عربي
Sunday 17th of October 2021
502
0
نفر 0
0% این مطلب را پسندیده اند

الكوفة بنظر الحسين

الكوفة بنظر الحسين

 

شاعت مبايعة العراق للحسين (عليه السلام) بالإمامة ففرح أولياءه وأهل الحرمين وتفاؤلوا من ذلك بعود الحق إلى أهله، عسى أن تموت البدع وتحيا السنن. لكن خاصة الحسين ـ بعد الاطلاع على سفرمسلم إلى العراق ـ كانوا بين محبذ ومخطّىء ويمثل الأخير عبد الله بن عباس فجاء إلى الحسين (عليه السلام) يحذّره من الرواح إلى العراق ويذكّره بخذلانهم أخاه وعصيانهم أباه في حين أنّهم لم يكونوا يحلمون بإمام كأبي الحسن (عليه السلام) أشرف الناس، وأذكاهم، وأفصحهم وأسخاهم، وأعلمهم، وأتقاهم يلبس الخشن ويكسوهم حلله، ويبيت طاوياً وينفق عليهم مأكله، ويكد من سعي وسقي، وتصدق على الفقراء. وإذا شنّت علهيم الغارات فهو في مقدمة المدافعين عنهم، يخوض بنفسه حومة الوغى حتى يهزم الجمع ويولون الدبر. فأي إمام يكون لهم كعلي وكيف كافئووه وأهله في حياته وبعد وفاته؟!

نعم; ابن عباس كان حبر الأُمّة وولي الأئمة، ربّاه أميرالمؤمنين (عليه السلام) وعلّمه وأسرّ إليه من صفوة معارفه، وكان راجح العقل والفضل والخلق، وكان من أعز أقرانه على الحسين، فإنّ علياً قام في سنوات اعتزاله الخلافة بتربية غلمة في المدينة من أُسرته وأحبّته.

لكن الإمام لم يأخذ برأي محذّر إذ كان يحسب نفسه فيواد والمحذّر في واد.


الصفحة 92


فحسين الفتوّة ـ ونفس أبيه بين جنبيه ـ لا يسعه إلاّ أن يلبّي المستغيث به ولا يطيق الصبر على محق الدين وسحق الموحّدين ولو ذاق في جهاده الأمرّين.

إنّ غاية ما كان يراه (عليه السلام) في تحذير المحذّرين أنّ العراق لا يفي بوعده ولا يقوم على عهده، فهب أنّ ذلك كذلك فما ضرّ الإمام أن يتم الحجّة عليهم قبل أن يتموا الحجّة عليه، فإن ظفر بمطلبه من إبادة الظالمين فبها ونعمت وإلاّ سار عنهم إلى الثغور القاصية حتى يفتح الله عليه بالحق وهو خير الفاتحين، أو يأتيه الموت فيلاقي ربّه غير خاضع لأعدائه.

أمّا رحل الحسين (عليه السلام) وفتيته فكانوا كلّما ذكروا العراق تجلّت لديهم ذكرياته الحسنى، وتذكّروا حنانه نحو الغريب وطلاوة الحديث الجذاب والعواطف الرقيقة، وذكروا عذوبة مائة وطيب هوائه علاوة على ذكر من لقوه بالكوفه ممن تبودلت بينه وبينهم الحقوق والنعم والعواطف الحسنات.

فكانت هذه والتي سبقت خواطر مهمة أدّت إلى المسير نحو العراق وقبول ما استدعاه وكيله الأمين مسلم في كتابه، غير أن الجميع واثقون من أن الرحيل إلى العراق لو كان; فإنّما يكون بعد فريضة الحج وبعد الأضحى.

 


الصفحة 93


خروج الحسين من مكة

 

كان الحسين (عليه السلام) أوسع علماً وأقوى ديناً ممن انتقدوا عليه الخروج من مكة قبل إكمال الحج مستبدلاً حجه بعمرة مفردة ليتسنّى له الخروج يوم التروية(1) ومجاوزة حدود الحرم بأقرب وقت ممكن إذ صار بين جاذب ودافع تجذبه ظاهراً أنباء حجاج العراق بأن ابن زياد تأهب للخروج من البصرة نحو الكوفة، والحسين يعرف مبلغ دهائه وريائه وقوة إقدامه وجسارته، وأنّه إذا سبق الحسين (عليه السلام) إلى الكوفة قلب القلوب وقطع عليه الدروب واستعمل لخذلان مسلم كل وسيلة وحيلة، وأنّ مسلماً بنفسيته الحربية قد تخفى عليه الحركات السياسية فلا ينجح مع ذلك الشيطان وهو رجل المروءة والإيمان. فخرج إلى الكوفة مسرعاً انقاذاً لمسلم وللمسلمين.

وأما دفاعه عن الحرم فعلمه بالمكايد المدبّرة من خصومه لحصره أو اغتياله في مكة من حين تفرّق الحاج منها. فيصبح إمّا مقتولاً أو مقاتلاً وفي كلا الأمرين هتك للحرم الممنوع فيه سفك الدماء، وقد بدت بوادر مناوأته من قدوم عمرو بن سعيد عامل يزيد قبل التروية بيوم، وتقدّمه الصلاة بالمسلمين، وبثّه العيون حول الحسين وحول ابن الزبير، فصلّى الإمام وطاف وسعى وحلّ الإحرام ثم خرج.

____________

1) وقصّة خروجه مذكورة في إرشاد المفيد ص198.


الصفحة 94


وبعدما عرف عمرو بن سعيد صرخ بالناس قائلاً: «اركبوا كل بعير بين السماء والأرض واطلبوا حسيناً» ولم يحتشم حرمة البلد الأمين ولا النبي الأمين.

بادر الحسين (عليه السلام) بمسيره قبل أن يبادر العدو إلى صدّه وإحصاره واغتياله، وألجأته الضرورة إلى حركة غير منتظرةوخارجة عن الحسبان، وأوجد بمسيره هذا ثورة فكرية أوجبت انتشار خبره بسرعة البرق. وحقاً أقول: إنّ الحسين (عليه السلام) مجتهد في نيّته ومستفرغ كل ما فيوسعه لنشر دعوته في كل عصر ومصر شحت وسائل النشر فيها، فكان لخروجه في غير أوانه دوي يرن صداه في الداخل والخارج والناس يتساءلون عن نبأه العظيم وعن أنّ الحسين هل حج وخرج؟ ولماذا؟ ومتى؟ وكيف؟ والى أين؟.

هذا والحسين (عليه السلام) يسير بموكبه الفخم وحوله أهله كهالة حول القمر كأنّ موكبه داعية من دعاته، فإنّ الخارج يومئذ من أرض الحج والناس متوجّهون الى الحج لابد أن يستلفت إلى نفسه الأنظار وإن كان راكباًواحداً فكيف بركب وموكب... إنّه لأمر مريب وغريب يستوقف الناظر ويستجوب كل عابر.

وهذه أيضاً عملية من شأنها شهرة أمر الإمام وانتشار خبره الهام. وممن كان قادماً إلى الحج واستجلب نظره الركب والموكب الفرزدق الشاعر قال: «حججت بأُمّي في سنة ستين فبينا أنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم إذ لقيت الحسين بن علي (عليهما السلام) خارجاً من مكة مع أسيافه وأتراسه فقلت: «لمن هذا القطار؟ قيل: «الحسين بن علي» فأتيته وسلّمت عليه وقلت له: «أعطاك الله سؤلك بأبي أنت وأُمي يا ابن رسول الله، ما أعجلك عن الحج؟» فقال: «لو لم أعجل لأخذت» ثم قال لي: «من أنت؟» قلت: «امرؤ من العرب» فلا والله ما فتشني عن أكثر من ذلك، ثم قال لي: «أخبرني عن الناس خلفك» فقلت: «من الخبير سألت، قلوب الناس معك وأسيافهم عليك والقضاء


الصفحة 95


ينزل من السماء» وسألته عن أشياء من نذور ومناسك فأخبرني بها وحرّك راحلته وقال: «السلام عليك».

وكان موكب الحسين (عليه السلام) يسير في بطون الفيافي والمفاوز وقوافل القلوب تشايعه من بعد بعيد وخفيف اللحاق من عشاقه مصمم على الالتحاق بموكبه بعد أداء فريضة الحج بأقرب ساعة، لكن الإمام يجد في مسراه والقمر دليل الركب ورفيقه ولما بلغ بطن عقبة لقيه شيخ من بني عكرمة فسأله:

«أين تريد؟» فقال الإمام: «الكوفة». فقال الشيخ: «أنشدك الله لما انصرفت، فوالله ما تقدم إلاّ على الأسنة وحدّة السيوف، وأن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ووطأوا لك الأشياء فقمت عليهم كان ذلك رأياً».

فقال له الإمام: «ليس يخفى عليّ الرأي(1) ولكن الله تعالى لا يغلب على أمره» ثم قال (عليه السلام): «والله لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلّط الله عليهم من يذلّهم حتى يكونوا أذل فرق الأمم».

____________

1) هنا حق الجواب عمن اعترض على حسين الشرف: ولماذا لم يصالح يزيد كصلح الحسن (عليه السلام) لمعاويه فينجو بنفسه وعياله من الهلكة؟

بلى جرّب آل النبي غدر بني أمية عدّة مرات ولم ينجحوا، إذ تصالح الحكمان في دومة الجندل، وغدر ابن العاص مندوب معاوبة بأبي موسى الأشعري مندوب الإمام (عليه السلام) وصالح سيدنا الحسن معاوية فغدره هذا في وعوده وعهوده وأخيراً دس إليه السم فقتله، ثم جردوا ابن عمه مسلماً من سلاحه بالأيمان والعهود وسرعان ما حنثوا ونكثوا وقتلوه. أفبعد هذا كله يثق حسين العلاء بوعود هؤلاء أو نظن في صلحهم السلامه؟ ومن جرّب المجرّب حلّت به الندامة. نعم علم الحسين (عليه السلام) أنّه مقتول إذا بايع ومقتول إذا لم يبايع. وفي حالة خطرة كهذه لا يسوّغ شرع أو عقل اختيار قتلة خسيسة على قتلة شريفة «فقتل امرىء في جانب الله أفضل» لا سيما وفي إعلانه الخلاف ظن النصرة والنجدة ومظنة إرجاع مجده وإحياء شعائر شرع جدّه (صلى الله عليه وآله).


الصفحة 96


 


الصفحة 97


ابن زياد على الكوفة

 

أمّا عبيدالله بن زياد فقد ضمّ يزيد الكوفة إليه مع البصرة فحسب ذلك ضرباً من الرفعة لا سيما وقد أُعطي سعة النفوذ والسلطة التامة العامة. فمهّد أمره في البصرة وعهد بأزمّتها إلى أخيه عثمان والى أعوانه المجرّبين خوفاً من الدعاية فيها لابن الزبير أو الحسين (عليه السلام) وتأهب إلى الكوفة ومعه شريك الحارثي من حيث لم يعلم العامة أمرهما، وسرعان ما قدمها بكل جسارة ودخلها متنكّراً ومتلثّماً وعليه عمامة سوداء يوهم الناس أنّه الحسين بن علي (عليهما السلام)(1) وصار من يصادفونه في خطط الكوفة وطرقاتها يزعمونه الحسين السبط فيسلمون عليه بالإمامة، ويحيّونه بكل كرامة، ويقبّلون يديه ورجليه، وهولا يكلّم أحداً فوق راحلته، حتى بلغ قصر الإمارة، فطرق الباب على واليها المحصور النعمان بن بشير، حتى إذا عرفه فتح الباب ودخل.

عند ذلك فشى خبره، وأنه ابن زياد فباتت تلك الليلة تغلي كالمرجل، والناس بين مثبّت ومثبّط، وابن زياد دخل البلدة وحده وعلى حين غرّة ولم ينزل إلاّ في مركز الحكم، وأخذ في قبضته المال والسلاح، ورتب في ليلته على الدوائر المهمة من لم يتجاهروا بصحبة مسلم، وأصبح مناديه يجمع الناس لخطابته في الجامع الأعظم، فرقى المنبر بكل جسارة ـ وجسارة الخطيب تعطي

____________

1) كما في الإرشاد ص185.


الصفحة 98


كلامه قوة وتأثيراً على الأوهام ـ فصار يعد ويوعد لا عن الله ورسوله، بل عن لسان أميره يزيد، فبلغهم سلامه ولكن الناس لم يردّوا السلام عليه أولاً حتى أخذ يطمع المطيع بمواعد جسام ويهدد مخالفيه بجدّ الحسام ـ والسيف مصلت بيده ـ فعند ذلك ردّ السلام عليه نفر قليل ثم أضحى مناديه بجمع الرؤساء والعرفاء إليه لأخذ المواثيق وإنجاز المواعيد وتوزيع العطايا ومعاقبة المتخلفين عقوبة صارمة، فهرع لندائه خلق كثير انقلبت القلوب وانحرفت الوجوه وتبدّلت لهجات الأندية ونشرات الشيع.

نعم! لا ينقضي العجب من خيبة الكوفة في نهضتها إلاّ بعد التدبر في أسبابها وأسرارها، إذ باغت ابن زياد الكوفيين بزي الحسين (عليه السلام) حتى استقر في دار الإمارة بين حامية مستعدة، وقد كان الواجب على أهل الكوفة بعد ما لبى الحسين دعوتهم وإرساله مسلماً وكيلاً عنه أن تجتمع أحياؤها ويتحدّث رؤساؤها فيخرجوا عامل يزيد وحاشيته، ويسلِّموا دوائرها إلى وكيل الحسين (عليه السلام)، وأن يقترحوا عليه من الأعمال المهمة ماهم أدرى به وأعرف، ومسلم لم يقدم عليهم كوال مختار أو مفوض مطلق ليستقل في أعماله وأعمالهم بالتصرف والمسؤولية. وإنما بعثه الحسين (عليه السلام) كمعتمد يشرف على أمرهم ويستطلع حقيقة خبرهم. لكن الكوفيين ـ يا للأسف ـ غروا مسلماً واغتروا، ولم يغتنموا صفاء جوهم وتواني عددهم إلى أن دهمهم ابن زياد وفرّق جمعهم بالوعد والوعيد وسكن فورتهم بالطمع والتهديد، حتى إذا سكت الضجيج من حول مسلم نفى الرجال العاملين لمعونة مسلم من بلده، وزج في السجن من وجوه الشيعة ـ أمثال المختار الثقفي، والمسيب بن نجبة، وسليمان، ورفاعة وغيرهم ـ ممن لم تؤثر عليهم التضييقات ولا اغتروا بباطل الوعد واستوظف آخرين، ثم اختفى بعد ذلك أكثر المتهوسين في زوايا البيوت.


الصفحة 99


مقتل مسلم وهانيء

 

إنّ مسلماً ـ وهو الذي بايعه أكثر من ثلاثين ألف مسلم ـ بقي وحيداً فريداً بعد القبض على الوجوه من أوليائه، فلاذ بصديقه هانىء ـ أكبر مشايخ الكوفة سناً وشأناً وبصيرة وعشيرة ـ إذ كان معمّراً فوق الثمانين وشيخ كندة أعظم أرباع الكوفة، وكان إذا صرخ لبّه ثلاثون ألف سيف، وكان هو وأبوه من أحبة علي (عليه السلام) وأنصاره في حروبه العراقية الثلاث.

فأنزل هانىء مسلماً على الرحب والسعة والحفاظ حتى يفرج الله عنه، وتظاهر هانىء بالتمارض مجاملة مع ابن زياد في عدم إجابته لدعوته، لكن ابن زياد يطمع في هانىء وسابقته معه ويرى في جذب أمثاله من المتنفذين معونة كبرى لإنفاذ مقاصده.

ويروى أن هانئاً(1) اقترح على عميد آل عقيل ومندوب الحسين (مسلم) الفتك بابن زياد غيلة وغفلة لكن مسلماً لم يجب بسوى كلمة «إنّا أهل بيت نكره الغدر».

كلمة كبيرة المغزى بعيدة المرمى، فإنّ آل علي (عليه السلام) من قوة تمسكهم بالحق

____________

1) كما في العقد الفريد ج2 ص306، ومقاتل الطالبيين وتاريخ الطبري وغيرها.


الصفحة 100


والصدق نبذوا الغدر والمكر حتى لدى الضرورة واختاروا النصر الآجل بقوة الحق على النصر العاجل بالخديعة، شنشنة فيهم معروفة عن أسلافهم وموروثةً في أخلافهم كأنّهم مخلوقون لإقامة حكومة الحق والفضيلة في قلوب العرفاء الأصفياء، وقد حفظ التاريخ لهم الكراسي في القلوب.

وبالجملة، فقد دبّر ابن مرجانة حيلة الفتك بهانىء فأحضره لديه بحجة مداولة الرأي معه في الشؤون الداخلية. غير أنّ هانئاً عندما حضر لديه غدر به ابن زياد، وشتم عرضه، وهشم أنفه، وقطع رأسه.

وكان لهذه الحادثة دوي في الرؤوس وفي النفوس، واستولت بذلك دهشةً على الجمهور أدت إلى تفرّق الناس من حول مسلم، فأمسى وحيداً حائراً بنفسه ومبيته، وأشرف في طريقه على امرأة صالحة في كندة ـ تسمّى طوعة، هي أم ولد حازت شرف التاريخ، إذ عرفت قيمة الفضيلة، بينما قومها ضيّعوا هذا الشرف الخالد وغرّتهم المطامع ـ جالسة على باب دارها فاستسقاها ماء فجاءته به وشرب ثم وقف يطيل النظر إلى مبدء الشارع تاره والى منفذه أخرى ـ كأنّه يتوقف من يتطلبه ـ فتوسمت المرأة فيه غربته وسألته فقال: «نعم أنا مسلم بن عقيل، خذلني هؤلاء» فاستعظمت طوعة ذلك ودعته إلى بيتها لتخفيه حتى الصباح، وفرشت له في بيتها وعرضت عليه العشاء فلم يأكل، ولم يكن بأسرع من أن جاء ابنها وقد كان مع الغوغاء، فأوهمه تردد أُمّه إلى البيت وقال لأُمّه: «والله ليريبني كثرة دخولك هذا البيت» ثم ألحّ عليها فأخذت عليه العهود كي لا يفشي سرّها وسرّ مندوب الحسين (عليه السلام) وأخبرته بالأمر بعد الأيمان، ثم إنّ الغلام غدا عند الصباح إلى ابن الأشعث وأفشى له سرّ مسلم ومبيته، فأبلغ بذلك ابن زياد فأرسل الجموع للقبض عليه.


الصفحة 101


بلى! إنّ أبطال صادقين كبني هاشم إن تأخّروا في ميدان السياسة والخداع فلهم قصب السبق في ميادين العلم والدين والجود والشرف ومقارعة الكتائب.

وكان ندب بني هاشم يتلو القرآن دبر صلاته إذ سمع وقع حوافر الخيل وهمهمة الفرسان، فأوحت إليه نفسه بدنو الأجل، فبرز ليث بني عقيل من عرينه مستقبلاً باب الدار والعسكر ـ وعليهم محمّد بن الأشعث ـ وانتهى أمر المتقابلين إلى النزال ونزيل الكوفة راجل وهم فرسان، لكن فحل بني عقيل شدّ عليهم شدّ الضرغام على الأنعام وهم يولّونه الأدبار، ويستنجدون بالحاميات، وقذائف النارترمى عليه من السطوح.

اضطر ابن الأشعث إلى وعده مسلماً بالأمان إذا ألقى سلاحه فقال: «لا أمان لكم» وبعدما كرروا عليه رأي التسليم فريضة محافظة للنفس وحقناً للدماء فسلّم إليهم نفسه وسلاحه ثم استولوا عليه فعرف أنّه مخدوع فندم ولات وحين مندم.

ولما أدخلوه على ابن زياد لم يسلّم عليه بالإمرة فقال له الحرس: «ألا تسلّم على الأمير؟». فقال: «إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه؟!» فقال له ابن زياد: «لعمري لتقتلن». قال: «فدعني أُوصي بعض قومي». قال: «افعل».

فنظر مسلم إلى جلساء عبيد الله وفيهم عمر بن سعد بن أبي وقاص فقال: «يا عمر إنّ بيني وبينك قرابة ولي إليك حاجة وهي سر» فامتنع من أن يسمع منه. فقال له عبيد الله: «لم تمتنع أن تنظر في حاجة ابن عمّك» فقام معه فجلس حيث ينظر إليهما ابن زياد فقال له: «إن عليّ بالكوفة ديناً استدنته منذ قدمت الكوفة وهي سبعمائة درهم، فبع سيفي ودرعي فاقضها عني، وإذا قتلت فاستهب جثتي من ابن زياد فوارها، وابعث إلى الحسين (عليه السلام) من يردّه، فإني قد كتبت إليه وأعلمته أنّ الناس معه، ولا أراه إلاّ مقبلاً، ومعه تسعون إنساناً بين رجل وامرأة وطفل».


الصفحة 102


فقال عمر لابن زياد: «أتدري أيها الأمير ما قال لي؟» فقال له ابن زياد: «أكتم على ابن عمّك». قال: «هو أعظم من ذلك، إنّه ذكر كذا وكذا». فقال له ابن زياد: «إنّه لا يخونك الأمين ولكن قد يؤتمن الخائن. أما ماله فهو له ولسنا نمنعك أن تصنع به ما أحببت، وأما جثته فإنّا لا نبالي إذا قتلناه ما صنع بها، وأمّا الحسين فإن هو لم يردنا لم نرده» ثم قال لعمر بن سعد: «أما والله إذ دلل عليه لا يقاتله أحد غيرك».

ثم أقبل ابن زياد على مسلم يشتمه ويشتم الحسين وعلياًوعقيلاً ومسلم لا يكلّمه، ثم قال ابن زياد: «اصعدوا به فوق القصر واضربوا عنقه ثم اتبعوه جسده» فصعدوا به وهو يكبّر ويستغفر الله ويصلّي على رسوله ويقول: «اللهم احكم بيننا وبين قوم غرّونا وكذّبونا» فضربت عنقه واتبع جسده.

كان مقتل مسلم يوم الأربعاء لتسع مضين من ذي الحجّة ـ يوم عرفة ـ سنة ستين من الهجرة وقد كان خروجه في الكوفة يوم الثلاثاء ثامن ذي الحجّة ـ يوم التروية ـ وهو اليوم الذي قتل فيه هانيء ويوم خرج فيه الحسين (عليه السلام) من مكة يقصد الكوفة ملبياً دعوتها.

أجل! قتل مسلم وقتل به أمل كل مسلم وأسقطوا بجسمه من على القصر ـ سقوط الجسم لا سقوط الاسم.

هذا، وعيون الناس ترى هانئاً في السوق وابن عقيل، وما جثّة الرجلين بذلك النظر الفضيع إلاّ آيه انحراف الحزب السفياني عن سنن الدين، وموعظة موقظة للغافلين، وفي ذلك عبرة لمن يعتبر، وفي كوفة الخذلان ما أكثر العبر وأقل المعتبر.


الصفحة 103


502
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

الاخلاص
ثمرات الصلاة علی النبي (ص) وآله (ع)
التطبير و الحكم الشرعي
فاطمة الزهراء (عليها السلام) السرّ المستودع
حجّ الإمام محمّد الباقر(عليه السلام)
فکر الزهراء عليها السلام
أنواع التجلي الاِلَهي
الثقافة واللغة
موسسا ت الشیعه - ایطالیا
بماذا تثبت الإمامة أو الخلافة للأشخاص؟

 
user comment