عوازم الامور افضلها , وان محدثاتها شرارها )) ((486)) .
وعنه (ع ) :
(( واعلم انكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه , ولن تاخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الـذي نـقـضه , ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه , ولن تتلواالكتاب حق تلاوته حتى تعرفوا الـذي حرفه , ولن تعرفوا الضلالة , حتى تعرفوا الهدى , ولن تعرفوا التقوى , حتى تعرفوا الذي تعدى , فاذا عرفتم ذلك , عرفتم البدع والتكلف , ورايتم الفرية على اللّه وعلى رسوله , والتحريف لكتابه )) ((487)) .
وعنه (ع ) :
(( فاستقيموا على كتابه , وعلى منهاج امره , وعلى الطريقة الصالحة من عبادته , ثم لا تمرقوا منها , ولا تـبـتـدعوا فيها , ولا تخالفوا عنها , فان اهل المروق منقطع بهم عند اللّه يوم القيامة واعلموا عـباد اللّه ان المؤمن يستحل العام ما استحل عاما اول ,ويحرم العام ما حرم عاما اول , وان ما احدث الـناس لا يحل لكم شيئا مما حرم عليكم وانما الناس رجلان : متبع شرعة , ومبتدع بدعة , ليس له من اللّه سبحانه برهان وسنة ,ولا ضيا وحجة )) ((488)) .
وعنه (ع ) من كتاب له الى عثمان :
(( فـاعـلم ان افضل عباد اللّه عند اللّه امام هدي وهدى , فاقام سنة معلومة ,وامات بدعة مجهولة , وان الـسـنن لنيرة لها اعلام , وان البدع لظاهرة لها اعلام , وان شر الناس عند اللّه امام جائر ضل وضل به , فامات سنة ماخوذة , واحيى بدعة متروكة )) ((489)) .
وعنه (ع ) في حق بني امية :
(( قد خاضوا بحار الفتن , واخذوا بالبدع دون السنن )) ((490)) .
وعنه (ع ) :
(( ايـها الناس انما بد وقوع الفتن اهوا تتبع , واحكام تبتدع , يخالف فيها كتاب اللّه , يقلد فيها رجال رجالا )) ((491)) .
وعنه (ع ) :
(( ما احد ابتدع بدعة الا ترك بها سنة )) ((492)) .
وعنه (ع ) :
(( طـوبـى لـمـن ذل فـي نـفـسه وعزل عن الناس شره , ووسعته السنة , ولم ينسب الى البدعة )) ((493)) .
وعنه (ع ) انـه ضرب بيده على لحيته الشريفة الكريمة , فاطال البكا ثم قال :
(( اوه على اخواني الذين تلوا القرآن فاحكموه , وتدبروا الفرض فاقاموه ,واحيوا السنة , واماتوا البدعة )) ((494)) .
ومن دعا الامام الرضا(ع ) لصاحب الامر :
(( واقصم به رؤوس الضلالة , وشارعة البدع , ومميتة السنة , ومقوية الباطل )) ((495)) .

( البدعة ) : تعني الغش والضلال واتباع الاهوا

ورد عن رسول اللّه (ص ) انه قال :
(( من غش من امتي , فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس اجمعين , قالوا : يا رسول اللّه , وما الغش ؟ فقال (ص ) :
ان يبتدع لهم بدعة فيعملوا بها )) ((496)) .
وعنه (ص ) :
(( ان احـسـن الحديث كتاب اللّه , وخير الهدي هدي محمد , وشر الامورمحدثاتها , وكل محدثة بدعة , وكل بدعة ضلالة )) ((497)) .
وعن ابي جعفر الباقر(ع ) في قوله تعالى : ( قل هل ننبئكم بالاخسرين اعمالا #الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا ) ((498)) قال (ع ):
(( هـم ا لنصارى , والقسيسون , والرهبان , واهل الشبهات والاهوا من اهل القبلة , والحرورية , واهل البدع )) ((499)) .
وعنه (ع ) في قوله تعالى : ( والذين كسبوا السيئات جزا سيئة بمثلهاوترهقهم ذلة مالهم من اللّه من عاصم ) ((500)) , قال (ع ) :
(( هؤلا اهل البدع والشبهات والشهوات , يسود اللّه وجوههم , ثم يلقونه )) ((501)) .

( البدعة ) : ادنى مراتب الكفر والشرك

عن امير المؤمنين (ع ) انه قال :
(( وادنى ما يكون به العبد كافرا , من زعم ان شيئا نهى اللّه عنه ان اللّه امر به ,ونصبه دينا يتولى عليه , ويزعم انه يعبد الذي امره به , وانما يعبد الشيطان )) ((502)) .
وعن الحلبي قال : قلت لابي عبداللّه (ع ) :
(( مـا ادنـى مـا يـكـون به العبد كافرا ؟ فقال (ع ) : ان يبتدع شيئا فيتولى عليه , ويبراممن خالفه )) ((503)) .
وقال ابو جعفر الباقر(ع ) :
(( ادنى الشرك ان يبتدع الرجل رايا , فيحب عليه ويبغض )) ((504)) .

البدعة : موارد وتطبيقات

وردت في النصوص الاسلامية عدة تطبيقات على موارد معينة كانت تجسدبوضوح ظاهرة الابتداع , كـمـا ورد ايضا نفي الابتداع عن موارد اخرى , وسوف نستعرض امثلة تاريخية لكلا القسمين , لكي نتمكن من خلال ذلك اخذ صورة واقعية عن طبيعة هذه التطبيقات , والحدود التي تمت فيها.
فـامـا الـموارد التي ورد فيها تطبيق معنى الابتداع فهي كثيرة , سوف ننتخب للقارئ الكريم بعض النماذج البارزة لها.
1 ـ طـبـق رسول اللّه (ص ) ( البدعة ) على عملية اكراه الناس للدخول في الاسلام ,حيث ان اللّه تعالى لم يامر بذلك , فيكون تطبيقا لما ليس له اصل في الدين , فقد ورد عن علي (ع ) انه قال :
(( ان الـمـسلمين قالوا لرسول اللّه (ص ) : لو اكرهت يا رسول اللّه من قدرت عليه من الناس على الاسـلام , لـكـثـر عددنا , وقوينا على عدونا , فقال رسول اللّه (ص ) : ماكنت لالقى اللّه عزوجل ببدعة لم يحدث الى فيها شيئا , وما انا من المتكلفين .
فـانزل اللّه عزوجل عليه : يا محمد : ( ولو شا ربك لامن من في الارض ك لهم جميعا ) ((505)) عـلى سبيل الالجا والاضطرار في الدنيا , كما يؤمنون عند المعانية ورؤية الباس في الاخرة , ولو فعلت ذلك بهم لم يستحقوا مني ثوابا ولا مدحا , لكني اريد منهم ان يؤمنوا مختارين غير مضطرين , لـيـسـتـحقوا مني الزلفى والكرامة ودوام الخلود في جنة الخلد : ( افانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) ((506)) )) ((507)) .

ـ طبق رسول اللّه (ص ) ( البدعة ) على قيام نافلة شهر رمضان جماعة في لياليه ,وهي المسماة بـصـلاة ( الـتـراويح ) , وطبقها كذلك على صلاة ( الضحى ) , باعتبار انـه (ص ) لم يشرع ذلك للمسلمين , بل وقد ورد عنه , النهي عن ذلك , فقد ورد عن ابي عبداللّه الصادق (ع ) انه قال :
(( صوم شهر رمضان فريضة , والقيام في جماعة في ليلته بدعة , وما صلاهارسول اللّه (ص ) في لـيـالـيه بجماعة , ولو كان خيرا ما تركه , وقد صلى في بعض ليالي شهر رمضان وحده , فقام قوم خلفه , فلما احس بهم دخل بيته , فعل ذلك ثلاث ليال ,فلما اصبح بعد ثلاث صعد المنبر , فحمد اللّه واثنى عليه ثم قال :
( ايها الناس لا تصلوا النافلة ليلا في شهر رمضان , ولا في غيره , فانها بدعة ,ولا تصلوا الضحى , فانها بدعة , وكل بدعة ضلالة , وكل ضلالة سبيلها الى النار ).
ثم نزل وهو يقول : ( قليل في سنة خير من كثير في بدعة ) )) ((508)) .
3 ـ طـبـقـت ( الـبدعة ) في كلام امير المؤمنين علي (ع ) على فعل اهل النهروان الذين حاربوه , وخرجوا عليه بغير حق , ففي حديث طويل يحاور فيه ( ابن الكوا ) اميرالمؤمنين (ع ) انه قال :
(( يا امير المؤمنين اخبرني عن قول اللّه عزوجل : ( قل ه ل ننبئكم بالاخسرين اعمالا # الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا ) ((509)) , فقال (ع ) : كفرة اهل الكتاب : اليهود والنصارى , وقد كانوا على الحق ,فابتدعوا في اديانهم , وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا.
ثـم نـزل (ع ) عـن الـمـنبر , وضرب بيده على منكب ( ابن الكوا ) , ثم قال : يا ابن الكواوما اهل النهروان منهم ببعيد قـال الـراوي : فـرايـنـا ( ابن الكوا ) يوم النهروان , فقيل له : ثكلتك امك بالامس كنت تسال امير المؤمنين (ع ) عما سالته وانت اليوم تقاتله ؟ ((510)) .
4 ـ طـبـق امـيـر الـمـؤمـنـين (ع ) ( البدعة ) على الخوض في امر القدر , والجدال في الامور الاعتقادية التي تكون منشا للاختلاف , وسببا لفرقة المسلمين , وتمزيق وحدتهم ,وذلك عندما مر على قوم من اخلاط المسلمين , ليس فيهم مهاجري ولا انصاري , وهم قعود في بعض المساجد في اول يـوم مـن شعبان , واذا هم يخوضون في امر القدر مما اختلف الناس فيه , قد ارتفعت اصواتهم , واشـتـد فـيه جدالهم , فوقف عليهم وسلم , فردوا عليه ,ووسعوا له , وقاموا اليه يسالونه القعود اليهم , فلم يحفل بهم , ثم قال لهم ـ وناداهم ـ :
(( يـا معشر المتكلمين , الم تعلموا ان للّه عبادا قد اسكتتهم خشيته من غير عي ولا بكم فاين انتم مـنهم يا معشر المبتدعين , الم تعلموا ان اعلم الناس بالضرراسكتهم عنه , وان اجهل الناس بالضرر انطقهم فيه ؟ )) ((511)) .
5 ـ طبقت ( البدعة ) على قول المؤذن ( الصلاة خير من النوم ) , وعده جزا من .
الاذان الـشرعي , وذلك باعتبار ان هذا القول ليس له اصل في الدين , فقد ورد عن ابي الحسن (ع ) انه قال :
(( الـصـلاة خير من النوم بدعة بني امية , وليس ذلك من اصل الاذان , ولا باس اذا اراد الرجل ان ينبه الناس للصلاة ان ينادي بذلك , ولا يجعله من اصل الاذان , فانالا نراه اذانا )) ((512)) .
6 ـ طـبـقـت ( البدعة ) على الاذان الثالث يوم الجمعة الذي احدثه عثمان بن عفان ,ولم يكن له اية صلة بالتشريع , فقد ورد عن ابي جعفر(ع ) انه قال :
(( الاذان الثالث يوم الجمعة بدعة )) ((513)) .
7 ـ طبقت ( البدعة ) على الجدال في القرآن بغير علم , فعن اليقطيني قال :
(( كـتـب ابـو الحسن الثالث (ع ) الى بعض شيعته ببغداد : بسم اللّه الرحمن الرحيم ,عصمنا اللّه وايـاك من الفتنة , فان يفعل فاعظم بها نعمة , والا يفعل فهي الهلكة , نحن نرى ان الجدال في القرآن بـدعـة , اشـترك فيها السائل والمجيب , فتعاطى السائل ماليس له , وتكلف المجيب ما ليس عليه , وليس الخالق الا اللّه , وما سواه مخلوق )) ((514)) .
هـذا بالنسبة الى تطبيق ( البدعة ) على بعض الموارد البارزة لها في لسان الروايات ,كما جا ايضا نـفـي الابـتـداع عـن موارد اخرى لعدم انطباق حدود المفهوم عليها , ولما تمتلكه من اصول دينية مشروعة , فمن تلك الموارد :
1 ـ انه نفي الابتداع عن سجدة الشكر بعد الفريضه باعتبار ارتباط هذا العمل .
بالدين , ووجود اصل له فيه , فقد سال محمد بن عبداللّه الحميري من صاحب الزمان (ع )عن سجدة الـشـكـر بعد الفريضة , هل يجوز ان يسجدها الرجل بعد الفريضة , فان بعض اصحابنا ذكر انها ( بدعة ) , فاجاب (ع ) :
(( سـجدة الشكر من الزم السنن واوجبها , ولم يقل ان هذه السجدة بدعة الا م ن اراد ان يحدث في دين اللّه بدعة )) ((515)) .
2 ـ انه نفي الابتداع عن اظهار البسملة , باعتبار وجود اصل لها في التشريع فعن خالد بن المختار قال : سمعت جعفر بن محمد(ع ) يقول :
(( مـا لـهـم قاتلهم اللّه عمدوا الى اعظم آية في كتاب اللّه فزعموا انها بدعة اذااظهروها , وهي بسم اللّه الرحمن الرحيم )) ((516)) .

الفصل الرابع

مفهوم ( البدعة ) بين الاطراد.
والانعكاس .
1 ـ الاختصاص بالامور الشرعية .
فعل السلف .
حرص مقلوب .
2 ـ عدم وجود دليل شرعي على الامر الحادث من الدين .
استثنا ما ورد فيه دليل خاص .
استثنا ما ورد فيه دليل عام .
ا ـ الاهتمام بالقرآن الكريم .
ب ـ صيام يوم الخامس عشر من شعبان وقيام ليلته .
ح ـ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف والذكريات اسلامية .
د ـ زيارة قبر النبي (ص ) ومراقد الائمة (ع ).
ه ـ اقامة المتم ومجالس العزا.
قصد التشريع .
مـفهوم ( البدعة ) بين الاطراد والانعكاس ( البدعة ) بكلمة واحدة هي : ( ادخال ما ليس من الدين فيه ) , فيكون المفهوم متقوما بامرين :
اولا : الاختصاص بالامور الشرعية .
ثانيا : عدم وجود دليل شرعي على الامر الحادث من الدين .
1 ـ الاختصاص بالامور الشرعية .
يـختص مفهوم ( البدعة ) بالامور الشرعية التوقيفية , ولا يتعدى ذلك الى حيث العادات المتغيرة , والمباحات السائدة , والاعراف المختلفة لدى الناس , فمثلا كان الانسان يستعمل الدواة في الكتابة , وهـو الان يـسـتـعـمل آلات الطبع الالكترونية , وكان يركب الدواب في الاسفار , والان يركب الـسـيـارة والـطـائرة , وكـان يستعمل الزيت في الاضاة والتدفئة , والان يستعمل الغاز والكهربا والطاقة الشمسية وهكذا.
وقـد اخـتـلفت بناا على هذا التطور الحاصل في جميع مرافق الحياة طريقة الانسان في التعامل مع كـثير من الامور الشرعية كتدوين الحديث , وتصنيفه , وتبويبه ,والاستماع الى القرآن , وتشييد الامـاكـن الـمقدسة , واقامة التجمعات الدينية , وانشاالمدارس والمؤسسات الاسلامية , واحداث الـمـنـتديات العامة , وترويج الاسلام عن طريق الاذاعة , والتلفزيون , والمطبوعات , بالاساليب المختلفة , ووضع اساليب جديدة للتربية والتعليم وغير ذلك من الامور التي تختلف باختلاف عادات الناس , وطبعائهم ,واعرافهم الخاصة .
فـكـل هذه الامور لا علاقة لها بالابتداع , وان كانت امورا حادثة , وغير موجودة سابقا في عصر الـتـشـريع الاول , لانها موكولة الى طبيعة انتخاب الانسان لاساليب حياته المتنوعة , وراجعة الى طـريـقته في التعامل مع الاشيا التي تزخر بها حياته , ومرتبطة بقدرته على تسخير الطاقة الكامنة فـي هـذا الـوجود , واكتشاف الاسرار المودعة في هذاالكون لصالح تقدمه ورقيه وتطوره بما لا يصطدم ـ طبعا ـ مع تعاليم الشرع المقدس ,ويوجب الاخلال بالنظام الاجتماعي العام .
وقد حاول بعض المتحجرين مما يتسمى باسم العلما توسعة معنى ( البدعة ) ,وجعله شاملا لكل امر حـادث لـم يـكن في زمن رسول اللّه (ص ) , ولو كانت تشم منه رائحة الارتباط بالدين , تحت غطا الحرص على الشريعة الاسلامية , وبذل غاية الوسع في الذب عنها.
وقـد تـفـشـت هـذه الظاهرة عند ( الوهابيين ) بشكل ملفت للنظر , وخارق للحدودالمشروعة , واخـذوا يطلقون كلمة ( البدعة ) على الصغيرة والكبيرة في حياة الناس ,بحجة عدم وجودها في زمن النبي (ص ) , او عدم فعل السلف لها فقد تصور الكثير من هؤلا ان كل امر شرعى لا بد ان يرو بشانه النص الخاص المشير اليه بشكل صريح , وان كل ما لم يرد بشانه دليل شرعي خاص , فانه مندرج في قائمة الابتداع , ومتصف بهذا الـعـنـوان , وكان الشريعة الاسلامية شريعة عقيمة , لا تمتلك الضوابط العامة , والقوانين الكلية , بتعدد لتتعدد الموارد , والموضوعات المستجدة والمتنوعة .
وكان على راس هذه المدرسة ( ابن تيمية ) الذي غرس بذور الفرقة والشقاق في عقائد المسلمين باتهاماته هذه , واخذ يرمي المسلمين الموحدين بالوان شتى من التهم والافتراات التي ما انزل اللّه بها مـن سـلـطـان , متذرعا بمفهوم الابتداع , ومتوسلابالمغالطات والاباطيل , ومموها بادخال الامور الاعتيادية العامة بالامور العبادية .
بينما نرى ان ( ابن تيمية ) بنفسه يقر بان العادات موكولة الى اعراف الناس وطبائعهم , وان الاصل فيها هو الحلية وعدم الحظر حيث يقول :
(( فـالاصل في العبادات لا يشرع منها الا ما شرعه اللّه , والاصل في العادات لايحظر منها الا ما حظره اللّه )) ((517)) .
وقد ورث ( الوهابيون ) طريقتهم في رمي الطوائف الاسلامية بالشرك والابتداع ,من استاذهم في الـضلال ( ابن تيمية ) , وجعلوا اقواله وآراه اساسا لكل مفردات بنائهم الفكري المضلل , ومحورا لتقولاتهم ونظرياتهم الموجهة ضد الاسلام من الاساس .
جا في دائرة المعارف الاسلامية :
(( وتـطور مدلول كلمة ( البدعة ) , وانقسم الناس حياله الى فريقين : الاول :محافظ , والاخر :
مجدد , وكان اتباع الفريق المحافظ اول الامر الحنابلة بنوع خاص ,ويمثلهم الان الوهابيون , وهذا الـفـريـق آخـذ في الزوال , ويذهب هذا الفريق الى انه يجب على المؤمن ان ياخذ بالاتباع ( اتباع السنة ) , وان يرفض الابتداع , والفريق الاخريسلم بتغير البيئة والاحوال )) ((518)) .
فهناك اذن توجه اعتقادي متطرف يعطي لمفهوم ( البدعة ) معنى مغلوطا وواسعا ,ويطبقها على كل امـر حـادث في حياة المسلمين , ويوسع دلالتها الى مختلف شؤون الحياة بدعاوى الحرص والتقيد والاتـبـاع , بـمـا فـي ذلك الامور التي ترتبط بعادات الناس واعرافهم المتغيرة , او التي ليست لها علاقة مع اصول التشريع ومبانيه .
ولا شك في ان هذا النمط من التفكير لا يعني الا الانغلاق الكامل عن الحياة ,والانزوا المطبق الذي يـعـزل الـشريعة عن التفاعل مع المجتمع بشكل كامل , ويؤدي في نتيجته بالشريعة الاسلامية الى التلاشي والانقراض , مع اول وابسط نقلة حياتية تطورية تحدث في حياة الانسان .
ولكي تقف ـ ايها القارئ الكريم ـ على حقيقة هذا الانحراف الفكري , ندعوك لان تطالع هذه النماذج التي تجسد هذا الخط المتطرف في شريعة السما السمحا :
1 ـ جـا فـي ( الاعـتصام ) ان ابا نعيم الحافظ روى عن محمد بن اسلم : (( انه ولد له ولد , قال ـ مـحـمـد بـن القاسم الطوسي ـ فقال : اشتر لي كبشين عظيمين , ودفع الي دراهم ,فاشتريت له , واعطاني عشرة اخرى , وقال لي : اشتر بها دقيقا ولا تنخله واخبزه قـال : فـنـخلت الدقيق وخبزته , ثم جئت به , فقال : نخلت هذا ؟ واعطاني عشرة اخرى , وقال :
اشتر به دقيقا و لا تنخله , واخبزه ونخل الدقيق بدعة , ولا ينبغي ان يكون في السنة بدعة , ولم احب ان يكون ذلك الخبز في بيتي بعد . 2 ـ روي ان رجـلا قـال لابي بكر بن عياش : (( كيف اصبحت ؟ فما اجابه , وقال :دعونا من هذه . 3 ـ وروي عـن ابـي مـصـعب صاحب مالك انه قال : (( قدم علينا ابن مهدي ـ يعني المدينة ـ فصلى ووضـع رداه بـين يدي الصف , فلما سلم الامام رمقه الناس بابصارهم ,ورمقوا مالكا , وكان قد صلى خـلـف الامـام , فـلـمـا سلم قال : من ههنا من الحرس ؟ فجاه نفسان , فقال : خذا صاحب هذا الثوب فـاحـبـساه ثـوبـك بين يديك في الصف ,وشغلت المصلين بالنظر اليه , واحدثت في مسجدنا شيئا ما كنا نعرفه , وقد قال النبي (ص ) :
( م ن احدث في مسجدنا حدثا فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس اجمعين ) ؟ فبكى ابن مهدي , وآلى . 4 ـ وقـد نـقل ( ابن الحاج ) في كتاب ( المدخل ) الوانا شتى من هذه الاباطيل ,وحشد كتابه بما يـجـسـد هذا التفكير المنحرف , واطلق ( البدعة ) على شتى ما تفرضه قوانين الحياة من مظاهر واحكام وضرورات , وسوف ننقل لك ـ ايها القارئ الكريم ـنماذج مقتطعة من كلمات ( ابن الحاج ) هذه , لترى بنفسك الى اين وصل هؤلاالمتحجرون بشريعتنا الاسلامية السمحا , وكيف ضيقوا على المسلمين , وافترواعلى دين اللّه ما لم ينزل به سلطانا :
#يقول ( ابن الحاج ) فيما يتخيله من البدع المحدثة في المساجد : (( ومن هذا الباب الكرسي الكبير الذي يعملونه في الجامع , ويؤبدونه , وعليه المصحف الكبير , لكي يقراعلى الناس واول من احدث هـذه الـبـدعـة فـي الـمسجد الحجاج , اعني القراة في المصحف , ولم يكن ذلك من عمل من مضى . #ويـقـول ايـضـا حول نفس الموضوع : (( و من هذا الباب ايضا ما احدثوه في المسجد من الصناديق الـمـؤبـدة , الـتـي يـجعل فيها بعض الناس اقدامهم وغيرها من اثاثهم ,وذلك غصب لموضع مصلى . #ويقول ايضا : (( ومن هذا الباب الدكة التي يصعد عليها المؤذنون للاذان يوم الجمعة , ولا ضرورة تدعو للاذان عليها , بل هي اشد من الصناديق , اذ يمكن نقل الصناديق , ولا يمكن نقلها )) ((524)) #ويـقـول ايـضـا : (( وامـا بلاد المغرب فقد سلموا من تقطيع الصفوف , لكن بقيت عندهم بدعتان :
احـدهـما كبر المنبر على ما هو هنا , و الثانية : انهم يدخلون المنبر في بيت اذا فرغ الخطيب من . #وى عد وجود ( المراوح ) في المساجد من البدع ايضا حيث يقول : (( وقد منع علماؤنا رحمة اللّه . #كـمـا ويـعتبر المصافحة بعد الصلاة من البدع , ويخص المصافحة المشروعة في حالة لقا المسلم باخيه المسلم فقط مـن الـمصافحة بعد صلاة الصبح , وبعد صلاة العصر , وبعدصلاة الجمعة , بل زاد بعضهم في هذا الوقت فعل ذلك بعد الصلوات الخمس , وذلك كله من البدع .
ومـوضع المصافحة في الشرع انما هو عند لقا المسلم لاخيه , لا في ادبار الصلوات الخمس وذلك كله من البدع , فحيث وضعها الشرع نضعها , فينهي ـ اي الامام ـ عن ذلك , ويزجر فاعله لما اتى من . #ويـعـد ( ابن الحاج ) سكب ما الورد على قبر الميت من البدع فيقول : (( ثم العجب من كونهم ياتون بـما الورد , فيسكبون ذلك عليه في القبر , وهذه ايضا بدعة اخرى , لان الطيب انما شرع في حق الميت بعد الغسل لا في القبر , فكيف يجتمع طيب ونجاسة )) ؟ #ويعتبر ( ابن الحاج ) ايضا فرش البسط والسجادات قبل مجي اصحابها من البدع المحدثة , فيقول :
ويـنـبغي له ـ اي لامام المسجد ـ ان ينهى الناس عما احدثوه من ارسال البسط والسجادات وغيرها قبل ان ياتي اصحابها وقد تقدم ما في ذلك من القبح , ومخالفة السلف الماضين رضي اللّه عنهم اجمعين . #وحول دخول السقائين الى المساجد يقول : (( وينبغي له ـ اي لامام المسجد ـان يمنع السقائين الذين يدخلون المسجد وينادون فيه على من يسبل لهم , فاذا سبل لهم ينادون : غفر اللّه لمن سبل , ورحم اللّه مـن جـعل الما للسبيل , و ما اشبه ذلك من الفاظهم , ويضربون مع ذلك بشي في ايديهم له صوت . #ولا تسلم الثياب التي يرتديها الانسان في قيمتها ومقدارها من معزوفة ( ابن الحاج ) في البدع حيث يقول : (( ولا يظن ظان ان ما ذكر من لبس الحسن من الثياب هوما اعتاده بعض الناس في هذا الزمان , بـل ذلـك عـلى ما درج عليه السلف , وكانوا رضوان اللّه عليهم على ما نقله الامام ابو طالب المكي رحـمـه اللّه فـي كتابه : اثمان اثوابهم القمص كانت من الخمسة الى العشرة فما بينهما من الاثمان , وكان جمهور العلما وخيار التابعين ,قيمة ثيابهم ما بين العشرين والثلاثين , وكان بعض العلما يكره ان يـكـون على الرجل من الثياب ما يجاوز قيمته اربعين درهما , وبعضهم الى المائة , ويعده سرفا فيما جاوزها ,انتهى .
. #ولم يكتف ( ابن الحاج ) بالقول بان فرش البسط قبل مجيئ اصحابها بدعة كماتقدم , وانما اعرب عن . #ويحذر ( ابن الحاج ) من فرش السجادة على المنبر , لانه ليس موضعا للصلاة درج الـمنبر يوم الجمعة , لان ذلك لم يكن فيما مضى , فهو اذن من البدع المحدثة (( وليحذر ان يفرش السجادة على المنبر لان ذلك بدعة , اذ انه لم يات عن النبي للّه , ولا عن احد من الخلفا بعده , ولا عن احد من الصحابة , ولاالسلف رضي اللّه عنهم اجمعين , فلم يبق الا ان يكون ذلك بدعة , ولا ضرورة تدعواليها , لانه ليس بموضع صلاة .
وكذلك ينبغي ان يمنع ما يفرش على درج المنبر يوم الجمعة , فانه من باب الترفه ,ولم يكن من فعل . #ويعتبر ايضا اتخاذ امام الجمعة السجادة للصلاة عند محرابه بدعة , فيقول :(( فاذا فرغ ـ اي امام الـجمعة من خطبته ودعائه ـ منه , فليقم المؤذن الصلاة , فاذا دخل المحراب , فينبغي له ان يصلي . #كما يجعل بعض العلما على ما ينقله ( ابن الحاج ) عنهم قعود امام الجمعة في مصلاه , بعد فراغه من الـصـلاة , عـلى هيئته التي كان عليها في اثنا الصلاة , من البدع المحدثة , فيقول : (( قال علماؤنا رحـمة اللّه عليهم : و بعض الائمة ـ اي ائمة الجمعة ـ يقعد في مصلا ه على هيئته التي كان عليها في صلاته , وذلك بدعة , لانه عليه الصلاة والسلام لم يفعله , ولا احد من الخلفا , ولا من الصحابة بعده , رضي اللّه عنهم اجمعين )) ((534)) .
الى غير ذلك من السفاسف والاباطيل التي يدرجها في هذا الباب ((535)) .
ويـكـفي لكل من كان يمتلك ادنى اطلاع عن تعاليم الشريعة الاسلامية ,ومصادرها الاساسية , وما تـتـمتع به من حيوية , ومرونة , وشمولية لجميع مرافق الحياة ان يتبين الاساس الخاطئ الذي بني عـلـيـه هـذا اللون من التفكير الذي يحمله ( ابن الحاج ) , وامثاله ممن ملا الدنيا تشنيعا على اتباع مـدرسة اهل البيت (ع ) , ونيلا من معتقداتهم الحقة التي تتنزه عن مثل هذه الاقاويل الجوفا , وتنزه شريعة الاسلام عن مثل هذا التحجر , والجمود , والانزوا , ونحن نعتقد اعتقادا جازما ان مثل هذا الـسـلـوك لـم يـكـن من باب الحرص على الشريعة الاسلامية , ومبادئها , وتعاليمها , بقدر ما هو ذريـعـة لاتـهام الاخرين , والصاق الافتراات بهم , تحت هذا الغطا والعنوان المفتعل , تلبية لنزوات الحقد الدفين , وايغالا في شق صفوف المسلمين , ووحدة كلمتهم .
فـلـم الـتـشبث بما فعله السلف , وترك السير على هدي عدلا القرآن الكريم ,وامنا وحي اللّه في ارضـه ؟ ولم التخلف عن ركوب سفينة النجاة , والانحراف عن صراطائمة الهدى , الذين امر اللّه تـعالى بالاقتدا بهم , والاخذ منهم , والرجوع اليهم , واستقامفردات التشريع نقية صافية من معينهم الثر الذي لا ينضب , ما دام قرينا للقرآن الخالد ؟.
فـهـل يعقل ان يجمد الاسلام في وجه متغيرات الحياة ومستجداتها الى هذاالمستوى من الركود ؟ وهـل مـن الممكن ان يبقى التشريع ساكنا في خضم حركة الحياة الصاعدة , ويعود بالانسان في كل خصوصيات الحياة الى حيث ما كان , فيحجبه بذلك عن ترشيد وعيه , واطلاق العنان لفكره الخلا ق , وابداعاته المختزنة ؟ وهـل يـعنى الاسلام الا الانفتاح على كل ما من شانه ان يرقى بحياة الانسان نحوالتقدم المشروع , ويجر الخير والسعادة الى البشرية جمعا ؟.
ان هذا الفهم الساذج والمغلوط لـ ( البدعة ) نجد جذوره ممتدة في عمق التاريخ ‌الاسلامي الى حيث الـصـدر الاول لـلـتشريع , فقد كان بسطا الناس يقصرون النظرالى الامور من زاوية كونها امورا مـحدثة لم تكن موجودة على عهد رسول اللّه (ص ) , بطريقة ذات افق ضيق ومحدود , وفهم ساذج ومغلوط.
فـيروى مثلا : (( ان سعدا بن مالك سمع رجلا يقول : ( لبيك ذا المعارج ) , فقال : ماكنا نقول هذا على عهد رسول اللّه )) ((536)) .
ان هـذه الـحادثة وان كانت مبنية على عدم التفريق بين ما ورد فيه دليل عام , وبين ما ورد فيه دليل خاص الا انها تعكس مدى ما كان يحمله بعض المسلمين من فهم ساذج لمفهوم الابتداع .
ونظير ذلك ما ذكره ( ابن الحاج ) في ( المدخل ) حيث يقول : (( و قد كان عبداللّه بن عمر رضي اللّه عـنهما مارا في طريق بالبصرة , فسمع المؤذن , فدخل الى المسجد يصلي فيه الفرض فركع , فبينما هو في اثنا الركوع , واذا بالمؤذن قد وقف على باب المسجدوقال : حضرت الصلاة رحمكم اللّه .
ففرغ من ركوعه , واخذ نعليه , وخرج , وقال : واللّه لا اصلي في مسجد فيه بدعة )) ((537)) .
لقد نشا هذا الفهم الخاطئ لمعنى ( البدعة ) من الاعتقاد بان كل امر حادث لم يكن موجودا في عصر رسول اللّه (ص ) , ولم يرد بشانه دليل معين يخصه بالذكر , فانه داخل في حيز الابتداع .
ومن هنا ياتي ما طالعناه آنفا من العبارات المتقدمة التي يعد البعض فيهانخل الدقيق من البدع المحدثة في الدين , ويعد البعض الاخر وضع المر رداه بين يدي الصف في الصلاة من البدع ايضا , كما يرى آخـر ان الـتـحية بعبارة ( كيف اصبحت ) من مصاديق الابتداع , ويعدون ايضا ادخال المراوح الى المساجد , والمصافحة بعد الصلاة ,وسكب ما الورد على القبر , وفرش البسط في المساجد او على الـمـنـابـر , ولبس ما زادت قيمته على المائة درهم من الثياب يعدون كل ذلك بدعا محرمة , يجب مـحـاربـتـها , والقضاعليها وما كان حجتهم في ذلك الا ان هذه الامور وامثالها لم تكن موجودة في عـصررسول اللّه (ص ) , وانها تفتقد الى النص الخاص الوارد بشان اباحتها , او مطلوبيتها , او انه لم يعهد من السلف المتقدم مزاولتها , والاتيان بها.
ولنا مع هذا اللون من التفكير الخاطئ وقفة اخرى اكثر تفصيلا في مواضع مناسبة من هذه الدراسة بـاذن اللّه تعالى , نتبين من خلالها ان الامر الذي لم يرد بشانه الدليل الخاص لا يكون بدعة , الا اذا لـم يـجد له عنوانا شرعيا عاما ينضوي تحته , وينتسب الى الدين من خلال كونه واحدا من موارده ومـصـاديـقـه , واما اذا ما وجد دليل عام يشمل الامر الحادث , فان دخوله تحت عنوان هذا الدليل يـخرجه عن حد الابتداع وحقيقته ,حتى لو لم يكن ذلك الامر الحادث موجودا في عصر الرسول الاكرم (ص ) , ولم يرد بشانه دليل معين يذكره بالخصوص .
واما قضية الاحتكام الى فعل السلف , فهو ما سنتعرض له بالمقدار الذي يتعلق بموضوعنا هذا بايجاز.

فعل السلف :

ان الـمـلاحـظ عـلى الكثير من الدراسات التي دونها علما العامة حول موضوع ( البدعة ) , وحول الـكـثـيـر مـن الـمـوارد التي الصقوا بها عنوان الابتداع , قد بنيت على اساس حجية فعل السلف , ومـساوقته لشرط الارتباط بالدين , فما فعله السلف والتزموا به كان تركه ( بدعة ) , وما تركوه كان فعله ( بدعة ) حسب رايهم .
وقـبـل ان نقوم بمناقشة هذا الراي في خصوص ما نحن فيه , نحاول ان نستعرض بعض النماذج من اقـوال علما العامة التي بنت القول بالابتداع في القضايا المتعددة على فعل السلف , وجعلت هذا الامر في عداد المصادر الاساسية للتشريع , لكي يطلع القارئ الكريم بنفسه على هذا النمط من الاستدلال , ويقف معنا بعد ذلك على حقيقة الامر فيه .
#يـقـول ( ابـن تيمية ) حول المولد النبوي الشريف : (( فان هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له , وعـدم الـمانع منه , ولو كان هذا خيرا محضا او راجحا , لكان السلف رضي اللّه عنهم احق به منا , فانهم كانوا اشد محبة لرسول اللّه (ص ) , وتعظيما له منا , وهم على الخير احرص )) ((538)) .
فعمدة الدليل عند ( ابن تيمية ) لرمي الاحتفال في يوم المولد النبوي بالابتداع ,هو عدم فعل السلف لـه , وفـي حـقـيقة الحال ان هذه الذريعة هي آخر ما يمكن ان يتشبث به ( ابن تيمية ) لادخال هذا الامر في دائرة الابتداع , اذ لا يسعه انكار ما ورد بشان الحث على توقير رسول اللّه , ونصرته , وتبجيله , من نصوص غفيرة , كما لا يتسنى له القول بان مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف لا تعبر عن تلك الادلة العامة , ولا تكون مصاديق وموارد تطبيقية لها فاذن لا يوجد محيص عن اعتبار فعل السلف حجة ,والتمسك به , لادخال الاحتفال بالمولد في دائرة الابتداع ومـمـا يـدلـل عـلى اعتراف ( ابن تيمية ) باندراج عمل المولد تحت عموميات التشريع التي تحث المسلمين على محبته , وتوقيرة , وتبجيله (ص ) قوله : (( وكذلك ما يحدثه بعض الناس اما مضاهاة لـلـنـصارى في ميلاد عيسى (ع ) , واما محبة للنبي (ص ) , وتعظيما له ,واللّه قد يثيبهم على هذه الـمـحـبة والاجتهاد , لا على البدع , من اتخاذ مولد النبي (ص ) عيدا ,مع اختلاف الناس في مولده )) ((539)) .
فـهذا النص يوضح ان الاحتفال بالمولد من مظاهر محبة النبي الاكرم (ص ) , ومن مصاديق الاجتهاد في تعظيمه , وتوقيره (ص ) , وان بالامكان ان يحمل عمل المحتفلين بالمولد النبوي على هذا العنوان , ويـكـون عـمـلهم داخلا في صميم التشريع , ومن ابرزمصاديق السنة والاتباع , الا ان التعسف والتحميل يمكن ان يضفي عناوين وعناوين للايهام بعدم مشروعية هذا العمل , كاتخاذ المولد عيدا , او اخـتـلاف الـناس في مولده ,وغير ذلك من الانتحالات المدفوعة , مما يبرز لنا الوجه الحقيقي لـلاصـرار الـقـابع خلف هذه الاتهامات , ومحاولة الوصول بها الى مرحلة التحدي , مهما كان الثمن باهضا.
ومـما يدلل على وقوع ( ابن تيمية ) في الاضطراب بعد ان رمى الاحتفال بالمولدالنبوي بالابتداع قـولـه : (( فـتـعظيم المولد , واتخاذه موسما , قد يفعله بعض الناس , ويكون له فيه اجر عظيم , لحسن قصده , وتعظيمه لرسول اللّه (ص ) )) ((540)) .
و مـا دام الامـر كـذلك , وليس هناك بد من حل الروابط الوثيقة بين الاحتقال بالمولد النبوي , وبين اصـول الـتـشـريـع وتـعاليمه الصريحة , فلا بد من البحث عن مبررلالصاق لفظ ( البدعة ) به , واخراجه عن الدين , فكان ان وقع الاختيار على فعل السلف #وجـا فـي ( الـقول الفصل ) عن بعضهم : (( واما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شـهـر ربـيع الاول التي يقال انها ليلة المولد , وبعض ليالي رجب , اوثامن عشر ذي الحجه , واول جـمـعـة من رجب , او ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيدالابرار , فانها من البدع التي لم يستحبها السلف , ولم يفعلوها )) ((541)) .
#وقـال ( الحفار ) : (( ليلة المولد لم يكن السلف الصالح , وهم اصحاب رسول اللّه (ص ) , والتابعون لهم , يجتمعون فيها للعبادة , ولا يفعلون فيها زيادة على سائر ليالي السنة )) ((542)) .
#وقال ( ابن الحاج ) في ( المدخل ) : (( فالسعيد السعيد من شد يده على الكتاب والسنة , والطريق الموصلة الى ذلك , وهي اتباع السلف الماضين رضوان اللّه عليهم اجمعين , لانهم اعلم بالسنة منا , اذ هم اعرف بالمقال , وافقه بالحال , وكذلك الاقتدا بمن تبعهم باحسان الى يوم الدين )).
ويـضـيـف مـحذرا من الاحتفال بيوم المولد باعتباره ليس من عمل السلف الماضين :(( وليحذر من عـوائد اهـل الـوقـت , وممن يفعل العوائد الرديئة , وهذه المفاسد مركبة على فعل المولد اذا عمل بـالسماع , فان خلا منه , وعمل طعاما فقط , ونوى به المولد ,ودعا اليه الاخوان , وسلم من كل ما تقدم ذكره , فهو بدعة بنفس نيته فقط , اذ ان ذلك زيادة في الدين , وليس من عمل السلف الماضين , واتـباع السلف اولى , بل اوجب من ان يزيد نية مخالفة لما كانوا عليه , لانهم اشد الناس اتباعا لسنة رسول اللّه (ص ) , وتعظيما له ,ولسنته (ص ) , ولهم قدم السبق في المبادرة الى ذلك , ولم ينقل عن احد منهم انه نوى المولد ,ونحن لهم تبع , فيسعنا ما وسعهم )) ((543)) .
#وقال ( الشاطبي ) : (( فكل من خالف السلف الاولين فهو على خطا )) ((544)) .
#ويـقـول مـحـمـد جـميل زينو حول الاحتفال بالمولد : (( والاحتفال لم يفعله الرسول (ص ) , ولا الصحابة , ولا التابعون , ولا الائمة الاربعة , وغيرهم من اهل القرون المفضلة )) ((545)) .
#وقـال ابـو الـحـسـن القرافي : (( ان الماضين في الصدر الاول حجة على من بعدهم ,ولم يكونوا يـلـحـنـون الاشعار , ولا ينضمونها باحسن ما يكون من النغم , الا من وجه ارسال الشعر , واتصال القوافي , فان كان صوت احدهم اشجن من صاحبه , كان ذلك مردودا الى اصل الخلقة , لا يتصنعون , ولا يتكلفون )) ((546)) .
#ويـقـول ابن الحاج فيما يعد من بدع المساجد : (( ومن هذا الباب الكرسي الكبيرالذي يعملونه في الـجـامـع , ويـؤبـدونـه , وعـلـيه المصحف لكي يقرا على الناس ولم يكن ذلك في عمل من مضى )) ((547)) .
ويقول ايضا : (( وكذلك يغير ما يعلقونه من خرق كسوة الكعبة في المحراب وغيره , فان ذلك كله من البدع , لانه لم يكن من فعل من مضى )) ((548)) .
الى آخر ما ذكرناه عنه في بداية فصلنا هذا.
فالملاحظ على كل هذه النصوص المتقدمة والكثير غيرها مما لا يسعنا ذكره لضيق المقام , انها قد اعـتمدت القاعدة السابقة التي تنص على ان ما لم يفعله السلف فهوبدعة , وضلالة محرمة , وانطلق الـبـعض من هذا المبنى , ليشيد ركاما من البدع التي لااساس ولا واقع لها , ويقذف المسلمين بغير حق .
ونـحـن نـعـتقد ان عمل السلف ليس مصدرا من مصادر التشريع كما صوره الكثيرمن علما العامة , وفـرعوا على حجيته الكثير من الاحكام الشرعية التفصيلية , ولايمتلك عمل السلف بحد ذاته اية مـشـروعـيـة فـي الدين الاسلامي , ولا يوجد لدينا اي دليل يشير الى اعتباره وحجيته في مجال الاحكام الشرعية وما يتعلق بذلك من قريب اوبعيد.
اضـافـة الى ان قبول هذا المبنى يعني استسلام الشريعة المقدسة الى البدع والمحدثات , واختلاط الحلال بالحرام , والوقوع في تناقضات افعال السلف , التي طفحت بها كتب الرواية والحديث .
والامـر الـوحـيد الذي نمتلكه بهذا الصدد هو ان فعل المتشرعة الذين يمثلون الطبقة الطليعية في الـمـجـتـمـع الاسـلامي , والذين يحكي تصرفهم وسلوكهم عن واقع الاحكام الشرعية , باعتبار حـرصهم على تطبيق تعاليمها , والجري على منهجها , انما هو حجة من ناحية كونه كاشفا عن تلقي الامر عن مصدر التشريع .
ومـن الـواضح ان هذه الدائرة لا يمكن ان تتسع لتشمل فعل جميع السلف بصورته المفترضة , وانما تـقـتـصر حجيتها في حدود المتشرعة منهم خاصة , وقد تناولت الدراسات المتخصصة في علم ( اصـول الـفقه ) هذا النمط في الاستدلال , وبينت الخصوصيات التفصيلية لطبيعة الاستدلال بسيرة المتشرعة , وشرائط حجيتها.
وامـا بخصوص فعل السلف الذي تفترض الحجية له , فنحن لا نمتلك موقفا موحدايجمع آرا السلف فـي اغـلب القضايا الشرعية , واكثرها حساسية وعمقا , في المقطع الزمني الواحد , فكيف اذا كان الامـر مـتـوزعا على المقاطع الزمنية المتعاقبة ؟ بل وقد نقل لنا التاريخ وقوع الاختلاف الذي لا يمكن بشانه الجمع , وحصول الاجتهادات المتضاربة التي لا تقبل التوفيق بين آرا الصحابة والتابعين في الكثير من القضايا الشرعية , مما لايسع المتتبع انكاره بوجه من الوجوه .
مع ان هناك الكثير من الاعمال المنسوبة الى السلف في جانبي الفعل والترك , كانت محكومة بالاجوا الـسـياسية السائدة آنذاك , وقد نشات من جرا ذلك التزامات عامة ,وتروك عامة , نتيجة لمماشاة الـعـوام مـع راي الـسلطات الارهابية في تلك العصور , ممايفرض الحاجة الى دراسة خلفيات تلك الممارسات الصادرة من السلف , والاطلاع على دوافع نشوئها , وعدم التعامل معها كمصدر تشريعي ثابت , لا يقبل الجدل والنقاش .
فـافعال السلف قد تنشا من حالة الخوف والسطوة المشار اليها آنفا , وقد تنشا من حالة التسامح وعدم الاكـتراث بامور الشريعة , وقد تنشا من فهم خاطئ وتاويلات غيردقيقة للنصوص الشرعية الى غير ذلك من الدواعي والمسببات .
ونـحن على يقين من ان اصحاب الراي القائل بوجوب اتباع السلف , لا يمتلكون اية ضابطة تحدد لهم هـويـة هؤلا السلف المتبعون الذين قد تم اعطاؤهم هذا الحجم الخطير من الثقة والتعويل في امور الشريعة المقدسة , فمن هم هؤلا السلف ؟ وما هي هويتهم مع هذه الكثرة الغفيرة في فرق المسلمين وطبقاتهم ؟ وكيف يمكن لشخص ان ينتظم في سلك هؤلا , ويكون فردا منهم ؟ وما هي الوسيلة التي تضمن الاطلاع على استقصا السلف في مطلب معين , والحصول على جميع آرائهم فيه ؟.
ان مـن الـغريب حقا ان ( ابن تيمية ) الذي طالعنا له النصوص المتقدمة في اعتماده على فعل السلف بـشـكل معلن , وهو ممن اشتهر في تعصبه لهذا المبنى في مختلف استدلالاته واحكامه , نراه ينظر لعدم جواز التعويل على اجماع الامة واقرارها بالقول :
(( فـكـيـف يـعـتمد المؤمن العالم على عادات اكثر من اعتادها عامة , او من قيدته العامة , او قوم مـتـرئسـون بالجهالة , لم يرسخوا في العلم , ولا يعدون من اولي الامر , ولايصلحون للشورى , ولعلهم لم يتم ايمانهم باللّه وبرسوله , او قد دخل معهم فيها بحكم العادة قوم من اهل الفضل من غير رويـة , او لـشـبـهـة احسن احوالهم فيها ان يكونوا فيهابمنزلة المجتهدين من الائمة والصديقين )) ((549)) .
فـاذا كـان اهـل الفضل يدخلون في العادات السائدة لدى عوام الناس , من غيرروية , او عن طريق الـشـبـهـات الطارئة , او يكونوا في احسن احوالهم من المجتهدين , فاين هذا من القول بحجية فعل السلف ؟ وكيف يمكن التعويل على مثل هذه التناقضات والتهافتات المطردة ؟.
وعـلى اية حال فنحن على الاعتقاد الراسخ بان مصدر التشريع الاساسي الذي يمتلك الكلمة الفاصلة بـشـان الـتشريع , والذي تستقى من خلاله احكام الدين الحقيقية ,يجب ان يكون مصونا عن الخطا , ومحفوظا من ادنى ما يمكن تصوره من حالات التفاوت , والاختلاف , والاشتباه , ويستحيل عقليا ان يقع في التناقض , او يبنى على اساس الاجتهاد , وان اي مصدر تشريعي مفترض آخر لا بد ان ينتهي الـى هـذاالـمـصـدر المعصوم , ويستمد شرعيته من هذا الطريق , وان الذي يحدد ذلك هو كلام اللّه الـمـنـزل عـلـى رسـولـه (ص ) , باعتباره المصدر الاساسي الاول للتشريع , والمتفق عليه بين المسلمين جميعا , وقد تقدم معنا في بداية هذا البحث ان النص القطعي في الكتاب الكريم قائم على وجـوب اتـبـاع الرسول الاكرم (ص ) , واهل بيته الطاهرين (ع ) , وقد ثبتت طهارة وعصمة اهل الـبـيـت (ع ) بنص قوله تعالى : ( انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا ) ((550)) .
وثبت ايضا عن الرسول الاكرم (ص ) في ( حديث الثقلين ) المتواتر والمروي من طرق الفريقين ان اهـل بـيـتـه (ع ) سيواكبون الرسالة الاسلامية الى آخر لحظات الحياة ,وانهم (ع ) الثقل الذي لن يفترق عن الكتاب الكريم حتى يردا الحوض .

ومـا دام كـلامـنـا يـتجه نحو الامور المرتبطة باعراف الناس وتقاليدهم المتغيرة على مر الازمان والـعـصـور , وان مـثـل هـذه الامور لا ترتبط بالابتداع , وانما هي متروكة لانتخاب الانسان , واخـتـياره الخاص , ما دام لا ينسبها الى الشرع , وما دامت لا تخضع لعنوان تحريمي خاص فان من الـمـنـاسب ان نلوي عنان الحديث لخصوص هذه النقطة ,ونتحدث عن فعل السلف وما يدعى له من حـجـيـة فـي مـثل هذه الامور , لا سيما اذا اخذنابنظر الاعتبار ان اكثر الموارد التي نسب اليها الابـتداع قد نظر اليها من زاوية شكلياتهاالعرفية المتفاوتة بين المجتمعات , وادعي عدم وجودها فـي حـيـاة الـسـلـف ـ عـلى الرغم من اننا لا نقيم لهذا الدليل وزنا ـ من باب عدم وجودها الشكلي والتقليدي الذي صارت اليه في الازمنة المتاخرة كما سنرى .
فالذي تهمنا الاشارة اليه في المقام هو ان من غير الممكن لنا قبول التحجم في اطارالامور العرفية العامة التي لا ترتبط بالدين , ولا تمس اصول التشريع ومبانيه في نطاق فعل السلف , ولا نتعقل بشكل مطلق امكانيه الجمود على ما كان سائدا في عصرالتشريع الاول ـ او في اي عصر مفترض آخر ـ مـن عـادات واعـراف وتقاليد , والبقا في نطاقها الموروث في مختلف الازمنة التي يمر بها الانسان المسلم , مهما كانت الذرائع والحج ,ومهما تكلف لذلك من ادعاات وبراهين .
فـالـدين الاسلامي هو الدين هو الدين السماوي الشامل لجميع الامم والقوميات البشرية , ولا يمكن لتعاليمه الخالدة ان تتحجم ضمن عادات واعراف خاصة , او تنحصرفي نطاق جو تقليدي معين , بل هـو فوق كل هذه الاعراف المتفاوتة , والتقاليد المتغيرة ,لانه يعالج واقعا ثابتا في صميم الانسان , ويـطـرح انـظمة وقوانين عامة تتكفل هداية البشركافة الى سبيل السعادة والنجاة , فلا يمكن ان تـتـبدل قيمة ومبادئه بتبدل المكان , او بحركة الزمان , او بتطور العلوم , وارتقا المعارف والفنون بشكل مطلق .
ومـن المتفق عليه ان العقل البشري يقضي باختلاف الاعراف , والعادات ,والتقاليد , لنفس المجتمع الـواحد , خلال فترات متعاقبة , فكيف بالمجتمعات المتضاربة في اعرافها , والمتفاوتة في عاداتها وتقاليدها الخاصة .
ولا يـعـنـي كلامنا هذا ان الدين الاسلامي لا يقيم اية موضوعية للاعراف الاجتماعية في احكامه الـشرعية , ولا يعتد بشي منها ما دامت محكومة بالاختلاف والتغير المستمر , وانما نعني عبر هذه الاشارة العاجلة ان الحكم الاسلامي لا يتحجم ضمن زمن خاص , وينطبق في دائرة تقليدية معينة , ولا يقف حائلا دون حركة الحياة ,وتقدمها بالانسان , او يامر الاعراف بالمراوحة عند واقع زمني محدد , وهو عصر نزول الوحي , وانبثاق فجر التشريع .
وبعبارة اخرى ان العرف الانساني العام بما يحمل من ابعاد التغير , والتطور ,والاختلاف , يعد امرا مـلحوظا من قبل الشريعة , ومنظورا اليه من خلال زوايا متعددة في التشريع , واما العرف الخاص بـمـجتمع معين , او قومية محددة , فلا يمتلك موضوعية خاصة به في التشريع الاسلامي , الا من خلال كونه داخلا تحت عنوان العرف الانساني العام الذي اشرنا اليه .
فـالـعـرف الانساني العام اذن موضع لاهتمام الشريعة الاسلامية واحترامها , ولذانرى ان الشريعة باحكامها المتنوعة , لا تكاد تتجاهل موقع العرف في حياة الانسان ,وتغض النظر عنه بشكل مطلق , وتـغـمـض عـن المداخلات التي يتفاعل فيها مع التشريع ,بل نرى انها تدخله فيصلا في كثير من الـمـجـالات الـشرعية , وتامر بالرجوع والاحتكام اليه , ضمن حدود وشرائط خاصة , لا يمكن الاستطراد بذكرها هنا.
وعـلى نحو العموم فان التشريع الاسلامي يشق مساره في الحياة , مهما تنوعت الاعراف , وتغيرت النواميس والتقاليد , ولا يامر بالتوقف عند نقطة معينة , على طول هذا الخط الانساني المديد.
واذا مـا حاول البعض ان يتشبث بعدم فعل السلف لمثل هذه الامور المتغيرة ,والعادات المتفاوتة بين الناس , ويجعل عدم فعل السلف لها ذريعة الى رمي العمل بالابتداع , فان هذا البعض قد ارتكب جناية لا تغتفر بحق التشريع الاسلامي , لانه حكم ضمنا على تعاليم السما بالقصور , والتخلف , والانكفا.
وفي الحقيقة ان القول بحجية فعل السلف في امور العادات , والاعراف , والتقاليد ,يصل الى حد من الشناعة التي لا تستحق منا الاستفاضة في اطالة الاجابة والرد عليه .
وكـيف يمكن ان يكون في ترك السلف لعمل عرفي معين دلالة على عدم جوازالاتيان بذلك العمل من قبل الاخرين ؟ وما هو المسوغ لالصاق مفهوم الابتداع بمثل هذاالنمط من الافعال المحكومة بالتغير والتبدل على مر الازمنة والعصور ؟.
فـصـحـيـح ان الامـور الـعبادية , والاحكام التشريعية الاخرى لا يمكن ان تقتطع عن الممارسات الاجـتـمـاعـيـة والـعرفية التي يزاولها الانسان في حياته , ولا يصح ان تلغى تلك العادات والاجوا الـمتغيرة التي تحف بالامور الشرعية , والتي تختلف عادة باختلاف طبائع الناس واساليبهم الحياتية المتنوعة من جهة , وتتغير تبعا لتصاعد الزمن من جهة اخرى , ولكن هذا لا يعني عدم امكانية النظر الى الامور العبادية , والاحكام التشريعية التوقيفية الاخرى , بمعزل عن هذه التغيرات , وتحصينها مـن التعديل والتبديل , وايجاد الاغطية الشرعية الكافية لحمايتها من ظاهرة ( الابتداع ) , بل نجد ان هـذه الـتـعـاليم المقدسة تحتفظ بجميع خصائصها ومميزاتها واهدافها التربوية في كل الازمنة ,ولـمـخـتلف القوميات والاقليات البشرية , ولا يمكن ان يطرا عليها التغير , باعتبار انهاتنطلق من واقـع فـطـرة الانسان , وتنسجم م ع توجهاته الفطرية الثابتة في كل مراحله وعصوره , على حد سوا.
فنحن نجد ان هناك فرقا كبيرا وشاسعا بين من يسافر الى الحج على ظهر الدابة ,ومن يسافر لادا هذه الفريضة على متن الطائرة , وبين من يصلي على الارض اوعلى بساط من الخوص , ومن يصلي وتحت قدميه سجادة فاخرة , وبين من يقرا القرآن على الالواح والاكتاف والجلود , ومن يقراه على الاوراق الـصـقـيلة وبالحرف الجميل الواضح , وبين من يتعبد في المساجد في الحر القائض وهو يـروح عـلى وجهه وجسده بثيابه , ومن يتعرض خلال ذلك لنسيم مكيفات التبريد , وبين من يطلق صـوتـه عـلـى الـمـنـبـربـاقصى ما يمتلكه من طاقة ووسع ليسمع البعيد من الحاضرين المواعظ والـخـطـب الاسـلامـية , وبين من يستعين بمكبرات الصوت الحديثة من دون تكلف او عنا , وبين من يجري صفقة بيع كبيرة مع تاجر يبعد عنه آلاف الاميال من خلال سفره او سفر وكيله بمشقة اليه لايقاع صيغة العقد , ومن يجري نظير هذه الصفقة خلال مكالمة هاتفية قصيرة .
ان روح الاحـكـام الشرعية وحقائقها لا يطرا عليها التغير والتبديل , على الرغم من تنوع مظاهر الحياة , واختلاف العادات , والاعراف , والوسائل , التي تكتنفها ,وتحف بها.
والـشـريـعة الاسلامية قد خصت ظاهرة ( الابتداع ) بجوهر الاحكام الشرعية وحقائقها , دون الامـور الخارجة عنها , وغير المرتبطة بها , والتي لا يعقل ان تكون ثابتة على طول خط التشريع الذي يواكب الحياة الانسانية حتى اللحظات الاخيرة .
فـاذا مـا حدثت زيادة او نقيصة في ذات الامر الشرعي المعين كالصلاة مثلا , فان هذا الامر يكون داخلا ضمن معنى الابتداع , لانه ادخال لامر ليس من الدين فيه , وامااذا ما تغيرت ظروف الانسان , واعرافه الخاصة , بما لا يؤثر على حدود الصلاة ,وواجباتها , وحقيقتها , ولم يكن مندرجا تحت امـر مـحظور , ولم يكن منهيا عنه من قبل الشريعة , فهو ما لا يقبل الوصف بالابتداع , ويخرج عن موارد ( البدعة ) من الاساس .
ان هـناك امورا شرعية كثيرة كان يمارسها الناس في العصور المتقدمة باسلوبهم الحياتي المالوف , وكانت موجودة بشكلها الاولي الذي ينسجم مع طبيعة المرحلة القائمة آنذاك , وظروفها واجوائها الـخـاصـة , الا ان المسلم اليوم يمارس نفس ما كان يمارسه السابقون باسلوب آخر , حسب اجوائه الـحـيـاتـيـة الـجـديـدة , وهو مع ذلك يتهم بالابتداع ,ويخرج من الدين , لمجرد تغير الاساليب والاعراف .
ان اغـلـب الامـور الـشـرعـيـة الحادثة التي يمارسها الانسان المسلم في مراحله المختلفة تتصف بخاصيتين :
الخاصية الاولى : هو ما نستطيع ان نطلق عليه ( الجانب الشرعي للامرالحادث ) , وهو عبارة عن اصل الممارسة المشروعة , والمبتنية على الادلة الثابتة في التشريع .
الـخاصية الثانية : هو ما نستيطع ان نطلق عليه ( الجانب العرفي للامر الحادث ) ,وهو عبارة عن شـكـلـيـة الـمـمارسة المشروعة , واسلوب وقوعها , الذي يختلف حسب تطور الزمن , وطبيعة الاعراف , والتقاليد السائدة في المجتمع , من دون ان يؤثر على اصل مشروعيتها , وارتباطها بالدين .
ومسلمو اليوم يعملون الكثير من الامور المشروعة من جهة جانبها الشرعي الثابت والمتسالم عليه , الا ان تجسيدهم لها قد اخذ طابعا حياتيا جديدا , فاذا حصل هناك تغيير عما كان عليه المسلمون في الـسـابق , فهو انما ينحصر في الجانب العرفي للامرالحادث , لا في الجانب الشرعي منه , وتغير الجانب العرفي امر تتطلبه ضرورة الحياة ,وتقتضيه ضغوطات الواقع , ومستجداته الملحة .
فقضية اقامة الاحتفال في المولد النبوي , والذكريات الاسلامية مثلا , تجد قواسمهاالمشتركة في جـمـيع الازمنة والعصور التي يمر بها المسلمون , كما وتجد دوافعها الشرعية الثابتة التي لا تقبل الـترديد , فاحترام شخصية الرسول الاكرم (ص ) , والاهتمام بالمقدسات الاسلامية , والذكريات الـفاصلة في تاريخ الاسلام , امور مقطوعة الثبوت عند الجميع في جوانبها الشرعية الثابتة , وهي مـوارد اعـتـزاز واهتمام جميع المسلمين , الا ان تجسيدها ,والتعبير عنها واقعيا , يختلف حسب اساليب الناس المتنوعة , واعرافهم المتفاوتة .
وبـكـلـمـة اخـرى نستطيع القول بان عدم ثبوت الامر الحادث في حياة السلف من جوانبه العرفية الـمـتغيرة باطراد , لا يعني عدم ثبوته من جوانبه الشرعية , هذا كله بفرض التسليم للراي القائل بحجية فعل السف جدلا.
وقد بينا فيما سبق باننا لا نقبل القول بحجية فعل السلف المدعاة , لا على مستوى الامور الشرعية , ولا على مستوى الامور العرفية , ونعتقد بانه قداتخذ ذريعة لتبرير رمي المسلمين بالابتداع .
.

752
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:
لینک کوتاه

آخر المقالات

العُجب رؤية قرآنية ـ القسم الثاني
حقیقة العبادة ومقوماتها
حديث المنزلة الأسانيد . . والشبهات
النُبوّةُ الخاصَّة
روايات ( يقال ) تتحول الى راي يتبناه العلما
إثبات الأشاعرة لرؤيته تعالى في الآخرة
من هم آكلة لحم الخنزير وما هو مصيرهم في الكتاب ...
المناظرة الحادية عشر/سماحة الشيخ مصطفى الطائي
القدرة الإِلهية المطلقة
الجبر و التفويض و الأمر بين الأمرين.2

 
user comment